قال عليّ رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ؛ فمن رجع إلى اللّه هذا الرجوع سعد ، وما أحسّ بالرجوع المحتوم الاضطراري ، فإنه ما جاءه إلا وهو هناك عند اللّه ، فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه ، أن نفسه التي هي عند اللّه يحال بينها وبين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره ، فتبقى مع الحق على حالها ، وينقلب هذا الجسد إلى أصله وهو التراب الذي منه نشأت ذاته ، فكأن دارا رحل عنها ساكنها ، فأنزله الملك في مقعد صدق عنده إلى يوم يبعثون ، ويكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال ، من كونه مع الحق لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس ، وهكذا في الحشر العام وفي الجنان التي هي مقره ومسكنه .
قوله تعالى: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} {يوم} بدل من {يوم} الأول. والمولى : الولي وهو ابن العم والناصر. أي لا يدفع ابن عم عن ابن عمه، ولا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه. {ولا هم ينصرون} أي لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته. ونظير هذه الآية {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة : 48] الآية. {إلا من رحم الله} {من} رفع على البدل من المضمر في {ينصرون}؛ كأنك قلت : لا يقوم أحد إلا فلان. أو على الابتداء والخبر مضمر؛ كأنه قال : إلا من رحم الله فمغفور له؛ أو فيغني عنه ويشفع وينصر. أو على البدل من {مولى} الأول؛ كأنه قال : لا يغني إلا من رحم الله. وهو عند الكسائي والفراء نصب على الاستثناء المنقطع؛ أي لكن من رحم الله لا ينالهم ما يحتاجون فيه إلى من يغنيهم من المخلوقين. ويجوز أن يكون استثناء متصل؛ أي لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. {إنه هو العزيز الرحيم} أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه؛ كما قال: {شديد العقاب ذي الطول}[غافر : 3] فقرن الوعد بالوعيد.
يوم لا يدفع صاحب عن صاحبه شيئًا، ولا ينصر بعضهم بعضًا، إلا مَن رحم الله من المؤمنين، فإنه قد يشفع له عند ربه بعد إذن الله له. إن الله هو العزيز في انتقامه مِن أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
{ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } فإنه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمة الله تعالى التي تسبب إليها وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى: