«فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ» يعني من القرآن ، فيما وعظهم به منهم وتوعدهم ووعدهم «تَعْجَبُونَ» تكثرون العجب ، كيف جاء به مثل هذا ؟ وما أنزل على عظمائكم كما قالوا : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) .
[سورة النجم (53) : آية 60]
وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60)
«وَتَضْحَكُونَ» أي تهزءون منه إذا أتى به ، لأنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال «وَلا تَبْكُونَ» فإن في القرآن ما يبكي من الوعيد ، وما يضحك ويتعجب فيه من الفرح باتساع رحمة اللّه ولطفه بعباده ، وفي القرآن من الوعيد والمخاوف ما يبكي بدل الدموع دما لمن دبر آياته.
قوله تعالى {وأنه هو أضحك وأبكى} ذهبت الوسائط وبقيت الحقائق لله سبحانه وتعالى فلا فاعل إلا هو؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : لا والله ما قال رسول الله قط إن الميت يعذب ببكاء أحد، ، ولكنه قال : (إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله لهو أضحك وأبكى وما تزر وازرة وزر أخرى). وعنها قالت : مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من أصحابه وهم يضحكون، فقال : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) فنزل عليه جبريل فقال : يا محمد! إن الله يقول لك {وأنه هو أضحك وأبكى}. فرجع إليهم فقال : (ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ايت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول {هو أضحك وأبكى} أي قضى أسباب الضحك والبكاء. وقال عطاء بن أبي مسلم : يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء. وقيل لعمر : هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال : نعم! والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. وقد تقدم هذا المعنى في، [النمل] و [التوبة]. قال الحسن : أضحك الله أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقيل : أضحك من شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه. الضحاك : أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر. وقيل : أضحك الأشجار بالنوار، وأبكى السحاب بالأمطار. وقال ذو النون : أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ومعصيته. وقال سهل بن عبدالله : أضحك الله المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط. وقال محمد بن علي الترمذي : أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا. وقال بسام بن عبدالله : أضحك الله أسنانهم وأبكى قلوبهم. وأنشد : السن تضحك والأحشاء تحترق ** وإنما ضحكها زور ومختلق يارب باك بعين لا دموع لها ** ورب ضاحك سن ما به رمق وقيل : إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان. وقد قيل : إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين : سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال : ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم. {وأنه هو أمات وأحيا} أي قضى أسباب الموت والحياة. وقيل : خلق الموت والحياة كما قال {الذي خلق الموت والحياة} [الملك : 2] قاله ابن بحر. وقيل : أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان؛ قال الله تعالى {أومن كان ميتا فأحييناه} [الأنعام : 122] الآية. وقال {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله}على ما تقدم، وإليه يرجع قول عطاء : أمات بعدله وأحيا بفضله. وقول من قال : أمات بالمنع والبخل وأحيا بالجود والبذل. وقيل : أمات النطفة وأحيا النسمة. وقيل : أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل : يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب. وقيل : أنام وأيقظ. وقيل : أمات في الدنيا وأحيا للبعث. {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} أي من أولاد آدم ولم يرد آدم وحواء بأنهما خلقا من نطفة. والنطفة الماء القليل، مشتق من نطف الماء إذا قطر. {تمنى} تصب في الرحم وتراق؛ قاله الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح. يقال : منى الرجل وأمنى من المني، وسميت منى بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء أي يراق. وقيل {تمنى} تقدر؛ قاله أبو عبيدة. يقال : منيت الشيء إذا قدرته، ومني له أي قدر له؛ قال الشاعر : حتى تلاقي ما يَمني لك الماني أي ما يقدر لك القادر.
{ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } أي: هو المنفرد بالإيجاد والإعدام، والذي أوجد الخلق وأمرهم ونهاهم، سيعيدهم بعد موتهم، ويجازيهم بتلك الأعمال التي عملوها في دار الدنيا.