«إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ» وهم الملائكة المقربون «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» يقول : يذلون ويخضعون له «وَيُسَبِّحُونَهُ» أي ينزهونه عن الصفات التي لا تليق به وهي التي تقربوا بها إليه من الذل والخضوع وصدقهم اللّه في هذه الآية في قولهم : (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فأخبر اللّه عنهم بما أخبروه عن نفوسهم «وَلَهُ يَسْجُدُونَ» وصفهم بالسجود له عزّ وجل مع هذه الأحوال المذكورة ، وهنا يسجد التالي للقرآن في هذه السجدة اقتداء بسجود الملأ الأعلى وبهديهم ، قال اللّه تعالى لما ذكر النبيين عليهم السلام لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وذكر أنه تعالى آتاهم الكتاب والحكمة والنبوة قال له : (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) وهم بشر مثله ، فما ظنك بالملائكة الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وأي هدي
أعظم مما هدى اللّه تعالى به الملائكة ، فمن سجد فيها ولم يحصل له نفحة مما حصل للملائكة في سجودها من حيث ملكيته الخاصة به فما سجدها ، وهكذا في كل سجدة ترد .
وقوله : ( ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ) أي : نزع يده : أخرجها من درعه بعد ما أدخلها فيه فخرجت بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض ، كما قال تعالى : ( وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ) [ النمل : 12 ]
وقال ابن عباس في حديث الفتون : [ أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء ] ( من غير سوء ) يعني : من غير برص ، ثم أعادها إلى كمه ، فعادت إلى لونها الأول . وكذا قال مجاهد وغير واحد .
قوله تعالى: {فألقى عصاه} يستعمل في الأجسام والمعاني. وقد تقدم. والثعبان : الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. {مبين} أي حية لا لبس فيها. {ونزع يده} أي أخرجها وأظهرها. قيل : من جيبه أو من جناحه؛ كما في التنزيل {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} [النمل : 12] أي من غير برص. وكان موسى أسمر شديد السمرة، ثم أعاد يده إلى جيبه فعادت إلى لونها الأول. قال ابن عباس : كان ليده نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض. وقيل : كانت تخرج يده بيضاء كالثلج تلوح، فإذا ردها عادت إلى مثل سائر بدنه. ومعنى {عليم} أي بالسحر. {من أرضكم} أي من ملككم معاشر القبط، بتقديمه بني إسرائيل عليكم. {فماذا تأمرون} أي قال فرعون : فماذا تأمرون. وقيل : هو من قول الملأ؛ أي قالوا لفرعون وحده : فماذا تأمرون. كما يخاطب الجبارون والرؤساء : ما ترون في كذا. ويجوز أن يكون قالوا له ولأصحابه. و{ما} في موضع رفع، على أن {ذا} بمعنى الذي. وفي موضع نصب، على أن {ما} و{ذا} شيء واحد. قوله تعالى: {قالوا أرجه} قرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي بغير حمزة؛ إلا أن ورشا والكسائي أشبعا كسرة الهاء. وقرأ أبو عمرو بهمزة ساكنة والهاء مضمومة. وهما لغتان؛ يقال : أرجأته وأرجيته، أي أخرته. وكذلك قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام؛ إلا أنهم أشبعوا ضمة الهاء. وقرأ سائر أهل الكوفة {أرجه} بإسكان الهاء. قال الفراء : هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، وكذا هذه طلحة قد أقبلت. وأنكر البصريون هذا. قال قتادة : : معنى {أرجه} احبسه. وقال ابن عباس : أخره. وقيل {أرجه} مأخوذ من رجا يرجو؛ أي أطمعه ودعه يرجو؛ حكاه النحاس عن محمد بن يزيد. وكسر الهاء على الإتباع. ويجوز ضمها على الأصل. وإسكانها لحن لا يجوز إلا في شذوذ من الشعر. {وأخاه} عطف على الهاء. {حاشرين} نصب على الحال. {يأتوك} جزم؛ لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون. قرأ أهل الكوفة إلا عاصما {بكل سحار} وقرأ سائر الناس {ساحر} وهما متقاربان؛ إلا أن فعالا أشد مبالغة.
وَنـزعَ يَدَهُ من جيبه فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
( ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ) فأدخل يده في جيبه ثم نزعها ، وقيل : أخرجها من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس ، وكان موسى آدم ، ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت .