اعلم أن جميع هذا القصص إنما هو قناطر وجسور موضوعة نعبر عليها إلى ذواتنا وأحوالنا المختصة بنا ، فإن فيها منفعتنا ، إذ كان اللّه نصبها لنا معبرا ، لذلك قال تعالى «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ» فإن اللب يحجب بصورة القشر ، فلا يعلم اللب إلا من علم أن ثم لبا ، ولولا ذلك ما كسر القشر ، فيكون هذا القصص يذكرك بما فيك «ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .
(13) سورة الرّعد مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
------------
(111) كتاب الإسفار عن نتائج الأسفار - الفتوحات ج 3 / 471 - كتاب الإسفار
وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه : ( قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف ) أي : لا تفارق تذكر يوسف ، ( حتى تكون حرضا ) أي : ضعيف الجسم ، ضعيف القوة ، ( أو تكون من الهالكين ) يقولون : وإن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف .
قوله تعالى {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف} أي قال له ولده {تالله تفتأ تذكر يوسف} قال الكسائي : فتأتُ وفتِئت أفعل ذلك أي ما زلت. وزعم الفراء أن [لا] مضمرة؛ أي لا تفتأ، وأنشد : فقلت يمين الله أبرح قاعدا ** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي لا أبرح؛ قال النحاس : والذي قال حسن صحيح. وزعم الخليل وسيبويه أن [لا] تضمر في القسم، لأنه ليس فيه إشكال؛ ولو كان واجبا لكان باللام والنون؛ وإنما قالوا له لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك؛ يقال : ما زال يفعل كذا، وما فتئ وفتأ فهما لغتان، ولا يستعملان إلا مع الجحد قال الشاعر : فما فتئت حتى كأن غبارها ** سرادق يوم ذي رياح ترفَّع أي ما برحت فتفتأ تبرح. وقال ابن عباس : تزال. {حتى تكون حرضا} أي تالفا. وقال ابن عباس ومجاهد : دنفا من المرض، وهو ما دون الموت؛ قال الشاعر : سرى همي فأمرضني ** وقِدما زادني مرضا كذا الحب قبل اليو ** م مما يورث الحرضا وقال قتادة : هرما. الضحاك : باليا دائرا. محمد بن إسحاق : فاسدا لا عقل لك. الفراء : الحارض الفاسد الجسم والعقل؛ وكذا الحرض. ابن زيد : الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر. الربيع بن أنس : يابس الجلد على العظم. المؤرج : ذائبا من الهم. وقال الأخفش : ذاهبا. ابن الأنباري : هالكا، وكلها متقاربة. وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، عن أبي عبيدة وغيره؛ وقال العرجي : إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ** حتى بليت وحتى شفني السَّقم قال النحاس : يقال حرض حرضا وحرض حروضا وحروضة إذا بلي وسقم، ورجل حارض وحرض؛ إلا أن حرضا لا يثني ولا يجمع، ومثله قمن وحري لا يثنيان ولا يجمعان. الثعلبي : ومن العرب من يقول حارض للمذكر، والمؤنثة حارضة؛ فإذا وصف بهذا اللفظ ثنى وجمع وأنث. ويقال : حرض يحرض حراضة فهو حريض وحرض. ويقال : رجل محرض، وينشد : طلبته الخيل يوما كاملا ** ولو الفته لأضحى محرضا وقال امرؤ القيس : أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ** كإحراض بكر في الديار مريض قال النحاس : وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق. وقرأ أنس {حُرْضا} بضم الحاء وسكون الراء، أي مثل عود الأشنان. وقرأ الحسن بضم الحاء والراء. قال الجوهري : الحَرَض والحُرُض الأشنان. {أو تكون من الهالكين} أي الميتين، وهو قول الجميع؛ وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه، وإن كانوا السبب في ذلك. قوله تعالى {قال إنما أشكو بثي} حقيقة البث في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها؛ وهو من بثثته أي فرقته، فسميت المصيبة بثا مجازا، قال ذو الرمة : وقفت على ربع لمية ناقتي ** فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه ** تكلمني أحجاره وملاعبه وقال ابن عباس {بثي} همي. الحسن : حاجتي. وقيل : أشد الحزن، وحقيقة ما ذكرناه. {وحزني إلى الله} معطوف عليه، أعاده بغير لفظه. {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سأسجد له. قاله ابن عباس. إني أعلم من إحسان الله تعالى إليّ ما يوجب حسن ظني به. وقيل : قال يعقوب لملك الموت هل قبضت روح يوسف؟ قال : لا، فأكد هذا رجاءه. وقال السدي : أعلم أن يوسف حي، وذلك أنه لما أخبره ولده بسيرة الملك وعدله خلقه وقوله أحست نفس يعقوب أنه ولده فطمع، وقال : لعله يوسف. وقال : لا يكون في الأرض صديق إلا نبئ. وقيل : أعلم من إجابة دعاء المضطرين ما لا تعلمون.
فقال له أولاده متعجبين من حاله: { تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } أي: لا تزال تذكر يوسف في جميع أحوالك. { حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا } أي: فانيا لا حراك فيك ولا قدرة على الكلام.
{ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ } أي: لا تترك ذكره مع قدرتك على ذكره أبدا.
( قالوا ) يعني : أولاد يعقوب ( تالله تفتأ تذكر يوسف ) أي : لا تزال تذكر يوسف لا تفتر من حبه ، و " لا " محذوفة من قوله ( تفتأ ) يقال : ما فتئ يفعل كذا أي : ما زال ، كقول امرئ القيس :
فقلت يمين الله أبرح قائما ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي : لا أبرح . ( حتى تكون حرضا ) قال ابن عباس : دفنا وقال مجاهد : الحرض ما دون الموت ، يعني : قريبا من الموت . وقال ابن إسحاق : فاسدا لا عقل لك .
والحرض : الذي فسد جسمه وعقله . وقيل : ذائبا من الهم . ومعنى الآية : حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل .
وأصل الحرض : الفساد في الجسم والعقل من الحزن والهرم ، أو العشق ، يقال : رجل حرض وامرأة حرض ، ورجلان وامرأتان حرض ، ورجال ونساء كذلك ، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث ، لأنه مصدر وضع موضع الاسم . ( أو تكون من الهالكين ) أي : من الميتين .