«فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ» يعني من القرآن ، فيما وعظهم به منهم وتوعدهم ووعدهم «تَعْجَبُونَ» تكثرون العجب ، كيف جاء به مثل هذا ؟ وما أنزل على عظمائكم كما قالوا : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) .
[سورة النجم (53) : آية 60]
وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60)
«وَتَضْحَكُونَ» أي تهزءون منه إذا أتى به ، لأنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال «وَلا تَبْكُونَ» فإن في القرآن ما يبكي من الوعيد ، وما يضحك ويتعجب فيه من الفرح باتساع رحمة اللّه ولطفه بعباده ، وفي القرآن من الوعيد والمخاوف ما يبكي بدل الدموع دما لمن دبر آياته.
يقول تعالى منكرا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى ، وجعلهم لها أنها بنات الله ، كما قال : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ) [ الزخرف : 19 ] ; ولهذا قال :
قوله تعالى {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} هم الكفار الذين قالوا الملائكة بنات الله والأصنام بنات الله. {ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} أي كتسمية الأنثى، أي يعتقدون أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله. {وما لهم به من علم} أي إنهم لم يشاهدوا خلقه الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يروه في كتاب. {إن يتبعون} أي ما يتبعون {إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} في أن الملائكة إناث. قوله تعالى: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا} يعني القرآن والإيمان. وهذا منسوخ بآية السيف. {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} نزلت في النضر. وقيل : في الوليد. {ذلك مبلغهم من العلم} أي إنما يبصرون أمر دنياهم ويجهلون أمر دينهم. قال الفراء : صغرهم وازدرى بهم؛ أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل : أن جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله. {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} أي حاد عن دينه {وهو أعلم بمن اهتدى} فيجازي كلا بأعمالهم.
إن الذين لا يصدِّقون بالحياة الآخرة من كفار العرب ولا يعملون لها ليسمُّون الملائكة تسمية الإناث؛ لاعتقادهم جهلا أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله. وما لهم بذلك من علم صحيح يصدِّق ما قالوه، ما يتبعون إلا الظن الذي لا يجدي شيئًا، ولا يقوم أبدًا مقام الحق.
يعني أن المشركين بالله المكذبين لرسله، الذين لا يؤمنون بالآخرة، وبسبب عدم إيمانهم بالآخرة تجرأوا على ما تجرأوا عليه، من الأقوال، والأفعال المحادة لله ولرسوله، من قولهم: { الملائكة بنات الله } فلم ينزهوا ربهم عن الولادة، ولم يكرموا الملائكة ويجلوهم عن تسميتهم إياهم إناثا.