انتقل إلى المحتوى
الفتوحات المكيةFUTMAK.COM

فى معرفة أسرار الصلاة وعمومها

الفتوحات المكية — طبعة القاهرة / الميمنية — الباب 69

فهرس الأبواب

الصفحة 386 من الجزء 1

في جميع التكاليف وهو العلة الجامعة والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الخامس والثلاثون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها)

وكم من مصل ما له من صلاته *** سوى رؤية المحراب والكد والعناء

وآخر يحظى بالمناجاة دائما *** وإن كان قد صلى الفريضة وابتدى‏

وكيف وسر الحق كان إمامه *** وإن كان مأموما فقد بلغ المدى‏

فتحريمها التكبير إن كنت كابرا *** وإلا فحل المرء أو حرمه سوا

وتحليلها التسليم إن كنت تابعا *** لرجعته العليا في ليلة السري‏

وما بين هذين المقامين غاية *** وأسرار غيب ما تحس وما ترى‏

فمن نام عن وقت الصلاة فإنه *** وحيد فريد الدهر قطب قد استوى‏

وإن حل سهو في الصلاة وغفلة *** وذكره الرحمن يجبر ما سها

وإن كان في ركب إلى العين قاصدا *** فشطر صلاة الفرض ينقص ما عدا

صلاة انفجار الصبح حقا ومغرب *** لسر خفي في الصباح وفي المسا

وحافظ على الشفع الكريم لو تره *** تفز بالذي فاز الحضارمة الأولى‏

وبين صلاة الفذ والجمع سبعة *** وعشرون إن كان المصلي على طوى‏

ولا تنس يوم العيد واشهد صلاته *** لدى مطلع الشمس المنيرة والسنا

ونادر لتهجير العروبة رائحا *** تحز قصب السباق في حلبة العلى‏

وإن حل خسف النيرين فإنه *** حجاب وجود النفس دونك يا فتى‏

ومن كان يستسقي يحول رداءه *** تحول عن الأحوال علك ترتضي‏

فهذي عبادات المراد تخلصت *** وأن ليس للإنسان غير الذي سعى‏

[إضافة الصلاة إلى الله والملائكة والناس‏]

اعلم أيدك الله بروح القدس أن مسمى الصلاة يضاف إلى ثلاثة وإلى رابع ثلاثة بمعنيين بمعنى شامل وبمعنى غير شامل فتضاف الصلاة إلى الحق بالمعنى الشامل والمعنى الشامل هو الرحمة فإن الله وصف نفسه بالرحيم ووصف عباده بها فقال أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يرحم الله من عباده الرحماء

قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فوصف نفسه بأنه يصلي أي يرحمكم بأن يخرجكم من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يقول من الضلالة إلى الهدى ومن الشقاوة إلى السعادة وتضاف الصلاة إلى الملائكة بمعنى الرحمة والاستغفار والدعاء للمؤمنين قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ فصلاة الملائكة ما ذكرناها قال الله عز وجل في حق الملائكة ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يقولون فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ... وقِهِمُ السَّيِّئاتِ اللهم استجب فينا صالح دعاء الملائكة وتضاف الصلاة إلى البشر بمعنى الرحمة والدعاء والأفعال المخصوصة المعلومة شرعا على ما سنذكره فجمع البشر هذه الثلاث المراتب المسماة صلاة قال تعالى آمرا لنا وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وتضاف الصلاة إلى كل ما سوى الله من جميع المخلوقات ملك وإنسان وحيوان ونبات ومعدن بحسب ما فرضت عليه وعينت له قال تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ من في السَّماواتِ والْأَرْضِ والطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ فأضاف الصلاة إلى الكل والتسبيح في لسان العرب الصلاة

[التنفل في السفر]

قال عبد الله بن عمر وهو من العرب وكان لا يتنفل في السفر فقيل له في ذلك فقال لو كنت مسبحا أتممت وقال تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والْأَرْضُ ومن فِيهِنَّ وإِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال خطابا لمحمد صاحب الكشف حيث يرى ما لا نرى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ ومن في الْأَرْضِ والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ والْجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ فانظر إلى فقه عبد الله بن عمر رضي‏

الصفحة 387 من الجزء 1

الله عنه لما تحقق أن الله يريد التخفيف عن عبيده بوضع شطر الصلاة عنهم لم ير أن يتنقل موافقة لمقصود الحق في ذلك فهذا نفقة روحاني وأما من تنفل في السفر فرأى أن مقصود الحق إسقاط الفرضية لا إسقاط الصلاة التي يتطوع الإنسان فلو أتم المسافر لكان الغرض منها ركعتين والباقي نافلة فإن الله ما فرض عليه إلا ركعتين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لم ير هذا المتنفل إلا إسقاط الفرضية عنه لا التطوع بالصلاة تنفل في السفر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفل في السفر على الراحلة فعلم القائل بهذا أن الغرض هو الذي قصد إسقاطه عنه واقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في التنفل في السفر فإن الله قال لنا لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

[الصلوات المشروعة فروضا سننا]

فاعلم أن الصلوات المشروعة فرضا وسننا مؤكدة بين النافلة والفريضة ثمانية كما إن الأعضاء المكلفة من الإنسان ثمانية لأن الذات مع نسبها المعبر عنها بالصفات ثمانية فهذه الثمانية هي الذات والحياة والعلم والإرادة والكلام والقدرة والسمع والبصر والإنسان المكلف ذات حية عالمة مريدة متكلمة قادرة سميعة بصيرة وأما الأعضاء المكلفة أعني التي بفعل الإنسان بها ما كلف إن يفعله أو يتركه فهي ثمانية الأذن والعين واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب وأما الصلوات الثمانية المشروع الفعل بها فرضا وسنة مؤكدة فالصلوات الخمس والوتر من الليل والجمعة والعيدان والكسوف والاستسقاء والاستخارة والصلاة على الجنائز

[الصلاة على رسول الله‏]

وأما الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت في الدعاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمنا كيف نصلي عليه أي كيف ندعو له وقد أمرنا أن ندعو له بالوسيلة والمقام المحمود ونحن إن شاء الله نذكر في هذا الباب فصول هذه الصلوات كلها مكملة بشروطها وما أتتبع ما تحوي عليه من التفاصيل فإن ذلك يطول وإنما أقصد إلى ذكر فصول تجري مجرى الأمهات كما عملنا في الطهارة إلى أن نستوفيها إن شاء الله‏

[رتبة الصلاة من قواعد الإيمان التي بني عليها الإسلام‏]

والصلاة وقعت في الرتبة الثانية من قواعد الايمان التي بنى الإسلام عليها

في الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج‏

فعلم الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم راعى الترتيب لما يدخل الواو من الاحتمال ولهذا لما قال بعض رواة هذا الحديث من الصحابة لما سرده فقال والحج وصوم رمضان أنكر عليه وقال له وصوم رمضان والحج فقدمه وعلمنا أنه أراد الترتيب ونبه على إن لا ننقل عنه صلى الله عليه وسلم إلا عين ما تلفظ به فإنه من العلماء من يرى نقل الحديث المتلفظ به من النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى فالصلاة ثانية في القواعد مشتقة من المصلي في الخيل وهو الذي يلي السابق في الحلبة والسابق في القواعد الشهادة والمصلي هي الصلاة وجعل الزكاة تلي الصلاة لأن الزكاة التطهير فناسبت الصلاة فإن الصلاة لا يقبلها الله بغير طهور والزكاة تطهير الأموال قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها يعني النفس التي سواها يريد قد أفلح من طهرها بامتثال أوامر الله ومن شرط الصلاة طهارة الثياب والأبدان والبقعة التي توقع الصلاة عليها وفيها كانت ما كانت وجعل الصوم يلي الزكاة لما شرع الله في صوم رمضان عند انقضائه من زكاة الفطر فلم يبق الحج إلا أن يكون آخرا وقد ذكرنا الشهادة التوحيدية وذكرنا من الصلاة الطهارة التي لا تصح الصلاة إلا بها فلنذكر الطهارة إن شاء الله بهذا الباب ولنبدأ بالصلاة المفروضة وما يلزمها ويتبعها من اللوازم والشروط والأركان في أفعالها وأقوالها ثم بعد ذلك أشرع في ذكر الصلوات التي تطلبها الأحوال ومن الله نسأل التأييد والعون‏

[فصول في أوقات الصلاة]

(فصل في الأوقات)

[تعريف الوقت من حيث هو]

ولا أعني بالكلام هنا في الأوقات أوقات الصلوات فقط وإنما أريد الوقت من حيث ما هو وقت سواء كان لعبادة أو غير عبادة فإذا عرفناك بمعناه واعتباره حينئذ نشرع في ذكر الأوقات المشروعة للعبادات فنقول الوقت عبارة عن التقدير في الأمر الذي لا يقبل وجود عين ما يقدر وهو الفرض كما تقدر أو نفرض في الشكل الكري أولا أو وسطا أو نهاية وهو في نفسه وعينه لا يقبل الأولية بالفعل ولا الوسط ولا لآخرية فيجعل له من ذلك ما نجعله بحكم الفرض فيه والتقدير فالوقت فرض مقدر في الزمان لما كان الزمان مستديرا كما خلقه الله في ابتدائه فهو كالأكرة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله‏

فذكر إن الله خلقه مستديرا والأوقات فيه مقدرة

[خلق الفلك الأطلس ودورته‏]

فلما

الصفحة 388 من الجزء 1

خلق الله الفلك الأطلس ودار لم يتعين اليوم ولا ظهر له عين فإنه مثل ماء الكوز في النهر قبل إن يكون في الكوز فلما فرض فيه لاثني عشر فرضا ووقتت معينة وسماها بروجا في ذلك الفلك وهو قوله تعالى والسَّماءِ لعلوها علينا ذاتِ الْبُرُوجِ وهي هذه الفروض الموقتة ووقف شخص يدور عليه هذا الفلك وجعل لهذا الشخص بصر عاين بها تلك الفروض بعلامات جعلت له فيها فتميز عنده بعضها عن بعض بتلك العلامات المجعولة دلالات عليها فجعل عينه في فرض منها أعني في العلامة ثم دار الفلك بتلك العلامة المفروضة التي جعل عينه عليها هذا الناظر وغابت عنه وما برح واقفا في موضعه ذلك حتى انتهت إليه تلك العلامة فعلم عند ذلك أن الفلك قد دار دورة واحدة بالنسبة إلى هذا الناظر لا بالنسبة إلى الفلك فسمينا تلك الدورة يوما

[خلق الشمس في السماء الرابعة]

ثم بعد ذلك خلق الله في السماء الرابعة من السبع السموات كوكبا نيرا عظيم الجرم سماه باللسان العربي شمسا فطلع له به في نظره ذلك الفلك من خلف حجاب الأرض الذي هذا الناظر عليها فسمى ذلك المطلع مشرقا والطلوع شروقا لكون ذلك الكوكب المنير طلع منه وأضاء به الجو الذي هذا الناظر فيه فما زال يتبع بصره حركة ذلك الكوكب إلى أن قارنه فسمى تلك القارنة استواء ثم أخذ الكوكب نازلا عن استواءه عند هذا الناظر يطلب جهة اليمين منه لا بالنظر إلى الكوكب في نفسه كما قلنا فسمى أول انفصاله في عين الناظر عن الاستواء زوالا ودلوكا ثم ما زال هذا الناظر يتبعه بصره إلى أن غاب جرم ذلك الكوكب فسمى مغيبه غروبا والموضع الذي رأى بصره أنه غاب فيه مغربا وأظلم عليه الجو فسمى مدة استنارة الجو من مشرق ذلك الكوكب إلى مغربه نهارا لاتساع النور فيه مأخوذ من النهر الذي هو اتساع الماء في المسيل الذي يجري فيه فما زال الناظر في ظلمة إلى أن طلع الكوكب المسمى شمسا من الموضع الذي سماه مشرقا في عين الناظر من موضع آخر متصل بذلك الموضع الذي شرقت منه أمس المسمى درجة فسمى مدة تلك الظلمة التي بقي فيها من وقت غروب الشمس إلى طلوعها ليلا فكان اليوم مجموع الليل والنهار معا وسمي المواضع التي يطلع منها هذا الكوكب كل يوم درجا ثم نظر إلى هذا الكوكب النير المسمى شمسا ينتقل في تلك الفروض المقدرة في الفلك المحيط درجة درجة حتى يقطع ذلك بشروق تسمى أياما فكلما أكمل قطع فرض من تلك الفروض شرع في قطع فرض آخر إلى أن أكمل الاثني عشر فرضا بالقطع ثم شرع يبتدئ كرة أخرى في قطع تلك الفروض فسمى ابتداء قطع كل فرض إلى انتهاء قطع ذلك الفرض شهرا وسمي قطع تلك الفروض كلها سنة

[الزمان أمر متوهم‏]

فتبين لك أن الليل والنهار واليوم والشهر والسنة هي هذه المعبر عنها بالأوقات وتدق إلى مسمى الساعات ودونها وأن ذلك كله لا وجود له في عينه وأنه نسب وإضافات وإن الموجود إنما هو عين الفلك والكوكب لا عين الوقت والزمان وأنها مقدرات فيها أعني الأوقات وتبين لك أن الزمان عبارة عن الأمر المتوهم الذي فرضت فيه هذه الأوقات فالوقت فرض متوهم في عين موجودة وهو الفلك والكوكب يقطع حركة ذلك الفلك والكوكب بالفرض المفروض فيه في أمر متوهم لا وجود له يسمى الزمان وقد أبنت لك حقيقة الزمان الذي جعله الله ظرفا للكائنات المتحيزات الداخلة تحت هذا الفلك الموقت فيه المفروض في عينه تعيين الأوقات ليقال خلق كذا وظهر كذا في وقت كذا ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ وكُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا سبحانه لا إله إلا هو الحكيم القدير

[الأزل للخالق والزمان للمخلوق‏]

وبعد أن علمت ما معنى الزمان والوقت فاعتبره أي جزه واقطعه إلى معرفة الأزل الذي تنعت به خالقك وتجعله له كالزمان لك وإذا كان الزمان لك بهذه النسبة أمرا نسبيا لا حقيقة له في عينه وأنت محدود مخلوق فالأزل أبعد وأبعد أن يكون حد الوجود الله في قولك وقول من قال أن الله تكلم في الأزل وقال في الأزل وقدر في أزله كذا وكذا ويتوهم بالوهم فيه أنه امتداد كما تتوهم امتداد الزمان في حقك فهذا من حكم الوهم لا من حكم العقل والنظر الصحيح فإن مدلول لفظة الأزل إنما هو عبارة عن نفي الأولية لله تعالى أي لا أول لوجوده بل هو عين الأول سبحانه لا بأولية تحكم عليه فيكون تحت إحاطتها ومعلولا عنها وفرق بين ما يعطيه وهمك وعقلك وأكثر من هذا البسط في هذه المسألة ما يكون‏

[الحق يقدر الأشياء أزلا ولا يوجدها أزلا]

فالحق سبحانه يقدر الأشياء أزلا ولا يقال يوجد أزلا فإنه محال من وجهين فإن كونه موجدا إنما هو بأن يوجد ولا يوجد ما هو موجود وإنما يوجد ما لم يكن موصوفا لنفسه بالوجود وهو المعدوم فمحال أن يتصف الموجود الذي كان معدوما بأنه موجود أزلا فإنه موجود عن موجود أوجده والأزل‏

الصفحة 389 من الجزء 1

عبارة من نفي الأولية عن الموصوف به فمن المحال أن يكون العالم أزلي الوجود ووجوده مستفاد من موجدة وهو الله تعالى والوجه الآخر من المحال الذي يقال في العالم أنه موجود أزلا لأن معقول الأزل نفي الأولية والحق هو الموصوف به فيستحيل وصف وجود العالم بالأزل لأنه راجع إلى قولك العالم مستفيد الوجود من الله غير مستفيد الوجود من الله لأن الأولية قد انتفت عنه بكونه أزلا فيستحيل على العالم أن يتصف بهذا الوصف السلبي الذي هو الأزل ولا يستحيل الموصوف به وهو الحق أن يقال خلق الخلق أزلا بمعنى قدر فإن التقدير راجع إلى العلم وإنما يستحيل إذا كان خلق بمعنى أوجد فإن الفعل لا يكون أزلا

[ثبوت التقدير في الأزل وفي الزمان‏]

فقد ثبت لك التقدير في الأزل كما ثبت لك التقدير في الزمان وأن الزمان متوهم لا وجود له وكذلك الأزل وصف سلبي لا وجود له فإنه ما هو عين الله وما ثم إلا الله وما هو أمر وجودي يكون غير الحق ويكون الحق مظروفا له فيحصره من كونه ظرفا كما يحصرنا الزمان من كونه ظرفا لنا على الوجه الذي ذكرناه فافهم وبعد أن عرفتك معنى الأوقات فلنرجع ونبين المراد بأوقات العبادات ومن العبادات أوقات لصلوات‏

(فصل في أوقات الصلوات)

[الوقت المعين وغير المعين‏]

فنقول أوقات الصلاة منها معين وغير معين فغير المعين وقت تذكر الناسي واستيقاظ النائم فإن وقته عند ما يتذكران كان ناسيا أو يستيقظ إن كان نائما والوقت المعين على قسمين قسم مخلص وقسم مشترك فالمخلص وسط الوقت الموسع في الصلوات كلها وآخر وقت الصبح وأول وقت الظهر فإنه لا يقع فيما ذكرناه اشتراك لصلاة أخرى كما يقع في أواخر الصلوات الأربع والمشترك هو الوقت الذي بين الصلاتين كالظهر والعصر وغيرهما بالخلاف المذكور المعلوم في ذلك عند علمائنا من علماء الشريعة نذكر ذلك في موضعه إن شاء الله عند كلامنا في أوقات الصلوات كلها صلاة صلاة على التفصيل‏

[الصلاة ثانية في المرتبة من شهادة التوحيد]

اعتباره قلنا المصلي هو الثاني من السابق في الحلبة وإن الصلاة ثانية في المرتبة من شهادة التوحيد وقد قال الحق سبحانه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين‏

فجعله في حال الصلاة ثانيا له في القسمة الإلهية فقال في الصلاة مطلقا وما قيد فرضا من تطوع وقد قلنا إن الوقت منه معين وهو في الاعتبار الفرض وغير معين وهو في الاعتبار التطوع‏

[العارف هو صاحب الوقت‏]

فالعارف الذي هو على صلاته دائم وفي مناجاته بين يدي ربه قائم في حركاته وسكناته فما عنده وقت معين ولا غير معين بل هو صاحب الوقت ومن ليس له هذا المشهد فهو بحسب ما يذكره ربه من الحضور معه غير أن العارف الدائم الحضور إذا لم يفرق بين الأوقات بما يجده من المزيد والفضل بين ما هو مفروض من ذلك الحضور وبين ما تطوع به من نفسه فهو ناقص المقام كامل الحال لاستصحابه الحضور الدائم فإن الحضور من الأحوال لا الحضور من وجه كذا فإن الحضور من وجه كذا للكمل من الرجال فالأول من أهل الحضور لا فرق عنده بين الوجوه لأنه مستغرق في الحال كاللذة المجهولة عند الإنسان التي لا يعرف سابها والثاني من أهل الحضور وهو الكامل الدائم الحضور بحكم لوجوه كالواجد للذة بما هي لذة فهو ملتذ دائما وبما هي لذة عن طعم علم أو طعم جماع أو طعم شي‏ء ملائم للمزاج يعلم الذائق ذلك ما بينهن من التمييز والفرقان فإن أسماء الحق تعالى تختلف على قلوب الأولياء بفنون المعارف مع الآنات والأنفاس فيجد في كل نفس وزمان علما لم يكن عنده بربه من حيث ما يعطيه ذلك النفس والزمان من تجلى ذلك الاسم الخاص به‏

[أوقات العارفين في صلواتهم المعنوية]

ولما قسمنا الأوقات إلى مخلص ومشترك فاعلم أن الوقت في هذا الطريق هو ما أنت به في حالك أي شي‏ء كنت به من حسن وسيئ ومعرفة وجهل فلا يرتبط وكذلك الأوقات الزمانية بحسب ما يحدث الله فيها في حق كل شخص فالمخلص من الأوقات كل اسم إذا ورد عليك لم يقع في حكمه اشتراك والمشترك كل اسم له وجهان فصاعدا فالأول كالحي فإنه مخلص للحياة وكذلك العالم مخلص للعلم والثاني الذي هو المشترك نظير الوقت المشترك كالاسم الحكيم فإن له وجها إلى العالم ووجها إلى المدبر فإن للاسم الحكيم حكمين حكما على مواضع الأمور وحكم وضعها في مواضعها بالفعل فكم من عالم لا يضع الشي‏ء في موضعه وكم واضع للأشياء في مواضعها بحكم الاتفاق لا عن علم فالحكيم هو العالم بمواضع الأمور ووضعها في أماكنها على بصيرة فمن كان وقته الحكمة كان في الوقت المشترك ومن كان في اسم لا يدل إلا على أمر واحد كالقادر وأمثاله كان في الوقت المخلص فهذه أوقات العارفين في صلواتهم المعنوية على مثال أوقاتهم الظاهرة في صلواتهم البدنية

الصفحة 390 من الجزء 1

(فصل في وقت صلاة الظهر)

[الصلاة مفروضة في وقت معين‏]

قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أي مفروضة في وقت معين سواء كان موسعا أو مضيقا فإنه معين ولا بد بقوله مَوْقُوتاً فمن أخرج صلاة مفروضة عن وقتها المعين له كان ما كان من ناس أو متذكر فإنه لا يقضيها أبدا ولا تبرأ ذمته فإنه ما صلى الصلاة المشروعة إذ كان الوقت من شروط صحة تلك الصلاة فليكثر النوافل بعد التوبة ولا قضاء عليه عندنا لخروج وقتها الذي هو شرط في صحتها ووقت الناسي والنائم وقت تذكره واستيقاظه من نومه وهو مؤد ولا بد لا يسمى قاضيا على الاعتبار الذي يراه الفقهاء لا على ما تعطيه اللغة فإن القاضي والمؤدي لا فرق بينهما في اللسان فكل مؤد للصلاة فقد قضى ما عليه فهو قاض بأدائه ما تعين عليه أداؤه من الله‏

[اختلاف الفقهاء في آخر وقت صلاة الظهر الموسع‏]

فلنقل أما وقت صلاة الظهر فاتفق العلماء بالشريعة أن وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال واختلفوا منها في موضعين في آخر وقتها الموسع وفي وقتها المرغب فيه فأما آخر وقتها الموسع فمن قائل هو أن يكون ظل كل شي‏ء مثله ومن أصحاب هذا القول من يقول إن ذلك المثل الذي هو آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر ومن قائل منهم إنه آخر وقت الظهر خاصة فإن أول وقت العصر إنما هو المثلان وإن ما بين المثل والمثلين لا يصلح لصلاة الظهر وأما وقتها المرغب فيه فمن قائل أول الوقت للمنفرد أفضل ومن قائل أول الوقت أفضل للمنفرد والجماعات إلا في شدة الحر ومن قائل أول الوقت أفضل بإطلاق في انفراد وجماعة وحر وبرد ولكل قائل استدلال ليس هذا موضعه‏

[استواء الشمس وعبادات العارفين‏]

اعتباره الاستواء هو وقوف العبد المربوب في محل النظر من غير ترجيح فيما يعمل أي بأي نية يقصد العبادة هل يعتبر بذلك أداء ما يلزمه من حق العبودية وكونه مربوبا أو يعتبر ما يلزمه بذلك من أداء حق سيده وربه فهو في حال الاستواء من غير ترجيح فإذا زالت الشمس ترجح عند ذلك الزوال عنده أن يعبده لما تستحقه الربوبية على العبودية من الإنعام على هذا العبد من وقت الطلوع إلى وقت الاستواء فيعبده شكرا لهذه النعمة وإن نظر إلى زوالها بعين المفارقة لطلب الغروب عنه وإسدال الحجاب دونه عبده ذلة وفقرا وانكسارا وطلبا للمشاهدة فلا يزال يرقبها إلى الغروب ومن الغروب يرقب آثارها بصلاة المغرب والتنفل بعدها لي مغيب الشفق فيغيب أثرها فيبقى في ظلمة الليل سائلا باكيا متضرعا يراعي نجوم الليل لاستنارتها بنور الشمس ويسأل ويتضرع إلى طلوع الفجر فيرى آثار المجي‏ء وقبول دعائه فيعبده شكرا على ذلك وهو يشاهد آثار القبول فيؤدي فرض الصبح ولا يزال مراقبا بالذكر إلى أن تنجلي طالعة فإذا ابيضت وزال عنها التغير الذي يحول بين البصر وبين بياضها من حجب أبخرة الأرض وهي الأنفاس الطبيعية قام إجلالا على قدم الشكر إلى حد الاستواء فلا يزال في عبادة الفرح والشكر إلى أن تزول فيرجع إلى عبادة الصبر والافتقار وتوقع المفارقة ما دام حيا فهو بين عبادتين وذلك أنه‏

لما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ترون ربكم كما ترون الشمس‏

فاعتبر ذلك في عبادته في صلواته المفروضة والتطوع شكرا وفقرا بين نعمة وبلاء وشدة ورخاء فإن المؤمن من استوى خوفه ورجاؤه فهو يدعو ربه خوفا من حد الزوال إلى الغروب الشفقي وطمعا بقية ليلته إلى طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إلى حد الاستواء طمعا أن لا يكون حجاب بعد ذلك هكذا هي عبادات العارفين فافهم‏

[آخر وقت صلاة الظهر الموسع‏]

فأما آخر الوقت الموسع فهو آخر أحكام الاسم الإلهي المخصوص بذلك الوقت وهو الاسم الظاهر كما إن أول الزوال حكم الاسم الإلهي الأول في الظهور الخاص بالعبادة المشروعة إلى أن يكون ظل كل شي‏ء مثله وهو آخر الوقت كذلك حكم الاسم الإلهي إذا قام به هذا العبد في عبادته الخاصة به في هذا الوقت واستوفاه بحيث أن يكون إذا قابلة به كان مثله أي لم يبق في الاسم الإلهي حكم يختص به بهذا الوقت إلا وأثره ظاهر في هذا العبد فقد انقضى حكم هذا الاسم الإلهي في هذا العبد فخرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وهو حكم اسم آخر بين الاسمين فرقان متوهم لا ينقسم معقول غير موجود وهو برزخ بينهما

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى‏

يعني في الأربع الصلوات لدليل آخر فإنه إذا خرج وقت الصبح لم يدخل وقت الظهر حتى تزول الشمس بخلاف الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح فاعلم ذلك‏

[أرباع اليوم من الزمان‏]

فإن اليوم أربع وعشرون ساعة وهو أربعة أرباع كل ربع ست ساعات فمن طلوع‏

الصفحة 391 من الجزء 1

الشمس إلى الظهر ربع اليوم ست ساعات وليس بمحل لصلاة مفروضة بحكم التعيين وإنما قلنا بحكم التعيين من أجل الناسي والنائم فإن الوقت ما عين إيقاع الصلاة في ذلك الوقت وإنما عينه للناسي تذكره وللنائم تيقظه شرعا فسواء كان في ذلك الوقت أو في غيره فلهذا حررنا القول في ذلك وقلبا بحكم التعيين فإن مذهبي في كل ما أورده إني لا أقصد لفظة بعينها دون غيرها مما يدل على معناها إلا لمعنى ولا أزيد حرفا إلا لمعنى فما في كلامي بالنظر إلى قصدي حشو وإن تخيله الناظر فالغلط عنده في قصدي لا عندي وكان من زوال الشمس إلى طلوعها من اليوم الثاني وقتا مستصحبا لصلوات معينة مفروضة فيها متى وقعت وقعت في وقتها المعين لها

[أرباع الإنسان من الأكوان‏]

كذلك الإنسان مقسم على أربعة أرباع الثلاثة الأرباع منه متعبدة لله بأعمال مخصوصة كالثلاثة الأرباع من اليوم فارباع الإنسان ظاهره وباطنه الذي هو قلبه ولطيفته التي هي روحه المخاطب منه وطبيعته فظاهره وقلبه وروحه لا ينفك عن عبادة أصلا تتعلق به فأما أن يطيع وإما أن يعصي والربع الواحد طبيعته وهو مثل زمان طلوع الشمس إلى الزوال من اليوم فهو يتصرف بطبعه مباحا له ذلك لا حرج عليه إلا إن شاه أن يلحقها بسائر أرباعه في العبادات فيعمل المباح له عمله من كونه مباحا شرعا ويحضر مع الايمان به كالمصلي من طلوع الشمس وإضاءتها إلى أول الزوال أعني الاستواء فلا يمنع من ذلك وهو ليس بوقت وجوب لشي‏ء من الصلوات الخمس معين فافهم‏

[الأول أفضل الأشياء وأعلاها]

وأما اعتبار الوقت المرغب فيه على ما ذكرناه من الاختلاف واتفق الكل على الأولية أو الأكثر واختلفوا في الأحوال فاعلم إن الأول أفضل الأشياء وأعلاها لأنه لا يكون عن شي‏ء بل تكون الأشياء عنه فلو كان عن شي‏ء لم تصح له الأولية على الإطلاق فكذلك العبد يسعى في أن يعبد ربه من حيث أولية ربه لا من حيث أولية عينه فإن أولية عينه عن أوليات كثيرة قبله وأعني بذلك الأسباب فهو سبحانه السبب الأول الذي لا سبب لأوليته فإذا عبده العارف في تلك الأولية المنزهة عن إن يتقدمها أولية انسحبت عبادة هذا العارف من هناك على عبادة كل مخلوق خلقه الله من أول المخلوقات إلى حين وجوده وهي الأولية المؤثرة في إيجاد الكائنات فقد عبده في الوقت المرغب فيه سواء عبده بصفة خاصة من أعضائه المكلفة كصلاة الفذ المنفرد أو عبده بجميع أعضائه كصلاة الجماعة أو في زمان الحر أي في شدة خوفه ومجاهدته وحرقة اشتياقه ووجده وولهه وكلفه أو في برد أي في حال علمه وثلج يقينه وبرده على أي حالة كان فالأولية أفضل له فإن الله يقول آمرا سارِعُوا وسابِقُوا وأثنى على من هذه حالته فقال أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وهُمْ لَها سابِقُونَ‏

[الأمر الإلهي يحمل احتياطا على الوجوب والنهي على الحظر]

فالمبادرة إلى أول الأوقات في العبادات هو الأحوط والمطلوب من العباد في حال التكليف ولهذا الاحتراز والاحتياط يحمل الأمر الإلهي إذا ورد معرى عن قرائن الأحوال التي يفهم منها الندب أو الإباحة على الوجوب ويحمل النهي كذلك على الحظر إذا تعرى عن قرينة حال تعطيك الكراهة ولا تتوقف عن حمل الأمر والنهي على ما قلناه إلا بقرينة حال تخرجهما عن حكم الوجوب في الأمر وحكم الحظر في النهي‏

[أهل الجمع والوجود هم أهل الشريعة والحقيقة]

فقد بان لك يا أخي اعتبار الأوقات مطلقا واعتبار الوقت المرغب فيه بعد أن عرفناك بمذاهب علماء الشريعة فيه للجمع بين العبادتين الظاهرة في حسك والباطنة في عقلك فتكون من أهل الجمع والوجود فإنك إذا طلبت الطريق إلى الله من حيث ما شرعه الله كان الحق الذي هو المشرع غايتك وإذا طلبته من حيث ما تعطيه نفسك من الصفاء والالتحاق بعالمها من التنزه عن الحكم الطبيعي عليها كان غايتها الالتحاق بعالم الروحاني خاصة ومن هناك تنشأ لها شرائع الأرواح تسلك عليها وبها حتى يكون الحق غايتها هذا إن فسح الله له في الأجل وإن مات فلن يدرك ذلك أبدا وقد أفردنا لهذه الطريقة خلوة مطلقة غير مقيدة في جزء يعمل عليها المؤمن فيزيد إيمانا ويعمل بها وعليها غير المؤمن من كافر ومعطل ومشرك ومنافق فإذا وفي العمل عليها وبها كما شرطناه وقررناه فإنه يحصل له العلم بما هو الأمر عليه في نفسه ويكون ذلك سبب إيمانه بوجود الله إن كان معطلا وبتوحيد الله إن كان مشركا وبحصول إيمانه إن كان كافرا وبإخلاصه إن كان منافقا أو مرتابا فمن دخل تلك الخلوة وعمل بتلك الشرائط كما قررنا أثمرت له ما ذكرناه وما سبقني إليها أحد في علمي إلا إن كان وما وصل إلي فإن الله لا تحجير عليه يؤتي الحكمة من يشاء فإني أعلم أن أحدا من أهل الطريق ما يجهلها إن كان صاحب كشف تام ولكن ما ذكروها ولا رأيت أحدا منهم نبه عليها إلا الخلوات المقيدة ولو لا ما سألني فيها أخونا وولينا أبو العباس أحمد بن على‏

الصفحة 392 من الجزء 1

ابن ميمون بن آب التوزري تم المصري المعروف بالقسطلاني المجاور الآن بمكة ما خطر لنا الإبانة عنها فربما اتفق لمن تقدمنا مثل هذا فلم نبهوا عليها لعدم السائل‏

(فصل بل وصل في وقت صلاة العصر)

[اختلاف علماء الشريعة في أول وقت صلاة عصر]

اختلف علماء الشريعة في أول وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر وفي آخر وقت صلاة العصر فمن قائل إن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر وهو إذا صار ظل كل شي‏ء مثله واختلف القائلون بهذا القول فمن قائل إن ذلك الوقت مشترك للصلاتين معا ومقداره أن يصلي فيه أربع ركعات إن كان مقيما أو ركعتين إن كان مقصرا ومن قائل آخر وقت الظهر هو الآن الذي هو أول وقت العصر وهو زمان لا ينقسم‏

جاء الحديث الثابت في إمامة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول‏

وفي الحديث الثابت الآخر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آخر وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر

وحديث آخر ثابت لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى‏

فالحديث الأول يعطي الاشتراك في الوقت والحديثان الآخران يعطي الزمان الذي لا ينقسم فيرفع الاشتراك والقول هنا أقوى من الفعل لأن الفعل يعسر الوقوف على تحقيق الوقت به وهو من قول الصاحب على ما أعطاه نظره وقول النبي صلى الله عليه وسلم يخالف ما قال الصاحب وحكم به على فعل صلاة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم فيكون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مفسرا للفعل الذي فسره الراوي والأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرنا الله أن نأخذ به قال الله تعالى وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏

[اختلاف العلماء رحمة للعباد]

فكان ينبغي في هذه المسألة وأمثالها أن لا يتصور خلاف ولكن الله جعل هذا الخلاف رحمة لعباده واتساعا فيما كلفهم به من عبادته لكن فقهاء زماننا حجروا وضيقوا على الناس المقلدين للعلماء ما وسع الشرع عليهم فقالوا للمقلد إذا كان حنفي المذهب لا تطلب رخصة الشافعي فيما نزل بك وكذلك لكل واحد منهم وهذا من أعظم الرزايا في الدين والحرج والله يقول ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ والشرع قد قرر حكم المجتهد له في نفسه ولمن قلده فأبوا فقهاء زماننا ذلك وزعموا أن ذلك يؤدي إلى التلاعب بالدين وهذا غاية الجهل منهم فليس الأمر والله كما زعموا مع إقرارهم على أنفسهم أنهم ليسوا بمجتهدين ولا حصلوا في رتبة الاجتهاد ولا نقلوا عن أئمتهم إنهم سلكوا هذا المسلك فأكذبوا أنفسهم في قولهم إنهم ما عندهم استعداد الاجتهاد والذي حجروه على المقلدين ما يكون إلا بالاجتهاد نعوذ بالله من العمي والخذلان فما أرسل الله رسوله إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وأي رحمة أعظم من تنفيس هذا الكرب المهم والخطب الملم‏

[آخر وقت صلاة العصر]

وأما آخر وقت العصر فمن قائل إن آخر وقتها أن يصير ظل كل شي‏ء مثليه ومن قائل إن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس ومن قائل إن آخر وقتها قبل أن تغرب الشمس بركعة وبه أقول‏

[الوقفة بين المقامين والآن بين الزمانين‏]

الاعتبار قد تقدم الاعتبار في الوقت المشترك بالأسماء الإلهية في حق المتخلق بها من أهل الله وغير المشترك فليؤخذ في كل الصلوات مطلقا وما بقي من الاعتبار في هذا الفصل إلا الاعتبار في الآن الذي لا ينقسم وفي الاصفرار أما اعتبار الآن الفاصل بين الوقتين فهو المعنى الفاصل بين الاسمين اللذين لا يفهم من كل واحد منهما اشتراك فطهر حكم كل اسم منهما على الانفراد وهو حد الواقف عندنا فإن الإنسان السالك إذا انتقل من مقام قد احتكمه وحصله تخلقا وذوقا وخلقا إلى مقام آخر يريد تحصيله أيضا يوقف بين المقامين وقفة يخرج حكم تلك الوقفة عن حكم المقامين عن حكم المقام الذي انتقل عنه وعن حكم المقام الذي يريد الانتقال إليه يعرف في تلك الوقفة بين المقامين وهو كالآن بين الزمانين آداب المقام الذي ينتقل إليه وما ينبغي أن يعامل به الحق فإذا أبين له عنه دخل في حكم المقام الذي انتقل إليه على علم‏

[المقامات في طريق التصوف‏]

فإن المقامات في هذا الطريق كأنواع الأعمال في الشريعة مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك فكما إن لكل نوع من هذه الأعمال علم يخصه كذلك لكل مقام آداب ومعاملة تخصه وقد بين ذلك محمد بن عبد الجبار النفري في كتابه الذي سماه بالمواقف والقول وقفت على أكثره وهو كتاب شريف يحوي على علوم آداب المقامات يقول في ترجمة الموقف اسم الموقف يقول في انتقاله إلى موقف العلم مثلا وهو من جملة مواقفه في ذلك الكتاب فقال موقف العلم ثم قال أوقفني في موقف العلم وقال لي يا عبدي لا تأتمر للعلم ولا خلقتك لتدل على سواى ثم قال قال لي الليل لي لا للقرآن يتلى الليل لي‏

الصفحة 393 من الجزء 1

لا للمحمدة والثناء إلى أن ينتهي إلى جميع ما يوقفه الحق عليه فإذا عرف حينئذ يدخل إلى ذلك المقام وهو يعرف كيف يتأدب مع الحق في ذلك المقام‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أدبني فحسن أدبي‏

فهذا هو الآن الذي بين الصلاتين فأهل الأذواق من أهل الله يوقفون فيه فيعطون آداب الصلاة التي ينبغي أن يعامل الله بها في ذلك اليوم الخاص هكذا في صلوات كل يوم مع الله في مقام العلم فهذا هو الآن الذي بين الصلاتين‏

[اصفرار الشمس من طريق الأسرار]

وأما اعتبار الاصفرار في أنه الحد الآخر وقت العصر فاعلم أولا أن الاصفرار تغيير يطرأ في عين الناظر فيحكم به أنه في نور الشمس من أبخرة الأرض الحائلة بين البصر وبين إدراك خالص نور الشمس فاعتباره ما يطرأ في نفس العبد في حكم لاسم الإلهي الحق من الخواطر النفسية العرضية في نفس ذلك الحكم فينسبه إلى الحق بوجه غير مخلص وينسبه إلى نفسه بوجه غير مخلص ويقع مثل هذا في الطريق من الأديب ومن غير الأديب فأما وقوعه من الأديب فهو الذي يعرف أن النور في نفسه لم يصفر ولا تغير وهو أن يعلم أن الحكم للاسم الإلهي مخلص لا حكم لنفس معه وإنما هو ذلك الحكم ربما تعلق عنده اسم عيب عرفا أو شرعا فينزه جناب الحق تعالى عن ذلك الحكم بأن ينسبه إليه ولكن بمشيئة الله ويقول وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ هذا هو العيب عرفا فأضاف المرض إلى نفسه إذ كان عيبا عنده وأضاف الشفاء إلى ربه إذ كان حسنا ومع هذا القصد فإن الظاهر في اللفظ إزالة حكم الاسم الإلهي الذي أمرضه فلما علم الخليل عليه السلام هذا القدر نادى ذلك الاسم الذي أمرضه بقوله رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين يقول إنه أخطأ وإن كان قصد الأدب حيث نسب المرض لنفسه وما نسبه إلى حكم الاسم إلهي الذي أمرضه وما قصد إلا الأدب معه حتى لا يضيف ما هو عيب عندهم عرفا لي حكم لاسم الإلهي فيفهم من هذا الاعتراف أن الحكم كان للاسم الإلهي وهو كان مقصود الاسم فجمع هذا العارف بين أدبين في هذه المسألة بين أدب نسبة المرض إلى نفسه وبين الأدب في التعريف إن ذلك المرض حكم ذلك الاسم الإلهي من غير تصريح لكن بالتضمين والإجمال في قوله رب اغفر (أَنْ يَغْفِرَ) لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ولم يسم الخطيئة ما هي يوم الدين يقول يوم الجزاء وهكذا في قوله وما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ وهو قول يوشع فتى موسى لموسى عليهما السلام وفي الحقيقة ما أنساه إلا اسم إلهي حكم عليه بذلك فأضافه إلى الشيطان أدبا مع ذلك الاسم الإلهي الذي أنساه أن يعرف موسى عليه السلام بحياة الحوت لما أراد الله من تمام ما سبق به العلم الإلهي من زيادة الاقدام التي قدر له أن يقطع بها تلك المسافة ويجاوز بها المكان الذي كان فيه خضر فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً أي يتبعان الأثر إلى أن عادا إلى المكان فوجداه تنبيها من الله وتأديبا لما جاوزه من الحد في إضافته العلم إلى نفسه بأنه أعلم من في الأرض في زمانه فلو كان عالما لعلم دلالة الحق التي هي عين اتخاذ الحوت سربا وما علم ذلك وقد علمه يوشع ونساه الله التعريف بذلك ليظهر لموسى تجاوزه الحد في دعواه ولم يرد ذلك إلى الله في علمه في خلقه القصة إلى آخرها وفيها ما يتعلق باعتبار الصفرة التي دخلت على نور الشمس في قوله في قتل الغلام فَأَرَدْنا فجعل الضمير يعود على الاسم الإلهي وعليه على الاسم الإلهي بما كان في ذلك القتل من الرحمة بالأبوين وبالغلام وعليه بقتل نفس زكية بغير نفس فظاهره جور فشرك في الضمير بينه وبين الله فدخل في نسبة الفعل إلى الله في الظاهر اصفرار أي تغيير باشتراك اسم الخضر في الضمير معه مع قصد الأدب ثم قال وما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي الحق علمني الأدب معه‏

[الآن الفاصل بين الزمانين والصفرة الداخلة على النور الخالص‏]

فهذا قد أبنت لك اعتبار الآن واصفرار الشمس فأطرده حيث وجدت معنى الآن الفاصل بين الزمانين والصفرة التي دخل على النور الخالص من اسمه النور سبحانه مثل قوله تعالى بأنه نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ فلما لم يطلق على نفسه اسم النور المطلق الذي لا يقبل الإضافة وقال نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ ليعلمنا ما أراد بالنور هنا فأثر حكم التعليم والإعلام في النور المطلق الإضافة فقيدته عن إطلاقه بالسموات والأرض فلما أضافه نزل عن درجة النور المطلق في الصفة فقال مَثَلُ نُورِهِ أي صفة نوره يعني المضاف إلى السموات والأرض كَمِشْكاةٍ إلى أن ذكر الصباح ومادته وأين صفة نور السراج وإن كان بهذه المثابة من صفة النور الذي أشرقت به السموات والأرض فعلمنا سبحانه في هذه الآية الأدب في النظر في أسمائه إذا أطلقناها عليه بالإضافة كيف نفعل وإذا أطلقناها عليه بغير الإضافة كيف نفعل مثل قوله يَهْدِي الله لِنُورِهِ من يَشاءُ فأضاف النور هنا إلى‏

الصفحة 394 من الجزء 1

نفسه لا إلى غيره وجعل النور المضاف إلى السموات والأرض هاديا إلى معرفة نوره المطلق كما جعل المصباح هاديا إلى نوره المقيد بالإضافة وتمم ذلك بقوله كَذلِكَ يَضْرِبُ الله الْأَمْثالَ ثم نهانا عن مثل هذا فقال فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ الله يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏

[الله اسم جامع فلا تضرب له الأمثال‏]

والله اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية محيط بمعانيها كلها وضرب الأمثال يخص اسما واحدا معينا فإن ضربنا الأمثال لله وهو اسم جامع شامل فما طبقنا المثال على الممثل فإن المثال خاص والممثل به مطلق فوقع الجهل بلا شك فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص كما فعل الله في هذه الآية فقال الله وما ضرب المثل للاسم الله وإنما عين سبحانه اسما آخر وهو قوله نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ فضرب المثل بالمصباح لذلك الاسم النور المضاف أي هكذا فافعلوا ولا تضربوا الأمثال لله فإني ما ضربتها فافهموا فهمنا الله وإياكم مواقع خطابه وجعلنا ممن تأدب بما عرفناه من آدابه أنه اللطيف بإحبابه‏

(فصل بل وصل في وقت صلاة المغرب الشاهد)

[اختلاف علماء الشريعة في وقت صلاة المغرب‏]

اختلف علماؤنا في وقت صلاة المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم لا فمن قائل إن وقتها واحد غير موسع ومن قائل إن وقتها موسع وهو ما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق وبه أقول‏

[صلاة المغرب وتر والوتر أحدى الأصل‏]

اعتبار الباطن في ذلك اعلم أنه إنما وقع الاختلاف لما كانت صلاة المغرب وترا والوتر أحدي الأصل فينبغي أن يكون لها وقت واحد من أجل المناسبة في الوترية ولذلك ورد في إمامة جبريل عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد في أول فرض الصلوات لأن الملك أقرب إلى الوترية من البشر والمغرب وتر صلاة النهار كما

أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن يزيدنا الله وتر صلاة الليل إن الله قد زادكم صلاة إلى صلاتكم وذكر صلاة الوتر فأوتروا يا أهل القرآن‏

فشبهها بالفرائض وأمر بها ولهذا جعلها من جعلها واجبة دون الفرض وفوق السنة وأثم من تركها ونعم ما نظر وتفقه‏

[وترية صلاتي النهار والليل‏]

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد شرع وتر صلاة الليل وزاده إلى الصلاة المفروضة وفيها المغرب وهو وتر صلاة النهار وقال إن الله وتر يحب الوتر

فقيد المغرب بوترية صلاة النهار وقيد الوتر بوترية صلاة الليل وقال إن الله وتر يحب الوتر

يعني يحب الوتر لنفسه فشرع لنا وترين ليكون شفعا لأن الوترية في حق المخلوق محال قال تعالى ومن كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ حتى لا تنبغي الأحدية إلا لله ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد شرع وتر صلاة الليل ليشفع به وتر صلاة النهار لينفرد سبحانه بحقيقة الوترية التي لا تقبل الشفعية فإنه ما ثم في نفس الأمر إله آخر يشفع وترية الحق تعالى كما شفعت وترية صلاة الليل وترية صلاة النهار فكان مما قال فيه ومن كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ فخلق وترين فكان كل واحد منهما يشفع وترية صاحبه ولهذا لم يلحقها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة النافلة بل قال زادكم صلاة إلى صلاتكم يعني الفرائض ثم أمر بها أمته‏

[لصلاة المغرب وقتان كسائر الصلوات‏]

فلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إمامة جبريل عليه السلام به صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة صلى بالناس يومين صلى في اليوم الأول في أول الأوقات وصلى في اليوم الثاني في آخر الأوقات الصلوات الخمس كلها وفيها المغرب ثم قال للسائل الوقت ما بين هذين فجعل للمغرب وقتين كسائر الصلوات وألحقها بالصلاة الشفعية وإن كانت وترا ولكنها وتر مفيد شفعية وتر صلاة الليل فوسع وقتها كسائر الصلوات وهو الذي ينبغي أن يعول عليه فإنه متأخر عن إمامة جبريل فوجب الأخذ به فإن الصحابة كانت تأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان صلى الله عليه وسلم كان يثابر على الصلاة في أول الأوقات فلا يدل ذلك على أن الصلاة ما لها وقتان وما بينهما فقد أبان عن ذلك وصرح به وما عليه صلى الله عليه وسلم إِلَّا الْبَلاغُ والبيان وقد فعل صلى الله عليه وسلم فهذا اعتبار وتعليل يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وإلى سواء السبيل‏

(فصل بل وصل في وقت صلاة العشاء الآخرة)

[اختلاف علماء الشريعة في وقت صلاة العشاء]

اختلفت علماء الشريعة في وقتها في موضعين في أول وقتها وآخر وقتها فمن قائل إن أول وقتها مغيب حمرة الشفق وبه أقول ومن قائل إن أول وقتها مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة والشفق شفقان وهو سبب الخلاف فالشفق الأول صادق والبياض الذي بعده هو الشفق الثاني تقع فيه الشبهة فإنه قد يشبه أن يكون شبه الفجر الكاذب الذي هو ذنب‏

الصفحة 395 من الجزء 1

السرحان وهو المستطيل وجعله الشارع من الليل ولا يجوز بظهوره صلاة الصبح ولا يمنع مريد الصوم من الأكل ويشبه أن يكون شبيه الفجر المستطير الذي يصلى بظهوره صلاة الصبح ولا يجوز للصائم أن يأكل بظهوره إلا أن الأظهر عندي إنه شبيه الفجر المستطير الذي يصلى بظهوره الصبح وذلك لاتصاله بالحمرة إلى طلوع الشمس لا ينقطع بظلمة كما ينقطع الفجر الكاذب كذلك البياض الذي في أول الليل متصل بالحمرة فإذا غابت الحمرة بقي البياض فلو كانت بين البياض والحمرة ظلمة قليلة كما يكون بين الفجر المستطيل وحمرة أسفار الصبح كنا نلحقها بالفجر الكاذب ونلغي حكمها فكان والله أعلم أن الذي يراعي مغيب البياض في أول وقت العشاء أوجه ولكن إذا ثبت أن الشارع صلى في البياض بعد مغيب الشفق الأحمر فنقف عنده فللشارع إن يعتبر البياض والحمرة التي تكون في أول الليل بخلاف ما نعتبرها في آخر الليل وإن كان ذلك عن آثار الشمس في غروبها وطلوعها وأما قوله تعالى والصبح إذا تنفس فالأوجه عندي في تفسيره أنه الفجر المستطيل لانقطاعه كما ينقطع نفس المتنفس ثم بعد ذلك تتصل أنفاسه وأما آخر وقتها فمن قائل إنه ثلث الليل ومن قائل إنه إلى نصف الليل ومن قائل إنه إلى طلوع الفجر وبه أقول ولقد رأيت قولا ولا أدري من قاله ولا أين رأيته إن آخر وقت صلاة العشاء ما لم تنم ولو سهرت إلى طلوع الفجر

(الاعتبار في الباطن في ذلك الاعتبار في أول وقت هذه الصلاة وآخره)

اعلم أن العالم قد قسمه الحق على ثلاث مراتب وقسم الحق أوقات الصلوات على ثلاث مراتب فجعل عالم الشهادة وهو عالم الحس والظهور هو بمنزلة صلاة النهار فأناجي الحق بما يعطيه عالم الشهادة والحس من الدلالة عليه وما ينظر إليه من الأسماء وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏

يعني في الصلاة فناب العبد هنا مناب الحق وهذا من الاسم الظاهر فكان الحق ظهر بصورة هذا القائل سمع الله لمن حمده وكذلك قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في حق الأعرابي فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله وهو ما سمع إلا الأصوات والحروف من فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال الله إن ذلك كلامي وأضافه إلى نفسه فكان الحق ظهر في عالم الشهادة بصورة التالي لكلامه فافهم وجعل عالم الغيب وهو عالم العقل وهو بمنزلة صلاة العشاء وصلاة الليل من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر فيناجي المصلي ربه في تلك الصلاة بما يعطيه عالم الغيب والعقل والفكر من الأدلة والبراهين عليه سبحانه وتعالى وهو خصوص دلالة لخصوص معرفة يعرفها أهل الليل وهي صلاة المحبين أهل الأسرار وغوامض العلوم المكتنفين بالحجب فيعطيهم من العلوم ما يليق بهذا الوقت وفي هذا العالم وهو وقت معارج الأنبياء والرسل والأرواح البشرية لرؤية الآيات الإلهية المثالية والتقريب الروحاني وهو وقت نزول الحق من مقام الاستواء إلى السماء الأقرب إلينا للمستغفرين والتائبين والسائلين والداعين فهو وقت شريف ومن صلى هذه الصلاة في جماعة فكأنما قام نصف ليله وفي هذا الحديث رائحة لمن يقول إن آخر وقتها إلى نصف الليل وجعل سبحانه عالم التخيل والبرزخ الذي هو تنزل المعاني في الصور الحسية فليست من عالم الغيب لما لبسته من الصور الحسية وليست من عالم الشهادة لأنها معاني مجردة وأن ظهورها بتلك الصور أمر عارض عرض للمدرك لها لا للمعنى في نفسه كالعلم في صورة للبن والدين في صورة القيد والايمان في صورة العروة وهو من أوقات الصلوات وقت المغرب ووقت صلاة الصبح فإنهما وقتان ما هما من الليل ولا من النهار فهما برزخان بينهما من الطرفين لكون زمان الليل والنهار دوريا ولهذا قال تعالى يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ من كور العمامة فيخفي كل واحد منهما بظهور الآخر كما قال يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يغطيه وكذلك النهار يغشى الليل فيناجي المصلي ربه في هذا الوقت بما يعطيه عالم البرزخ من الدلالات على الله في التجليات وتنوعاتها والتحول في الصور كما ورد في الأخبار الصحاح‏

[برزخية صلاتي المغرب والصبح والفرق بينهما]

غير أن برزخية صلاة المغرب هو خروج العبد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيمر بهذا البرزخ الوتري فيقف منه على أسرار قبول عالم الغيب لعالم الشهادة وهو بمنزلة الحس الذي يعطي للخيال صورة فيأخذها الخيال بقوة الفكر فيلحقها بالمعقولات لأن الخيال قد لطف صورتها التي كانت لها في الحس من الكثافة فتروحنت بوساطة هذا البرزخ وسببه وتر صلاة المغرب فإن الفعل للوتر فهو الذي لطف صورتها على الحقيقة ليقبلها عالم الغيب والعقل لأن العقل لا يقبل صور الكثيف والغيب لا يقبل الشهادة فلا بد أن‏

الصفحة 396 من الجزء 1

يلطف البرزخ صورتها حتى يقبلها عالم الغيب وكذلك برزخ الفجر وهو خروج عالم الغيب إلى عالم الشهادة والحس فلا بد أن يمر ببرزخ الخيال وهو وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فما هو من عالم الغيب ولا من عالم الشهادة فيأخذ البرزخ الذي هو الخيال المعبر عنه بوقت الفجر إلى طلوع الشمس المعاني المجردة المعقولة التي لها الليل فيكثفها الخيال في برزخه فإذا كساها كثافة من تخيله بعد لطافتها حينئذ وقعت المناسبة بينها وبين عالم الحس فتظهر صورة كثيفة في الحس بعد ما كانت صورة روحانية لطيفة غيبية فهذا من أثر البرزخ يرد المعقول محسوسا في آخر الليل ويرد المحسوس معقولا في أول الليل‏

[الصور العقلية والخيالية والحسية]

مثاله أن لصورة الدار في العقل صورة لطيفة معقولة إذا نظر إليها الخيال صورها بقوته وفصلها وكثفها عن لطافتها في العقل ثم صرف الجوارح في بنائها بجمع اللبن والطين والجص وجميع ما نحيله البناء المهندس فأقامها في الحس صورة كثيفة يشهدها البصر بعد ما كانت معقولة لطيفة تتشكل في أي صورة شاءت فزالت عنها في الحس تلك القوة بما حصل لها من التقييد فتبقى النهار كله مقيدة بتلك الصورة على قدر طول النهار فإن كان النهار لا انقضاء له كيوم الدار الآخرة فتكون الصورة لا ينتهي أمدها وإن كان أنهار ينقضي كيوم الدنيا وأيامها متفاضلة فيوم من أربع وعشرين ساعة ويوم من شهر ويوم من سنة ويوم من ثلاثين سنة ودون ذلك وفوق ذلك فتبقى الصورة مقيدة بتلك المدة طول يومها وهو المعبر عنه بعمرها إلى الأجل المسمى إلى أن يحيى وقت المغرب فيلطف البرزخ صورتها وينقلها من عالم الحس ويؤديها إلى عالم العقل فترجع إلى لطافتها من حيث جاءت هكذا حركة هذا الدولاب الدائر فإن فهمت وعقلت هذه المعاني التي أوضحنا لك أسرارها علمت علم الدنيا وعلم الموت وعلم الآخرة والأزمنة المختصة بكل محل وأحكامها والله يفهمنا وإياك حكمه ويجعلنا ممن ثبت في معرفته قدمه‏

[أقسام الليل الثلاث وعوالم الإنسان الثلاث‏]

فالليل ثلاثة أثلاث والإنسان ثلاثة عوالم عالم الحس وهو الثلث الأول وعالم خياله وهو الثاني وعالم معناه وهو الثلث الآخر من ليل نشأته وفيه ينزل الحق وهو قوله وسعني قلب عبدي وقوله إن الله لا ينظر إلى صوركم وهو الثلث الأول ولا إلى أعمالكم وهو الثلث الثاني ولكن ينظر إلى قلوبكم وهو الثلث الآخر فقد عم الليل كله فمن قال إن آخر الوقت الثلث الأول فباعتبار ثلث الحس ومن قال آخره إلى نصف الليل وهو وسط الثلث الثاني فباعتبار الثلث الثاني وهو عالم خياله لأنه محل العمل في التلطيف أو التكثيف ومن قال إلى طلوع الفجر فباعتبار عالم المعنى من الإنسان وكل قائل بحسب ما ظهر له وقد وقع الإجماع بطلوع الفجر أنه يخرج وقت صلاة العشاء فالظاهر أن آخر الوقت إلى طلوع الفجر لمحل الإجماع والاتفاق على خروج الوقت بطلوع الفجر وبقولنا يقول ابن عباس إن آخر وقتها إلى طلوع الفجر

(فصل بل وصل في وقت صلاة الصبح)

[اختلاف علماء الشريعة في الوقت المختار لصلاة الصبح‏]

اتفق الجميع على إن أول وقت الصبح طلوع الفجر وآخره طلوع الشمس واختلفوا في وقتها المختار فمن قائل إن الأسفار بها أفضل ومن قائل إن التغليس بها أفضل وبه أقول‏

(الاعتبار في الباطن في ذلك)

اعلم أنه من غلب على فهمه من قوله صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى في رؤية الله إن ذلك راجع إلى العلم والعقل لا إلى البصر وبه قال جماعة من العقلاء النظار من أهل السنة فهم بمنزلة من يرى التغليس ومن غلب على فهمه مما ورد في الشرع من الرؤية أن ذلك بالبصر وأنه لا يقدح في الجناب الإلهي وأن الجهة لا تقيد البصر وإنما تقيد الجارحة فهو بمنزلة من يرى الأسفار بصلاة الصبح بحيث أن يبقى لطلوع الشمس قدر ركعة أو يسلم مع ظهور حاجب الشمس والعجب من هذا أن الذي ذهب إلى أن الرؤية الواردة في الشرع محمولة على العلم لا على البصر يرى الأسفار بالصبح وأن الأكثر من الذين يرون أن الرؤية الواردة في الشرع يوم القيامة محمولة على البصر لا على العلم يرون التغليس بالصبح فهذا أحسن وجه في اعتبار هذا الوقت وأعمه وأعلاه وله اعتبارات غير هذا ولكن يجمعها كلها ما ذكرناه ولا يجمع تلك الاعتبارات التي تركناها حقيقة هذا الاعتبار الذي ذكرناه فلهذا اقتصرنا عليه والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء السادس والثلاثون‏

الصفحة 397 من الجزء 1

(فصل بل وصل في أوقات الضرورة والعذر

فقوم أثبتوها وقوم نفوها) (بسم الله الرحمن الرحيم) والخلاف مشهور بينهم في ذلك‏

اعتبار الباطن في ذلك‏

من نسب الأفعال إلى الله نفاها ومن أثبت الفعل للعبد كسبا أو خلقا بأي وجه كان من هذين أثبتها

(فصل بل وصل في أوقات الضرورة عند مثبتيها)

[الحالات الأربعة للضرورة]

اتفق العلماء بالشريعة على أنها لأربع للحائض تطهر في هذه الأوقات أو تحيض في هذه الأوقات وهي لم تصل والمسافر يذكر الصلوات في هذه الأوقات وهو حاضر أو الحاضر يذكرها فيها وهو مسافر والصبي يحتلم فيها والكافر يسلم واختلفوا في المغمى عليه فمن قائل هو كالحائض لا يقضي الصلاة ومن قائل يقضي فيما دون الخمس‏

الاعتبار الباطن في ذلك‏

الحائض تطهر في وقت الضرورة التائب من الكذب لضرورة والطاهر تحيض الصادق يكذب للضرورة اعتبار المسافر والحاضر المسافر بفكره أو بذكره يذكر ما فاته في وقت سفره في حصوله في المقام لنقص يشاهده فيه يعلم أنه نسي ذلك في وقت سفره والحاضر يعني صاحب المقام يذكر في حال سفره ما فاته في وقت إقامته من الأدب مع الحق كقولهم اقعد على البساط وإياك والانبساط لخلل يراه في سفره فيعلم إن ذلك من آثار ما فاته من الأدب في مقامه قال تعالى لَقَدْ لَقِينا من سَفَرِنا هذا نَصَباً ولم يكن قبل ذلك أصابه نصب ليتذكر دلالة الحوت اعتباره في الصبي يبلغ فيها العبد يكون تحت الحجر فإذا كان الحق سمعه وبصره ويده وقواه وجوارحه كما ورد فقد خرج عن الحجر فإذا أدركه هذا الحال وهو في حكم اسم إلهي لما ذا يكون الحكم فيه هل للاسم الذي كان تحت حكمه أو للاسم الذي انتقل إليه فإن الوقت مشترك وكذلك الاعتبار في الكافر يسلم في وقت الضرورة والكافر هو صاحب الستر والغيرة تغلب عليه والغيرة على الحق لا تصح وفي الحق تصح وللحق تصح ويغلب عليه إن لا غير ولا سيما إن عرف معنى هُوَ الْأَوَّلُ والْآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ وما ثم إلا هذه الأحوال وهو الكل إذ هو عينها فمن يغار أو ممن يغار أو على من يغار أو فيمن يغار

أخبروني أخبروني إنني *** حرت في الله فما أصنعه‏

وأما اعتبار المغمى عليه فهو صاحب الحال ما حكمه إذا أفاق في هذا الوقت أو أخذه الحال في هذا الوقت هو مع الاسم المهيمن على ذلك الوقت الحاكم فيه‏

(فصل بل وصل في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها)

[الأوقات الخمس المنهي عن الصلاة فيها]

الأوقات المنهي عن الصلاة فيها هي بالاتفاق والاختلاف خمسة أوقات وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ووقت الاستواء وبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر

اعتبار ذلك في الباطن‏

ولِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ الشمس الحق والصلاة المناجاة فإذا تجلى الحق كان البهت والفناء فلم يصح الكلام ولا المناجاة فإن هذا المقام الإلهي يعطي أنه تعالى إذا أشهدك لم يكلمك وإذا كلمك لم يشهدك إلا أن يكون التجلي في الصورة عند ذلك تجمع بين الكلام والمشاهدة وإذا غاب المشاهد عن نفسه لم تصح المناجاة

لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏

بلا شك وقد علمت إن العبد غائب عند الشهود لاستيلاء المشهود عليه فلا مناجاة

[في وقت الاستواء يغيب ظل الممكن‏]

وفي وقت الاستواء يغيب عنك ظلك فيك وظلك حقيقتك والنور قد صف بك من جميع الجهات وغمرك فلا يتعين لك أمر تسجد له إلا وعينه من خلفك كما هو من أمامك ومن عن يمينك وشمالك وفوقك فلا يجذبك من جميع جهاتك لأنك نور من جميع جهاتك والصلاة نور فاندرجت الأنوار في الأنوار والصلاة لا تصلي لها

[الشغل بضم الحبيب يفني عن مخاطبته‏]

وأما بعد الصبح إلى طلوع الشمس فهو وقت خروجك من عالم البرزخ إلى عالم الشهادة والصلاة لم يفرض وقتها إلا في الحس لا في البرزخ وكذلك بعد صلاة العصر فإن السفل بضم الحبيب يغني عن مخاطبته لسريان اللذة في ذلك الضم‏

(فصل في الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها)

[أقوال الفقهاء في الصلوات في الأوقات المنهي عنها]

فمن قائل هي الصلاة كلها بإطلاق ومن قائل هي ما عدا المفروض من سنة أو نفل ومن قائل هي النفل دون السنن‏

الصفحة 398 من الجزء 1

ومن قائل هي النفل فقط بعد الصبح والعصر والنفل والسنن معا عند الطلوع والغروب وأما عندنا فإن هذه الأوقات هي للفرائض للنائم والناسي يتذكر أو يستيقظ فيها ولقضاء النوافل إذا شغل عنها أن يصليها في الوقت الذي كان عينه لها

اعتبار الباطن في ذلك‏

المناجاة الإلهية بين الله وبين عبده على أربعة أقسام مناجاة من حيث إنه يراك ومناجاة من حيث إنك تراه ومناجاة من حيث إنه يراك وتراه ومناجاة لبعض أهل النظر في الاعتقادات بالأدلة من حيث إنك لا تراه علما في اعتقاد ولا تراه بصرا في اعتقاد ولا يراك بصرا في اعتقاد ولا علما في اعتقاد من نفى عنه العلم بالجزئيات لكن تراه علما لاندراج الجزء في الكل وهذا ما هو اعتقادنا ولا اعتقاد أهل السنة بل هو سبحانه بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ وقال أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر الصحيح عنه أنه يراك‏

وقد نبهناك على مأخذ الاعتبارات في هذه الأقسام وأنت تعرف قسمك منها ومن عرف قسمه فمن هناك يثبت مناجاته أو يحيلها

(فصول بل وصول الأذان والإقامة)

[الأذان شرعا: إعلام بدخول وقت الصلاة]

الأذان الإعلام بدخول الوقت والدعاء للاجتماع إلى الصلاة في المساجد والإقامة الدعاء إلى المناجاة الإلهية

الاعتبار في الباطن في ذلك‏

الأذان الإعلام بالتجلي الإلهي لتتطهر الذوات لمشاهدته والإقامة للقيام لتجليه إذا ورد يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏

(فصل بل وصل في صفات الأذان)

[صيغ الأذان الأربعة]

اعلم أن الأذان على أربع صفات الصفة الأولى تثنية التكبير وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى وبعض القائلين بهذه الصفة يرون الترجيع في الشهادتين وذلك أن يثني الشهادتين أولا خفيا ثم يثنيها مرة ثانية مرفوع الصوت بها وهذا الأذان أذان أهل المدينة الصفة الثانية تربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الأذان وهذا أذان أهل مكة الصفة الثالثة تربيع التكبير الأول وتثنية باقي الأذان وهذا أذان أهل الكوفة الصفة الرابعة تربيع التكبير الأول وتثليث الشهادتين وتثليث الحيعلتين يبتدئ بالشهادة إلى أن يصل إلى حي على الفلاح ثم يعيد ذلك على هذه الصفة ثانية ثم بعيدها أيضا على تلك الصورة ثالثة الأربع الكلمات نسقا ثلاث مرات وهذا أذان أهل البصرة

اعتبار الباطن في ذلك‏

تثنية التكبير للكبير والأكبر وتربيعه للكبير والأكبر ولمن تكبر نفسا وحسا مشروعا كان ذلك التكبر كحديث أبي دجانة أو غير مشروع والتربيع في الشهادتين للأول والآخر والظاهر والباطن وتثنية ما بقي لك وله تعالى وتثليث الأربع الكلمات على نسق واحد في كل مرة وهو كما قلنا مذهب البصريين إعلام بالمرة لواحدة لعالم الشهادة وبالثانية لعالم الجبروت وبالثالثة لعالم الملكوت وعند أبي طالب المكي الثانية لعالم الملكوت والثالثة لعالم الجبروت‏

[الأسباب شعائر وأعلام موضوعة لإرادة الله في التكوين والخلق‏]

تحقيق ذلك هو أن الإنسان إذا نظر بعين بصره وعين بصيرته إلى الأسباب التي وضعها الله تعالى شعائر وأعلاما لما يريد تكوينه وخلقه من الأشياء لما سبق في علمه أن يربط الوجود بعضه ببعضه ودل الدليل على توقف وجود بعضه على وجود بعضه وسمع ثناء الحق تعالى على من عظم شعائر الله وإن ذلك التعظيم لها من تقوى القلوب في قوله تعالى في كتابه العزيز ومن يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ قال عند ذلك الله أكبر يقول وإن كانت عظيمة في نفسها بما تدل عليه وعظيمة من حيث إن الله أمر بتعظيمها فموجدها وخالقها الآمر بتعظيمها أكبر منها وهذه هي أكبر للمفاضلة وهي أفعل من فلما أتمها كوشف هذا الإنسان الناطق بها على حقارة الأسباب في أنفسها لا نفسها وافتقارها لي موجدها لإمكانها افتقار المسببات على السواء ورآها عينا وكشفا عند كشف الغطاء عن بصره ناطقة بتسبيح خالقها وتعظيمه‏

[تسبيح كل شي‏ء بحمد خالقه‏]

فإنه القائل وإِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ تسبيح نطق يليق بذلك الشي‏ء لا تسبيح حال ولهذا قال لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ لاختلاف ما يسبحون به إلا لمن سمعه إِنَّهُ كانَ حَلِيماً حيث لم يؤاخذ ولم يعجل عقوبة من قال إنه تسبيح حال غَفُوراً ساترا نطقهم عن أن تتعلق به الأسماع إلا لمن خرق الله له العادة

فقد ورد أن الحصى سبح بحضور من حضر من الصحابة في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زال الحصى مسبحا

وما خرق اسم العادة إلا في إسماع السامعين ذلك بتعلقها بالمسموع وما قال ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إلا في معرض الرد على من يقول أنه تسبيح حال فإن العالم كله قد تساوى في الدلالة فمن‏

الصفحة 399 من الجزء 1

يقول بتسبيح الحال فقد أكذب الله في قوله تعالى لا تَفْقَهُونَ‏

[تعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله‏]

وأما قوله تعالى ومن يُعَظِّمْ حُرُماتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يعني خير إله ممن يعظم شعائر الله إذا جعلنا خير بمعنى أفعل من ليميز بين تعظيم الشعائر وتعظيم حرمات الله فإن حرمة الله ذاتية فهو يقتضي التعظيم لذاته بخلاف الأسباب المعظمة فإن الناظر في الدليل ما هو الدليل له مطلوب لذاته فينتقل عنه ويفارقه إلى مدلوله فلهذا العالم دليل على الله لأنا نعبر منه إليه تعالى ولا نبغي أن نتخذ الحق دليلا على العالم فكنا نجوز منه إلى العالم وهذا لا يصح فما أعلى كلام النبوة حيث‏

قال من عرف نفسه عرف ربه‏

وقال تعالى أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى كذا وعدد المخلوقات لتتخذ أدلة عليه لا ليوقف معها فهذا الفرق بين حرمات الله وشعائر الله‏

[الله هو الكبير على الإطلاق غير مفاضلة ولا تقييد]

فنقول ثاني مرة الله أكبر تعظيما لحرمة الله لا بمعنى المفاضلة وذلك معروف في اللسان فمعناه الله الكبير لا أفعل من فهو الكبير واضع الأسباب وأمرنا بتعظيمها ومن لا عظمة له ذاتية لنفسه فعظمته عرض في حكم الزوال فالكبير على الإطلاق من غير تقييد ولا مفاضلة هو الله فهذه التكبيرة الثانية المشروعة في الأذان وأنها لهاتين الصورتين فإن ربع التكبير فيكون تثنية التكبيرة الواحدة على الحد الذي ذكرناه حسا وعقلا أي كما كبره اللسان بلفظ المفاضلة كذلك كبيرة عقلا كأنه يقول الله أكبر باللسان كما هو أكبر بالعقل أي هو أكبر بدليل الحسر ودليل العقل ثم يثني التكبيرة الأخرى أيضا حسا وعقلا فيقول الله أكبر أي هو الكبير لا بطريق المفاضلة حسا الله أكبر أي هو الكبير لا بطريق المفاضلة عقلا حرمة وشرعا فهذا مشهد من ربع التكبير في الأذان الذي هو الإعلام بالإعلان‏

[الشهادة بالألوهية أن تعى ما ينبغي لجلال الله فتضيف الكل إليه‏]

ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله خفيا يسمع نفسه وهو بمنزلة من يتصور الدليل أولا في نفسه ثم بعد ذلك يتلفظ به وينطق معلنا في مقابلة خصمه أو ليعلم غيره مساق ذلك الدليل وذلك أن يشهد هذا المؤذن في هذه الشهادة أنه يرى الأسباب المحجوبة عن المعرفة بالله التي أعطيت قوة النطق وحجبت عن إدراك الأمر في نفسه بالجهل أو عن إدراك ما ينبغي لجلال الله من إضافة الكل إليه بحجاب الغفلة فيقول الجاهل أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ أو المستخف وهو ضرب من الجهل أو يقول ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي وقد يمكن أن يكون كاذبا عند نفسه عالما بأنه كاذب لكنه فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ ويقول أنا أنعمت على فلان أنا وليت فلانا أنا علمت فلانا لعلم الذي عنده والقرآن ولو لا أنا ما علم شيئا مما علمه وسمع الله يقول أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ وقال يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ من قَبْلِكُمْ وهي الأسباب التي وجدتم عندها ثم قال لمن يرى إنا وجدنا بالأسباب لا عندها فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه أوجد الأسباب وأوجدكم عندها لا بها فيقول عند ذلك أشهد أن لا إله إلا الله أي لا خالق إلا الله فينفي ألوهية كل من ادعاها لنفسه من دون الله وأثبتها لمستحقها لو ادعاها مع الله كالمشرك فشهد بذلك لله عقلا وشرعا وحسا ومعنى هذا كله مع نفسه كمتصور الدليل أولا ثم يرفع بها صوته ليسمع غيره من متعلم ومدع وجاهل وغافل عن قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ وأمثاله مثل خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فقطع حكم لأسباب فهذا معنى الشهادة وتثنيتها وتربيعها

[الشهادة بالرسالة المحمدية شهادة بالتوحيد عن طريق القربة]

وكذلك قوله أشهد أن محمدا رسول الله وهو أنه لما تشهد بالتوحيد بما أعطاه الدليل شهد به علما لا على طريق القربة لأن الإنسان من حيث عقله لا يعلم أن التلفظ بذلك وأن النظر في معرفة ذلك يقرب من الله وإنما حظه أن يعلم أن نفسه تشرف بصفة العلم على من يجهل ذلك وأن التصريح به وبكل دليل على مثل هذا العلم على جهة تعليم من لا يعلم وإرداع المعاند تشريفا لهذا النفس على نفس من ليس له ذلك لأنه لا حكم للعقل في اتخاذ شي‏ء قربة إلى الله فجاء الرسول من عند الله فأخبره أن يقول ذلك وأن ينظر في ذلك أن يخفيه في نفسه ويسره وفي التعليم والإرداع للغير إذا أعلن به أن يكون ذلك على طريق القربة إلى الله فيكون مع كونه علما عبادة فيقول العالم المؤمن إذا أذن أو قال مثل ما يقول المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله علما وعبادة ويقولها العامي تقليدا وتعبدا والتثنية في هذه الشهادة الرسالية والتربيع والحكم فيها على حكم شهادة التوحيد سواء في المراتب التي ذكرناها سواء فإن ثلث كأذان البصريين الأربع الكلمات على نسق واحد في كل مرة فهو أن يقولها في المرة الأولى علما وفي المرة الثانية تعليما لأنه معلن وفي المرة الثالثة عبادة فهي كلها علم وتعليم وعبادة فافهم وما خالف البصريون الكوفيين والحجازيين والمدنيين‏

الصفحة 400 من الجزء 1

إلا في هذا أعني التثليث والنسق وكل سنة والإنسان مخبر يؤذن بأي صفة شاء من ذلك كله وهو مذهبنا كالروايات المختلفة في صلاة الكسوف وغير ذلك‏

[الحيعلتان نداء بالإقبال على مناجاة الرب‏]

ثم إن الله شرع لنا في الأذان بعد الشهادتين أن نقول حي على الصلاة مثنى ندعو بالواحدة نفسي وندعو بالثانية غيري ومعناه أقبلوا على مناجاة ربكم فتطهروا وائتوا المساجد بالمرة الواحدة ومن كان في المسجد يقول له في المرة الثانية حين يثنيها طهروا قلوبكم واحضروا بين يدي ربكم فإنكم في بيته قصدتموه من أجل مناجاته وكذلك قوله حي على الفلاح بالاعتبارين أيضا والتفسيرين في المرتين يقول للخارج والكائن في المسجد ولنفسه ولغيره أقبلوا على ما ينجيكم فعله من عذابه بنعيمه ومن حجابه بتجليه ورؤيته وأقبلوا بالثانية من حي على الفلاح على ما يبقيكم في نعيمكم ولذة مشاهدتكم‏

[الله أولى بالتكبير من الذي يمنعكم من الإقبال عليه‏]

ثم يقول الله أكبر الله أكبر لنفسه ولغيره ولمن هو ينتظر الصلاة كالحاضر في المسجد ومن هو خارج في أشغاله يقول الله أكبر مما أنتم فيه أي الله أولى بالتكبير من الذي يمنعكم من الإقبال الذي أمرناكم به على الصلاة وعلى الفوز والبقاء في الحيعلتين وإنما لم يربع الثاني فإنه ليس مثل الأول فإن الثاني أعني التكبير والحيعلتين إنما المقصود بذلك القربة والعقل لا يستقل بإدراكها فهي للشرع خاصة فلهذا لم يربع الحيعلتين ولا التكبير الثاني وثنى لكونه خاطب نفسه وغيره والكائن في المسجد وغير الكائن‏

[بالتوحيد المطلق ختم الأذان‏]

ثم قال لا إله إلا الله فختم الأذان بالتوحيد المطلق لما كان الأذان يتضمن أمورا كثيرة فيها أفعال منسوبة إلى العبد فربما يقع في نفس المدعو أنه ما دعي إلى أن يفعلها إلا والفعل له حقيقة والداعي أيضا كذلك فيخاف عليه أن يضيف الفعل إلى نفسه خلقا كما يراه بعضهم وما جعله الله دليلا عليه من جملة الأدلة على توحيده إلا انفراده بالخلق مثل قوله أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فهي ألوهية خفية في نفس كل إنسان وهو الشرك الخفي المعفو عنه فختم الأذان بالتوحيد من غير تثنية ولا تثليث ولا تربيع وهذا هو التوحيد المطلق الذي جاءت به الأنبياء من عند الله عن الله وهي أفضل كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله فيتنبه السامعون كلهم أنه لا إله إلا الله فوحد لطلبه التوحيد على الإطلاق وما زاد على التوحيد في كل أذان مشروع من الأربعة مذاهب في ذلك‏

[التثويب في أذان صلاة الصبح‏]

وأما التثويب في أذان صلاة الصبح وهو قولهم الصلاة خير من النوم من الناس من يراه من الأذان المشروع فيعتبره ومن الناس من يراه من فعل عمر فلا يعتبره ولا يقول به وأما مذهبنا فإنا نقول به شرعا وإن كان من فعل عمر فإن الشارع قرره‏

بقوله من سن سنة حسنة

ولا شك أنها سنة حسنة ينبغي أن تعتبر شرعا وهي بهذا الاعتبار من الأذان المسنون إلا في مذهب من يقول إن المسنون هو الذي فعل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وعرفه وقرره أو يكون هو الذي سنه صلى الله عليه وسلم فيكون حاصله عند صاحب هذا القول أنه لا يسمى سنة إلا ما كان بهذه الصفة فما هو خلاف يعتبر ولا يقدح‏

[الزيادة في الأذان بحي على خير العمل‏]

وأما من زاد حي على خير العمل فإن كان فعل في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما

روى أن ذلك دعا به في غزوة الخندق إذ كان الناس يحفرون الخندق فجاء وقت الصلاة وهي خير موضوع كما ورد في الحديث فنادى المنادي أهل الخندق حي على خير العمل‏

فما أخطأ من جعلها في الأذان بل اقتدى إن صح هذا الخبر أو سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها وما كرهها من كرهها إلا تعصبا فما أنصف القائل بها نعوذ بالله من غوائل النفوس‏

(فصل بل وصل في حكم الأذان)

[أقوال العلماء في الأذان‏]

فمن قائل إنه واجب ومن قائل إنه سنة مؤكدة والقائل بوجوبه منهم من يراه فرضا على الأعيان ومنهم من يراه فرض كفاية ومن قائل إن الأذان فرض على مساجد الجماعات وهو مذهب مالك وفي رواية عنه إنه سنة مؤكدة ولم يره على المنفرد لا فرض ولا سنة ومن قائل إنه هو واجب على الأعيان ومن قائل إنه واجب على الأعيان على الجماعات سفرا وحضرا ومن قائل سفرا لا غير ومن قائل إنه سنة للمنفرد والجماعة إلا أنه آكد في حق الجماعة واتفق الجميع على أنه سنة مؤكدة أو فرض على المصر وبه كان يقول شيخنا أبو عبد الله بن العاص الدلال بإشبيلية سمعته من لفظه غير مرة وكان يقول إذا اجتمع أهل مصر على ترك الأذان أو ترك سنة وجب غزوهم واحتج بالحديث الثابت‏

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما صبحهم فإن سمع نداء لم يغر وإن لم يسمع نداء أغار

الاعتبار في الباطن في ذلك‏

الصفحة 401 من الجزء 1

حق كل نفس إن تدعو نفسها وغيرها إلى طاعة الله بعد وضع الشريعة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولصاحبه إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما

الحديث والإنسان مسافر مع الأنفاس منذ خلقه الله دنيا وآخرة لا يصح له أن يكون مقيما أبدا ولو أقام زائدا على نفس واحد لتعطل فعل الإله في حقه فالحق سبحانه في كل نفس في الخلق في شأن وهو أثره في كل عين موجودة بكيفية خاصة أشهدنا الله دقيقها وجليلها فما أعز صاحبها عند الله فمن فاته مراعاة أنفاسه في الدنيا والآخرة لقد فاته خير كثير

(فصل بل وصل في وقت الأذان)

[لا يؤذن للصلاة قبل وقتها ما عدا الصبح‏]

اتفق العلماء على أنه لا يؤذن للصلاة قبل دخول وقتها ما عدا الصبح فإن فيه خلافا فمن قائل بجواز ذلك أنه يؤذن لها قبل الفجر ومن قائل بالمنع وبه أقول فإن الأذان قبل الوقت إنما هو عندي ذكر بصورة الأذان ما هو الأذان على جهة الإعلام بدخول وقت الصلاة

فقد كان بلال يؤذن بليل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يمنعكم أذان بلال عن الأكل والشرب يعني في رمضان ولمن يريد الصوم فإنه يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم‏

وكان رجلا أعمى فكان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت فالمؤذن عندي لا يجب إلا بعد دخول الوقت ومن قائل لا بد للصبح من أذانين أذان قبل الوقت وأذان بعده وقال أبو محمد بن حزم لا بد للصبح من أذان بعد الوقت‏

اعتبار الباطن في ذلك‏

دعاء النفوس إلى الله من الله في نفس الأمر ودعاؤها من الأكوان بالنظر إلى الغافلين أو الجهلاء الذين هم تحت حكم الأسماء الإلهية أو التصريف الإلهي وهم لا يشعرون فلهذا قلنا في نفس الأمر فاعلم إن للوقت سلطانا لا يحكم فيه غيره فلا بد أن يتعين عند المحكوم عليه سلطان الوقت وهو الاسم الإلهي الخاص بذلك الوقت فلا يمكن أن يدعى لها بطريق الوجوب إلا بعد دخول الوقت فعند ذلك يكون ممن دعا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ فإنه دعاء خاص في كل وقت بما يليق بذلك الوقت فإن دعا في غير وقته وقع الإنسان في الجهل فإنه يدعوه بما يخرجه عن سلطان حكمه الذي يرتقبه السامع في نفسه فلا بد من الدعاء له بعد دخول وقته حتى يتعين من هو صاحب الوقت من هذه الأسماء الإلهية انظر هل يصح منك الشكر قبل دخول حكم الاسم المنعم فإذا كان وقتك النعمة ودخل وقتها بوجودها عندك دعيت إلى شكر المنعم‏

[اعتبار الخلاف في أذان الصبح قبل دخول وقته‏]

وإنما دخل الخلاف في الصبح لجهل السامع بمقصود الشارع بذلك الذكر فإنه دعاء لصاحب الوقت بخلاف سائر الصلوات فإن الليل لما كان محلا للنوم ونام الناس شرع النداء الآخر الذي هو الأول لإيقاظ النائمين فهو دعاء للانتباه والاستعداد لإيقاع صلاة الصبح في أول الوقت فهو نداء تحضيض وتحريض وجعل بصورة الأذان المشروع للصلاة أي من أجل الصلاة دعوناكم لتتذكروها فتتأهبوا لها فإذا دخل وقتها وجب الإعلام بدخول الوقت لجهل السامعين بدخول أول الوقت فإنه يخفى على أكثر الناس فإن أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فيعلمون بالأذان المشروع لدخول الوقت أن الوقت قد دخل‏

[الغافل عن حكم الاسم الإلهي فيه‏]

وكذلك الحكم في الاعتبار الغافل عن حكم الاسم الإلهي فيه ينبهه الداعي من نومة الغفلة بأنه تحت حكم اسم إلهي يصرفه وأنه لا حول ولا قوة له إلا به فإذا انتبه من نوم غفلته وتذكر بعقله عرف عند ذلك أي اسم هو صاحب الوقت فاذعن له بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك الاسم الإلهي في حق هذا الشخص قال تعالى ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وقال وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏

[الأذان قبل الصبح هو ذكر بصورة أذان‏]

وإنما ذهبنا إلى أن الأذان قبل الصبح هو ذكر ونداء بصورة الأذان ما هو الأذان المشروع بالإعلام لدخول الوقت‏

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن بلالا ينادي بليل ولم يقل يؤذن وكذا قال في ابن أم مكتوم ينادي لموضع الشبهة

فإنه كان أعمى فكان لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت أي قاربت الصباح قال الراوي وكان بين نداء بلال ونداء ابن أم مكتوم قدر ما ينزل هذا ويصعد هذا فسماه نداء لهذا الاحتمال أعني أذان ابن أم مكتوم فإن الفصاحة في لسان العرب تطابق الألفاظ في سبق لما قال في بلال إنه ينادي بليل ويؤيد ما ذهبنا إليه حديث ابن عمر إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فسماه ابن عمر أذانا لما عرف من قرينة الحال فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام ليعرف الناس أن وقت الصلاة ما دخل فإن الأذان المشروع إنما هو لدخول وقت الصلاة فلما عرف من بلال أنه قصد الأذان وأن السامعين ربما

الصفحة 402 من الجزء 1

أوقعوا الصلاة في غير وقتها أمره أن يعرف الناس أنه قد غلط في أذانه ولهذا يكون من المؤذنين بالليل الدعاء والتذكير وتلاوة آيات من القرآن والمواعظ وإنشاد الشعر المزهد في الدنيا المذكر الموت والدار الآخرة ليعلم الناس إذا سمعوا الأذان منهم أنهم يريدون بذلك ذكر الله كما تقدم وأنه لإيقاظ النائمين لا لدخول الوقت ويكون لدخول الوقت مؤذن خاص يعرف بصوته وكذا هو في الاعتبار لتنوع الأحوال على أهل الله لا بد لهم من علامات يفرقون بها بين الأحوال التي تعطيها الأسماء الإلهية فافهم‏

(فصول في الشروط في هذه العبادة)

[اختلاف الفقهاء في شروط الأذان‏]

قال بعض العلماء وهي ثمانية شروط وعددها فقال إن منها هل من شرط من أذن أن يكون هو الذي يقيم أم لا الثاني هل من شرط الأذان أن لا يتكلم المؤذن في أثنائه أم لا الثالث هل من شرطه أن يكون المؤذن على طهارة أم لا الرابع هل من شرطه أن يتوجه المؤذن إلى القبلة أم لا الخامس هل من شرطه أن يكون المؤذن قائما أم لا يكون السادس هل يكره الأذان للراكب أم ليس يكره السابع هل من شرطه البلوغ أم لا الثامن هل من شرطه أن لا يأخذ أجرا على الأذان أم يأخذ الأجر اختلف علماء الشريعة في هذه الشروط وأدلتهم ما بين قياس ومعارضة أخبار بين صحيح وسقيم ومذهبنا أن الأذان يصح بوجودها وعدمها والعمل بها أولى إن اتفق ولا يمنع من ذلك مانع‏

وأما الاعتبار في ذلك في الشروط كلها التي ذكرناها

فاعلم إن الداعي قد يكون الاسم الإلهي الذي يدعو به الحق إلى الحق وهو عين الداعي الذي يقوم به بين يدي الحق في أي شي‏ء دعا إليه من الأحوال وقد يكون غيره من الأسماء فلا يشترط من إذن فهو يقيم فإن فيه حرجا

[الكلام لحال يطلبه أثناء الدعوة إلى الحق‏]

الداعي إلى الحق قد يتكلم في أثناء دعائه إلى الحق لحال يطلبه بذلك لا يجوز له التأخر عنه إما لأدب إلهي أو لفرض تعين عليه وقد لا يتكلم ما لم يقدح في فهم السامع ما يخرجه عن أن يكون داعيا له وهذا اعتبار الشرط الثاني‏

[الدعوة إلى الحق حالا ومقالا والدعوة إليه مقالا فقط]

الداعي قد يدعو بحاله وهو طهارته وهو أفضل وقد يدعو بما ليس هو عليه في حاله وهو خير بكل وجه كما قال الحسن ابن أبي الحسن البصري وكان من أهل طريق الله العلية منهم لو لم يعظ أحد أحدا حتى يعظ نفسه ما وعظ أحد أحدا أبدا ولفاعل المنكر أن ينهى عن المنكر وإن لم يفعل اجتمع عليه إثمان فاعلم ذلك وهذا هو اعتبار الشرط الثالث‏

[الدعاء إلى الله وقصد الدنيا]

الداعي إن قصد بدعائه وجه الله فهو أولى وإن قصد بذلك دنيا فلا يمنعه ذلك من الدعاء إلى الله والأول أفضل ويرجى للآخر أن ينتفع بدعوته سامع فيدعو له فيسعد بدعائه فهذا بمنزلة استقبال القبلة بالأذان وهو الشرط الرابع‏

[القيام بحقوق الدعوة والقعود عنها]

الداعي إن كان قائما بحقوق ما يدعو إليه فهو أولى من قعوده عن ذلك في دعائه وهذا اعتبار الشرط الخامس‏

[الدعوة إلى الله والحضور مع عبودية النفس‏]

الداعي هل يكون في دعائه حاضرا مع عبوديته وذلته أو يكون في حال نظره لعزة نفسه وتكبرها وعجبها وهو الذي يؤذن راكبا وحضوره مع ذلته أولى وهو اعتبار الشرط السادس‏

[الدعوة إلى الله وبلوغ المعرفة به‏]

الداعي هل ينبغي له أن يدعو قبل بلوغه إلى المعرفة بمن يدعو إليه كدعاء المقلد أو لا يدعو حتى يعرف من يدعو إليه وهو اشتراط البلوغ في الأذان وهذا اعتبار الشرط السابع‏

[الأجر على الدعوة]

الداعي إلى الله هل من شرطه أن لا يأخذ أجرا على دعائه فهو عندنا أفضل إنه لا يأخذ وإن أخذ جاز له ذلك فإن مقام الدعوة إلى الله يقتضي الأجرة فإنه ما من نبي دعا قومه إلا قيل له قل ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ من أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فأثبت الأجرة على دعائه وسألها من الله لا من المدعو حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سأل منا في الأجر على تبليغ الدعاء إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى‏ وهو حب أهل البيت وقرابته صلى الله عليه وسلم وأن يكرموا من أجله كانوا ما كانوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحق ما أخذتم عليه كتاب الله في حديث الذي رقى اللديغ بفاتحة الكتاب واستراح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اضربوا فيها بسهم يعني في الغنم التي أخذوها أجرا على ذلك‏

فالإنسان الداعي بوعظه وتذكيره عباد الله إن آخذ أجرا فله ذلك فإنه في عمل يقتضي الأجر بشهادة كل رسول وإن ترك أخذه من الناس وسأله من الله فله ذلك وسبب ترك الرسل لذلك وسؤالهم من الله الأجر كون الله هو الذي استعملهم في التبليغ فكان الأجر عليه تعالى لا على المدعو وإنما أخذ الراقي الأجر من اللديغ لأن اللديغ استعمله في ذلك ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم اضربوا لي بسهم لأن الرسول عليه السلام هو الذي أفاد الراقي ما رقى به ذلك اللديغ وينظر إلى قريب من هذا

حديث‏

الصفحة 403 من الجزء 1

بريرة في قوله هو لها صدقة ولنا هدية

لأنها بلغت محلها وهذا هو الشرط الثامن‏

[أجر العبيد وأجر العلماء بالله‏]

واعلم أن هذا الأجر أجر تفضل إلهي عينه السيد لعبده فإن العبد لا ينبغي له استحقاق الأجر على سيده فيما يستعمله فيه فإنه ملكه وعين ماله ولكن تفضل سيده عليه بأن عين له على عمله أجرا وسره خلقه على الصورة فإن عبيدنا إخواننا فافهم وأما العلماء بالله عز وجل فأجرهم مشاهدة سيدهم إذا رجعوا إليه من التبليغ الذي أمرهم به فإنهم حزنوا لمفارقة ذلك المشهد الأقدس ومشاهدة الأكوان فوعدهم بأنهم إذا رجعوا إليه كان لهم المزيد في المشاهدة فأخبروا الناس أن أجرهم على الله‏

(فصل بل وصل فيمن يقول مثل ما يقول من يسمع الأذان)

[اختلاف الفقهاء في كيفية إجابة الأذان لمن يسمعه‏]

واختلف علماء الشريعة في ذلك فمن قائل إنه يقول مثل ما يقول المؤذن كلمة بكلمة إلى آخر النداء ومن قائل إنه يقول مثل ما يقول المؤذن إلا إذا جاء بالحيعلتين فإن السامع يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وبالقول الأول أقول فإنه أولى إلا أن يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الحوقلة في ذلك فأنا أقول به ولا أشترط أن يمشي السامع مع المؤذن في كل كلمة ولكن إن شاء قال مثل ما يقول المؤذن في أثر كل كلمة وإن شاء إذا فرغ يقول مثله وذلك في المؤذن الذي يؤذن للاعلام في المنارة أو على باب المسجد أو في نفس المسجد ابتداء عند دخول الوقت من قبل أن يعلم من في المسجد إن وقت الصلاة دخل فهذا هو المؤذن الذي شرع له الأذان وأما المؤذنون في المسجد بين الجماعة الذين يسمعون الأذان فهم ذاكرون الله بصورة الأذان فلا يجب على السامع أن يقول مثله فإن ذلك عندنا بمنزلة السامع يقول مثل ما قال المؤذن ولم يشرع لنا ولا أمرنا أن نقول مثل ما يقول السامع إذا قال ما يقول المؤذن‏

اعتبار ذلك في الباطن‏

قال تعالى فيما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا ومن اتَّبَعَنِي والمؤذن داع إلى الله بلا شك ثم قال ومن اتَّبَعَنِي وهو غير النبي يدعو بمثل دعوة النبي عليه السلام عباد الله إلى توحيد الله والعمل بطاعته وهو بمنزلة السامع للمؤذن الذي أمره الشارع أن يقول مثل ما يقول المؤذن لا يزيد على ذلك ولا ينقص كذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يدعو بشرعه المنزل المنطوق به حاكيا لا يزيد على دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوقوله صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع مني كلمة فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع‏

[نقل الحديث على المعنى‏]

وهذه مسألة اختلف الناس فيها أعني في هذا الخبر في نقله على المعنى والصحيح عندي إن ذلك لا يجوز جملة واحدة إلا أن يبين الناقل أنه نقل على المعنى فإن الناقل على المعنى إنما ينقل إلينا فهمه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تعبدنا الله بفهم غيرنا إلا بشرط في الأخبار بالاتفاق وفي القرآن بخلاف في حق الأعجمي الذي لا يفهم اللسان العربي فإن هذا الناقل على المعنى ربما لو نقل إلينا عين لفظه صلى الله عليه وسلم ربما فهمنا مثل ما فهم أو أكثر أو أقل أو نقيض ما فهم فالأولى نقل الحديث كما ننقل القرآن‏

[الداعي إلى الله لا يزيد على ما جاء ب رسول الله إلا أن يطلعه الله‏]

فالداعي إلى الله لا يزيد على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإخبار بالأمور المغيبة إلا إن أطلعه الله على شي‏ء من الغيب مما علمه الله فله أن يدعو به مما لا يكون مزيلا لما قرره الشرع بالتواتر عندنا أي على طريق يفيد العلم لا بد من هذا فعلى هذا الحد يكون الاعتبار في القول مثل ما يقول المؤذن حتى لو قال السامع سبحان الله عند قول المؤذن الله أكبر لم يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن لم يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتثل أمر الله فإن الله يقول وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وقال من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقول مثل ما يقول المؤذن‏

وإن كان قال هذا السامع خيرا وكذلك لو قال الله الكبير لم يقل مثله إلا إن قال المؤذن الله الكبير وفيه خلاف في حق المؤذن بهذا اللفظ فمن أجاز ذلك أوجب على السامع أن يقول مثله فلو قال السامع الله أكبر فقد قال الأذان المشروع المنصوص عليه المنقول بالتواتر وبين قول الإنسان الله الكبير وقوله الله أكبر فرقان عظيم‏

[لا ينبغي نقل الأخبار إلا كما تلفظ بها قائلها]

فاذن لا ينبغي أن تنقل الأخبار إلا كما تلفظ بها قائلها إلا في مواضع الضرورة وذلك في الترجمة لمن ليس من أهل ذلك اللسان فأما في القرآن فينبغي إن ينقل المسطور ويقرر لفظه كما ورد وبعد ذلك يترجم عنه حتى يخرج من الخلاف ويكون في الترجمة مفسرا لا تاليا وأما في غير القرآن فله إن يترجم على المعنى بأقرب لفظ يكون بحكم المطابقة على المعنى كما كان في الخبر النبوي‏

(فصل بل وصل في الإقامة)

الصفحة 404 من الجزء 1

[حكم الإقامة عند علماء الشريعة]

للاقامة حكم وصفة أما حكمها فاختلف الناس فيها فقوم قالوا إنها سنة مؤكدة في حق الأعيان والجماعات أكثر من الأذان وقوم قالوا هي فرض وهو مذهب بعض أهل الظاهر فإن أرادوا أنها فرض من فروض الصلاة تبطل الصلاة بسقوطها وإن لم يقولوا ذلك صحت الصلاة ويكون عاصيا بتركها على أني رأيت لبعضهم إن الصلاة فتبطل بتركها ومن قائل إنه من تركها عامدا بطلت صلاته وهو مذهب ابن كنانة

اعتبار ذلك في الحكم‏

الإقامة لأجل الله فرض لا بد منه والإقامة لما أمرنا الله أن أقيم له فنحن فيه بحسب قرائن الأحوال فإذا أعطت قرينة الحال إن ذلك الأمر على الوجوب أوجبناها مثل قوله أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ومثل قوله أَقِيمُوا الصَّلاةَ ومثل قوله أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ فهذا هو حد الواجب فإن رجحت الوزن في القضاء فهو أفضل فإنك قد امتثلت أمر الله فإنه ما رجح الميزان حتى اتصف بالإقامة التي هي حد الواجب ثم رجح والذي يخسر الميزان ما بلغ بالوزن حد الإقامة حتى يحصل الواجب مثل ما فعل المرجح فما حمدنا المرجح إلا لحصول إقامة الوزن لا للترجيح ثم أثنينا عليه ثناء آخر بالترجيح فالمرجح محمود من وجهين فاعلم وحمده من جهة الإقامة أعلى لأنه الحمد الوجوبي فحمد الترجيح نافلة إلا فيمن يحمل الأمر في ذلك على الوجوب وهوقوله صلى الله عليه وسلم في القاضي ما عليه إذا وزنت فارجح‏

فأمره بالرجحان وأكد في ذلك قولا وفعلا وإذا لم يكن الأمر على الوجوب لقرينة حال كانت الإقامة بحسب ذلك فهذا اعتبار حكم الإقامة بوجه ينفع في دين الله من وقف على هذا الكتاب وعمل بما قررناه فيه فإنه ما قررنا فيه أمرا غير مشروع لله الحمد وإن كنا لم نتعرض لذكر الأدلة مخافة التطويل فما خرجنا بحمد الله عن الكتاب والسنة فيه كما قال الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة

(و أما صفة الإقامة)

فعند قوم التكبير الذي في أولها مثنى وما بقي فيها فرد والتكبير الذي بعد الإقامة مثنى وعند قوم مثل ذلك إلا الإقامة فإنها مثنى وقوم خيروا بين التثنية والإفراد وقوم قالوا بالتثنية في الكل وتربيع والتكبير الأول مع الاتفاق في توحيد التهليل الآخر

الاعتبار [في صفة الإقامة]

أما من ثنى أي من زاد على الواحدة فللمراتب التي ذكرناها في الأذان على السواء ولم نعدل لاعتبار آخر لأنها جاءت في ظاهر الشريعة بلفظ الأذان لا بلفظ آخر إلا الإقامة فانفردت بها الإقامة عن الأذان وهي قوله قد قامت الصلاة فهو إخبار عن ماض والصلاة مستقبلة فهي بشرى من الله لعباده لمن جاء إلى المسجد ينتظر الصلاة أو كان في الطريق يأتي إليها أو كان في حال الوضوء بسببها أو كان في حال القصد إلى الوضوء قبل الشروع فيه ليصلي بذلك الوضوء فيموت في بعض هذه المواطن كلها فله أجر من صلاها وإن كانت ما وقعت منه فجاء بلفظ الماضي لتحقق الحصول فإذا حصلت بالفعل فله أجر الحصول بالفعل وأجر الحصول الذي يحصل لمن مات في هذه المواطن قبل إن يدخل في الصلاة وقد ورد في الخبر أن الإنسان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة

فلهذا جاء بلفظ الماضي وهو الحاصل في قوله قد قامت الصلاة وإقامة الصلاة تمام نشأتها وكمالها أي هي لكم قائمة النشأة كاملة الهيئة على حسب ما شرعت فإذا دخلتم فيها وأجرتم الأجر الثاني فقد يكون مثل الأول في إقامة نشأتها وقد لا يكون فإن المصلي قد يأتي بها خداجا غير كاملة فتكتب له خداجا من حيث فعله بخلاف ما تكتب له قبل الفعل فانظر ما أعظم فضل الله على عباده وسبب ذلك قول الله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فإنه لو أثابه عليها قبل وقوعه بحسب علمه به فيها من إخداجها ربما قال العبد لو أحييتني حتى أؤديها لأقمت نشأتها على أكمل الوجوه فأعطى الله جل وعز سبحانه عبده ذلك الثواب على أكمل الأداء لله الحمد والمنة على ذلك‏

(فصل بل وصل في القبلة)

[حكم التوجه إلى الكعبة في الصلاة]

اتفق المسلمون على إن التوجه إلى القبلة أعني الكعبة شرط من شروط صحة الصلاة لو لا إن الإجماع سبقني في هذه المسألة لم أقل به إنه شرط فإن قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله نزلت بعده وهي آية محكمة غير منسوخة ولكن انعقد الإجماع على هذا وعلى قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله محكما في الحائر الذي جهل القبلة فيصلي حيث يغلب على ظنه باجتهاده بلا خلاف وإن ظهر له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة لم يعد بخلاف في ذلك بخلاف من لم يجد سبيلا إلى الطهارة فإنه قد وقع الخلاف فيه هل يصلى أم لا ثم إنه لا خلاف إن الإنسان إذا عاين البيت إن الفرض عليه هو استقبال عينه وأما إذا لم ير البيت فاختلف علماؤنا في موضعين من هذه المسألة الموضع الواحد هل الفرض هو العين أو الجهة والموضع الثاني‏

الصفحة 405 من الجزء 1

هل فرضه الإصابة أو الاجتهاد أعني إصابة العين أو الجهة عند من أوجب العين فمن قائل إن الفرض هو العين ومن قائل إن الفرض هو الجهة وبالجهة أقول لا بالعين فإن في ذلك حرجا والله يقول وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ وأعني بالجهة إذا غابت الكعبة عن الأبصار والصف الطويل قد صحت صلاتهم مع القطع بأن الكل منهم ما استقبلوا العين هذا معقول‏

[الاعتبار في التحديد في القبلة]

الاعتبار التحديد في القبلة إخراج العبد عن اختياره فإن أصله وأصل كل ما سوى الله الاضطرار والإجبار حتى اختيار العبد هو مجبور في اختياره ومع أن الله فاعل مختار فإن ذلك من أجل قوله ويَخْتارُ وقوله ولَوْ شِئْنا ولا يفعل إلا ما سبق به علمه وتبدل العلم محال يقول تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وقال فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وما رأيت أحدا تفطن لهذا القول الإلهي فإن معناه في غاية البيان ولشدة وضوحه خفي وقد نبهنا عليه في هذا الكتاب وبيناه فإنه سر القدر من وقف على هذه المسألة لم يعترض على الله في كل ما يقضيه ويجريه على عباده وفيهم ومنهم ولهذا قال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ فلو كنت عاقلا تفهم عن الله كفتك هذه الآية في المقصود

[التحديد في الأشياء وتصرفات الفاعل المختار]

ثم نرجع إلى اعتبار ما كنا بصدده فنقول إن الصلاة دخول على الحق وجاء في الخبر الصحيح أن الصلاة نور والإنسان ذو بصر في باطنه كما هو في ظاهره فلا بد له من الكشف في صلاته فمن جملة ما يكشفه في صلاته كونه مجبورا في اختياره الذي ينسبه إليه فشرع له في هذا الموطن وفي العبادات كلها التحديد في الأشياء حتى يكون في تصرفاته بحكم الاضطرار وهو أصل يشمل كل موجود ولا أحاشي موجودا من موجود لمن كان ذا بصر حديد وأَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ حتى في حكم المباح هو فيه غير مختار لأنه من المحال أن يحكم عليه بحكم غير الإباحة من وجوب أو ندب أو حظرا وكراهة

[استقبال عين الكعبة واستقبال جهتها]

فلهذا شرع له استقبال البيت إذا أبصره حين صلاته واستقبال جهته إذا غاب عنه وفرضه في اجتهاده بالغيبة إصابة الاجتهاد لا إصابة العين وذلك لو كان فرضه إصابة العين فإن العبد مأمور بأن يستقبل ربه بقلبه في صلاته بل في جميع حركاته وسكناته لا يرى إلا الله وقد علمنا إن ذات الحق وعينه يستحيل على المخلوق معرفتها فمن المحال استقبال عين ذاته بقلبه أي من المحال أن يعلم العاقل ربه من حيث عينه وإنما يعلمه من حيث جهة الممكن في افتقاره إليه وتميزه عنه بأنه لا يتصف بصفات المحدثات على الوجه الذي يتصف به المحدث الممكن لأنه ليس كمثله شي‏ء فلا يعرفه إلا بالسلوب وهذا سبب قولنا بالجهة لا بالعين‏

[الفرض على المكلف هو الاجتهاد لا الاصابة في الاجتهاد]

والإصابة إصابة الاجتهاد لا إصابة العين ولهذا كان المجتهد مأجورا على كل حال ولا سيما والاجتهاد في مذهبنا في الأصول كما هو في فروع الأحكام لا فرق وأما

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجتهد إنه مصيب ومخطئ‏

فمعناه عندنا في هذه المسألة وأمثالها أن المجتهد في الإصابة ما هي إصابة العين أو إصابة الجهة أن المصيب من قال إصابة الجهة والمخطئ من قال إصابة العين فإن إصابة الجهة في غير الغيم المتراكم ليلا أو نهارا في البراري لا يقع إلا بحكم الاتفاق فأحرى إصابة العين لا بحكم العلم وما تعبدنا الله بالإرصاد ولا بالهندسة المنبئة على الإرصاد المستنبط منها أطوال البلاد وعروضها فإنا بكل وجه إذا أخذنا نفوسنا بها على غير يقين فتبين إن الفرض على المكلف الاجتهاد لا الإصابة فلا إعادة على من صلى ولم يصب الجهة إذا تبين له ذلك بعد ما صلى كذلك‏

الاعتبار في الباطن‏

إذا وفى الناظر النظر حقه أصاب العجز عن الإدراك فاعتقده وما ثم إلا العجز فالحق عند اعتقاد كل معتقد بعد اجتهاده يقول تعالى ومن يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به فافهم كما هو عند ظن عبده به إلا أن المراتب تتفاضل والله أوسع وأجل وأعظم أن ينحصر في صفة تضبطه فيكون عند واحد من عباده ولا يكون عند الآخر يأبى الاتساع الإلهي ذلك فإن الله يقول وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وفَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ووجه كل شي‏ء حقيقته وذاته فإنه سبحانه لو كان عند واحد أو مع واحد ولا يكون عند آخر ولا معه كان الذي ليس هو عنده ولا معه يعبد وهمه لا ربه والله يقول وقَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أي حكم ومن أجله عبدت الآلهة فلم يكن المقصود بعبادة كل عابد إلا الله فما عبد شي‏ء لعينه إلا الله وإنما أخطأ المشرك حيث نصب لنفسه عبادة بطريق خاص لم يشرع له من جانب الحق فشقي لذلك فإنهم قالوا في الشركاء ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله فاعترفوا به وما يتصور في العالم من أدنى من له مسكة من عقل التعطيل على الإطلاق وإنما معتقد التعطيل إنما هو يعطل صفة ما اعتقدها المثبت فمن استقبل عين البيت إن كان يبصره أو الجهة إن غاب عنه بوجهه واستقبل ربه في قبلته كما شرع له في قلبه وحسه في‏

الصفحة 406 من الجزء 1

خياله إن ضعف عن تعليق العلم به من حيث ما يقتضيه جلاله فإن المصلي وإن واجه الحق في قبلته كما ورد في النص فإنه كما قال من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ فهو السابق والهادي فهو سبحانه الذي نواصي الكل بيده الهادي إلى صراط مستقيم والذي يسوق الْمُجْرِمِينَ إِلى‏ جَهَنَّمَ وِرْداً إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏

(فصل بل وصل في الصلاة في داخل البيت)

[أقوال الفقهاء في الصلاة داخل الكعبة]

فمن قائل بمنع الصلاة في داخل الكعبة على الإطلاق ومن قائل بإجازة ذلك على الإطلاق ومن العلماء من فرق في ذلك بين النفل والفرض وكل له مستند في ذلك يستند إليه‏

اعتبار ذلك في الباطن‏

وبعد تقرير الحكم في الظاهر الذي شرع لنا وتعبدنا به ولم نمنع من الاعتبار بعد هذا التقرير فنقول هذه حالة من كان الحق سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله لكن في حال إجالة كل جارحة فيما خلقت له هكذا قيد الصادق في خبره وفي ذلك ذكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ولما كانت هذه الحالة الواردة من الشارع في الخبر الصحيح عنه وتأيد الكشف بذلك الخبر عند السامع حالة النوافل ونتيجتها لهذا

تنفل في الكعبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخلها كما ورد وكان يصلي الفريضة خارج البيت كما كان يتنفل على الراحلة حيث توجهت به‏

فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله وقد علمنا إن الأمر في نفسه قد يكون كما نراه ونشهده وهذا هو الذي أعطى مشاهدة هذا المقام فهو يراه سمع غيره كما يراه سمع نفسه فالكرامة التي حصلت لهذا الشخص إنما هي الكشف والاطلاع لا أنه لم يكن الحق سمعه ثم كان إلا أن يتعالى الله عن العوارض الطارئة وهذه المسألة من أعز المسائل الإلهية

[الله هو الوجود وبه ظهرت الأعيان‏]

فمن استصحب هذا الحكم في الظاهر أجاز الصلاة كلها فرضها ونفلها داخل الكعبة فإن كل ما سوى الله لا يمكنه الخروج عن قبضة الحق فهو موجدهم بل وجودهم ومنه استفادوا الوجود وليس الوجود خلاف الحق ولا خارجا عنه يعطيهم منه هذا محال بل هو الوجود وبه ظهرت الأعيان‏

يقول القائل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتجزا وهو يسمع‏

والله لو لا الله ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه ذلك ويصدقه في قوله‏

فنحن به سبحانه وله كما ورد في الخبر الصحيح‏

فإذا نظرنا إلى ذواتنا وإمكاننا فقد خرجنا عنه وإمكاننا يطلبنا بالنظر والافتقار إليه فإنه الموجد أعياننا بجوده من وجوده وهو اعتبار قوله ومن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فتفسيره من كل جهة خرجت مصليا فاستقبل المسجد الحرام وفي الإشارة من حيث خرجت إلى الوجود أي من زمان خروجك من العدم إلى الوجود وفي الاعتبار يقول بأي وجه خرجت من الحق إلى إمكانك ومشاهدة ذاتك فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يقول فارجع بالنظر والاستقبال مفتقرا مضطرا إلى مأمنه خرجت فإنه لا أين لك غيره فانظر فيه تجده محيطا بك مع كونه مستقبلك فقد جمع بين الإطلاق والتقييد فأنت تظن إنك خرجت عنه وما استقبلت إلا هو وهو من ورائك محيط وحيثما كنتم من الأسماء الإلهية والأحوال فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ذواتكم شَطْرَهُ أي لا تعرضوا عنه ووجه الشي‏ء عينه وذاته فإن الإعراض عن الحق وقوع في العدم وهو الشر الخالص كما إن الوجود هو الخير الخالص والحق هو الوجود والخلق هو العدم‏

قال لبيد

ألا كل شي‏ء ما خلا الله باطل‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القول إنه أصدق بيت قالته العرب‏

ولا شك أن الباطل عبارة عن العدم‏

[حيثما أدركتك الصلاة فصل إلا ما خصصه الشارع من ذلك‏]

وأما حكم هذه الآية في الظاهر إن صلاة الفرض تجوز داخل الكعبة إذ لم يرد نهي في ذلك ولا منع وقد ورد وثبت حيثما أدركتك الصلاة فصل إلا الأماكن التي خصصها الدليل الشرعي من ذلك لا لأعيانها وإنما ذلك لوصف قام بها فيخرج بنصه ذلك القدر لذلك الوصف وقوله ومن حَيْثُ خَرَجْتَ أي وإذ خرجت من الكعبة أو من غيرها وأردت الصلاة فول وجهك شطرها أي لا تستقبل بوجهك في صلاتك جهة أخرى لا تكون الكعبة فيها فقبلتك فيها ما استقبلت منها وكذلك إذا خرجت منها ما قبلتك إلا ما يواجهك منها سواء أبصرتها أو غابت عن بصرك وليس في وسعك أن تستقبل ذاتها كلها بذاتها لكبرها وصغر ذاتك جرما فالصلاة في داخلها كالصلاة خارجا عنها ولا فرق فقد استقبلت منها وأنت في داخلها ما استقبلت ولا تتعرض بالوهم لما استدبرت منها إذا كنت فيها فإن الاستدبار

الصفحة 407 من الجزء 1

في حكم الصلاة ما ورد وإنما ورد الاستقبال وما نحن مع المكلف إلا بحسب ما نطق به من الحكم‏

[الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده‏]

فلا يقتضي عندنا الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده فإنه ما تعرض في النطق لذلك فإذا تعرض ونطق به قبلناه فإذا لم تعمل بما أمرك الله به فقد عصيته ولو كان الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضده لكان على الإنسان خطيئتين أو خطايا كثيرة بقدر ما لذلك المأمور به من الأضداد وهذا لا قائل به فإنما يؤاخذ الإنسان بترك ما أمر بفعله أو فعل ما أمر بتركه لا غير فهو ذو وزر واحد وسيئة واحدة فلا يجزى إلا مثلها وقد أخذت المسألة حقها ظاهرا وباطنا حقا وخلقا شرعا واعتبارا والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(فصل بل وصل في ستر العورة)

[ستر العورة فرض على الإطلاق بلا خلاف‏]

اتفق العلماء على إن ستر العورة فرض بلا خلاف وعلى الإطلاق أعني في الصلاة وفي غيرها وسأذكر حدها في الرجل والمرأة

اعتبار ذلك في الباطن‏

وجب على كل عاقل ستر السر الإلهي الذي إذا كشفه أدى كشفه من ليس بعالم ولا عاقل إلى عدم احترام الجناب الإلهي الأعز الأحمى فإن حقيقة العورة الميل ولهذا قال من قال إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أي مائلة تريد السقوط لما استنفروا فأكذبهم الله عند بغيه بقوله وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً يعني بهذا القول مما دعوتهم إليه ومنه الأعور فإن نظره مال إلى جهة واحدة وكذلك ينبغي أن يستر العالم عن الجاهل أسرار الحق في مثل قوله ما يَكُونُ من نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وقوله ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ وقوله كنت سمعه وبصره ولسانه‏

فإن الجاهل إذا سمع ذلك أداه إلى فهم محظور من حلول أو تحديد فينبغي أن يستر ما تعطف الحق به على قلوب العلماء ومال عز وجل سبحانه وتقدس بخطابه مما يقتضيه جلاله من الغني على الإطلاق عن العالمين إلى‏

قوله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم جعت فلم تطعمني مرضت فلم تعدني ظمئت فلم تسقني‏

فليستر علم هذا عن الجاهل ولا يزيد على ما فسره به قائله سبحانه شيئا كما ستره الحق‏

بقوله أما أن فلانا مرض فلو عدته وجدتني عنده‏

وهذا أشكل من الأول لكنه أعطى في هذا التفسير للعلماء بالله علما آخر به تعالى لم يكن عندهم وذلك أنه في الأول جعل نفسه سبحانه عين المريض والجائع وفي تفسيره تعالى جعل نفسه عائد المريض بكونه عنده فإن من عاد مريضا فهو عنده وأين هذا من جعله نفسه عين المريض وكل قول من ذلك حق ولكل حق حقيقة وأما الستر الذي في ذلك للعامي أن يقال له في قوله لوجدتني عنده إن حال المريض أبدا الافتقار والاضطرار إلى من بيده الشفاء وليس إلا الله فالغالب عليه ذكر الله مع الأناة في دفع ما نزل به بخلاف الأصحاء وهو سبحانه قد

قال أنا جليس من ذكرني‏

وهذا وجه صحيح ويقنع العامي به ويبقى العالم بما يعلمه من ذلك على علمه فهذا هو سر الميل الإلهي عن نظر العامي‏

(فصل بل وصل في ستر العورة في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في ستر العورة في الصلاة]

اختلف العلماء هل هي شرط في صحة الصلاة أم لا فمن قائل إن ستر العورة من سنن الصلاة ومن قائل إنها من فروض الصلاة

وأما اعتبار ذلك في النفس‏

فقد أعلمناك ما مفهوم العورة آنفا وفي هذه المسألة لما ثبت أن المصلي يناجي ربه وأن الصلاة قد قسمها الله نصفين بينه وبين عبده فمن غلب أن الحق هو المصلي بأفعال عبده أعني الأفعال الظاهرة من العبد في الصلاة كما ثبت أن الله قال على لسان عبده في الصلاة سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع والعبد هو القائل بلا شك وقال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله والرسول صلى الله عليه وسلم هو التالي بلا شك قال إن ستر العورة من فروض الصلاة

أي مثل هذا لا يظهر في العامة يريد معناه وسره الذي يعرفه العالم بل يؤمن به العامي كما جاء وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ومن رأى أن لا مرتبة في هذه المسألة بين العالم والعامي وأنه ما فيها إلا ما ورد النص به ولو أدى عند السامع إلى ما أداه إذا لم يخرج عن مقتضى اللسان في ذلك وإن تفاضلت درجاتهم كان ستر العورة عنده من سنن الصلاة لا من فروضها والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(فصل بل وصل في حد العورة)

[أقوال الفقهاء في حد العورة]

فمن قائل إن العورة في الرجال هي السوءتان ومن قائل هي من الرجال من السرة إلى الركبة وهي عندنا السوءتان فقط

الصفحة 408 من الجزء 1

الاعتبار في ذلك في النفس‏

ما يذم ويكره ويخبث من الإنسان هو العورة على الحقيقة والسوءتان محل لما ذكرناه فهو بمنزلة الحرام وما عدا السوءتين مما يجاوزهما من السرة علوا ومن الركبة سفلا هو بمنزلة الشبهات فينبغي أن يتقى فإن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه‏

(فصل بل وصل في حد العورة من المرأة)

[أقوال الفقهاء في حد العورة من المرأة]

فمن قائل إنها كلها عورة ما خلا الوجه والكفين ومن قائل بذلك وزاد أن قدميها ليستا بعورة ومن قائل إنها كلها عورة وأما مذهبنا فليست العورة في المرأة أيضا إلا السوءتين كما قال تعالى وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما من وَرَقِ الْجَنَّةِ فسوى بين آدم وحواء في ستر السوأتين وهما العورتان وإن أمرت المرأة بالستر فهو مذهبنا لكن لا من كونها عورة وإنما ذلك حكم مشروع ورد بالستر ولا يلزم أن يستر الشي‏ء لكونه عورة

اعتبار ذلك في النفس‏

المرأة هي النفس والخواطر النفسية كلها عورة فمن استثنى الوجه والكفين والقدمين فلأن الوجه محل العلم لأن المسألة إذا لم تعرف وجهها فما علمتها وإذا استتر عنك وجه الشي‏ء فما علمته وأنت مأمور بالعلم بالشي‏ء فأنت مأمور بالكشف عن وجه ما أنت مأمور بالعلم به فلا يستر الوجه من كونه عورة فإنه ليس بعورة وأما اليدان وهما الكفان بهما محل الجود والعطاء وأنت مأمور بالسؤال فلا بد للمعطي أن يمد يده بما يعطي فلا يستر كفه فإنه المالك للنعمة التي تطلبها منه فلا بد أن تتناولها إذا جاد عليك بها والجود والكرم مأمور بهما شرعا وقد ورد أن اليد العليا خير من اليد السفلي فعم يد السائل والمعطي فلا بد للمعطي أن يناول وللسائل أن يتناول وأما القدمان فلا يجب سترهما وأنهما ليستا بعورة لأنهما الحاملتان للبدن كله ونقلاته من مكان إلى مكان ومن كان حكمه التصريف فيتعذر ستره واحتجابه فلا بد أن يظهر ويبرز ضرورة فيبعد إن يكون عورة تستر

(فصل بل وصل في اللباس في الصلاة)

اتفق العلماء على أنه يجزي الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد

اعتباره في النفس‏

الموحد في الصلاة هو الذي لا يرى نفسه فيها بل يرى أن الحق يقيمه ويقعده وهو كالميت بين يدي الغاسل فهذا معنى الثوب الواحد

(فصل بل وصل) في الرجل يصلي مكشوف الظهر والبطن‏

فذهب قوم إلى جواز صلاته وذهب قوم إلى أنه لا تجوز صلاته‏

اعتبار النفس في ذلك‏

الظاهر والباطن وهو عمل القلب في الصلاة وعمل الجوارح فالرجل المصلي إذا انكشف له ظاهر أمره في صلاته وباطنه لم ير نفسه مصليا وإنما رأى نفسه يصلي بها فهذا بمنزلة من قال بإبطال صلاته فإن صاحب هذا الكشف على هذا النظر بطلت إضافة الصلاة إليه مع وقوع الصلاة منه ومن حصل له هذا الكشف وقال لا يمكن أن يكون الأمر إلا هكذا وبهذا القدر من الفعل يسمى مصليا قال بجواز صلاته‏

(فصل بل وصل فيما يجزي المرأة من اللباس في الصلاة)

[أقوال الفقهاء فيما يجزى المرأة في الصلاة من اللباس‏]

اتفق الجمهور على الدرع والخمار فإن صلت مكشوفة فمن قائل تعيد في الوقت وبعده ومن قائل تعيد في الوقت وأما المرأة المملوكة فمن قائل إنها تصلي مكشوفة الرأس والقدمين ومن قائل بوجوب تغطية رأسها ومن قائل باستحباب تغطية رأسها

اعتبار النفس في ذلك‏

لا فرق بين المملوكة والحرة فإن الكل ملك لله فلا حرية عن الله فإذا أضيفت الحرية إلى الحلق فهو خروجهم عن رق الغير لا عن رق الحق أي ليس لمخلوق على قلوبهم سبيل ولا حكم فهذا معنى الحرية في الطريق وقد تقدم الكلام في الثوب الواحد وبقي الاعتبار في تغطية الرأس هنا واعلم أن المرأة لما كانت في الاعتبار النفس والرأس من الرئاسة والنفس تحب الظهور في العالم برئاستها لحجابها عن رياسة سيدها عليها وطلب شفوفها على أمثالها ولهذا قيل آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة أمرت النفس أن تغطي رأسها أي تستر رياستها فإنها في الصلاة بين يدي ربها ولا شك أن الرئيس بين يدي الملك في محل الافتقار فإذا خرج إلى من هو دونه أظهر رياسته عليه فلهذا أمرت النفس المملوكة إن تغطي رأسها في الصلاة

(فصل بل وصل في لباس المحرم في الصلاة)

الصفحة 409 من الجزء 1

[أقوال الفقهاء في الصلاة بلباس محرم‏]

فمن قائل بجواز صلاته وهو مذهبنا وإن كنت أكره له ذلك ومن قائل لا تجوز ومن قائل باستحباب الإعادة في الوقت وهو عندنا عاص بلباس ما لا يحل له وإن جازت صلاته فإنه عندنا من الذين خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً

اعتبار النفس في ذلك‏

ما في كل موطن برزق الإنسان العصمة في أحواله والتوفيق في جميع أموره فهو فيما يوفق فيه موفق وفيما يخذل فيه مخذول في الوقت الواحد كالذاكر لله بقلبه ولسانه وهو يضرب بيده في تلك الحالة من يأثم بضربه ومن حرم عليه ضربه فلا يقدح ذلك في ذكره كما لا يرفع ذلك الذكر إثمه أو حكم إنه أتى حراما فإن الذكر لا يحلله ولهذا عندنا تصح الصلاة في الدار المغصوبة فهو مأثوم من وجه مأجور من وجه‏

(فصل بل وصل في الطهارة من النجاسة في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في الطهارة من النجاسة في الصلاة]

فمن قائل إنها من فروض الصلاة وأنها لا تصح إلا بإزالتها ومن قائل إنها سنة وقد مضى الكلام فيها في الطهارة ومن قائل إن إزالة النجاسة فرض على الإطلاق ومن هذا مذهبه لا يلزم منه أن يقول إن إزالتها شرط في صحة الصلاة بل يكون مصليا صحيح الصلاة وعاصيا من حمله النجاسة في الصلاة

اعتبار ذلك في النفس‏

النجاسة عند من يرى إزالتها فرضا تقتضي البعد عن الله والصلاة تقضي بالقرب للمناجاة فمن غلب القرب على البعد أزال حكمها ومن غلب البعد على القرب لم تصح عنده الصلاة والأولى أن يقال إن العبد متنوع الأحوال وإنه بكله لله وإنه بما كان منه لله لله ف إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فصلاته مقتولة سواء صلى بالنجاسة أو لم يصل والأولى إزالتها بلا خلاف قل ذلك أو كثر ومنزلها أن الإنسان لا يحضر مع الله في كل حال لما جبل عليه من الغفلة والضيق فاعلم ذلك وبالله التوفيق‏

(فصل بل وصل في المواضع التي يصلى فيها)

[أقوال الفقهاء في المواضع التي تجوز الصلاة فيها]

فمن الناس من ذهب إلى إجازة الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر الكعبة ومنهم من استثنى من ذلك المقبرة والحمام ومنهم من استثنى المقبرة فقط ومنهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها وإن لم يبطلها

اعتبار النفس في ذلك‏

قوله تعالى وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ والمصلي يناجي ربه وقوله الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وقول عائشة رضي الله عنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما علمت من أحواله إنه كان صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه‏

وليس للأماكن أثر في حجاب القلب عن ربه إلا لأصحاب الأحوال وإنما الأثر في ذلك للغفلة أو للجهل في العموم أو للحال في أصحاب الأحوال وأما ذكر هذه الأماكن المنهي عنها فإنها كلها تناقض الطهارة وقد تقدم الكلام في الطهارة من النجس واعتباره وما بقي من هذه السبعة إلا الصلاة فوق ظهر البيت وذلك أنك مأمور بالاستقبال إليه في الصلاة وأنت في هذه الحالة لا فيه ولا مستقبله فلم تصل الصلاة المشروعة فإن شطر المسجد الحرام لا يواجهك ومن أجاز ذلك حمل في الاعتبار الوجه على الذات ولا شك أنك بذاتك شطر المسجد الحرام فإنك على ظهره والأرض كلها مسجد

(فصل بل وصل في البيع والكنائس)

اختلف الناس في البيع والكنائس أعني في الصلاة فيها فكرهها قوم وأجازها قوم وفرق قوم بين أن تكون فيها صور أم لا تكون‏

اعتبار النفس في ذلك‏

هل يناجي الحق شخصان من مرتبة واحدة ذلك عندنا لا يصح للتوسع الإلهي قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً تفسير أو إشارة فإن صلينا في مثل هذه الأماكن فمن شرعنا لا من شرعهم فافهم والله الملهم‏

(فصل بل وصل في الصلاة على الطنافس وغير ذلك مما يقعد عليه)

اتفق العلماء على الصلاة على الأرض واختلفوا في الصلاة على الطنفسة وغير ذلك مما يقعد عليه على الأرض فالجمهور على إباحة السجود على الحصير وما يشبهه مما تنبته الأرض والكراهة في السجود على غير ذلك‏

الاعتبار في النفس في ذلك‏

لما

قال الحق تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين‏

فأثبتك في الصلاة وما نفاك وله الوصف الأعلى الأنزه ولك الوصف الأنزل الأدنى فكل نزول منك إلى أرض عبوديتك أو لوازمها فإنه قادح فيما أمرت بتعميمه فإنه سماك‏

الصفحة 410 من الجزء 1

عبدا في الصلاة والعبودة هي الذلة وقال تعالى في وصف الأرض إنه جعلها لنا ذلولا فنمشي في مناكبها فهي تحت أقدامنا وهذا غاية الذلة من يكون يطئوها الذليل ولما كانت بهذه المنزلة من الذلة أمرنا أن نضع عليها أشرف ما عندنا في ظاهرنا وهو الوجه وإن نمرغه في التراب فعل ذلك جبر الانكسار الأرض بوطء الذليل عليها الذي هو العبد فاجتمع بالسجود وجه العبد ووجه الأرض فانجبر كسرها فإن الله عند المنكسرة قلوبهم فكان العبد في ذلك المقام بتلك الحالة أقرب إلى الله سبحانه من سائر أحوال الصلاة لأنه سعى في حق الغير لا في حق نفسه وهو جبر انكسار الأرض من ذلتها تحت وطء الذليل لها فتنبه لما أشرت إليك فإن الشرع ما ترك شيئا إلا وقد أشار إليه إيماء علمه من علمه وجهله من جهله ولهذا لم يعلم أسرار هذه الأمور إلا أهل الكشف والوجود فإن جميع العالم يخاطبونهم ويعرفونهم بحقائقهم ولقد أخبرني أبو العباس الحريري بمصر سنة ثلاث وستمائة عن أبي عبد الله القرياقى أنه كان يمشي معه في سويقة وردان وكان قد اشترى قصرية صغيرة لابن صغير كان عنده ليبول فيها فضمهم منزل والقصرية عنده جديدة ومعهم رجال صالحون فأرادوا أكل شي‏ء فطلبوا إداما يأتدمون به فاتفق رأيهم على أن يشتروا قطارة السكر فقالوا هذه القصرية ما مسها قذر وهي جديدة على حالها فملئوها قطارة وقعدوا يأكلون إلى أن فرغوا وانصرف الناس ومشى صاحب القصرية بها مع أبي العباس قال أبو العباس فو الله لقد سمعت بإذني هذه وسمع معي الشيخ أبو عبد الله القرياقى القصرية وهي تقول بعد أن أكل في أولياء الله أكون وعاء للقذر والله لا كان ذلك وانتفضت من يده وسقطت على الأرض فتكسرت قال أبو العباس فأخذنا من كلامها حال فلما قال لي ذلك قلت له إنكم غبتم عن وجه موعظة القصرية إياكم ليس الأمر كما زعمتم وكم من قصرية أكل فيها من هو خير منكم وبعد ذلك استعملت في القذر وإنما قالت لكم يا إخواني لا ينبغي لكم بعد أن جعل الله قلوبكم أوعية لمعرفته وتجليه أن تجعلوها وعاء للاغيار وما نهاكم الله أن تكون قلوبكم وعاء له ثم تكسرت أي هكذا فكونوا مع الله فقال لي ما جعلنا بالنا لما نبهتنا عليه‏

(فصل بل وصل في اشتمال الصلاة على أقوال وأفعال)

أما الشروط المشترطة في الصلاة فمنها أقوال ومنها أفعال أما الأفعال فجميع الأفعال المباحة التي ليست أفعال الصلاة إلا قتل الحية والعقرب في الصلاة فإنهم اختلفوا في ذلك واتفقوا على أن الفعل الخفيف لا يبطل الصلاة الاعتبار في النفس في ذلك عقرب الهوى وحية الشهوة تخطر للمناجي ربه فهل يقتلهما أو يصرفهما في مصرفهما الذي عين لهما الشارع لما علم العارف أن قتلهما محال فيهوي ما عند الله بهواه ويشتهي دوام مناجاته بشهوته فيرى بأن لا يقتلهما من هذا مذهبه ويرى قتلهما من يرى أنهما قد حالا بينه وبين مناجاته ربه وأما الأقوال فإنها أيضا التي ليست من أقوال الصلاة فلم تختلف العلماء في أنها تفسد الصلاة عمدا إلا أن العلماء اختلفوا من ذلك في موضعين الموضع الواحد إذا تكلم ساهيا والموضع الآخر إذا تكلم عامدا لإصلاح الصلاة ومن قائل وهو قول شاذ إن من تكلم في الصلاة عامد الأحياء نفس أو أمر كبير إنه يبني على ما مضى من صلاته ولا يفسدها ذلك وهو مذهب الأوزاعي ومن قائل إن الكلام عمدا لإصلاح الصلاة لا يفسدها ومن قائل إن الكلام يفسدها كيف كان إلا مع النسيان ومن قائل إن الكلام يفسدها مع النسيان ومع غير النسيان الاعتبار المصلي يناجي ربه فإذا ناجى غيره من أجله ما زال من مناجاة ربه وإذا ناجى غيره لا من أجل ربه فقد خرج عن صلاته والنسيان في مناجاة الحق غير معتبر إلا من غلب من أصحابنا على المناجي مشاهدة الحجاب فإن الله لا يناجي عبده إلا من وراء حجاب كما قال تعالى وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ وأقرب الحجب الصورة التي يقع فيها التجلي هذا أقرب الحجب فإنه ما هو الصورة ولا غيرها فمن شغلته الصورة عن نسبة ما هو الصورة أو شغله ما هو الصورة عن نسبة هو الصورة فهو الناسي في الحالتين فيكون حكمه في الاعتبار كحكمه في الظاهر من الخلاف الواقع بين العلماء فافهم‏

(فصل بل وصل في النية في الصلاة)

فمن قائل إنها شرط في صحة الصلاة بل قد اتفق العلماء عليها إلا من شذ اعتبار النفس في ذلك قد يقصد العبد مناجاة ربه‏

الصفحة 411 من الجزء 1

وقد يأتيه الأمر بغتة فإن موسى مشى ليقبس نارا فكلمه ربه ولم يكن له قصد في ذلك والأصل في العبادات كلها أنها من الله ابتداء لا مقصودة للمكلفين إلا ما شذ من ذلك كآية الحجاب وغيرها في حق عمر بن الخطاب وإنما يمنع القصد في الباطن المعتبر لأن الحقيقة تعطي أن ما ثم شي‏ء خارج عن الحق أو تخلى الحق عنه حتى يقصده في أمر يكون فيه بل هو في نسبة الكل إليه نسبة واحدة فإلى أين أقصد وهو معي حيث كنت وعلى أي حال كنت فما بقي القصد جهة القربة إلى الله وإنما متعلق القصد حال مخصوص مع الله قصدته عن حال مخصوص مع الله خرجت منه به إليه والأحوال مختلفة فمن راعى اختلاف الأحوال قال بوجوب النية وعلى هذا النحو تنوعت الشرائع وجاءت ومن راعى الحضور ولم ينظر إلى الأحوال كان صاحب حال فلم يعرف النية فإنه في العين قال تعالى في حق من هذا حاله من باب الإشارة لا التفسير فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ومثله إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وأَرى‏ انتهى الجزء السابع والثلاثون‏

(فصل بل وصل في نية الإمام والمأموم)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

[أقوال الفقهاء في موافقة نية المأموم لنية الإمام‏]

اختلف علماء الشريعة في نية الإمام والمأموم هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في الصلاة أعني في تعيين الصلاة وفي الوجوب فمن قائل إنه يجب ومن قائل إنه لا يجب ولكل قائل حجة ليس هذا موضعها

اعتبار النفس في ذلك‏

الصحيح إنه لا يجب لأنه أمر غيبي ولا يكون الائتمام إلا بما يتعلق به الحس من سماع أو مشاهدة ولهذا فصل الشارع ما أجمله في الائتمام فذكر الأفعال المدركة بالحس بأي حس أدركها وما ذكر النية فإنها من عمل القلب فإنه تكليف ما لا يوصل إلى معرفته ومن علم إن الاتساع الإلهي يحيل أن يكرر الحق التجلي لشخص أو يتجلى لشخصين في صورة واحدة علم أن نية المأموم لا ترتبط بنية الإمام إلا في الصلاة من كونها ذات أفعال ولكل امرئ ما نواه فإن القصد بالتجلي الامتنان من المتجلي على المتجلي له والقصد من المتجلي له العلم والالتذاذ بذلك التجلي‏

(فصل بل وصل في حكم الأحوال في الصلاة)

اعلم أن الصلاة تشتمل على أقوال وأفعال ويكون حكمها بحسب الأحوال فإن جميع العبادات تنبني على الأحوال وهي المعتبرة للشارع فيكون الحكم يتوجه على المكلف من جهة الحال التي بكون عليها والأسماء تابعة للأحوال ولهذا يراعيها الشارع في الحكم على المكلف قيل لمالك بن أنس ما تقول في خنزير الماء فأفتى بتحريمه فقيل له أ ليس هو من سمك البحر فقال رضي الله عنه أنتم سميتموه خنزيرا ما زادهم على ذلك كذلك الخمر المحرم شربها إذا تخللت زال عنها اسم الخمر لزوال الحال الذي أوجب له اسم الخمر فسمي خلا لحال آخر طرأ عليه والجوهر عين الجوهر فانتقل الحكم من التحرم إلى الحل والظاهر والباطن في هذا على السواء في الحكم فإن الاعتبار إنما هو من الشرع لمن عقل عنه‏

(فصل بل وصل في التكبير في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في التكبير في الصلاة]

اختلف علماء الشريعة في التكبير في الصلاة على ثلاثة مذاهب فمن ذاهب إلى أنه كله واجب في الصلاة ومن ذاهب إلى أنه كله ليس بواجب نقيض الأول ومن ذاهب إلى أنه ليس بواجب إلا تكبيرة الإحرام فقط

اعتبار النفس في ذلك‏

تكبير الله واجب على كل حال ولكن من شرطه مشاهدة الإنسان نفسه فإن لم يشاهد إلا الله ولم ير لغير الله عينا فلا يجب التكبير لأنه ما ثم على من فإن الله لا يجب عليه شي‏ء وأن التكبير لا يعقل إلا بوجود الأغيار أو تقدير وجود الأغيار ثم إن القائلين لا مشهود لهم إلا الله شاهدا ومشهودا وشهادة وأعم من هذه الحالة في الفناء ما يكون فإن شاهده من حيث أسماؤه الإلهية الحسنى أوجب التكبير من حيث نسبها أي من نسب بعضها لبعض فإن الاسم الحي له مهيمنية على جميع الأسماء والاسم العالم أعم في التعلق من الاسم المريد والقادر فالتكبير لا بد منه فإن حقائق الأسماء تطلبه لتفاضلها وإن نظر في الأسماء الإلهية من حيث ما تجتمع فيه وهو المسمى بها فإنها موضوعة من المتكلم للدلالة على عين المسمى وإن كان لها حقائق في نفوسها مما يكون متعلقة التنزيه أو الأغيار لم ير التكبير ومن فرق بين الصلاة وغيرها من العبادات رأى وجوب‏

الصفحة 412 من الجزء 1

تكبيرة الإحرام فقط ينبه بها نفسه أنها ممنوعة محجور عليها التصرف فيما يخرجها عن هذه العبادة المختصة المسماة صلاة وقد انحصرت المذاهب في الاعتبار والحمد لله‏

(فصل بل وصل في لفظ التكبير في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في صفة لفظ التكبير في الصلاة]

اختلف علماء الشريعة في صفة لفظ التكبير في الصلاة فمن قائل لا يجزئ إلا لفظة الله أكبر ومن قائل يجزئ بغير الصيغة ولكن فيه لا بد من حروف التكبير وهي الكاف والباء والراء ومن قائل يجوز التكبير على المعنى كالأجل والأعظم ومذهبنا في ذلك أن اتباع السنة أولى‏

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صلوا كما رأيتمونى أصلي‏

وما نقل إلينا قط إلا هذا اللفظ الله أكبر تواتر ذلك عندنا

الاعتبار في ذلك‏

ما عين الشرع لفظا في عبادة نطقية دون غيره من الألفاظ مما في معناه إلا وقد أراد ما يمتاز به ذلك اللفظ من طريق المعنى عند العلماء بالله عما يقع فيه الاشتراك فالأولى بنا مراعاة الاقتداء ومراعاة المعنى الذي يقع به الامتياز علمنا ذلك المعنى أو جهلناه فإن علمناه فوجب أن لا نعدل عنه وإن لم نعلمه فنأتي به على علم الذي شرعه فيه ولا نتحكم بسياق لفظ آخر والله قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة فقال له قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً والعالم إذا كان حكيما لا يعدل إلى أمر دون غيره مما يقارب معناه إلا لخصوص وصف فيعتبر ذلك ولا يعدل عنه فعلا كان أو قولا فإنه لا بد لمن يعدل عنه أن يحرم فائدة ذلك الاختصاص ويتصف بالمخالفة بلا شك‏

(فصل بل وصل في التوجيه في الصلاة)

[صيغة التوجيه في الصلاة وأقوال الفقهاء فيه‏]

فمن قائل بوجوبه ومن قائل بعدم وجوبه وصورته أن يقول بعد التكبير وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا من الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ الحديث ومن قائل له أن يسبح وإن لم يقل هذا اللفظ بعينه ومن قائل يجمع بينهما بين التسبيح والتوجيه وأما الذي أذهب إليه فهو التوجيه في صلاة الليل في التهجد لا في الفرائض وأما في الفرائض فينبغي أن يقول بين التكبير والقراءة في نفسه لا يسمع غيره إذا كبر اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد هذا هو الذي اختاره وبه وردت السنة ومذهبنا الوقوف عندها والعمل بها وإن لم نوجب ذلك إذ لم يوجبه الله ولكن الاتباع أولي‏

الاعتبار في ذلك عند أهل الله‏

التوجيه في حال من حال إلى حال من الله بالله إلى الله مع الله في الله لله على الله من الله ابتداء بالله إعانة وتأييد إلى الله غاية وانتهاء مع الله صحبة ومراقبة في الله رغبة لله قربة من أجله على الله توكلا واعتمادا ثم يعتبر ألفاظ ما ورد في التوجيه وكذلك تعتبر ما ذكرناه من الدعاء بين التكبير والقراءة والماء الحياة فإنه جعل من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أي بما تحيي به قلبي بذكرك وجوارحي بطاعتك حتى لا تتصرف إلا فيها فإنها شاهد مصدق يوم القيامة لمن تشهد عليه أو له كما ورد في القرآن العزيز من شهادة الجوارح واعتبر البرد من برد اليقين كبرد الأنامل الوارد في الخبر الصحيح فحصل به من العلم على يقين فيبرد به ما يجده العبد المصطفى من حرارة الشوق إلى المراتب العلى عند المسبح الأعلى من العلم بالله والثلج من ثلج القلب الذي هو سروره بما أكرمه الله به من تجليه وشهوده‏

(فصل بل وصل في سكتات المصلي في الصلاة)

[السكتات الثلاث في الصلاة]

وهي بعد ما يكبر تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة هذه السكتة الأولى وأما السكتة الثانية فعند الفراغ من قراءة الفاتحة وأما السكتة الثالثة فبعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع سوى السكتات التي هي الوقوف على كل آية ليتراد إليه نفسه أو ليتدبر فيما قرأ وهذه السكتة الثالثة إنما هي لمن يقرأ قرآنا سوى الفاتحة بعد الفاتحة فإن اكتفى بالفاتحة فما هما إلا سكتتان فاعلم‏

اعتبار أهل الله في ذلك‏

من الناس من أنكر سكتات الإمام ومنهم من استحبها ولا شك أن السكتات هي السنة فأما اعتبارها

فالله يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين‏

وقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله كأنك تراه‏

فالمصلي يتأهب لمناجاة ربه ويجعله نصب عينيه في قبلته وكذلك هو الأمر في نفسه لكن من غير تحديد

الصفحة 413 من الجزء 1

ولا تشبيه بل كما يليق بجلاله‏

فإن المصلي يواجه ربه في قبلته كذا ورد عن الصادق صلى الله عليه وسلم‏

والمناجاة مفاعلة والمفاعلة فعل فاعلين في بعض المواطن هذا منها فإذا قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فالله عند هذا القول من العبد سميع فينبغي للعبد إذا فرغ من الآية أن يلقي السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ فيسكت حتى يرى ما يقول له الحق جل جلاله في ذلك أدبا مع الحق لا ينبغي له أن يداخله في الكلام فإن ذلك من الأدب في المحاورات والحق أحق أن يتأدب معه فيقول الله حمدني عبدي فمن عبيد الله من يسمع ذلك القول بسمعه فإن لم تسمعه بسمعك فأسمعه إيمانا به فإنه أخبر بذلك وهكذا يقول لك في كل آية بحسب ما تقتضيه تلك الآية فمن الأدب الإصغاء لما يقوله القائل لك من ناجيته فإذا داخلته في كلامه أي في حال ما يكلمك فقد أسأت الأدب هذا عام في كل متكلم مع من يكلمه فالأمر بين سامع ومتكلم لتحصيل الفائدة واعلم أنه من لا أدب له لا تتخذه الملوك جليسا ولا سميرا ولا أنيسا

(فصل بل وصل في البسملة في افتتاح القراءة في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في التعوذ والبسملة في الصلاة]

اختلف علماء الشريعة في قراءة بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في افتتاح القراءة في الصلاة فمن قائل بالمنع سرا وجهرا لا في أم القرآن ولا في غيرها من السور وذلك في المكتوبة وأجازها في النافلة ومن قائل تقرأ مع أم القرآن في كل ركعة سرا ومن قائل يقرأ بها ولا بد في الجهر جهرا وفي السر سرا والذي أقول به أن التعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند افتتاح قراءة القرآن في صلاة وفي غيرها فرض للأمر الإلهي الوارد في قوله تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وقراءة البسملة في القراءة في الصلاة فرضا كانت الصلاة أو نفلا في الفاتحة والسورة أولى من تركها فإن الفرض على المصلي أن يقرأ ما تيسر من القرآن وقد عين الله الذي أراد من القرآن في الصلاة وهو الذي تيسر فقد عرف بعد ما نكر وذلك هو الفاتحة فإن تيسر له قراءة البسملة قرأها وإن لم تتيسر قراءتها في الفاتحة وغيرها فلا حرج وأما الفاتحة فلا بد منها في الصلاة وإن لم يقرأ الفاتحة فما هي الصلاة التي قسمها الحق بينه وبين عبده والبسملة عندنا آية من القرآن حيثما وردت من القرآن وهي آية إلا في سورة النمل في كتاب سليمان فإنها جزء من آية ما هي آية كاملة والله أعلم‏

الاعتبار عند أهل الله في ذلك‏

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ والقرآن كلام الله وقد ورد إذا استطعم الإمام من خلفه فليطعمه فسماه طعاما فناسب الأكل فلهذا أتينا بآيات الأكل في الاعتبار ومن قرأ القرآن معتقدا أنه كلام الله فقد سمي الله متكلما وإن كان هذا الاسم ما ورد فافهم فهمنا الله وإياك مواقع خطابه‏

(فصل بل وصل القراءة في الصلاة وما يقرأ به من القرآن فيها)

[أقوال الفقهاء في حكم القراءة في الصلاة ومقدار ما يقرأ فيها]

من الناس من أوجب القراءة في الصلاة وعليه الأكثر ومن الناس من لم ير وجوب القراءة ومن الناس من أوجبها في بعض الصلاة ولم يوجبها في بعض والذي أذهب إليه وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة وإن تركها لم تجزه صلاته ثم اختلفوا أيضا فيما يقرأ به من القرآن في الصلاة فمنهم من أوجب قراءة أم القرآن في الصلاة إن حفظها وبه أقول وما عداها من القرآن ما فيه توقيت ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة ومنهم من أوجبها في نصف الصلاة ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة ومنهم من أوجب قراءة القرآن أي آية اتفقت ومن هؤلاء من حد ثلاث آيات من قصار الآي وآية واحدة من طوال الآي كآية الدين وهذا في الركعتين الأوليين وأما في الركعتين الأخريين فاستحب قوم التسبيح دون القراءة واتفق الجمهور وهم الأكثرون على استحباب القراءة في الصلاة كلها وبه أقول‏

اعتبار أهل الله في ذلك‏

المصلي يناجي ربه والمناجاة كلام والقرآن كلام الله والعبد قاصر أن يعرف من نفسه ما ينبغي أن يكلم به ربه في وقت مناجاته التي دعاه إليها في صلاته فعلمه ربه كيف يناجيه وبما ذا يناجيه به لما

قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين‏

ثم قال يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فهذا إخبار من الحق يتضمن تعليم العبد ما يناجيه به فيقول الله حمدني عبدي الحديث فما ذكر في حق المصلي إذا ناجاه أن يناجيه بغير كلامه ثم إنه تعالى عين له من كلامه أم القرآن إذ كان لا ينبغي أن يناجي إلا بكلامه وبالجامع من كلامه ولأم هي الجامعة وهي أم‏

الصفحة 414 من الجزء 1

القرآن وبعد أن علمنا كيف نناجيه سبحانه وبما ذا نناجيه فالعالم العاقل الأديب مع الله إذا دخل في الصلاة أن لا يناجيه إلا بقراءة أم القرآن فكان هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عن ربه تعالى مفسرا ل ما تَيَسَّرَ من الْقُرْآنِ وإذا ورد أمر مجمل من الشارع ثم ذكر الشارع وجها خاصا مما يكون تفسيرا لذلك المجمل كان الواجب عند الأدباء من العلماء أن لا يتعدوا في تفسير ذلك المجمل ما فسره به قائله وهو الله تعالى وأن يقفوا عنده وشرع المناجاة بالكلام الإلهي في حال القيام في الصلاة خاصة دون غيره من الأحوال لوجود صفة القيومية من كون العبد قائما في الصلاة والله قائِمٌ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهنا علم كبير في قيام العبد بكلام الرب وما له حديث إلا مع ربه بكلام ربه ما دام قائما فلمن يترجم وعمن يترجم ومن هو المترجم وما تكسب النفس التي هو قائم عليها ومن هو العبد حتى يقول السيد جل جلاله يقول العبد كذا فيقول الله كذا لو لا العناية الإلهية والتفضل الرباني فإن قيل قد فهمنا ما أشرت به من صفة القيام والرفع من الركوع قيام ولا قراءة فيه قلنا الرفع من الركوع إنما شرع للفصل بينه وبين السجود فلا يسجد إلا من قيام فلو سجد من ركوع لكان خضوعا من خضوع ولا يصح خضوع من خضوع لأنه عين الخروج عما يوصف بالدخول فيه فإن التواضع لا يكون إلا من رفعة فإن المهين النفس إذا ظهر منه التواضع فيما يرى فليس بتواضع وإنما ذلك مهانة نفس فيكون لا خضوع مثل عدم العدم هو عين الوجود فلهذا فصل بين السجدتين برفع ليفصل بين السجدتين حتى تتميز كل واحدة منهما بالفاصل الذي فصل بينهما فيعلم إن نم أمرا آخر وإن اشتركتا في الصورة مثل قوله وأُتُوا به مُتَشابِهاً كما لا نشك في حقيقة كلمة لا إله إلا الله من حيث ما هي لا إله إلا الله وقد ظهرت بالصورة في ستة وثلاثين موضعا من القرآن ويعلم صاحب الذوق أن حكمها يختلف في الطعم باختلاف الموضع الذي ظهرت فيه فإن كنت تفهم كتشابه ركعات الصلاة في الصورة ولكل ركعة طعم ومذاق ما هو للأخرى كانت ما كانت ولا شك إذا فصل بين المثلين بالنقيض تميزا ومن الآداب مع الملوك إذا حيوا حيوا بالانحناء وهو الركوع أو بوضع الوجه على الأرض وهو السجود تعظيما لهم وإذا توجهوا أو أثنى عليهم قام المثنى أو المكلم لهم بين أيديهم لا يكلمهم جالسا ولا في غير حال من أحوال القيام هذا هو الأدب المعروف ممن هو دون الملك مع الملك فكيف بمن هو عبد له لا يقبل الحرية وأما القرآن فلما كان المعقول في اللسان المعروف من إطلاق هذا اللفظ الجامع والصلاة حالة يجتمع العبد فيها على سيده كما هي حالة أيضا جامعة بين الله وبين عبده حيث قسمها الله بينه وبين عبده في الصلاة وقعت المناسبة بين القرآن وبين الصلاة فلم ينبغ أن يقرأ فيها بغير القرآن ولما كان القيام يشبه الألف من الحروف الرقمية وهو أصل الحروف اللفظية وعنه ظهرت جميع الحروف بانقطاعه في مخارجها من الصدر إلى الشفتين فهو الجامع لأعيان الحروف وأعيان الحروف مراتبه ومنازله في خروجه وسفره من القلب الذي هو عالم الغيب إلى الشهادة كان القيام جامعا لأنواع الهيئات وأصولها من ركوع وسجود وجلوس وإن كان الجلوس له من وجه شبه بالقيام لأنه نصف قيام فكانت قراءة القرآن من كونها جمعا في القيام أولى فإن القيام هو الحركة المستقيمة والاستقامة هي المطلوبة من الله أن يوفق لها العبد فالعبد يقول اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ لكون الله تعالى قال له فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ فتعين بما ذكرناه في مجموعه وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة في ركعة إذ كانت أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة شرعا وهي الوتر وقد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بواحدة أو ترجيحها على غيرها من آي القرآن وإذا كان المتعين على المصلي في القيام قراءة أم القرآن إما بالوجوب وإما بالأولوية فلنبين في ذلك صورة قراءة العلماء بالله لها في مناجاتهم في الصلاة

(وصل في وصف هذه الحال)

اعلم أن المصلي لما كان ثانيا كما قررناه في الاشتقاق وأن كونه ثانيا ليس بأمر حقيقي وإنما كان ذلك بالإضافة إلى شهادة التوحيد في الايمان فتلك تثنية الايمان أي ظهوره في موطنين في موطن الشهادة وموطن الصلاة كما نثلثه مع الزكاة فما زاد ولهذا ذكر الله الزيادة في الايمان فقال فزادتهم إيمانا وهو عين واحدة والكثرة إنما هي في ظهوره في المواطن كالواحد المظهر للاعداد المكثر لها وهو في نفسه لا يتكثر أ لا تراه إذا خلت مرتبة عنه لم يبق لتلك المرتبة حكم ولا عين وفي معنى هذا يقول الله فيمن قال نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ... أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا فنفى عنهم الايمان كله إذ نفوه من‏

الصفحة 415 من الجزء 1

مرتبة واحدة فهم أولى باسم الكفر الذي هو الستر فإن الكافر الأصلي هو الذي استتر عنه الحق وهذا عرف الايمان وستره فإنه قال نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ فهو أولى باسم الكفر من الذي لم يعرفه‏

[أولية الحق لا تقبل الثاني‏]

ولما لم تكن أولية الحق تقبل الثاني‏

قال الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي‏

فذكر نفسه وذكر العبد وما ذكر الأولية هنا لا له ولا لعبده بل ذكر البين له بالضمير ولعبده بالصريح وهو الحد الذي ينبغي أن يتميز به العبد من ربه إلا أنه تعالى قدم نفسه في البينية فقال بيني ثم أخر عن هذا التقدم بينية عبده فقال وبين عبدي فأضافه إليه تعالى ليعرفه أنه عبد له لا لهواه فإنه القائل أَ فَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ فكان عنده عبدا لهواه وهو في نفس الأمر عبد ربه سبحانه فالعبد ما له إرادة مع سيده بل هو بحكم ما يراد به فالحق سبحانه هو الواجب الوجود لذاته والعبد هو الذي منه استفاد الوجود فإن أصله العدم فالحق يعطيه التقدم في هذه المرتبة إذ البينية لا تعقل إلا بين أمرين والأمر إن هنا الرب والعبد ثم‏

[تقديم العبد في القول على قول الحق‏]

إن الحق جعل في مقابلة تقديم نفسه من قوله بيني تقديم العبد في القول على قول الحق فقال سبحانه يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فقدم قول العبد ثم قال فيقول الله فجاء بقوله بعد قول العبد وذلك ليتبين لنا أن له الأمر من قبل في قوله بيني فقدم ومن بعد في قوله فيقول الله فهو الأول الآخر فأثبت للعبد الأولية في القول ليعلم أن الأولية الإلهية في قوله بيني لا تقتضي قبول الثاني فهذا الذي قد تخيل أنه ثان قد رجع أولا في القول في المناجاة فعرفناك إن المقصود التعريف بالمراتب لا التركيب المولد فإنه لَمْ يَلِدْ سبحانه في قوله وبين عبدي ولَمْ يُولَدْ في قوله فيقول الله حمدني عبدي ولو أن العقل يدركه حقيقة بنظره ودليله ويعرف ذاته لكان مولدا عن عقله بنظره فلم يولد سبحانه للعقول كما لَمْ يُولَدْ في الوجود ولَمْ يَلِدْ بإيجاده الخلق لأن وجود الخلق لا مناسبة بينه وبين وجود الحق والمناسبة تعقل بين الوالد والولد إذ كل مقدمة لا تنتج غير مناسبها ولا مناسبة بين الله وبين خلقه إلا افتقار الخلق إليه في إيجادهم وهو الغني عن العالمين فكما ثبت أن أولية الحق لا تقبل الثاني كذلك أولية العبد في القول لا يكون الحق ثانيا لها إذ ليست بأولية عدد إذ كان الذي في مقابلة العبد هو الحق فإنه الذي يناجيه‏

[الحق لا يناجي بالألفاظ بل بالحضور معه‏]

وما تعرض لذكر الغير فمن كان في صلاته يشهد الغير معرى عن شهود الحق فيه أو شهوده في الحق أو شهود صدوره عن الحق وهو قول أبي بكر الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فما هو بمصلّ من ليست حالته ما ذكرناه من أنواع المشاهدة وإذا لم يكن مصليا لم يكن مناجيا والحق لا يناجي بالألفاظ في هذه الحالة وإنما يناجي بالحضور معه فيكون القائل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إذا لم يكن حاضرا مع الله لسان العبد لا عينه وحقيقته فيقول الحق عند ذلك حمدني لسان عبدي لا عبدي المفروضة عليه مناجاتي وإذا حضر القائل في قوله يقول الله حمدني عبدي جبر له ما مضى بفضل الله فإن العبد إذا حضر تضمن حضوره حضور اللسان وسائر الجوارح لأن العين تجمعهم وإذا لم يحضر عينه لم تقم عنه جارحة من جوارحه ولا عن غير نفسها ولما تقدم نداء الحق عبده في الإقامة حي على الصلاة لهذا ابتدأ العبد بتكبيرة الإحرام فإن بقي على إحرامه إلى آخر صلاته وصدق في أنه أحرم ووفى وفى الله له فإنه قال لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وقال أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فإنه لا مكره له وإن لم يف العبد في صلاته بإحرامه وأحضر أهله أو دكانه وما كان من أغراضه معه فأمره إلى الله يفعل معه ما يقتضيه علمه فيه فقال العبد اقتداء في تكبيرة الإحرام الله أكبر لما خصص حالا من الأحوال سماها صلاة قال الله أكبر أن يقيد ربي حال من الأحوال بل هو في كل الأحوال لا بل هو كل الأحوال بل الأحوال كلها بيده لم يخرج عنه حال من الأحوال فكبره عن مثل هذا الحكم الوهم لا لحكم العقل فإن للوهم حكما في الإنسان كما للعقل حكما فيه وجعلها تكبيرة إحرام أي تكبيرة منع يقول تكبير لا يشاركه في مثل هذا الكبرياء كون من الأكوان‏

[في المناجاة الإلهية ما ثم إلا واحد كما في الحب‏]

وعلى الحقيقة التي أخبرنا بها كيف يشاركه من هو عينه إذ قال له إنه سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله فالشي‏ء لا يشارك نفسه فإنه ما ثم إلا واحد فهو المكبر والكبير وهو الكبرياء ليس غيره يتعالى ويتنزه ويتقدس أن يكون متكبرا بكبرياء ما هو عينه فإذا قام العارف بين يدي الله بهذه الصفة ولم ير في وقوفه ولا في تكبيره غير ربه وأصغى إلى نداء ربه إذا قال له حي على الصلاة في الإقامة أي أقبل على مناجاتي وقد قال له وثِيابَكَ فَطَهِّرْ فإن المصلي في هذا المقام يخلع على الحق حلل الثناء يطلب بذلك البركة فيها فإنه قد علم إن الله يرد عليه عمله كما يقول الشخص عندنا لأهل الدين ألبس لي هذا الثوب على طريق البركة ثم يخلعه اللابس عليه يقول الحق لما ذكرناه‏

الصفحة 416 من الجزء 1

أثنى على عبدي أي خلع على حلل الثناء والحق سبحانه على الحقيقة المثنى على نفسه بلسان عبده كما أخبرنا أنه قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فانظر ما أشرف مرتبة المصلي كيف وصفه الحق بأنه يخلع حلل الثناء على سيده وأين المصلي الذي تكون هذه حالته هيهات بل الناس استنابوا ألسنتهم لسوء أدبهم وعدم علمهم بمن دعاهم وبما دعوا له من طلب الثناء فلم يجيبوا إلا بظواهرهم وراحوا بقلوبهم إلى أغراضهم فهم المصلون الساهون في صلاتهم لا عن صلاتهم للحالة الظاهرة من الإجابة لندائه ولكونهم أقاموا ظواهرهم نوابا عنهم بين يدي القبلة عن أمر الله فلما دعاهم الحق إلى هذا المقام وجاء العالم بالله وكبر تكبيرة الإحرام كما ذكرناه ولم ير نفسه أهلا لمناجاة ربه إلا بعد تجديد طهارة لقوله وثِيابَكَ فَطَهِّرْ والثوب في الاعتبار القلب قال العربي‏

فسلي ثيابي من ثيابك تنسل‏

وقيل في تفسير قوله وثِيابَكَ فَطَهِّرْ إنه أمر بتقصير ثيابه‏

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا المعنى‏

تقصيرك الثوب حقا *** أنقى وأبقى واتقى‏

[طهر القلب لمناجاة وفي مناجاة الرب‏]

ولا شك أن العبد فرض عليه رؤية تقصيره في طاعة ربه فإنه يقصر بذاته عما يجب لجلال ربه من التعظيم فهو تنبيه إلهي على أن يطهر العبد قلبه إذ كان ثوب ربه الذي وسعه في‏

قوله وسعني قلب عبدي‏

فمثل هذا الثوب هو المأمور بتطهيره في هذا المقام ثم إن العارف رأى أن طهر قلبه لمناجاة ربه إذا طهره بنفسه لا بربه زاده دنسا إلى دنسه كمن يزيل النجاسة من ثوبه ببوله لكونه مائعا وأن التطهير المطلوب هنا إنما هو البراءة من نفسه ورد الأمر كله إلى الله فإن الله يقول وإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ولهذا لا يصح له عندنا أن يناجيه في الصلاة بغير كلامه لأنه لا يليق أن يكون في الصلاة شي‏ء من كلام الناس وكذا ورد في الخبر أن الصلاة لا يصح فيها شي‏ء من كلام الناس إنما هو التسبيح الحديث ثم أيد هذا القول بما أمر به‏

حين نزل قوله تعالى فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال صلى الله عليه وسلم لنا اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال صلى الله عليه وسلم لنا اجعلوها في سجودكم‏

فعمنا القرآن في أحوالنا من قيام وركوع وسجود فما ذكره المصلي في شي‏ء من صلاته إلا بما شرعه له على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفنا أنه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ وإن لم نسم كل كلام إلهي قرآنا مع علمنا أنه كلام الله فالقرآن كلام الله وما كل كلام الله قرآن فالكل كلامه فلا نناجيه في شي‏ء من الصلاة إلا بكلامه‏

[دعاء التوجيه عند العارف‏]

كذلك التطهير الذي أمر به سبحانه في قوله وثِيابَكَ فَطَهِّرْ فيقول العارف في صلاته بين تكبيرة الإحرام وقراءة فاتحة الكتاب امتثالا لهذا الأمر اللهم باعد بيني وبين خطاياي وهي النجاسات المتعلقة بثوبه كما باعدت بين المشرق والمغرب والسبب في ذلك أن العبد العالم إذا دعاه الحق إلى مناجاته فقد خصه بمحل القربة منه فإذا أشهده خطاياه في موطن القرب وهي في ذاتها في كل البعد من تلك المكانة كان العبد في محل البعد عما طلب الحق منه من القرب فدعا الله قبل الشروع في المناجاة أن يحول بينه وبين مشاهدة خطاياه أن تظهر له في قلبه في هذا الموطن الذي هو موطن القربة ولذلك قال بعضهم في حد التوبة أن تنسى ذنبك فإن ذكر الجفاء في موطن الصفا جفا وما رأيت فيمن رأيت أحدا تحقق بهذا المقام ذوقا إلا بعض الملوك في مقامه مع الخلق فلا يريد أن يظهر له شي‏ء من خطاياه بتخيل أو تذكر كما باعدت بين المشرق والمغرب وفي هذا التشبيه علم عزيز غزير ولكنه أراد هنا البعديين الضدين إذ كان الضدان لا يجتمعان والعلم الذي نبهنا عليه مبطون في هذين الضدين إذ يجتمعان في حكم ما كالبياض والسواد يجتمعان في اللون كالمحدث وغير المحدث في الوصف بالوجوب فالمشرق وإن بعد عن المغرب حسا فإنه يشاهد كل واحد صاحبه على التقابل وهو بعد حسي بالموضعين وبعد معنوي بالشروق والغروب فإن الغروب يضاد الشروق ومحل الشروق الذي هو المشرق بعيد جدا من محل الغروب الذي هو المغرب ولم يقل كما باعدت بين السواد والبياض فإن اللونية تجمع بينهما فانظر ما أحكم هذا التعليم وما أحقه وأدقه وتأدب مع الله حيث طلب البعد من خطاياه وما طلب إسقاطها عنه حتى لا يكون في ذلك الموطن في حظ نفسه يسعى ويطلب فيكون بمنزلة من وجه الملك فيه ليدخل عليه فلما دخل عليه طلب منه ابتداء ما يصلح لنفسه فهذا سيئ الأدب وإنما ينبغي له أن يطلب من الحق ما يليق مما تطلبه تلك الحالة من التأهب لمناجاة سيده فطلب البعد من الخطايا ما طلب الإسقاط

(وصل فيه ومنه) [تتمة شرح حديث دعاء التوجيه‏]

ثم قال اللهم نقني من‏

الصفحة 417 من الجزء 1

خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وذلك لما قال له عز وجل وثِيابَكَ فَطَهِّرْ فجاء في دعائه بلفظ الثوب أعلاما للحق لقوله حتى تعلم وهذا غاية الأدب حيث يترك علمه لإيمانه أي ما دعوتك إلا بما أمرتني به أن أفعله من تطهير الثوب لمناجاتك فلتكن أنت يا رب المتولي لذلك التطهير فإنه لا حول لي ولا قوة إلا بك وكل وصف لا يليق بجلالك فهو خطية من تخطيت وهو أن يتجاوز العبد حده فيخطو في غير محله ويجول في غير ميدانه فهو كالماشي في الأرض المغصوبة فإذا خطأ العبد في غير ما أمره به سيده سمي مخطئا وخاطئا وسميت تلك الفعلة والحركة خطيئة فالعبد عبد والرب رب‏

(وصل لبقية الدعاء)

ثم يقول اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد أي تول أنت سبحانك غسل خطاياي فأضاف الغسل إليه يقول فإنك قد شرعت لي أن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله وشرعت لي أن أقول إذا قلت إِيَّاكَ نَعْبُدُ أقول وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي على عبادتك فإن لم تتولني بقوتك ومعونتك فيما أمرتني به من تطهير ذاتي لمناجاتك فكيف أناجيك في حالة جعلتها دنسا وأنت القائل وجَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ فاغسل خطاياي بالماء أي أحي قلبي بأن تبدل سيئاته حسنات بالتوبة والعمل الصالح فهذه الحياة هنا على هذا الحال بورود الماء على النجاسة والدنس تطهير أي ما كان دنسا صار نقيا وما كان نجسا صار طاهرا فإن دنسه ونجاسته لم تكن لذاته وإنما كان بحكم شرعي انفرد به هذا الموطن فلما اجتمع بالماء لورود الماء عليه كان للاجتماع حكم آخر سمي به نقاء وطهارة فعاد القبيح حسنا والسيئة حسنة فمثل هذا الفعل هو المطلوب لا إزالة العين بل إزالة الحكم فإن العين موجودة في الجمع بينها وبين الماء وقوله والثلج يقال في الرجل إذا سر قلبه بأمر ما ثلج فؤاد الرجل أي هو في أمر يسر به فيقول يا رب إنك إذا فعلت مثل هذا الغسل سر قلبي حيث تطهر لما يرضيك بما يرضيك فينقلب غمه سرورا

[ما ثم إلا الله وأنا]

وقوله والبرد هو ما ينطفي من جمرة الاحتراق الذي قام بالقلب من كونه حين دعاه ربه لمناجاته على حالة لا يصلح أن يقف بها بين يدي ربه فيحب ما يطفي تلك النار فجاء بلفظ البرد من البرد وفي رواية بالماء البارد فهو المستعمل في كلام العرب كذا رويناه عنهم قال شاعرهم‏

وعطل قلوصي في الركاب فإنها *** ستبرد أكبادا وتبكي بواكيا

يقول إن من الناس من كان في نفسه من حياتي حرقة ونار حسدا وعداوة إذا رأوا قلوصي معطلة عرفوا بموتي فبرد عنهم ما كانوا يجدونه بحياتي من النار وأبكت أوليائي الذين كانوا يحبون حياتي فانتقلت صفات هؤلاء إلى هؤلاء وهؤلاء إلى هؤلاء كما انتقل ذل الأولياء وتعبهم ونصبهم ومكابدتهم وكدهم في الدنيا في طاعة ربهم إلى الأشقياء من الجبابرة في النار وانتقل سرور الجبابرة وراحة أهل الثروة في الدنيا إلى أهل السعادة أهل الجنة في الآخرة فالذي ذكر هذا الشاعر في شعره هي حالة كل موجود إذ كل موجود لا بد له من عدو وولي قال تعالى لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ فجعلهم أعداء له كما قال في جزائه إياهم ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ الله فإذا كان لله أعداء فكيف بأجناس العالم وكذلك الولاية لله أولياء ولكل موجود فالعالم بالله المشغول به من يقول ما ثم إلا الله وأنا فيفني الكل في جناب الحق وهو الأولى وهو الولي حقا إذ كانت هذه الحالة سارية حقا وخلقا فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ كما هو ولي للمؤمنين فهم عبيده أعداؤه فكيف حال عبيده بعضهم مع بعض بما فيهم من التنافس والتحاسد فإذا سأل العارف من الله هذا التطهير بعد تكبيرة الإحرام عند ذلك يشرع في التوجيه‏

(وصل متمم لأكمل صلاة في التوجيه)

[العالم بالله يعمد إلى أكمل الصلوات عند الله‏]

وإنما ذكرنا هذا لأن العالم بالله يعمد إلى أكمل الصلوات عند الله في حالاتها من أقوال وأفعال وإن لم يكن بطريق الوجوب ولكن أولياء الله أولى بصورة الكمال في العبادات لأنهم يناجون من له الكمال المحقق بما يجب له فإن ذلك واجب عليهم أوجبته معرفتهم وشهودهم‏

[توجيه الوجه عن شرع الرب‏]

ابتداء التوجيه فيقول العبد وجهت وجهي فأضاف العبد الوجه إلى نفسه عن شرع ربه له فيه أدبا مع الله بحضوره مع الحق في أنه لسانه الذي يتكلم به ودعاه إلى هذه الإضافة قوله تعالى بيني وبين عبدي فأثبته وإنما هو بالحقيقة مضاف إلى سيده فإن العبد الأديب العارف هو وجه سيده إذ لا ينبغي أن يضاف إلى العبد شي‏ء فهو المضاف ولا يضاف إليه فإذا أضاف السيد نفسه إليه فهو على جهة التشريف والتعريف مثل قوله وإِلهُكُمْ ومثل ذلك وأضاف فعل التوجيه إلى نفسه لعلمه أن الله قد أضاف العمل إلى العبد فقال يقول العبد الحمد لله والقول عمل من الأعمال فالعالم لا يزال أبدا يجري مع الحق على‏

الصفحة 418 من الجزء 1

مقاصده كما قال خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فعرفه بالمواطن وكيف يكون فيها ولو تركه مع نفسه لعاد إلى العدم الذي خرج منه فأعطاه الوجود ولوازمه وظهر فيه سبحانه بنفسه بما أظهر من الأفعال به وجعل للعبد أولا معلوما وجوديا وآخرا معلوما في الوجود معقولا في التقدير وظاهرا ما ظهر منه له وباطنا بما خفي عنه منه فلما حده بهذه الحدود وعراه عنها وقال له ما أنت هو بل هُوَ الْأَوَّلُ والْآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ فأبقى العبد في حال وجوده على إمكانه ما برح منه ولا يصح أن يبرح وأضاف الأفعال إليه لحصول الطمأنينة بأن الدعوى لا تصح فيها فإنه قال وإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وقال أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فلهذا أضاف العالم التوجيه إلى نفسه ووجه الشي‏ء ذاته وحقيقته أي نصبت ذاتي قائمة كما أمرتني‏

[فاطر السماوات والأرض‏]

ثم قال لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وهو قوله فَفَتَقْناهُما أي الذي ميز ظاهري من باطني وغيبي من شهادتي وفصل بين القوي الروحانية في ذاتي كما فصل السموات بعضها من بعض ف أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ بما جعل في كل قوة من قوى سماواتي وقوله والْأَرْضَ ففصل بين جوارحي فجعل للعين حكما وللاذن حكما ولسائر الجوارح حكما حكما وهو قوله وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها وهو ما يتغذى به العقل الإنساني من العلوم التي تعطيه الحواس بما يركبه الفكر من ذلك لمعرفة الله ومعرفة ما أمر الله بالمعرفة به فهذا وما يناسبه ينظر العالم في الله بالتوجيه بقوله فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وهو بحر واسع لو شرعنا فيما يحصل للعارف في نفسه الذي يوجب عليه أن يقول فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ ما وسعه كتاب ولكلت الألسن عن تعبير سماء واحدة منه‏

[حنيفا وما أنا من المشركين‏]

ثم قال حَنِيفاً أي مائلا والحنف الميل يقول مائلا إلى جناب الحق من إمكاني إلى وجوب وجودي بربي فيصح لي التنزه عن العدم فأبقى في الخير المحض فهذا معنى قوله حَنِيفاً ثم قال وما أَنَا في هذا الميل من الْمُشْرِكِينَ يقول ما ملت بأمري كما قال العبد الصالح وما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي وإنما الحق علمني كيف أتوجه إليه وبما ذا أتوجه إليه ومما ذا أتوجه إليه وعلى أية حالة أكون في التوجه إليه هذا كله لا بد أن يعرفه العلماء بالله في التوجيه وإن لم يكونوا بهذه المثابة فما هم أهل توجيه وإن أتوا بهذا اللفظ فنفى عن نفسه الشرك والعبد وإن أضاف الفعل إلى نفسه فما هو شريك في الفعل وإنما هو منفرد بما يصح أن يكون له منفردا من ذلك الفعل ويكون الحق منفردا بما يصح أن يكون به منفردا من ذلك الفعل فالعبد لا يشاركه سيده في عبوديته فإن السيد لا يكون عبدا والعبد لا يكون سيدا لمن هو له عبد من حيث ما هو عبد له‏

[إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي‏]

ثم قال إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي فأضاف الكل إلى نفسه فإنه ما ظهرت هذه الأفعال ولا يصح أن تظهر إلا بوجوب العبد إذ يستحيل على الحق إضافة هذه الأشياء إليه بغير حكم الإيجاد فتضاف إلى الحق من حيث إيجاد أعيانها كما تضاف إلى العبد من كونه محلا لظهور أعيانها فيه فهو المصلي كما إن المحرك هو المتحرك ما هو المحرك فهو المتحرك حقيقة ولا يصح أن يكون الحق هو المتحرك كما لا يصح أن يكون المتحرك هو المحرك لنفسه لكونه نراه ساكنا فاعلم ذلك حتى تعرف ما تضيفه إلى نفسك مما لا يصح أن تضيفه إلى ربك عقلا وتضيف إلى ربك ما لا يصح أن تضيفه إلى نفسك شرعا ونُسُكِي هنا معناه عبادتي أي إن صلاتي وعبادتي يقول ذلتي ومَحْيايَ ومَماتِي أي وحالة حياتي وحالة موتي‏

[لله رب العالمين‏]

ثم قال لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي لله أي إيجاد ذلك كله لله لا لي أي ظهور ذلك في من أجل الله لا من أجل ما يعود علي في ذلك من الخير فإن الله يقول وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فجعل العلة ترجع إلى جنابه لا إلي فلم يكن القصد الأول الخير لنا وإنما كان الإيثار في ذلك لجناب الحق الذي ينبغي له الإيثار فكان تعليما لنا من الحق وتنبيها وهو قول رابعة أ ليس هو أهلا للعبادة فالعالم من عبد الله لله وغير العالم يعبده لما يرجوه من الله من حظوظ نفسه في تلك العبادة فلهذا شرع لنا أن نقول لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي سيد العالمين ومالكهم ومصلحهم لما شرع لهم وبين حتى لا يتركهم في حيرة كما قال تعالى في معرض الامتنان على عبده ووجدك ضالا فهدى أي حائرا فبين لك طريق الهدى من طريق الضلالة فطريق الهدى هنا هو معرفة ما خلقك من أجله حتى تكون عبادتك على ذلك فتكون على بينة من ربك‏

[لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏]

ثم قال لا شَرِيكَ لَهُ وبِذلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي لا إله في هذا الموضع مقصود بهذه العبادة إلا الله الذي خلقني من أجلها أي لا أشرك فيها نفسي بما يخطر له من الثواب الذي وعده الله لمن هذه صفته وقد ذهب بعضهم إلى الحضور مع الثواب في حال هذه العبادة وكفر من لم يقل به وهذا ليس بشي‏ء وهو من أكابر المتكلمين‏

الصفحة 419 من الجزء 1

غير أنه لم يكن من العلماء بالله من طريق الأذواق بل كان من أهل النظر الأكابر منهم ورد على العدوية فيما قالته ولا يعتبر عندنا ما يخالفنا فيه علماء الرسوم إلا في نقل الأحكام المشروعة فإن فيها يتساوى الجميع ويعتبر فيها المخالف بالقدح في الطريق الموصل أو في المفهوم باللسان العربي وأما في غير هذا فلا يعتبر إلا مخالفة الجنس وهذا سار في كل صنف من العلماء بعلم خاص وقوله وبذلك أمرت يعود على الجملة كلها وعلى كل جزء جزء منها بحسب ما يليق بذلك الجزء فلا يحتاج إلى ذكره مفصلا إذ قد حصل التنبيه على ما فيه لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ ثم قال وأنا من المسلمين أي من المنقادين لا وأمره في قوله وبِذلِكَ أُمِرْتُ‏

[اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت‏]

ثم قال اللهم أنت الملك وذلك أن الله تعالى لما دعاه إلى القيام بين يديه وذلك أنه لا ينبغي أن يدعو إلى هذه الصفة إلا الملوك فخص هذا الاسم في التوجيه دون غيره ولهذا شرع التكتيف في الصلاة في حال الوقوف لأنه موطن وقوف العبد بين يدي الملك ثم يقول بالوصف الأخص لا إله إلا أنت ولم يقل لا ملك إلا أنت أدبا مع الله فإن الله قد أثبت الملوك في الأرض في قوله وجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ونفى أن يكون في العالم إله سواه لا بالحقيقة ولا بحكم الجعل فقال العبد في التوجيه لا إله إلا أنت ولو قال لا ملك إلا أنت لكان نافيا لما أثبته الحق وما أثبته الحق لا يلحقه الانتفاء كما أنه إذا نفى شيئا لا يمكن إثباته أصلا فإن كان لفظ هذا التوجيه نقلا عن الحق وهو من كلام الله فهو تصديق لما أثبته ونفاه وإن كان من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فهو من مقام الأدب مع الله حيث لم ينف ما أثبته الله وإن كان لا ملك إلا الله ولكن الله قد أثبت الملوك فهذا معنى لا إله إلا أنت عقيب قوله أنت الملك فإنه يظهر فيه عدم المناسبة فلما كانت الألوهية تتضمن الملك ولا يتضمن الملك الألوهية أتى بلفظ يدل معناه على وجود الملك الذي سماه وإن لم يظهر له لفظ فالإله ملك وليس كل ملك إلها

[أنت ربي وأنا عبدك‏]

ثم يقول أنت ربي وأنا عبدك فقدم ربه وأخر نفسه وأضافها إلى ربه بحرف الخطاب لأنه بين يديه وانظر ما في هذا الكلام من الأدب يقول له أنت ربي وأنا عبدك الذي قسمت الصلاة بينك وبينه فمن حيث هذه العبودية الخاصة وقفت بين يديك وهي حالة مناجاة لا حالة أخرى فإن أحوال العبد تتنوع بتنوع ما يدعوه السيد إليه وإن كان عبدا في كل حالة

[ظلمت نفسي واعترفت بذنبي‏]

ثم يقول ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يقول في هذا الكلام لما قال قبل التوجيه ذلك الدعاء الذي قدمناه بعد التكبير من سؤاله البعد بينه وبين خطاياه يقول ظلمت نفسي بما اكتسبت من الخطايا واعترفت بين يديك بها قبل مناجاتك فاغفر لي ذنوبي أي فاستر ذنوبي من أجلي إنه لا يقدر على سترها إلا أنت فلا تراني فتأتيني فأكون بها مذنبا ولا أراها فتحلو لي فآتيها فأكون بها مذنبا وهو قوله باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب يقول إذا سترتها عني بهذا البعد لم نشهدها حتى أكون متفرغا لقبول ما دعوتني إليه فإنك إن أشهدتني ذنوبي ولم تسترها عني منعني الحياء والدهش عند رؤيتها إن أعقل ما تريده مني مما دعوتني إليه فلم يذكر أيضا إسقاطها عني حتى لا يكون يسعى في حظ نفسه وإن المطلوب سترها في تلك الحال ولهذا العالم بالله مع توبته لا يزال متى ذكر ذنبه أثرت في نفسه وحشة المخالفة وإن لم يؤاخذ به فإن الحال تعطي ذلك‏

[و اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت‏]

ثم يقول واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لاحسنها إلا أنت هو بمنزلة قوله في الدعاء اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد أي وفقني لاستعمال مكارم الأخلاق في هذا الموطن مما يستحق أن أعاملك بها من الأدب في مناجاتك والأخذ عنك والفهم لما تورده علي في كلامك وفهم ما أناجيك به أنا من كلامك هذا كله من أحسن الأخلاق وفي أفعالي بهيئات وقوفي بين يديك ظاهرا وباطنا كما شرعت لي فلا يهدي لأحسن الأخلاق إلا أنت أي أنت الموفق لهذه لا قوة لي على إتيان ذلك ولا تعيينه إلا بقوتك وبتعريفك إذ هذا مما لا يدرك بالاجتهاد بل بما تشرعه وتبينه لما كان قدرك مجهولا وما ينبغي لجلالك غير معلوم ولا نقيس معاملتنا معك بمعاملة العبيد مع الملوك فإنك قلت ليس كمثلك شي‏ء فالأدب الذي يخصنا في معاملتك ما نعلمه إلا منك‏

[و اصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت‏]

ثم قال واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ابتداء بالتعليم فتعرفني ما لا ينبغي أن يعامل به جلالك وثانية أيضا بالاستعمال في ترك ما لا يحسن بقدرك إذ بيدك الأمر كله فقد تعلم العبد ولا تستعمله فيما علمته فاصرف عني سيئ الأخلاق بالعلم والاستعمال‏

[لبيك وسعديك‏]

ثم يقول لبيك وسعديك أي إجابة لك ومساعدة لما دعوتني إليه بقولك على لسان حاجب الباب حي على الصلاة ها أنا قد جئت‏

الصفحة 420 من الجزء 1

مجيبا دعاءك لبيك ومساعدة لما تريده مني على نفسي بالقبول‏

[و الخير كله بيديك‏]

ثم يقول والخير كله بيديك لما كان هو الخير المحض فإنه الوجود الخالص المحض الذي لم يكن عن عدم ولا إمكان عدم ولا شبهة عدم كان الخير كله بيديه‏

[و الشر ليس إليك‏]

ثم يقول والشر ليس إليك يقول ولا يضاف الشر إليك والشر المحض هو العدم أي لا يضاف إليك عدم الخير ولا ينبغي لجلالك وأتى بالألف واللام لشمول أنواع الشر أي الشر المطلق والشر المقيد بالصور الخاصة هذا كله ليس إليك أي ما سميته شرا أو هو شر لا ينبغي أن يضاف إليك أدبا وحقيقة وأقوى ما يحتج به المخالف في هذه المسألة قوله تعالى كَذلِكَ يُضِلُّ الله من يَشاءُ ويَهْدِي من يَشاءُ وقوله ومن يُضْلِلِ الله فَما لَهُ من هادٍ

[الضلالة والهداية والشقاء والسعادة]

فاعلم إن مطلق الضلالة الحيرة والجهل بالأمر وبطريق الحق المستقيم فقوله فَيُضِلُّ الله من يَشاءُ أي من عرفه بطريق الضلالة فإنه يضل فيها ومن عرفه بطريق الهداية فإنه يهتدي فيها مثل قوله في الهداية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فالعقل السليم يهتدي به عند ما يسمع مثل هذا من الحق ولذا قال ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ولكِنْ لا تُبْصِرُونَ ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ وقوله ومن أتاني يسعى أتيته هرولة

وأمثال هذه فإن العقل السليم يحار في مثل هذه الأخبار ويتيه فهذا معنى يضل أي يحير العقول بمثل هذه الخطابات الصادرة من الله على ألسنة الرسل الصادقة المجهولة الكيفية ولا يتمكن للعقل أن يهتدي إلى ما قصده الحق بذلك مما لا يليق بالمفهوم ثم يرى العقل أنه سبحانه ما خاطبنا إلا لنفهم عنه والمفهوم من هذه الأمور يستحيل عليه سبحانه من كل وجه يفهمه العبد بضرب من التشبيه المحدث أما من طريق المعنى المحدث أو من طريق الحس ولا يتمكن للعقل أن لا يقبل هذا الخطاب فيحار فثم حيرة يخرج عنها العبد ويتمكن له الخروج منها بالعناية الإلهية وثم حيرة لا يتمكن له الخروج عنها بمجرد ما أعطى الله للعقل من أقسام القوة التي أيده الله بها فيحار الدال في المدلول لعزة الدليل ثم يجي‏ء الشرع بعد هذا في أمور قد حكم العقل بدليله على إحالتها فيثبت الشرع ألفاظا تدل على وجوب ما أحاله فيقبل ذلك إيمانا ولا يدري ما هو فهذا هو الحائر المسمى ضالا وقد روى أنه قال زدني فيك تحيرا

أي أنزل إلي نزولا يحيله العقل من جميع وجوهه ليعرف عجزه عن إدراك ما ينبغي لك ولجلالك من النعوت وأما الشقاء والسعادة المعبر بهما عن الأمور التي تتألم بها النفوس وتتنعم فذلك مطلب عام للنفوس من حيث الحس والمحسوس وهذا الذي نحن بصدده أمر آخر يرجع إلى معرفة الحقائق‏

[أنا بك وإليك‏]

ثم يقول أنا بك وإليك أي بك ابتداء لا بنفسي وهو قولنا إن الإنسان موجود بغيره وقوله وإليك أي وإليك يرجع عين وجودي فما أنا هو أنت هو فإنه ما استفدت منك إلا الوجود وأنت عين الوجود وأنا على أصل ذاتي من العدم ما تغير على حكم ولا حال في إمكاني لا أبرح‏

[تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك‏]

ثم يقول تباركت أي البركة والزيادة لك لا لي يقول أنت الوجود لك ثم كسوتنيه ولم أكن فكانت البركة والزيادة في الوجود حيث ظهر بنسبتين فظهر بي وهو وجودك ونسب إليك وهو عينك ثم يقول وتعاليت أي فإنك تتعالى أن تظهر بغيرك فلا يكون الوجود المنسوب إليك غير هويتك هذا معنى قوله تباركت وتعاليت ثم يقول أستغفرك وأتوب إليك يقول أطلب التستر منك في اتصافي بالوجود لئلا أغيب عن حقيقتي فادعى الوجود وهو ليس أنا بل هو أنت وما أنا أنت فأنا أنا على ما أنا عليه لذاتي وأنت أنت على ما أنت عليه لذاتك ومني فلك الظهور في بما وصفتني به من الوجود وما لي ظهور فيك بما أنا عليه في حقيقتي من الإمكان ثم يقول وأتوب إليك أي وأرجع إليك من حيث ما وصفت به من الوجود إذ كنت أنت هو عين الوجود والموصوف به أنا فرجوعه إليك هو قولي وأتوب إليك وفرغ ما يقوله العبد من الدعاء والتوجيه بين التكبير والقراءة فلنشرع إن شاء الله تعالى في قراءة الفاتحة بلسان العلماء بالله في حال الصلاة لا في حال غيره‏

(وصل في اعتبار قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة)

[استحضار معاني الآيات عند قراءة القرآن‏]

اعلم أن العالم بالله إذا فرغ من الذي ذكرناه يشرع في القراءة على حد ما أمره الله به عند قراءة القرآن من التعوذ لكونه قارئا لا لكونه مصليا ولما علمتك إن الله يقول عند قراءة العبد القرآن كذا جوابا على حكم الآية التي يقرأها فينبغي للإنسان إذا قرأ الآية أن يستحضر في نفسه ما تعطيه تلك الآية على قدر فهمه فإن الجواب يكون مطابقا لما استحضرته‏

الصفحة 421 من الجزء 1

من معاني تلك الآية ولهذا ورد في الجواب أدنى مراتب العامة مجملا إذا العامي والعجمي الذي لا علم له بمعنى ما يقرأ يكون قول الله له ما ورد في الخبر فإن فصلت في الاستحضار فصل الله لك الجواب فلا يفوتنك هذا القدر في القراءة فإن به تتميز مراتب العلماء بالله والناس في صلاتهم‏

[التعوذ ومراتبه هند العارفين‏]

فإذا فرغ الإنسان من التوجيه فليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هذا نص القرآن وقد ورد في السنة الصحيحة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم‏

قال تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فالعارف إذا تعوذ ينظر في الحال الذي أوجب له التعوذ وينظر في حقيقة ما يتعوذ به وينظر في ما ينبغي أن يعاذ به فيتعوذ بحسب ذلك فمن غلب عليه في حاله إن كل شي‏ء يستعاذ منه بيد سيده وأن كل ما يستعاذ به بيد سيده وأنه في نفسه عبد محل التصريف والتقليب فعاذ من سيده بسيده وهوقوله صلى الله عليه وسلم وأعوذ بك منك‏

وهذه استعاذة التوحيد فيستعيذ به من الاتحاد قال تعالى ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وقال كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ وقال الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قصمته‏

ومن نزل عن هذه الدرجة في الاستعاذة استعاذ مما لا يلائم بما يلائم فعلا كان أو صفة هذه قضية كلية والحال يعين القضايا والحكم يكون بحسبها

ورد في الخبر أعوذ برضاك من سخطك‏

أي بما يرضيك مما يسخطك فقد خرج العبد هنا عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه فهذا لله ثم الذي لنفسه من هذا الباب‏

قوله وبمعافاتك من عقوبتك‏

فهذا في حظ نفسه وأي المرتبتين أعلى في ذلك نظر فمن نظر إلى ما يقتضيه جلال الله من أنه لا يبلغ ممكن أي ليس في حقيقة الممكن قبول ما ينبغي لجلال الله من التعظيم وأن ذلك محال في نفس الأمر لم ير إلا أن يكون في حظ نفسه فإن ذلك عائد عليه ومن نظر في قوله إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال ما يلزمني من حق ربي إلا ما نبلغه قوتي فأنا لا أعمل إلا في حق ربي لا في حق نفسي فشرع الشارع الاستعاذتين في هذين الشخصين ومن رأى أن وجوده هو وجود ربه إذ لم يكن له من حيث هو وجود

قال أعوذ بك منك‏

وهي المرتبة الثالثة وثبت في هذه المرتبة عين العبد

[الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم‏]

فالقارئ للقرآن إذا تعوذ عند قراءة القرآن علمه المكلف وهو الله تعالى كيف يستعيذ وبمن يستعيذ وممن يستعيذ فقال له فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فأعطاه الاسم الجامع وذكر له القرآن وما خص آية من آية لذلك لم يخص اسما من اسم بل أتى بالاسم الله فالقارئ ينظر في حقيقة ما يقرأ وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ منه في تلك الآية فيذكره في استعاذته وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ به من أسماء الله أي اسم كان فيعينه بالذكر في استعاذته ولما كان قارئ القرآن جليس الله من كون القرآن ذكرا والذاكر جليس الله ثم زاد أنه في الصلاة حال مناجاة الله فهو أيضا في حال قرب على قرب كنور على نور كان الأولى أن يستعيذ هنا بالله وتكون استعاذته من الشيطان لأنه البعيد يقال بئر شطون إذا كانت بعيدة القعر والبعد يقابل القرب فتكون استعاذته في حال قربه مما يبعده عن تلك الحالة فلم يكن أولى من اسم الشيطان ثم نعته بالرجيم وهو فعيل فأما بمعنى المفعول فيكون معناه من الشيطان المرجوم يعني بالشهب وهي الأنوار المحرقة قال تعالى وجَعَلْناها يعني الكواكب رُجُوماً لِلشَّياطِينِ والصلاة نور ورجمه الله بالأنوار فكانت الصلاة مما تعطي بعد الشيطان من العبد قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ بسبب ما وصفت به من الإحرام وإن كان بمعنى الفاعل فهو لما يرجم به قلب العبد من الخواطر المذمومة واللمات السيئة والوسوسة ولهذا

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي من الليل وكبر تكبيرة الإحرام قال الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان الله بكرة وأصيلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه‏

قال ابن عباس همزه ما يوسوسه في الصلاة ونفثه الشعر ونفخه الذي يلقيه من الشبه في الصلاة يعني السهو ولهذا

قال النبي صلى الله عليه وسلم إن سجود السهو ترغيم للشيطان‏

فوجب على المصلي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بخالص من قلبه يطلب بذلك عصمة ربه ولما لم يعرف المصلي بما يأتيه الشيطان من الخواطر السيئة في صلاته والوسوسة لم يتمكن أن يعين له ما يدفعها به فجاء بالاسم الله الجامع لمعاني الأسماء إذ كان في قوة هذا الاسم حقيقة كل اسم دافع في مقابلة كل خاطر ينبغي أن يدفع فهكذا ينبغي للمصلي أن يكون حاله في استعاذته إن وفقه الله‏

[بسم الله الرحمن الرحيم‏]

ثم يقول بعد الاستعاذة بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الصفحة 422 من الجزء 1

فإذا قالها يقول الله يذكرني عبدي فينبغي على هذا أن يكون العامل في بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اذكر فتتعلق الباء بهذا الفعل إن صح هذا الخبر وإن لم يصح فيكون الفعل اقرأ بسم الله فإنه ظاهر في اقرأ باسم ربك هذا يتكلفه لقولهم إن المصادر لا تعمل عمل الأفعال إلا إذا تقدمت وأما إذا تأخرت فتضعف عن العمل وهذا عندنا غير مرضي في التعليل لأنه تحكم من النحوي فإن العرب لا تعقل ولا تعلل فيكون تعلق البسملة عندي بقوله الحمد لله بأسمائه فإن الله لا يحمد إلا بأسمائه غير ذلك لا يكون ولا ينبغي أن نتكلف في القرآن محذوفا إلا لضرورة وما هنا ضرورة فإن صح‏

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى إن العبد إذا قال بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في مناجاته في الصلاة يقول الله يذكرني عبدي‏

فلا نزاع هكذا

روى هذا الخبر عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاث غير تمام‏

فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فيذكرني عبدي يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله حمدني عبدي‏

وسيأتي الحديث مفصلا في كل كلمة إن شاء الله تعالى كما ذكرت ألفاظ التوجيه إلى آخر الفاتحة وذكره سلم هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ولم يذكر البسملة فيه‏

[عند ما يقول العالم بالله بسم الله‏]

فإذا قال العالم بالله بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ علق الباء بما في الحمد من معنى الفعل كما قلنا يقول لا يثني على الله إلا بأسمائه الحسنى فذكر من ذلك ثلاثة أسماء الاسم الله لكونه جامعا غير مشتق فينعت ولا ينعت به فإنه للأسماء كالذات للصفات فذكره أولا من حيث إنه دليل على الذات كالاسماء الأعلام كلها في اللسان وإن لم يقو قوة الإعلام لأنه وصف للمرتبة كاسم السلطان فلما لم يدل إلا على الذات المجردة على الإطلاق من حيث ما هي لنفسها من غير نسب لم يتوهم في هذا الاسم اشتقاق ولهذا سميت بالبسملة وهو الاسم مع الله أي قولك بسم الله خاصة مثل العبدلة وهو قولك عبد الله وكذلك الحوقلة وهو الحول والقوة مع الله ثم قال إن العبد قال بعد بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الأسماء المركبة كمثل بعلبك ورام هرمز فسماه به من حيث ما هو اسم له لا من حيث المرحومين ولا من حيث تعلق الرحمة بهم بل من حيث ما هي صفة له جل جلاله فإنه ليس لغير الله ذكر في البسملة أصلا

[تلاوة العارفين في الكتابين: التدويني والتكويني‏]

ومهما ورد اسم إلهي لا يتقدمه كون يطلب الاسم ولا يتأخر كون يطلبه الاسم في الآية فإن ذلك الاسم ينظر فيه العارف من حيث دلالته على الذات المسماة به لا من حيث الصفة المعقولة منه ولا من حيث الاشتقاق الذي يطلبه الكون بخلاف الاسم الإلهي إذا ورد في أثر كون أو في أثره كون أو بين كونين فإنه إذا ورد الكون في أثره فذلك الكون نتيجته وبه يتعلق وإياه يطلب فإنه صادر عنه إذا تدبرته وجدته مثل قوله الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ وإذا تقدم الكون وجاء الاسم الإلهي في أثره فإنه الْأَوَّلُ والْآخِرُ كان على العكس من الأول مثل اتَّقُوا الله وقوله ويُعَلِّمُكُمُ الله فأظهر التقوى ما يتقى منه وهو الاسم الله وفي الأول أظهر الاسم الإلهي عين الإنسان وكذلك ويُعَلِّمُكُمُ الله أظهر التعليم الاسم الإلهي وهو الله فإذا وقع الكون بين اسمين إلهيين كان الكون للأول بحكم النتيجة وللآخر بحكم المقدمة مثل وقوع العالمين بين الاسم الرب والرحمن في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ومثل قوله واتَّقُوا الله ويُعَلِّمُكُمُ الله فوقع ويُعَلِّمُكُمُ بين اسمين تقدمه الاسم الله وتأخر عنه الاسم الله بمعنيين مختلفين فأثر فيه الاسم الأول طلب التعليم وقبل التعليم بالاسم الثاني وكذلك إذا وقع الاسم الإلهي بين اسم إلهي يتقدمه وبين كون يتأخر عنه مثل الاسم الرب بين الله والعالمين في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ في آخر الزمر أو بين كون يتقدمه واسم إلهي يتأخر عنه مثل قوله الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ملك ف الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تقدمه كلمة الْعالَمِينَ وتأخر عنه ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ فأظهر عين الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لافتقارهم إلى الرحمتين الرحمة العامة والخاصة والواجبة والامتنانية وطلب الرحمن الرحيم ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ ليظهر من كونه ملكا سلطان الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإن الرحمة من جانب الملك هي رحمة عزة وامتنان مع استغناء بخلاف رحمة غير الملك كرحمة الأم بولدها للشفقة الطبيعية فتدفع الأم بالرحمة على ولدها ما تجده من الألم بسببه في نفسها فنفسها رحمته ولنفسها سعت‏

الصفحة 423 من الجزء 1

واحتجبت عن علم ذلك بولدها فالمنة لولدها عليها بالسببية لا لها ووقعت الرحمة بالولد تبعا بخلاف رحمة الملك فإنها عن عز وغنى عن هذا المرحوم الخاص من رعاياه وكذلك إذا وقع الاسم الإلهي بين اسمين إلهيين مثل قوله هُوَ الله الْخالِقُ الْبارِئُ فوقع الاسم الخالق بين الاسم الله والاسم البارئ وكذلك الاسم الْبارِئُ بين الْخالِقُ والْمُصَوِّرُ وهذا كثير فالخالق صفة لله وموصوف للباري فعلى هذا الأسلوب تجري تلاوة العارفين في الكتابين في القرآن وكتاب العالم بأسره فإنه كتاب مسطور ورقه المنشور الذي هو فيه الوجود وكذلك تجري أذكارهم وهكذا في الأكوان إذا وقع كون بين كونين يكون للأول ابنا وللثاني بعده أبا في الذي يفهم من ذلك كان ما كان فلهذا

قال الله في قول العبد بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ذكرني عبدي‏

وما قيد هذا الذكر بشي‏ء لاختلاف أحوال الذاكرين أعني البواعث لذكرهم فذاكر تبعثه الرغبة وذاكر تبعثه الرهبة وذاكر يبعثه التعظيم والإجلال فأجاب الحق على أدنى مراتب العالم وهو الذي يتلو بلسانه ولا يفهم بقلبه لأنه لم يتدبر ما قاله إذا كان التالي عالما باللسان ولا ما ذكره فإن تدبر تلاوته أو ذكره كانت إجابة الحق له بحسب ما حصل في نفسه من العلم بما تلاه فتدبر ما نصصناه لك‏

[الحمد لله رب العالمين بلسان العارفين‏]

ثم قال‏

قال الله تعالى فإذا قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ في الصلاة يقول الله حمدني عبدي‏

فيقول العارف الحمد لله أي عواقب الثناء ترجع إلى الله ومعنى عواقب الثناء أي كل ثناء يثنى به على كون من الأكوان دون الله فعاقبته ترجع إلى الله بطريقين الطريق الواحدة الثناء على الكون إنما هو بما يكون عليه ذلك الكون من الصفات المحمودة التي توجب الثناء عليه أو بما يكون منه من الآثار المحمودة التي هي نتائج عن الصفات المحمودة القائمة به وعلى أي وجه كان فإن ذلك الثناء راجع إلى الله إذ كان الله هو الموجد لتلك الصفات والآثار لا لذلك الكون فرجعت عاقبة الثناء إلى الله والطريق الأخرى أن ينظر العارف فيرى إن وجود الممكنات المستفاد إنما هو عين ظهور الحق فيها فهو متعلق الثناء لا الأكوان ثم إنه ينظر في موضع اللام من قوله لله فيرى إن الحامد عين المحمود لا غيره فهو الحامد المحمود وينفي الحمد عن الكون من كونه حامدا ونفي كون الكون محمودا فالكون من وجه محمود لا حامد ومن وجه لا حامد ولا محمود فأما كونه غير حامد فقد بيناه فإن الحمد فعل والأفعال لله وأما كونه غير محمود فإنما يحمد المحمود بما هو له لا لغيره والكون لا شي‏ء له فما هو محمود أصلا كما ورد في مثل هذا المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور فيحضر العارف في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ جميع ما ذكرناه وما يعطيه الاسم الرب من الثبات والإصلاح والتربية والملك والسيادة هذه الخمسة يطلبها الاسم الرب ويحضر ما يعطيه العالم من الدلالة عليه تعالى فلا يكون جواب الله في قوله حمدني عبدي إلا لمن حمده بأدنى المراتب لأنه لكرمه يعتبر الأضعف الذي لم يجعل الله له حظا في العلم به تعالى رحمة به لعلمه أن العالم يعلم من سؤاله أو قراءته ما حضر معه في تلك القراءة من المعاني فيجيبه الله على ما وقع له ويدخل في إجمال ما خاطب به عبده العامي القليل العلم أو الأعجمي الذي لا علم له بمدلول ما يقرأه فافهم والله الملهم‏

[الرحمن الرحيم‏]

ثم قال عن الله يقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله أثنى على عبدي‏

يعني بصفة الرحمة لاشتقاق هذين الاسمين منها ولم يقل في ما ذا لعموم رحمته ولأن العامي ما يعرف من رحمة الله به إلا إذا أعطاه ما يلائمه في غرضه وإن ضره أو ما يلائم طبعه ولو كان فيه شقاؤه والعارف ليس كذلك فإن الرحمة الإلهية قد تأتي إلى العبد في الصورة المكروهة كشرب الدواء الكرية الطعم والرائحة للمريض والشفاء فيه مبطون فإذا قال العارف الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحضر في نفسه مدلول هذا القول من حيث ما هو الحق موصوفا به ومن حيث ما يطلبه المرحوم لعلمه بذلك كله ويحضر في قلبه أيضا عموم رحمته الواحدة المقسمة على خلقه في الدار الدنيا إنسهم وجنهم ومطيعهم وعاصيهم وكافرهم ومؤمنهم وقد شملت الجميع ورأى أن هذه الرحمة الواحدة لو لم تعط حقيقتها من الله أن يرزق بها عباده من جماد ونبات وحيوان وإنس وجان ولم يحجبها عن كافر ومؤمن ومطيع وعاصي عرف أن ذاتها من كونها رحمة تقتضي ذلك ثم جاء الوحي من أثر هذه الرحمة الواحدة بأن هذه الرحمة الواحدة السارية في العالم التي اقتضت حقيقتها أن تجعل الأم تعطف على ولدها في جميع الحيوان وهي واحدة من مائة رحمة وقد ادخر سبحانه لعباده في الدار الآخرة تسعا وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة ونفذ في العالم حكمه وقضاؤه وقدره بهذه الرحمة الواحدة وفرغ الحساب ونزل الناس منازلهم من الدارين‏

الصفحة 424 من الجزء 1

أضاف سبحانه هذه الرحمة إلى التسع والتسعين رحمة فكانت مائة فأرسلها على عباده مطلقة في الدارين فسرت الرحمة فوسعت كل شي‏ء فمنهم من وسعته بحكم الوجوب ومنهم من وسعته بحكم الامتنان فوسعت كل شي‏ء في موطنه وفي عين شيئيته فتنعم المحرور بالزمهرير والمقرور بالسعير ولو جاء لكل واحد من هذين حال الاعتدال لتعذب فإذا اطلع أهل الجنان على أهل النار زادهم نعيما إلى نعيمهم فوزهم ولو اطلع أهل النار على أهل الجنان لتعذبوا بالاعتدال لما هم فيه من الانحراف ولهذا قابلهم بالنقيض من عموم المائة رحمة وقد كان الحكم في الدنيا بالرحمة الدنيا ما قد علمتم وهي الآن أعني في الآخرة من جملة المائة فما ظنك وكفى فبمثل هذا النظر يقول العارف في الصلاة الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ومن هنا يعرف ما يجيبه الحق به من هذا نظره‏

[ملك يوم الدين‏]

ثم قال الله يقول العبد ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي وفي رواية فوض إلى عبدي‏

هذا جواب عام ورد عام كما قررنا ما المراد به فإذا قال العارف ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ لم يقتصر على الدار الآخرة بيوم الدين ورأى أن الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا يفارقان ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ فإنه صفة لهما فيكون الجزاء دنيا وآخرة وكذلك ظهر بما شرع من إقامة الحدود وظهور الفساد في الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وهذا هو عين الجزاء فيوم الدنيا أيضا يوم الجزاء والله ملك يوم الدين فيرى العارف أن الكفارات سارية في الدنيا وأن الإنسان في الدار الدنيا لا يسلم من أمر يضيق به صدره ويؤلمه حسا وعقلا حتى قرصة البرغوث والعثرة فالآلام محدودة موقتة ورحمة الله تعالى غير موقتة فإنها وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فمنها ما تنال وتحكم من طريق الامتنان وهو أصل الأخذ لها الامتنان ومنها ما يؤخذ من طريق الوجوب الإلهي في قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وقوله فَسَأَكْتُبُها فالناس يأخذونها جزاء وبعض المخلوقات من المكلفين تنالهم امتنانا حيث كانوا فافهم فكل ألم في الدنيا والآخرة فإنه مكفر لأمور قد وقعت محدودة موقتة وهو جزاء لمن يتألم به من صغير وكبير بشرط تعقل التألم لا بطريق الإحساس بالتألم دون تعقله وهذا المدرك لا يدركه إلا من كشف له فالرضيع لا يتعقل التألم مع الإحساس به إلا أن أباه وأمه وأمثالهما من محبيه وغير محبيه يتألم ويتعقل التألم لما يرى في الرضيع من الأمراض النازلة به فيكون ذلك كفارة لمتعقل الألم فإن زاد ذلك العاقل الترحم به كان مع التكفير عنه مأجورا إذ في كل كبد رطبة أجر وكل كبد فإنها رطبة لأنها بيت الدم والدم حار رطب طبع الحياة وأما الصغير إذا تعقل التألم وطلب النفور عن الأسباب الموجبة للألم واجتنبها فإن له كفارة فيها لما صدر منه مما آلم به غيره من حيوان أو شخص آخر من جنسه أو إباية عما تدعوه إليه أمه أو أبوه أو سائل يسأله أمرا ما فأبى عليه فتألم السائل حيث لم يقض حاجته هذا الصغير فإذا تألم الصغير كان ذلك الألم القائم به جزاء مكفرا لما آلم به ذلك السائل بإبايته عما التمسه منه في سؤاله أو كان قد آذى حيوانا من ضرب كلب بحجر أو قتل برغوث وقملة أو وطء نملة برجله فقتلها أو كل ما جرى منه بقصد وبغير قصد وسر هذا الأمر عجيب سار في الموجودات حتى الإنسان يتألم بوجود الغيم ويضيق صدره به فإنه كفارة لأمور أتاها قد نسيها أو يعلمها فهذا كله يراه أهل الكشف محققا في قوله ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ فيقول الله فوض إلى عبدي أو مجدني عبدي أو كلاهما إلا أن التمجيد راجع إلى جناب الحق من حيث ما تقتضيه ذاته ومن حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه والتفويض من حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه لا غير فإنه وكيل لهم بالوكالة المفوضة ففي حق قوم يقول مجدني عبدي وفي المقصد وفي حق قوم يقول فوض إلى عبدي وفي المقصد أيضا فإن العبد قد يجمع بين المقصدين فيجمع الله له في الرد بين التمجيد والتفويض فهذا النصف كله مخلص لجناب الله ليس للعبد فيه اشتراك‏

[إياك نعبد وإياك نستعين‏]

ثم قال الله يقول العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل‏

فهذه الآية تتضمن سائلا ومسئولا مخاطبا وهو الكاف من إِيَّاكَ فيهما ونَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ هما للعبد فإنه العابد والمستعين فإذا قال العبد إِيَّاكَ وحد الحق بحرف الخطاب فجعله مواجها لا على جهة التحديد ولكن امتثالا لقول الشارع لمثل ذلك السائل في معرض التعليم‏

حين سأله عن الإحسان فقال له صلى الله عليه وسلم أن تعبد الله كأنك تراه‏

فلا بد أن تواجهه بحرف الخطاب وهو الكاف أو حرف التاء المنصوبة في المذكر المخفوضة في المؤنث فإني قد أنث الخطاب من حيث الذات وهذا مشهد خيالي فهو برزخي وجاءت هذه الآية برزخية وقع فيها الاشتراك بين الحق وبين عبده وما مضى من الفاتحة مخلص لله‏

الصفحة 425 من الجزء 1

وما بقي منها مخلص للعبد وهذه التي نحن فيها مشتركة وإنما وحده ولم يجمعه لأن المعبود واحد وجمع نفسه بنون الجمع في العبادة والعون المطلوب لأن العابدين من العبد كثيرون وكل واحد من العابدين يطلب العون والمقصود بالعبادات واحد فعلى العين عبادة وعلى السمع والبصر واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب فلهذا قال نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ بالنون وإن العالم نظر إلى تفاصيل عالمه وإن الصلاة قد عم حكمها جميع حالاته ظاهرا وباطنا لم ينفرد بذلك جزء عن آخر فإنه يقف بكله ويركع بكله ويجلس بكله فجميع عالمه قد اجتمع على عبادة ربه وطلب المعونة منه على عبادته فجاء بنون الجماعة في نعبد ونستعين فترجم اللسان عن الجماعة كما يتكلم الواحد عن الوفد بحضورهم بين يدي الملك فعلم العبد من الحق لما أنزل عليه هذه الآية بإفراده نفسه أن لا يعبد إلا إياه ولما قيد العبد بالنون أنه يريد منه أن يعبده بكله ظاهرا وباطنا من قوى وجوارح ويستعين على ذلك الحد ومتى لم يكن المصلي بهذه المثابة من جمع عالمه على عبادة ربه كان كاذبا في قراءته إذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإن الله ينظر إليه فيراه متلفتا في صلاته أو مشغولا بخاطره في دكانه أو تجارته وهو مع هذا يقول نَعْبُدُ ويكذب فيقول الله له كذبت في كنايتك بجمعيتك على عبادتي أ لم تلتفت ببصرك إلى غير قبلتك أ لم تصغ بسمعك إلى حديث الحاضرين أ لم تعقل بقلبك ما تحدثوا به فأين صدقك في قولك نَعْبُدُ بنون الجمع فيحضر العارف هذا كله في خاطره فيستحيي أن يقول في مناجاته في صلاته إِيَّاكَ نَعْبُدُ لئلا يقال له كذبت فلا بد أن يجتمع من هذه حالته على عبادة ربه حتى يقول له الحق صدقت إذا تلا في جمعيتك علي في عبادتك إياي وطلب معونتي‏

[المراد بتلاوة القرآن التدبر لمعاني القرآن‏]

روينا في هذا الباب على ما حدثنا به شيخنا المقري أبو بكر محمد بن خلف بن صاف اللخمي عن بعض المعلمين من الصالحين أن شخصا صبيا صغيرا كان يقرأ عليه القرآن فرآه مصفر اللون فسأله عن حاله فقيل له إنه يقوم الليل بالقرآن كله فقال له يا ولدي أخبرت أنك تقوم الليل بالقرآن كله فقال هو ما قيل لك فقال يا ولدي إذا كان في هذه الليلة فأحضرني في قبلتك واقرأ على القرآن في صلاتك ولا تغفل عني فقال الشاب نعم فلما أصبح قال له هل فعلت ما أمرتك به قال نعم يا أستاذ قال وهل ختمت القرآن البارحة قال لا ما قدرت على أكثر من نصف القرآن قال يا ولدي هذا حسن إذا كان في هذه الليلة فاجعل من شئت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامك الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم واقرأ عليه واحذر فإنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تزل في تلاوتك فقال إن شاء الله يا أستاذ كذلك افعل فلما أصبح سأله الأستاذ عن ليلته فقال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من ربع القرآن فقال يا ولدي اتل هذه الليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن واعرف بين يدي من تتلوه فقال نعم فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت طول ليلتي على أكثر من جزء من القرآن أو ما يقاربه فقال يا ولدي إذا كان هذه الليلة فلتكن تقرأ القرآن بين يدي جبريل الذي نزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاحذر واعرف قدر من تقرأ عليه فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من كذا وذكر آيات قليلة من القرآن قال يا ولدي إذا كان هذه الليلة تب إلى الله وتأهب واعلم أن المصلي يناجي ربه وإنك واقف بين يديه تتلو عليه كلامه فانظر حظك من القرآن وحظه وتدبر ما تقرأه فليس المراد جمع الحروف ولا تأليفها ولا حكاية الأقوال وإنما المراد بالقراءة التدبير لمعاني ما تتلوه فلا تكن جاهلا فلما أصبح انتظر الأستاذ الشاب فلم يجي‏ء إليه فبعث من يسأل عن شأنه فقيل له إنه أصبح مريضا يعاد فجاء إليه الأستاذ فلما أبصره الشاب بكى وقال يا أستاذ جزاك الله عني خيرا ما عرفت أني كاذب إلا البارحة لما قمت في مصلاي وأحضرت الحق تعالى وأنا بين يديه أتلو عليه كتابه فلما استفتحت الفاتحة ووصلت إلى قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ نظرت إلى نفسي فلم أرها تصدق في قولها فاستحييت أن أقول بين يديه إِيَّاكَ نَعْبُدُ وهو يعلم أني أكذب في مقالتي فإني رأيت نفسي لاهية بخواطرها عن عبادته فبقيت أردد القراءة من أول الفاتحة إلى قوله ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ ولا أقدر أن أقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ إنه ما خلصت لي فبقيت أستحيي أن أكذب بين يديه تعالى فيمقتني فما ركعت حتى طلع الفجر وقد رضت كبدي وما أنا إلا راحل إليه على حالة لا أرضاها من نفسي فما انقضت ثالثة حتى مات الشاب فلما دفن أتى الأستاذ إلى قبره فسأله عن حاله فسمع صوت الشاب من قبره وهو يقول له يا أستاذ

الصفحة 426 من الجزء 1

أنا حي عند حي *** لم يحاسبني بشي‏

قال فرجع الأستاذ إلى بيته ولزم فراشه مريضا مما أثر فيه حال الفتى فلحق به فمن قرأ إِيَّاكَ نَعْبُدُ على قراءة الشاب فقد قرأ

[اهدنا الصراط المستقيم‏]

ثم قال الله يقول العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ فيقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل‏

فإذا قال العارف اهْدِنَا أحضر الاسم الإلهي الهادي وسأله أن يهديه الصراط المستقيم أن يبينه له ويوفقه إلى المشي عليه وهو صراط التوحيدين توحيد الذات وتوحيد المرتبة وهي الألوهية بلوازمها من الأحكام المشروعة التي هي حق الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله فيحضر في نفسه الصراط المستقيم الذي هو عليه الرب من حيث ما يقود الماشي عليه إلى سعادته أخبر الله تعالى عن هود أنه قال إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فإن العارف إذا مشى على ذلك الصراط الذي عليه الرب تعالى على شهود منه كان الحق أمامه وكان العبد تابعا للحق على ذلك الصراط مجبورا وكيف لا يكون تابعا مجبورا وناصيته بيد ربه يجره إليه فإن الله يقول ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فدخل في حكم هذه الآية جميع ما دب علوا وسفلا دخول ذلة وعبودية والناس في ذلك بين مكاشف يرى اليد في الناصية أو مؤمن فكل دابة دخلت عموما ما عدا الإنس والجن فإنه ما دخل من الثقلين إلا الصالحون منهم خاصة ولو دخل جميع الثقلين لكان جميعهم على طريق مستقيم صراط الله من كونه ربا يقول تعالى وإِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال في حق الثقلين خاصة على طريق الوعيد والتخويف حيث لم يجعلوا نواصيهم بيده وهو أن يتركوا إرادتهم لإرادته فيما أمر به ونهى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ولهذا قال صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يريد الذين وفقهم الله وهم العالمون كلهم أجمعهم والصالحون من الإنس مثل الرسل والأنبياء والأولياء وصالحي المؤمنين ومن الجان كذلك فلم يجعل الصراط المستقيم إلا لمن أنعم الله عليه من نبي وصديق وشهيد وصالح وكل دابة هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فإذا حضر العارف في هذه القراءة جعل ناصيته بيد ربه في غيب هويته ومن شذ شذ إلى النار وهم الذين استثنى الله تعالى بقوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي إلا من غضب الله عليهم لما دعاهم بقوله حي على الصلاة فلم يجيبوا ولا الضَّالِّينَ فاستثني بالعطف من حاروهم أحسن حالا من المغضوب عليهم فمن لم يعرف ربه أنه ربه وأشرك معه في ألوهيته من لا يستحق أن يكون إلها كان من المغضوب عليهم فإذا أحضر العبد مثل هذا وأشباهه في نفسه عند تلاوته قالت الملائكة آمين وقال باطن الإنسان الذي هو روحه المشارك للملائكة في نشأتهم وطهارتهم آمين أي أمنا بالخير لما كان والتالي الداعي اللسان ثم يصغي إلى قلبه فيسمع تلاوة روحه فاتحة الكتاب مطابقة لتلاوة لسانه فيقول اللسان مؤمنا على دعائه أي دعاء روحه بالتلاوة من قوله اهْدِنَا فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة في الصفة موافقة طهارة وتقديس ذوات كرام بررة أجابه الحق عقيب قوله آمين باللسانين فإن ارتقى يكون الحق لسانه إلى تلاوة الحق كلامه فإذا قال آمين قالت الأسماء الإلهية آمين والأسماء التي ظهرت من تخلق هذا العبد بها آمين فمن وافق تأمين أسمائه أسماء خالقه كان حقا كله فهذا قد أبنت لك أسلوب القراءة في الصلاة فاجر عليها على قدر اتساع باعك وسرعة حركتك وأنت أبصر ف ما مِنَّا إِلَّا من لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ومنا الصَّافُّونَ والْمُسَبِّحُونَ‏

(فصل بل وصل في قراءة القرآن في الركوع)

[أقوال الفقهاء في قراءة القرآن والتسبيح في الركوع‏]

وأما قراءة القرآن في الركوع فمن قائل بالمنع ومن قائل بالجواز والذي اتفقوا عليه التسبيح في الركوع واختلفوا هل فيه قول محدود أم لا فمن قائل لا حد في ذلك ومن قائل بالحد في ذلك وهو أن يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا والقائل بهذا منهم من يرى وجوبه وأن الصلاة تبطل بتركه وأدناه ثلاث مرات ومنهم من لا يقول بوجوبه وهم عامة العلماء ومن قائل ينبغي للإمام أن يقولها خمسا حتى يدرك من وراءه أن يقولها ثلاثا

[الركوع من طريق الأسرار]

فأقول في باب الأسرار لما كان المصلي في وقوفه بين يدي ربه في الصلاة له نسبة إلى القيومية ثم انتقل عنها إلى حالة الركوع الذي هو الخضوع وكذلك السجود لم تنبغ أن تكون هذه الصفة لله فشرع النبي صلى الله عليه وسلم على ما فهم من كلام الله‏

لما نزل عليه فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ثم نزل‏

الصفحة 427 من الجزء 1

قوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم‏

فاقترن بهما أمر الله بقوله سَبِّحِ فأمر وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بمكانها من الصلاة يقول نزهوا عظمة ربكم عن الخضوع فإن الخضوع إنما هو لله لا بالله فإنه يستحيل أن تقوم به صفة الخضوع وأضافه إلى الاسم الرب لأنه يستدعي المربوب وهو من الأمهات الثلاث وهو اسم كثير الدور والظهور في القرآن أكثر من باقي الأسماء فإن أمهات الأسماء في القرآن ثلاثة الله والرحمن والرب ثم إن هذا الاسم لما تعلق التسبيح به لم يتعلق به مطلقا من حيث ما يستحقه لنفسه وإنما تعلق به مضافا إلى نفس المسبح فقال سبحان ربي العظيم وإنما تعلق به مضافا في حق كل مسبح لأن العلم به من كل عالم يتفاضل فيعتقد فيه شخص خلاف ما يعتقد فيه غيره فكل شخص يسبح ربه الذي اعتقده ربا وكم شخص ما يعتقد في الرب ما يعتقده غيره ويرى أن ذلك المعتقد الآخر فيما نسبه إلى ربه مما يستحيل عند هذا أن تكون له تلك الصفة ويكفر من أجلها فلو سبحه مطلقا باعتقاد كل معتقد لسبح هذا الشخص من لا يعتقد أنه ينزه فلهذا أضافه كل مسبح لما يقتضيه اعتقاده‏

[حظ العارف أن يسبح ربه بلسان كل مسبح‏]

وحظ العارف أن يسبحه بلسان كل مسبح وينظر في عظمة الله وتنزيهها عن قيام الخضوع بها وعلوه عن السجود فإن العبد في سجوده يطلب أصل نشأة هيكله وهو الماء والتراب ويطلب بقيامه أصل روحه فإن الله يقول فيهم وأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وصارت حالة الركوع برزخا متوسطا بين القيام والسجود بمنزلة الوجود المستفاد للممكن برزخا بين الواجب الوجود لنفسه وبين الممكن لنفسه فالممكن عدم لنفسه فإن العدم لا يستفاد فإنه ما ثم من يفيده والواجب الوجود وجوده لنفسه وظهرت حالة برزخية وهي وجود العبد بمنزلة الركوع فلا يقال في هذا الوجود المستفاد هو عين الممكن ولا هو غير الممكن ولا يقال فيه هو عين الحق ولا هو غير الحق فله نسبتان يعرفهما العارف فيخطر للعارف في حال الركوع الحال البرزخى الفاصل بين الأمرين وهو المعنى المعقول الذي به يتميز الرب من العبد وهو أيضا المعنى المعقول الذي به يتصف العبد بأوصاف الرب ويتصف الرب بأوصاف المربوب لا بالصفات فإنه وصف لا صفة وإنما قلنا وصف لا صفة فإن الصفة يعقل منها أمر زائد وعين زائدة على عين الموصوف والوصف قد يكون عين الموصوف بنسبة خاصة ما لها عين موجودة فافهم‏

(فصل بل وصل في الدعاء في الركوع)

[أقوال الفقهاء في الدعاء في الركوع‏]

اختلفوا في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على الله فيه ووجوبه في مذهب من يراه شرطا في صحة الصلاة فمنهم من كره الدعاء في الركوع ومنهم من أجازه وبه أقول واختلفوا في الدعاء في الصلاة فمنهم من قال لا يجوز أن يدعى في الصلاة بغير ألفاظ القرآن ومنهم من أجاز ذلك‏

[توجيه أقوال الفقهاء في الدعاء في الصلاة]

فأقول لما كانت الصلاة معناها الدعاء صح أن يكون الدعاء جزءا من أجزائها ويكون من باب تسمية الكل باسم الجزء وأما من يكره الدعاء في الركوع فإن الحالة البرزخية لها وجهان وجه إلى الحق ووجه إلى الخلق فمن كان مشهده من الركوع الوجه الذي يطلب الحق كره الدعاء في الركوع ولم يحرمه لأن صفة القيومية قد يتصف بها الكون قال تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ومن رجح الوجه الذي يطلب الخلق من الركوع قال يجوز الدعاء في الركوع وبه جاءت السنة وهو مذهب البخاري رحمه الله وكذلك من رجح أن لا يدعى في الصلاة بغير ألفاظ القرآن فإنه نظر إلى أن الله تعالى قد شرع الأدعية في القرآن فالعدول عنها إلى ألفاظ من كلام الناس من مخالفة النفس التي جبلت عليها حتى لا توافق ربها وهو الأدب الصحيح فإني كما لم أناجه في الصلاة إلا بكلامه كذلك لا ندعوه إلا بما أنزل علينا وشرعه لنا في القرآن أو في السنة مما شرع أن يقال في الصلاة ومن أطلق الدعاء في الصلاة بأي نوع كان غلب على قلبه إنه ما ثم إلا الله ولا متكلم إلا الله إما بفعل يفعله كما ورد أن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده يعني في الصلاة أو أمر آخر

(فصل بل وصل في التشهد في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في التشهد]

اختلف العلماء في وجوب التشهد في الصلاة والمختار منه فمن قائل بوجوبه ومن قائل لا يجب‏

[التشهد هو الاستحضار]

فأقول لما كان التشهد على الحقيقة معناه الاستحضار فإنه تفعل من الشهود وهو الحضور والإنسان مأمور بالحضور في صلاته فلا بد من التشهد وهو الأولى والأوجه ولما كان الشاهد مخاطبا بالعلم بما يشهد به بخلاف الحاكم لم يصح الحضور ولا الاستحضار من غير

الصفحة 428 من الجزء 1

علم المتشهد بمن يريد شهوده فلا يحضر معه من الحق إلا قدر ما يعلمه منه وما خوطب بأكثر من ذلك واختلفت مقالات الناس في الإله وإذا اختلفت المقالات فلا بد للعاقل إذا انفرد في علمه بربه أن يكون على مقالة من هذه المقالات التي أنتجها النظر وهي مختلفة فالسليم العقل من يترك ما أعطاه نظره في الله ونظر غيره من أصحاب المقالات بالنظر الفكري ويرجع إلى ما قالته الأنبياء عليهم السلام وما نطق به القرآن فيعتقده ويحضر معه في صلاته وفي حركاته وسكناته فهو أولى به من أن يحضر مع الله تعالى بفكره وقد يطرأ لبعض الناس في هذا غلط وذلك أنه يرى أن الإنسان ما يثبت عنده الشرع إلا حتى يثبت عنده بالعقل وجود الإله وتوحيده وإمكان بعثة الرسل وتشريع الشرائع فيرجح بهذا أن يحضر مع الحق في صلاته بهذا العلم وليس الأمر كذلك فإنه وإن كان نظره هو الصحيح في إثبات وجود الحق وتوحيده وإمكان التشريع وتصديق الشارع بالدلالات التي أتى بها فيعلم إن الشارع قد وصف لنا نفسه بأمور لو وقفنا مع العقل دونه ما قبلناها ثم إنا رأينا أن تلك الأوصاف التي جاءت من الشارع في حق الله ومعرفته تطلبها أفعال العبادات وهي أقرب مناسبة إليها من المعرفة التي تعطيها الأدلة النظرية التي تستقل بها فرأينا أن نحضر مع الحق في تشهدنا وصلاتنا بالمعرفة الإلهية التي استفدناها من الشارع في القرآن والسنة المتواترة أولى من الحضور معه بمقالات العقول ثم ننظر فيما ورد من التشهد في الصلاة حتى نجري على ذلك الأسلوب كما فعلنا في التوجيه والقراءة وما يقال في الركوع والسجود انتهى الجزء الثامن والثلاثون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم) فنقول من ذلك‏

(تشهد عمر رضي الله عنه)

وهو التحيات لله الزاكيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أخذت به طائفة

(و أما تشهد عبد الله بن مسعود)

وهو التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخذ به الأكثر من الناس لثبوت نقله‏

(و أما تشهد ابن عباس)

وهو التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أخذت به طائفة وكلها أحاديث مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏

[تشهد العارف يدور في ثلاثة أفلاك‏]

فالعارف إذا تشهد بهذا التشهد فإما أن يكون في حال قبض وهيبة وجلال عن اسم إلهي وإما أن يكون في حال أنس وجمال وبسط عن اسم إلهي وإما أن يكون في حال مراقبة وحضور لموازنة ذاته بما كلفته من العبادات في الصلاة فيعمر كل قوة من قوى نفسه في صلاته وكل جارحة من جوارح جسمه في صلاته بما يليق بها مما طلبه الحق منه من إلهيات أن يكون عليها في صلاته بالنظر إلى كل جارحة وقوة فيعمرها سواء كان في حال هيبة أو أنس وهو أكمل الأحوال فانحصر الأمر في ثلاثة مقامات مقام جلال ومقام جمال ومقام كمال‏

[التشهد بلسان الكمال‏]

فيتشهد بلسان الكمال وهو الأول للسالك فيقول التحيات لله أي تحيات كل محى ومحى بها في جميع العالم والنسب الإلهية كلها لله أي من أجل الله الاسم الجامع الذي يجمع حقائقها وذلك لأن كل تحية في العالم إنما هي مرتبطة بحقيقة إلهية كانت ما كانت فمتى ما لم يجمع الإنسان بنيته وقلبه كما جمع بلفظة التحيات بقوته من الحقائق الإلهية كلها إلا الحقيقة الواحدة المشروعة له في تحيته من حيث ما هو مقيد بها من جهة شرعه خاصة لم يستبر لنفسه في كمال صلاته وقوله الزاكيات لله يقول التحيات المطهرات الناميات أي التي ينمي خيرها على قائلها من الحقائق الإلهية التي أوجدت تلك التحيات بحسب ما تعطيه أسماؤها ثم يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته بالألف واللام التي للجنس لا التي للعهد فيكون سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم مثل تحياته للشمول والعموم أي بكل سلام وهذا يؤذن بأن العبد قد انتقل من مشاهدة ربه من حيث الإطلاق أو أمر ما من الأمور التي كان فيها في سجوده إلى مشاهدة الحق في النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدم عليه بالحضور سلم عليه مخاطبا مواجهة بالنبوة لم يسلم‏

الصفحة 429 من الجزء 1

عليه بالرسالة فإن النبوة في حق ذات النبي أعم وأشرف فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه وما أمر بتبليغه لأمته الذي هو منه رسول فعم وعرف ما ينبغي أن يخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الحضور وأيه به من غير حرف نداء يؤذن ببعد لما هو عليه من حال قربه ولهذا جاء بحرف الخطاب ثم عطف بعد السلام عليه بالرحمة الإلهية لشمولها الامتنان والوجوب فأضافها إلى الله لما رزقه صلى الله عليه وسلم من السلامة من كل ما يشنؤه في مقامه ذلك وعطف بالبركات المضافة إلى الهوية والبركات هي الزيادة وقد أمر أن يقول رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فكان هذا المصلي في هذه التحيات يقول له سلام عليك ورحمته تقتضي الزيادات عندك من العلم بالله الذي هو أشرف الحالات عند الله كما جاء بالزاكيات في التحيات فناسب بين الزكاة والبركة ولهذا جعل الله تعالى البركة في الزكاة التي هي الصدقات لارتباطها بها لأن الصدقة إخراج ما كان في اليد وهي الزكاة ولا تبقي في الوجود خلاء فيعوضه الله ويملأ يديه من الخير العلمي وغيره من الثواب المحسوس في دار الكرامة ما لا يقدر قدره في مقابلة ما أخرجه ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فسلم على نفسه بشمول السلام وأجناسه كما سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقول تعالى فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ والدخول في كل حال من أحوال الصلاة كالبيوت في الدار الجامعة تَحِيَّةً من عِنْدِ الله مُبارَكَةً طَيِّبَةً فجعلك رسولا من عنده إلى نفسك بهذه التحية المباركة لما فيها من زوائد الخير الطيبة فإنها حصلت له ذوقا فاستطابها كما أنها طيبة الأعراف بسيرانها من نفس الرحمن وجاء بنون الجمع في قوله السلام علينا يؤذن أنه مبلغ سلامه لكل جزء فيه مما هو مخاطب بعبادة خاصة وإنما سلم عليهم لكونه جاء قادما من عند ربه لغيبته عن نفسه حين دعاه الحق إلى مناجاته فكبر تكبيرة الإحرام فمنعته هذه الحالة أن ينظر إلى غير من دعاه إليه فلهذا سلم على نفسه بنون الجماعة وذلك إذا كان هذا العبد قد دخل إلى بيت قلبه ونزه الحق أن يكون حالا فيه وإن وسعه كما قال الله لما يقتضيه جلال الله من عدم المناسبة بين ذاته تعالى وبين خلقه ورأى بيت قلبه خاليا من كل ما سوى الله والحق لا يسلم عليه فإنه هو السلام وقد نهوا عن ذلك لأنهم كانوا يقولون السلام على الله في التشهد فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام‏

فلما دخل بيته ولم ير فيه أحدا أو نزه الحق أن يحوي عليه بيت قلبه فما بقي له أن يشهد سوى عالمه المكلف وليس سوى نفسه وقد أمره الله إذا دخل بيتا خاليا من كل أحد أن يسلم على نفسه في قوله فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ فيكون العبد هنا مترجما عن الحق في سلامه لأنه قال تَحِيَّةً من عِنْدِ الله مُبارَكَةً كما جاء في سمع الله لمن حمده فكذلك يقولها في الصلاة نيابة عن الحق جل جلاله وتقدست أسماؤه لأنه ما ثم من حدث له حال دخول أو خروج فيكون السلام منه أو عليه فدل على أنه تجل خاص ولا بد فافهم إن أردت أن تكون من أهل هذا المقام في الصلاة ثم عطف من غير إظهار لفظ السلام على عباد الله الصالحين فشمل بالألف واللام ليصيب سلامه كل عبد صالح لله في السموات والأرض ولا ينوي من الصالحين ما هو المعهود في العرف ما ثم إلا صالح فإن الله يقول وإِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فكل شي‏ء ينزه ربه فهو إذن صالح هذا من علوم الايمان والكشف فانو بالصالحين الذين استعملوا فيما صلحوا له وليس سوى التسبيح فإن الله أخبر عنهم أنهم بهذه الصفة فلم يبق كافر ولا مؤمن إلا وقد شملت تفاصيله هذه الآية ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا يسمعون ولا يشهدون ولهذا لم يذكر لفظة السلام في هذا العطف واكتفى بالواو تنبيها فإنه يدخل فيه من يستحق السلام عليه بطريق الوجوب ومن لا يستحق ذلك بطريق الوجوب فسر حتى لا يتميز المستحق من غير المستحق رحمة منه بعباده أنه هو الغفور الرحيم ولم يعطف السلام الذي سلم به على نفسه على السلام الذي سلم به على النبي صلى الله عليه وسلم بل جعله مبتدأ فإن النبوة أعني نبوة التشريع طور آخر متميز عن طور الاتباع فإنه لو عطف عليه لفظ السلام على نفسه لسلم على نفسه أيضا من جهة النبوة للواو الذي يعطي الاشتراك وباب النبوة قد سده كما سد باب الرسالة وأعني نبوة التشريع وما بقي بأيدينا إلا الوراثة إلى يوم القيامة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي فعين بهذا أنه لا مناسبة بيننا وبين الرسل في هذا المقام فحصل له الأولية صلى الله عليه وسلم على التعيين وحصل له الآخرية صلى الله عليه وسلم لا على‏

الصفحة 430 من الجزء 1

التعيين فدخل بالسلام الثاني بحرف العطف في عباد الله الصالحين فإنه من الصالحين بلا شك من كل وجه فهو في المرتبة التي لا تنبغي لنا فابتدأنا بالسلام علينا في طورنا من غير عطف واعلم أنه لم نقف على رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشهده الذي كان صلى الله عليه وسلم يتشهد به بلسانه في تشهده في الصلاة في قولنا السلام عليك أيها النبي هل كان يقوله بهذا اللفظ أو يقوله بغير هذا اللفظ مثل عيسى عليه السلام إذ قال والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا أو لا يقول شيئا من ذلك ويكتفي بقولنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإن كان قال مثل ما علمنا أن نقول من ذلك فله وجهان أحدهما أن يكون المسلم عليه هو الحق وهو نائب مترجم عنه تعالى في ذلك كما جاء في سمع الله لمن حمده والوجه الآخر أن يقوم في دعائه في تلك الحالة في مقام غير مقام النبوة ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه نفسه أيضا من كونه صلى الله عليه وسلم نبيا ويحضره من أجل كاف الخطاب فيقول صلى الله عليه وسلم بلسانه للمقام الذي أحضره فيه أي أحضر نفسه فيه السلام عليك أيها النبي فعل الأجنبي ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله فأما معنى الشهادة فقد تقدم في أول التشهد وهذا التوحيد هنا إنما هو توحيد ما يقتضيه عمل الصلاة عموما وما يقتضيه حال كل مصل في صلاته خصوصا فإن أحوال المصلين تختلف في الصلاة بلا شك من كل وجه من وجوه الأحكام ومن وجوه المقامات ومن وجوه الأذواق فمن وجوه الأحكام فإن صلاة الحنفي تخالف صلاة المالكي والشافعي في بعض الأحكام ومن وجوه المقامات فإن صلاة المتوكل تخالف صلاة الزاهد ومن وجوه الأذواق فإن صلاة الراضي تخالف صلاة الشكور وصلاة الصاحي تخالف صلاة السكران في الطريق الذوقي فإن الصحو والسكر هو من علوم الأذواق ثم عطف الشهادة بالعبودية لله والرسالة على شهادة التوحيد ليعلم أنه من أطاع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فإنه صلى الله عليه وسلم ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ وما عليه إلا البلاغ والإبلاغ لا يكون إلا حال مبلغ من مبلغ عنه إلى مبلغ إليه وهو العطف بواو الاشتراك يؤذن بالقرب الإلهي من السيد بما فيه من العبودية لله وبالقرب من المرسل بما فيه من ذكر الرسالة المضافة إلى الهوية التي هي غيب لمن أرسلوا إليهم وللرسول من حيث إن الروح الأمين جاء بها إليه من عند ربه فهو أقرب سندا منا إلى المرسل وتلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروح بربه لا بنفسه كما يتلقى العارفون ما يأتيهم من ربهم على ألسنة العالم وحركاتهم بربهم لا بأنفسهم فإنه من يرى ربه في نفسه يراه في غيره بلا شك كما يقول أهل الله في حال المتوكل من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره وإنما قلنا تلقاها بربه لا بنفسه إذ لو تلقى المتلقي أمر ربه ووحيه بنفسه دون ربه لاحترق في موضعه من سطوات أنوار الروح الأمين أ لا تراه مع القوة الإلهية التي أيده الله بها كيف جاء إلى بيت خديجة ترجف بوادره يقول زملوني زملوني زملوني دثروني لاضطراب مفاصله وتخلل النور الروحاني مسالك ذاته فكان يسمع لها قضيض فبدأ في الشهادة حين عطفها باسمه محمدا لما جمع فيه من المحامد أي بها استحق العطف بحرف التشريك ثم قال عبد الله فذكره بعبودية الاختصاص ليعلم بحريته عن كل ما سوى الله وخلوص عبوديته لله ليس فيه شقص لكون من الأكوان ثم عطف بالرسالة على العبودية وعلى الله بالهوية فزاده في العبودية اختصاصين وهما النبوة والرسالة وذكر الرسالة دون النبوة لتضمنها إياها فلو ذكر النبوة وحدها كان يبقى علينا ذكر اختصاصه بالرسالة فيحتاج إلى ذكرها حتى نعلم بخصوص أوصافه ونفرق بينه وبين من ليس له منزلة الرسالة من عباد الله النبيين فهذا تشهد لسان الكمال‏

(التشهد بلسان الجمال)

وأما تشهد لسان الجمال فهو تشهد عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه وهو على هذا الحد إلا ما اختص به فما أذكره وهو أن يقول صاحب هذا المقام بلسانه والصلوات والطيبات فأتى بالصلوات لعموم ما تدل عليه في الرحموتيات والدعاء وأنواعه من الأحوال وكلها صلاة هو الذي يصلي عليكم وملائكته وعطف عليها الطيبات من باب عطف النعوت فهي نعت معطوف للصلوات وعليها ليطيب بها نفسا واختص أيضا في هذا التشهد بإضافة العبودية إلى الهوية لا إلى الله وهو مقام شريف في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أخبر أنه صلى الله عليه وسلم في حال نظره في ربه من حيث ما تستحقه ذاته التي لا يحاط بها علما بل لا تعرف أصلا بالصفة الثبوتية وليست سوى واحدة لا يصح أن تكون اثنتين لأن الفصل المقوم‏

الصفحة 431 من الجزء 1

في حق ذاته يستحيل فلا مناسبة بين الله وبين خلقه فإنه من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ كيف يصح أن يشبه شيئا أو يشبهه شي‏ء وهذا بخلاف اللسان الأول فإن الإضافة بالعبودية كانت إلى الله لا إلى الهوية وهو أن ينظر فيه من حيث ما يطلبه الممكن ويليق وهو دون ما تشهد به ابن مسعود

(التشهد بلسان الجلال)

أما التشهد بلسان الجلال فزاد على ما احتوى عليه التشهدان أن نعت التحيات بالمباركات أي التحيات التي يكون معها البركات وأسقط الزاكيات وكذلك أسقطها ابن مسعود فإنهما راعيا الاشتراك في الزيادة وراعى عمر ما في الزكاة من التقديس مع وجود الزيادة التي تشترك فيها مع البركة فاكتفى بالزاكيات لذلك وأنكر الزاكيات في التشهد جماعة من علماء الرسوم ممن لا علم له بعلوم الأذواق ومواقع اختلاف خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأت في هذا اللسان في نعت التحيات بحرف عطف وقال فيه سلام بالتنكير وهو تشهد ابن عباس وذلك أنه راعى خصوص حال كل مصل فإن أسماء الله مثل الممكنات لا نهاية لها وكل ممكن له خصوص وصف فله من الله اسم خاص به من ذلك الاسم خص بالوصف الذي يتميز به عن كل ممكن وهذا من أشرف علوم أهل الله وهو مذكور في‏

قوله في دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك‏

وأما أسماء الإحصاء فتسعة وتسعون مائة إلا واحد ولم يصح في تعيينها على الجملة نص ولا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال هي هذه فما جاء ابن عباس بتنكير السلام إلا ليأخذ كل مصل من الاسم الذي يلقى إليه ويناجي الحق فيه وهو المسلم على نبي الله منا صلى الله عليه وسلم وعلينا وعلى عباد الله الصالحين وكذلك اختص بعدم تكرار لفظ الشهادة فتركها فلم يشهد له بعبودية ولا رسالة بشهادة مستأنفة بل شهادته بالتوحيد أغنت واكتفى بالواو لما فيها من قوة الاشتراك وذلك مثل قوله تعالى شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ ولم يعطف بذكر الشهادة تشريفا لهم وإن كان قد فصلهم عن شهادته لنفسه بذكره لا إله إلا هو وأسقط هنا لفظ العبودية لتضمن الرسالة إياها

(فصل بل وصل في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في الصلاة على النبي في التشهد والتعوذ]

اختلفوا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد فمن قائل إنها فرض وبه أقول ومن قائل إنها ليست بفرض وكذلك اختلفوا في التعوذ من الأربع المأمور بها في التشهد وهو أن يتعوذ من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات فمن قائل بوجوبها ومن قائل بمنع وجوبها وبوجوبها أقول ولو لم يأمر بالتعوذ منها لكان الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أولى إذ كان التعوذ منها من فعله لقوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتمونى أصلي‏

فكيف وقد انضاف إلى فعله أمره أمته بذلك‏

[الصلاة والسلام على خير الأنام‏]

فالصلاة على النبي في الصلاة وغيرها دعاء من العبد المصلي لمحمد صلى الله عليه وسلم بظهر الغيب وقد ورد في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه من دعا بظهر الغيب قال له الملك ولك بمثله وفي رواية ولك بمثليه‏

فشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بها الله في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً ليعود هذا الخير من الملك على المصلي عليه من أمته صلى الله عليه وسلم وأمر بالسلام عليه بقوله وسَلِّمُوا تَسْلِيماً فأكده بالمصدر فقد يحتمل أن يريد بذلك السلام المذكور في التشهد ويحتمل أن يريد به السلام من الصلاة أي إذا فرغتم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فسلموا من صلاتكم تسليما وبهذا الاحتمال تعلق من رأى وجوبها في الصلاة

[التعوذ من الفتن الأربعة]

وأما الاستعاذة من عذاب القبر فإن القبر أول منزل من منازل الآخرة فيسأل الله أن لا يتلقاه في أول قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربه وأما الاستعاذة من عذاب جهنم فإنها الاستعاذة من البعد فإن جهنم معناه البعيدة القعر والمصلي في حال القربة وهو قريب من الانفصال من هذه الحالة المقربة فاستعاذ بالله أن لا يكون انفصاله إلى حال تبعده من الله بل إلى قرب من حالة دينية أخرى وأما الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال فلما يظهره في دعواه الألوهية وما يخيله من الأمور الخارقة للعادة من إحياء الموتى وغير ذلك مما ثبتت الروايات بنقله وجعل ذلك آيات له على صدق دعواه وهي مسألة في غاية الإشكال لأنها تقدح فيما قرره أهل الكلام في العلم بالنبوات فيبطل بهذه الفتنة كل دليل قرروه وأي فتنة أعظم من فتنة تقدح في الدليل الذي‏

الصفحة 432 من الجزء 1

أوجب السعادة للعباد فالله يجعلنا من أهل الكشف والوجود ويجمع لنا بين الطرفين المعقول والمشهود وأما فتنة المحيا والممات ففتنة المحيا ففتنة الدجال وكل ما يفتن الإنسان عن دينه الذي فيه سعادته وأما الممات فمنها ما يكون في حال النزع والسياق من رؤية الشياطين الذين يتصورون له على صورة ما سلف من آبائه وأقاربه وإخوانه فيقولون له مت نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا أو معطلا ليحولوا بينه وبين الإسلام ومنها ما يكون في حال سؤاله في القبر وهي حين يقول الملك له ما تقول في هذا الرجل ويشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم ير الميت تعظيم الملك للرسول صلى الله عليه وسلم لأن المراد الفتنة ليتميز الصادق الايمان من الكافر والمرتاب فأما المؤمن يقول هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى فآمنا وصدقنا وأما المنافق أو المرتاب وهو الذي يشك في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أنها من عند الله ويجعل ذلك من القوي الروحانية وغيرها ثم يرى عدم تعظيم الملك للرسول بهذا السؤال وهو قولهم ما تقول في هذا الرجل ولم يقولوا ما تقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول المرتاب لو كان لهذا القدر الذي كان يدعيه في رسالته لم يكن هذا الملك يكني عنه بمثل هذه الكناية فيقول عند ذلك لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلت مثل ما قالوه فيشقى بذلك شقاء عظيما لم يكن يتخيله فهذا من فتنة الممات والقبر فاعلم ذلك وقد فرغ التشهد على التقريب والاختصار

(فصل بل وصل في التسليم من الصلاة)

[أقوال الفقهاء في التسليم من الصلاة]

اختلفوا في التسليم من الصلاة فمنهم من قال بوجوبه وبه أقول ومنهم من قال ليس بواجب التسليم من الصلاة واختلف القائلون بوجوبه فمن قائل الواجب من ذلك على المنفرد والإمام تسليمة واحدة ومنهم من قال اثنتين ومن قائل إن الإمام يسلم واحدة والمأموم يسلم اثنتين وقد قيل عن صاحب هذا القول إن المأموم يسلم ثلاثا الواحدة للتحليل والثانية للإمام والثالثة لمن هو عن يمينه والذي يقتضيه النظر إذا لم يكن هناك نص يوقف عنده لا في التوقيت ولا في التحجير أن يزاد على الثالثة تسليمة رابعة للمأموم إن كان على يساره أحد وللإمام تسليمتان أو ثلاثة من أجل التحليل إن كان الناس عن يمينه ويساره فإن لم يكن عن يساره أحد فيسلم اثنتين واحدة للتحليل والثانية لمن هو عن يمينه والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم تسليمتين‏

وما في الحديث ما يقتضي أن الخروج من الصلاة يكون بعد التسليم‏

[المصلي في حال الصلاة مناج لله غائب عما سواه‏]

واعلم أن السلام لا يصح من المصلي إلا أن يكون المصلي في حال صلاته مناجيا ربه غائبا عن كل ما سوى الله من الأكوان والحاضرين معه فإذا أراد الخروج من الصلاة والانتقال من تلك الحالة إلى حالة مشاهدة الأكوان والجماعة سلم عليهم سلام القادم لغيبته عنهم في صلاته عند ربه فإن كان المصلي لم يزل مع الأكوان والجماعة إن كان في جماعة فكيف يسلم عليهم من هذه حالته فإنه ما برح عندهم فهلا استحيى هذا المصلي حيث يرى بسلامه من صلاته إنه كان عند الله في تلك الحالة فسلام العارف من الصلاة لانتقاله من حال إلى حال فيسلم تسليمتين تسليمة على من ينتقل عنه وتسليمة على من قدم عليه إلا أن يكون عند الله في صلاته فلا يسلم على من انتقل عنه لأن الله هو السلام فلا يسلم عليه‏

(فصل بل وصل فيما يقول الذي يرفع رأسه من الركوع وفي الركوع)

[التسبيح الجامع لأكمل الصلوات‏]

يقول العارف الجامع لأكمل الصلوات إذا رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده نيابة عن ربه سبحانه ومترجما عنه فإنه من كلام ربه تبارك وتعالى ثم يسكت ثم يقول يرد على نفسه بلسانه اللهم ربنا ولك الحمد وذلك أنه‏

ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد فإن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏

فلهذا يستحب للمنفرد أن يسكت سكتة يفصل بها بين قوله سمع الله لمن حمده وبين قوله اللهم ربنا ولك الحمد مل‏ء السموات ومل‏ء الأرض ومل‏ء ما بينهما ومل‏ء ما شئت من شي‏ء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد كما أنه يقول في حال ركوعه بعد قوله فيه سبحانه ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات إن كان منفردا أو مأموما وإن كان إماما فإنه يقولها خمس مرات ليدرك المأموم أنه يقولها ثلاثا ثم يقول بعد هذا التسبيح اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي اعلم أن العبد إذا ركع فقد أعلمتك أنه في حال برزخي بين القيام‏

الصفحة 433 من الجزء 1

والسجود فيقول العارف بعد تسبيحه ربه بالتعظيم كما أوردناه يقول اللهم لك ركعت أي من أجل عزك وعلوك في كبريائك خضعت تعظيما لك يقول لقيوميتك التي لا تنبغي إلا لك فإني لما قمت بين يديك لم أقم إلا امتثالا لأمرك حيث قلت وقُومُوا لِلَّهِ فقمت وأنا أخضع في ركوعي من خاطر ربما خطر لي في حال قيامي إني قمت لنفسي فاعترف بين يديك بركوعي إني لك ركعت وبك آمنت يقول بسببك أي بتأييدك صدقت لا بحولي ولا بقوتي أي لا حول لي ولا قوة إلا بك إذ كانت القلوب بيدك التي هي محل الايمان ولك أسلمت أي من أجلك كان انقيادي ولولاك ما تغيرت أحوالي معك في عباداتي فإنك الذي شرعت لي ذلك على لسان رسولك فعلا وقولا صلى الله عليه وسلم فصلى وذكر ثم أمرنا

فقال صلوا كما رأيتمونى أصلي‏

وأنت القائل وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ فعلمنا أنه مأمور بأن يأمرنا فذلك أمرك لا أمره فإنك القائل من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله ثم يقول خشع لك سمعي فيما كلمتني به في حال مناجاتي إياك بكلامك ثم يقول وبصري بواو التشريك وما ثم إلا الخشوع فكأنه يقول وخشع لك بصري حياء منك لعلمي بأنك تراني في حال ركوعي بين يديك فإنك في قبلتي كما أخبرني رسولك صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أجعلك مشهودا في صلاتي كأني أراك بل يا ربي وإن مثلت في نفسي إني أراك فما أقدر أن أنكر علمي أنك تراني وما سبب الحياء مني إلا علمي بأنك تراني لا بأني أراك فإنه لا يعزب عنك مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الْأَرْضِ يا من يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ولا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ويقول ومخي وعظمي وعصبي فإنك جعلت في كل ما ذكرت قوة يكون بها قوام نشأتي وثبات هيكلي لتحصل نفسي بهذه القوي لبقاء هذه الصورة المكلفة ما أمرتها به أن تحصله من المعرفة بك فربما خطر لمخي وعظمي وعصبي الموصوفين بالخشوع لك لما كانت أسبابا لما ذكرناه فيدركها لذلك عجب وزهو فوجب على كل واحدة من هؤلاء أن يخشع لك بتبريه من الحول والقوة في السببية بأنك أنت الذي تحفظ على قوام نشأتي لتحصيل معارفي‏

[عند ما يرفع العارف رأسه من الركوع‏]

فإذا رفع العارف رأسه من الركوع يقول نيابة عن ربه سمع نفسه خطاب ربه سمع الله لمن حمده في قوله في حال ركوعه سبحان ربي العظيم وكل حمد وثناء حمده به وأثنى عليه به من أول شروعه في صلاته ثم يرد بربه على ربه بحضور نفسه من كونها بربه بتأييده إياها في حولها وقوتها فيقول اللهم ربنا فيحذف حرف النداء لأن المصلي في حال قرب والنداء يؤذن بالبعد وأبقى المنادي وهو لبقاء نفسه في جواب ربه فيقول لك الحمد أي الثناء التام بما هو لك ومنك فلا حامد ولا محمود إلا أنت ولك عواقب كل مثن في العالم وكل مثنى عليه وهو قوله مل‏ء السموات ومل‏ء الأرض ومل‏ء ما بينهما ومل‏ء ما شئت من شي‏ء بعد يقول كل جزء من العالم العلوي والسفلي وما بينهما وما في الإمكان من الممكنات مما توجده ويبقى في العدم عينا ثابتة كل جزء منه معلوم بحكم الوجود والتقدير له ثناء خاص عليك من حيث عينه وإفراده وجمعه بغيره في قليل الجمع وكثيره أحمدك بلسانه وبلسان كل حامد من حمدك لنفسك وحمد من سواك لك فيكون لهذا الحامد بهذه الألسنة جميع ما يستدعيه من التجلي الإلهي ومن الأجور المحسوسة لأجل طبيعته وتركيبه فإنه حمده لسانا وقلبا ظاهرا وباطنا وقوله أحق ما قال العبد أي أوجب ما يقوله عبد مثلي ولي أمثال لسيد مثلك ولا مثل لك وكلنا لك عبد يقول أنوب عن أمثالي وهم جميع الممكنات موجودها ومعدومها ممن يقول بك في علمه عن حضور وممن يقول بنفسه عن غيبة فأنوب عنهم في حمدك لمعرفتي بك التي منحتني وجهلهم بما ينبغي لجلالك لا مانع لما أعطيت من الاستعداد لقبول تجل مخصوص وعلوم مخصوصة ولا معطي لما منعت وإذا لم تعط استعدادا عاما فما ثم سيد غيرك يعطي ما لم تعطه أنت ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي من كان له حظ في الدنيا من سلطان وجاه ومال وتحكم بغيرك في علمه لا في نفس الأمر لم ينفعه ذلك عندك في الآخرة عند كشف الغطاء

(فصل بل وصل في السجود في الصلاة)

[التسبيح في السجود]

فإذا سجد وسبح بربه الأعلى وبحمده كما تقدم يقول في سجوده بعد تسبيحه اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعل لي نورا واجعلني نورا يقول العارف سجد وجهي أي حقيقتي فإن وجه الشي‏ء حقيقته للذي خلقه أي قدره من اسمه‏

الصفحة 434 من الجزء 1

المدبر وأوجده من اسمه القادر البارئ المصور وشق سمعه بما أسمعه في كُنْ وأخذ الميثاق ثم التكليف وبصره بما أدركه ليعتبر في المبصرات فإن ذلك في حق هذه النشأة وأمثالها كما فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وفتقهما بعد رتقهما ليتميزا فيظهر المؤثر والمؤثر فيه لوجود التكوين فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ إثباتا للأعيان ليصح قوله لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ثم دعا بالنور في كل عضو نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ الذي مثله بالمصباح في الزجاجة مقام الصفا في المشكاة مقام الستر من الأهواء فلم تصبه مقالات القائلين فيه بأفكارهم الموقد بالزيت المضي‏ء بالمقاربة وهو حكم الإمداد من الشجرة وهي الممد لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ في مقام الاعتدال لا تميل عن عرض إلى شرق فيحاط بها علما ولا إلى غرب فلا تعلم رتبتها نُورٌ عَلى‏ نُورٍ وجود على وجود وجود جود عيني على وجود مفتقر ثم دعا بجعل النور في كل عضو والنفور هو النور وكل عضو فله دعوى بما خلقه الله عليه من القوة التي ركبها فيه وفطره عليها ولما علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أن يجعل الله فيه علما وهدى منفر الظلمة دعوى كل مدع من عالمه هذا ربط هذا الدعاء وآخر ما قال اجعلني نورا يقول اجعلني أنت فإنه نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ فهناك‏

قال الحق تعالى كنت سمعه وبصره ورجله ويده ولسانه‏

عند ما يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش ويسعى يقول اجعلني نورا يهتدي بي كل من رآني في ظلمات بر ظاهره وبحر نفسه وباطنه فأعطاه القرآن وأعطانا الفهم فيه فإن هذه المنحة من أعلى المنح في رتبة هي أسنى المراتب ومعناه غيبني عني وكن أنت بوجودي فيرى بصري كل شي‏ء بك ويسمع سمعي كل مسموع بك فإن نور كل عضو إدراكه وهكذا جميع ما فصله ولكن بنور يقع به التمييز بين الأنوار ولذلك نكره في كل عضو وفي نفسه وذاته فيتميز نور الشمال من نور اليمين ونور الفوق من نور التحت وكذلك أنوار القوي والجوارح ثم أقمني بعد هذا في عين الجمع والوجود فتتحد الأنوار بأحدية العين فإن لم أكن هناك فبجعلك إياي نورا وإن كنت هناك فبجعلك في نورا أهتدى به في ظلمات كوني‏

(فصل بل وصل فيما يقول المصلي بين السجدتين في الصلاة من الدعاء)

[دعاء ما بين السجدتين في الصلاة]

يقول المصلي إذا جلس بين السجدتين في الصلاة اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واجبرني واهدني وعافني واعف عني يقول العارف استرني واستر من أجلي استرني من المخالفات حتى لا تعرف مكاني فتقصدني نفسك عني إذ قد قلت إن سبحاتك محرقة أعيان كل موصوف بالوجود وإن كان وجودك ولكن كما أثر في الممكن صفة الوجود ولم يكن بالوجود موصوفا كذلك أثر نسبته إلى الممكن إن قيل فيه بوجود وإن كان مقيدا بالحدوث حادث ولكن الحضرة الإلهية موصوفة بالغيرة على وجودها من أجل دعوى هذا المدعي فلو لم تصدر منه الدعوى لما تسلط عليه فلا بد إذا ارتفعت الحجب أن تحرق سبحات ما أدركه البصر من الخلق يعني الطبيعي فإن عالم الأمر أنوار قلما يحترق بل يندرج في النور الأعظم فإن عالم الأمر ما عنده دعوى فيحترق عالم الخلق فيصير رمادا فما ألحقه بالعدم فبقي رمادا لا عودي له فاذن ما أعدمت سوى الدعوى بإحالة العين التي أعطى استعدادها الدعوى إلى عين ما لها دعوى وقوله وارحمني برحمة الوجوب التي لا تحصل إلا بعد رحمة الامتنان بما أعطيتني من التوفيق لتحصيل رحمة الوجوب حتى أكون كل شي‏ء وسعته رحمتك فيطلب العارف رحمة الامتنان في عين الوجوب بالتوفيق للعمل الصالح الموجب لرحمة الاختصاص فيريد أخذها من عين المنة التي يطلبها إبليس وأشياعه من الجن والإنس مع وصف هذا العارف بالعصمة والحفظ عن المخالفة والخذلان الموجب للحرمان ثم يقول وارزقني يعني من غذاء المعارف الذي يحيا به قلبي كما رزقتني من غذاء الجسوم بما أبقيت به جسدي الطبيعي وهيكلي ثم يقول واجبرني الجبر لا يكون إلا بعد كسر وهو المهيض في اللسان والمهيض هو المكسور بعد جبر وهو كسر العارفين فإن العبد مكسور في الأصل بإمكانه فجبره إنما هو بأن ألحقه بالوجوب ولكن بغيره فلما أوجده بهذا الجبر كسرته المعرفة بنفسه وبربه فردته إلى إمكانه فهذا كسر بعد جبر والجبر لا يكون إلا عن كسر فلهذا قلنا هو المهيض في اللسان كما أيضا يقول واجبرني يعني أوقفني على جبري في اختياري فإن العبد مجبور في اختياره وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ يقول الله أنا مع المنكسرة قلوبهم من أجلي ثم يقول واهدني بين لي ما نتقي ووفقني للبيان في الترجمة عنك لعبادتك بما تهبني من جوامع الكلم ليصح ورثي من رسولك‏

الصفحة 435 من الجزء 1

صلى الله عليه وسلم فإنه قال صلى الله عليه وسلم أعطيت شيئا لم يعطهن نبي قبلي وذكر منها فقال وأوتيت جوامع الكلم ثم يقول وعافني من أمراض القلوب التي هي أغراضها لا من أمراض الجسوم فإنك في غاية القرب عند من أمرضت جسمه فإنك قلت لي في الخبر الصحيح الذي بلغه إلى رسولك صلى الله عليه وسلم عنك أنك قلت مرضت فلم تعدني فأقول لك وكيف تمرض وأنت رب العالمين فقال صلى الله عليه وسلم إنك تقول مجيبا لي إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما أنك لوعدته لوجدتني عنده ومن أنت عنده سبحانك فما شقي وما أمرضت عبدك إلا لتعوده وتكون عنده فمن أراد أن يجدك فليعد المرضى سبحانك تسبيحا لا ينبغي إلا لك ثم يقول واعف عني يقول كثر خيرك لي وقلل بلاءك عني أي قلل ما ينبغي أن يقلل وكثر ما ينبغي أن يكثر وليس إلا عفوك عن خطيئتي التي طلبت منك أن تسترني عنها حتى لا تصيبني فاتصف بها والعفو من الأضداد يطلق بإزاء الكثرة والقلة فتب عني يا رب فإني لا أستطيع التحرك إلى ما أمرتني بعمله لزمانتي مع إرادة التحرك‏

(فصل بل وصل في القنوت في الصلاة)

[اختلاف الفقهاء في القنوت‏]

اختلفوا في القنوت فمن قائل إنه مستحب في صلاة الصبح ومن قائل إنه سنة ومن قائل إنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح وإنما موضعه الوتر ومن قائل يقنت في كل صلاة ومن قائل لا قنوت إلا في رمضان ومن قائل لا قنوت إلا في النصف الآخر من رمضان ومن قائل في النصف الأول من رمضان وهو دعاء يدعو به المصلي ومنهم من يراه قبل الركوع ومنهم من يراه بعد الركوع ومن الناس من لا يرى القنوت إلا في حال الشدة وبه أقول وهو مستحب عندي وقد روى في صفة قنوت الوتر دعاء خاص وقد روى في قنوت الصبح دعاء خاص لم يثبت فليدع من يرى القنوت بأي شي‏ء شاء بحسب حاله غير أنه يجتنب السب واللعنة في القنوت وليدع بخير الدنيا والآخرة وما يزلف عند الله مثل ما ثبت في قنوت الوتر من‏

قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وأنه لا يذل من واليت ولا يضل من هديت تباركت وتعاليت‏

فهذا تعليم من النبي صلى الله عليه وسلم كيف ندعو الله في قنوتنا وفي كل دعاء

[شرح دعاء القنوت‏]

فالعارف ينظر فيما علم إن يدعو به أو بما يشبهه فهو يطلب من الله أن يهديه فيمن هداه فإن وقف مع صفة اللفظ فهو يطلب في المستقبل أن يكون في الماضين والمستقبل لا يكون في الماضي إلا أن يجمعهما وجه فينظر العارف فيجد أن الجامع بين الماضي والمستقبل إنما هو العدم إذ كان الوجود لا يصح إلا للحال والوجود لا يكون إلا لله فإن وجود الحال وجود ذاتي لا يصح فيه العدم وله الدوام وبهذا وصفه أهل العربية فقالوا في تقسيم الأفعال إن فعل الحال يسمى الدائم وهو موجود بين طرفي عدم لا يمكن فيهما وجود أصلا وهو الماضي والمستقبل وهو عين العبد فهو الموصوف بالعدم فقيده بالماضي وهو العدم وبالمستقبل وهو عدم فاهدني للمستقبل وهديت للماضي والعدم لا يقع فيه تمييز فلهذا شرع له أن يقول اهدني فيمن هديت وأمثاله فإذا حصلت الهداية وهي عين وجود الحال والحال ظرف محقق ولهذا جاء بقي فقال فيمن والعدم لا يكون ظرفا لأن المعدوم لا شي‏ء والعدم عبارة عن لا شي‏ء ولا شي‏ء لا يكون ظرفا لغير شي‏ء فالمفهوم من قوله اهدني فيمن هديت وأمثاله بقوة ما تعطيه في أي إذا كسوتني وجود الهداية والتولي وما وقع السؤال فيه فليكن في الحال الذي له الدوام فلا يوصف بالماضي فيلحق بالعدم ولا بالمستقبل ولا يكون له وجود والحق منزه عن التقييد في أفعاله بالزمان‏

[الأيس والليس‏]

والعبد الذي هو المخلوق في الماضي موصوف بليس وفي المستقبل موصوف بليس وفي حال اتصافه بالوجود من حيث ذاته موصوف بليس فكما إن ليس له حقيقة لا ينفك عنها بل هي عينه كذلك أيس الذي هو الوجود هو للحق سبحانه حقيقة لا يوصف بنقيضه بل الوجود عينه وإن سلب عن نفسه الفعل وأضافه إلى السبب فإن ذلك غير مؤثر في وجوده للحق لما تحققنا من أن العبد عدم والعدم لا ينسب إليه شي‏ء وفي ذلك قلنا

تقول بهم وتعتبهم وما ذا *** بتحقيقي فقل لي ما أقول‏

أقول بهم وهل علموا بأني *** أقول بهم فقل لي ما تقول‏

الصفحة 436 من الجزء 1

إذا عبد تحقق إذ يقول *** بأني قائل وهو المقول‏

أ أعتب مثله والعدل نعتي *** فقل بي ما تقول وما نقول‏

[يقول الله على لسان فرعون: أنا ربكم الأعلى‏]

يقول الله على لسان فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ وهو سبحانه الأعلى حقيقة فإن الله هو ربنا الأعلى فَأَخَذَهُ الله نَكالَ الْآخِرَةِ والْأُولى‏ إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ العبرة في ذلك للعالم فإن الله وصف العلماء بالخشية فقال إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ فيعتبر العالم كما أخبر الله من أين أخذ فرعون وهذه صفة الحق ظهرت بلسان فرعون فعلم أنه ما قالها نيابة عن الحق كما يقول المصلي سمع الله لمن حمده فلما غاب عن النيابة في ذلك القول طلبت الصفة موصوفها فرجعت إلى الحق جل جلاله وبقي فرعون معرى عنها على أنه ما لبسها قط عند نفسه فإن الله قد طبع عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ أن يدخله كبرياء إذ لا ينبغي ذلك الوصف إلا لمن لا يتقيد فهو الأعلى عن التقييد فكان الجزاء لفرعون لغيبته عن هذا المقام أن أخذه الله نَكالَ الْآخِرَةِ والْأُولى‏ أي أوقفه على تقييده أنه ليس له هذا الوصف فالأولى للماضي وهي كلمة ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي والآخرة للمستقبل وهي كلمة أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ وهما عندنا إن الله أخذه نَكالَ الْآخِرَةِ والْأُولى‏ في الأولى فاطلع بما أعلمه الله في أخذه ذلك عن الإطلاق الذي ادعاه بالتقييد الذي هو النكال فإن النكل في اللسان هو القيد ولما رأينا الله قد عبر بالنكال عرفنا إن النقيض هو الذي سلبه وهو الإطلاق ففي موطن يقول سبحانه ادعوني وفي موطن يعرفنا بأنه قد قضى القضية وما يبدل القول لديه وما سبق العلم به فهو كائن ولا ينجي حذر من قدر وفي ذلك قلت بيتين فيهما رمز حسن وهما

إذا قلت يا الله قال لما تدعو *** وإن أنا لم أدعو يقول ألا تدعو

فقد فاز باللذات من كان أخرسا *** وخصص بالراحات من لا له سمع‏

فينبغي للعبد إذا قرأ القرآن أو تكلم بما تكلم به أو كلمه غيره أو سمع من سمع بأي لسان كان يتكلم فإنه ليس في العالم صمت أصلا فإن الصمت عدم والكلام على الدوام إذ فائدة الكلام الإفهام بالمقاصد للسامعين والأحوال مفهمة وهي الكلام ولا يخلو موجود أن يكون على حال ما فحاله هو عين كلامه لأنه المفهم الذي ينظر إليه ما هو عليه في وقته فلا لسان أفصح من لسان الأحوال وقرائن الأحوال تفيد العلوم التي تجي‏ء بطريق العبارات والعبارات من جملة الأحوال عندنا فانطلق في الاصطلاح اسم الكلام على العبارات والعارفون بالله عندهم الوجود كله كلمات الله لا تنفد أبدا فافهم ما ينبغي للعبد أن يعرف من ذلك إذا سمع كلاما أو تكلم هو أن يفرق ما بين ما هو العبد فيه نائب عن الله وما هو الله فيه مترجم عن العبد ويميز ذلك بالصفة فإن الصفة تطلب موصوفها فإنه لا يقبلها إلا من هي له فإذا تضمن الكلام صفة لا تنبغي إلا للعبد فالعبد صاحبها وإن وصف الحق بها نفسه وإذا تضمن الكلام صفة لا تنبغي إلا لله فالله صاحبها وإن وصف العبد بها نفسه فهكذا تعتبر الكلام كله ممن وقع سواء كان بالعبارات أو بالأحوال فهذا معنى قوله إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ وهو العالم وقوله في ذا إشارة إلى ما تقدم في القصة والذي تقدم في القصة قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ وأخذ الله له نكال الآخرة والأولى أي هذه الدعوى أوجبت هذا الأخذ وإن الصفة طلبت موصوفها وهو الله وبقي فرعون عريا عنها فلم يكن له من يحميه عن الأخذ يقول الله عن نفسه جعت فلم تطعمني نيابة عن عبد جاع فلم تطعمه فطلبت الصفة موصوفها وهو العبد فهكذا فهم العارفون الحقائق‏

( (فصول بل وصول في أفعال الصلاة))

(فصل بل وصل في رفع الأيدي في الصلاة)

[حكم رفع الأيدي في الصلاة]

اختلف العلماء في رفع الأيدي في الصلاة أعني في حكمها وفي المواضع التي يرفعها فيها وفي حد الرفع فيها إلى أين ينتهي بها فأما الحكم فمن قائل إن رفع اليدين سنة في الصلاة ومن قائل إنه فرض وهؤلاء انقسموا أقساما فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة الإحرام فقط ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح وعند الانحطاط إلى الركوع وعند الرفع من الركوع ومنهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين وعند السجود وأما المواضع التي ترفع فيها الأيدي في الصلاة

الصفحة 437 من الجزء 1

فمن قائل عند تكبيرة الإحرام فقط ومن قائل عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع ومن قائل يرفعها عند السجود وعند الرفع من السجود وهو حديث وائل بن حجر ومن قائل إذا قام من الركعتين وهو رواية مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما أنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤيا مبشرة فأمرني أن أرفع يدي في الصلاة عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع وأما الحد الذي ترفع إليه اليدان فمن قائل إلى المنكبين ومن قائل إلى الأذنين ومن قائل إلى الصدر ولكل قائل حديث مروي أثبتها إلى المنكبين وحديث الأذنين أثبت من حديث الصدر والذي أذهب إليه في هذه المسألة أن الأحاديث المروية في ذلك إنما هي في حكاية فعله صلى الله عليه وسلم ما روى أنه أمر بذلك وقد قال صلوا كما رأيتمونى أصلي‏

ومعلوم أن الصلاة تحوي على فرائض وسنن فلا يفهم من هذا الحديث أن أفعال الصلاة فرض جميعها لمعارضة الإجماع لهذا المفهوم فلنصلها ونرفع أيدينا في علم الشارع من غير تعيين فرض أو سنة كما

أحرم علي بن أبي طالب بإحرام النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يعلم بما أحرم وأقره على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنكر عليه‏

فنرفع أيدينا في الصلاة على حكم الشرع فيها فنقبلها على ذلك الحكم وأما الحد فمذهبي فيه أنه بفعله يقتضي التخيير فإن الأحاديث وردت بحدود مختلفة فعلية فآية حالة فعل المصلي أجزأته فرضا كان أو سنة والأولى الرفع إلى الأذنين ولكن ينبغي أن يكون رفعهما على الصدر إلى حذو المنكبين إلى الأذنين فيجمع بين الثلاثة الأحوال وكذلك المواضع تعمها كلها عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع وعند السجود وعند الرفع من السجود وعند القيام من الركعتين فإن ذلك لا يضره فإنه قد ورد وما ورد أن ذلك يبطل الصلاة فما ورد ما يعارض ذلك وغاية المفهوم من‏

حديث ابن مسعود والبراء بن عازب أنه كان عليه السلام يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها

أي أنه رفع مرة واحدة لم يصنع ذلك مرتين عند الإحرام ويحتمل أن يريدا بقولهما لا يزيد عليها أي لا يرفعهما مرة أخرى في باقي الصلاة فما هو نص وقد ثبتت الزيادة برفعه عند الركوع وعند الرفع منه وغير ذلك والزيادة من العدل الثقة مقبولة فالأولى رفعهما في جميع المواطن التي جاءت الرواية بالرفع فيها

[اعتبار العارف في رفع الأيدي في الصلاة]

وأما اعتبار العارف في ذلك فإن رفع الأيدي يؤذن بأن الذي حصل فيها قد سقط عند رفعها فكان الحق يقول له معلما إذا وقفت بين يدي فقف فقيرا محتاجا لا تملك شيئا وكل شي‏ء ملكتك إياه فارم به وقف صفر اليدين واجعله خلف ظهرك فإني في قبلتك ولهذا يستقبل بكفيه قبلته قائمة ليعلم أنه صفر اليدين مما كان فيهما ثم إنه إذا حطهما رجعت بطون الأكف تنظر إلى خلف وهو موضع ما رمته من يدها ثم إن الله يعطيه في كل حال من الأحوال أحوال الصلاة ما يقتضيه جزاء ذلك الفعل فإذا ملكه تركه وأعلم الحق برفع يديه أنه قد تركه في الموضع الذي ينبغي له أن يتركه وقد توجه طالبا فقيرا صفر اليدين إلى الوهب الإلهي فيعطيه أيضا فيرفع يديه وهي خالية هكذا في جميع المواطن التي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع فيها يديه وقد يرفعها من باب الحول والقوة إذ كانت محل القدرة الأيدي فيرفع يديه إلى الله معترفا أن الاقتدار لك لا لي وأن يدي خالية من الاقتدار فمن رفعها إلى الصدر اعتبر كون الحق في قبلته ومن رفعها إلى الأذنين اعتبر كون الحق فوقه من قوله وهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ في كل خفض ورفع يفعل ذلك يقول بذلك الرفع من يديه أن لا حول لي ولا قوة في كل خفض ورفع وأن القوة لك لا إله إلا أنت انتهى الجزء التاسع والثلاثون‏

(فصل بل وصل في الركوع وفي الاعتدال من الركوع)

[أقوال الفقهاء في الاعتدال من الركوع‏]

اختلف العلماء في الركوع وفي الاعتدال من الركوع فمن قائل إنه غير واجب ومن قائل بوجوبه‏

(الاعتبار) في ذلك‏

الخضوع واجب في كل حال إلى الله تعالى باطنا وظاهرا فإذا اتفق أن يقام العبد في موطن يكون الأولى فيه ظهور عزة الايمان وجبروته وعظمته لعز المؤمن وعظمته وجبروته فيظهر في المؤمن من الأنفة والجبروت ما يناقض الخضوع ففي ذلك الموطن لا يكون الخضوع واجبا بل ربما الأولى إظهار صفة ما يقتضيه ذلك الموطن قال تعالى فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا من حَوْلِكَ هذا موطن يجب أن تكون المعاملة فيه كما ذكر

الصفحة 438 من الجزء 1

وقال في الموطن الآخر يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ فهو من باب إظهار عزة الايمان بعز المؤمن وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة وقد تراءى الجمعان من يأخذ هذا السيف بحقه فأخذه أبو دجانة فمشى به بين الصفين خيلاء مظهر الإعجاب والتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموطن‏

فإذا علمت إن للمواطن أحكاما فافعل بمقتضاها تكن حكيما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي علمه فروض الصلاة اركع حتى تطمئن راكعا وارفع حتى تطمئن واقفا فالواجب اعتقاد كونه فرضا

(فصل بل وصل في هيأة الجلوس)

[أقوال الفقهاء في هيئة الجلوس في الصلاة]

فمن قائل يفضي بأليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى والرجل والمرأة في ذلك على السواء وقال آخرون ينصب الرجل اليمنى ويقعد على اليسرى وفرق آخرون بين الجلسة الوسطى والآخرة فقال في الوسطى ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى وقال في الجلسة الآخرة يفضي بأليته إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى وكل قائل له مستند إلى حديث فما فعل من ذلك أجزأه‏

(الاعتبار في ذلك)

الجلوس في الصلاة جلوس العبد بين يدي السيد وليس له أن يجلس إلا أن يأمره سيده وقد أمر المصلي بالجلوس في الصلاة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد

فأحسن الحالات في الجلوس في الصلاة هو الجلوس الذي يكون فيه أقرب إلى الوقوف بين يدي سيده هذا إذا كان حال العارف حال ما ينبغي أن يكون عليه العبد من حيث ما هو عبد وإن كان العارف في محل النظر في أصل معرفته بنفسه ليعرف ربه فالأولى في جلوسه أن يفضي بأليته إلى الأرض في آخر جلوسه ولا بد فإنه أقرب إلى النظر في ذاته بخلاف الجلسة الوسطى فإن جلوسه فيها عارض عرض له من الحق أجلسه أي رده في النظر إلى نفسه لمعرفة يريد تحصيلها فيكون كالمستوفز لأنه مدعو إلى الوقوف وهي الركعة الثالثة والطمأنينة في الركوع والسجود وأحوال الانتقالات كلها في أحوال الصلاة المراد بها الثبات لتحقيق ما يتجلى له فيها لأنه إذا أسرع بأدنى ما ينطلق عليه اسم راكع يفوته علم كبير لا يناله إلا من ثبت فلهذا أمر بالطمأنينة في هذه المواطن فإن العجلة من الشيطان إلا في خمس وهي مذكورة في بابها فالمسارعة إلى الخيرات مشروع يعد الثبات والاطمئنان في الخير الذي أنت فيه فلا مناقضة بين الطمأنينة والمسارعة

(فصل بل وصل في الجلسة الوسطى والأخيرة)

[حكم الجلسة الوسطى والأخيرة في الصلاة]

اختلف العلماء في الجلسة الوسطى والاخيرة فقائل في الوسطى إنها سنة وليست بفرض وشذ قوم فقالوا إنها فرض والأصل الذي أعتمد عليه في أفعال الصلاة كلها أن لا تحمل أفعاله صلى الله عليه وسلم على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك وأما الجلسة الاخيرة فبعكس الوسطى والأكثرون إنها فرض وشذ قوم فقالوا إنها ليست بفرض ومن قائل إن الجلستين سنة وهو أضعف الأقوال وبقي الجلوس في وتر من الصلاة يذكر بعد هذا إن شاء الله في فصله‏

(الاعتبار في ذلك)

أما الجلسة الوسطى فإنها كما قلنا عارض عرض لأجل القيام بعدها إلى الركعة الثالثة والعارض لا يتنزل منزلة الفرض ولهذا سجد من سها عنه وفرق بينه وبين الركن إذا فإنه ولم يقترن بالجلسة الوسطى أمر فيحمل على الوجوب وإنما هو أمر عارض عرض للمصلي في مناجاته من التجليات البرزخيات دعاه أن يسلم عليه لما شرع فيه من التحيات فلما رأى أن ذلك المقام يدعوه إلى التحية تعين عليه إن يجلس له كما يفرض عليه في الجلسة الآخرة التي هي فرض والحكمة في ذلك المشهودة إن أصل الصلاة يقتضي الشفعية للقسمة المذكورة فيها بين الله وبين العبد فأقلها ركعتان إلا الوتر فإن له خصوص وصف أذكره في الوتر إذا جاء إن شاء الله ولما ثبت عين الشفع بوجود الركعتين فتميز الرب من العبد فقد حصل المقصود فلا بد من الجلوس كما يكون في صلاة الصبح وفي الصلاة الليلية مثنى مثنى وفي صلاة السفر وقول الراوي في أول فرض الصلاة إنها فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت في السفر على الأصل فلما عرض لهذا الشفع في الصلاة الثلاثية والرباعية إن الشيئين إذا تألفا صح على كل واحد منهما اسم الشيئين ومن الناس من قال كانا شيئا واحدا وقد تألف بوجود الركعتين الأوليين نسبة شيئية الصلاة للعبد ونفي نسبة شيئية الصلاة للرب‏

الصفحة 439 من الجزء 1

فإنه قال عن نفسه إنه يصلي علينا فكانت الركعتان في الرباعية لهذا ولما أراد أن يفصل بين الشيئيتين الأوليين والأخريين ليتميزا فصل بينهما بالجلسة وهذا هو العارض الذي عرض له حتى جلس فإن فاته سجد له ولم يأت به كما يأتي بالركن إذا فاته‏

[الجلوس بعد ركعتى صلاة المغرب‏]

وأما وقوع الجلوس بعد الثنتين في المغرب فلأمر آخر خلاف هذا وما هي بجلسة وسطي لأنه ليس بعدها ركعتان فهي في الثلثين وفي الرباعية في النصف وذلك أن ينبه بأن الشيئين إذا تألفا كانا شيئا واحدا فذلك الواحد هو عين الركعة الثالثة من المغرب يشير بأن هاتين الركعتين المقسمتين بين عبد ورب هي في المعنى واحدة لأن المعنى الواحد يتضمن الثاني من جميع وجوهه وليس الآخر كذلك لأن الآخر يتضمنه من وجه ولا يتضمنه من وجه فمن الوجه الذي يتضمنه ظهرت للرباعية ركعتان بعد الجلسة الوسطى الركعة الواحدة للواحد لتضمنه معنى الآخر والأخرى للآخر لتضمنه معنى الأول ويبقى الوجه الواحد الذي لا أخ له بمنزلة الوتر الذي زادنا الله إلى صلاتنا وهو ركعة واحدة لا ثاني لها وهو الوجه الذي ينفرد به الحق عنا من حيث ذاته‏

[الصلة الوجودية بين الحق الواجب والخلق الممكن‏]

وصورة ذلك في المعارف أن العبد يطلب الواجب الوجود لنفسه لأنه ممكن فلا بد له من مرجح فالعبد يتضمن الرب بوجوده بلا شك فركعة المغرب اكتفى بها لأنها تتضمن الثانية ووجود الواجب لنفسه له وجه لتضمن الممكن وهو وجه كونه إلها قادرا مريدا فقد تكون ركعة المغرب إلهية من هذا الوجه وله سبحانه وجه أيضا إلى نفسه لا يتضمن وجود الممكن جملة واحدة وهو الغني الذي له على الإطلاق فهو بالنظر إليه سبحانه لا يلزم من النظر فيه من حكم ذاته وجود العالم ولا بد إلا أن ننظر فيه من حيث ما يطلبه الممكن فتظهر النسب عند ذلك وكونه قادرا فيطلب المقدور ومريدا فيطلب المراد فالوتر المفروض المراد له هو الوجه الذي للحق من حيث ما لا يطلب الأكوان ولا تطلبه الأكوان إذا لم ننظر في ذواتها قال الله عز وجل فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ والعالمون هنا هو الدلالات على الله فهو يقول في هذه الآية إنه غني عن الدلالات عليه فرفع إن يكون بينه وبين العالم نسبة ووجه يربطه بالعالم من حيث ذلك الوجه الذي هو منه غني عن العالمين وهو الذي تسميه أهل النظر وجه الدليل يقول الحق ما ثم دليل علي فيكون له وجه يربطني به فأكون مقيدا به وأنا الغني العزيز الذي لا تقيدني الوجوه ولا تدل على أدلة المحدثات فدليل الحق على الحق وجود الحق في عين وجود الممكن للممكن من حيث ما هو وجوده وجود عين الحق لا من حيث إنه موجود عن الحق أو مفتقر إلى الحق فإن الممكن لا يفتقر إلا لأمر ممكن يعني أنه يمكن أن يحصل له ويمكن أن لا يحصل والافتقار إلى الممكن من الممكن محال والافتقار إلى الواجب بنفسه من الممكن في غير ممكن محال فلا افتقار لممكن ولا لواجب أصلا فالواجب الوجود غني على الإطلاق والممكن ليس بفقير لممكن على الإطلاق ولا لغير ممكن فإن تحصيل ما ليس بممكن لممكن محال فالحق لا يحصل منه في العبد شي‏ء ولا للعبد منه شي‏ء فالظاهر من الممكنات وأعيانها وجود الحق والممكنات باقية على أصلها من الإمكان لا تبرح أبدا فمعنى الاستفادة هي دلالة الحق بوجوده عليها لا دلالتها عليه فإنها لا تدل عليه أبدا فالناظر في هذه المسألة يتوهم أن الكون دليل على الله لكونه ينظر في نفسه فيستدل وما علم إن كونه ينظر راجع إلى حكم كونه متصفا بالوجود فالوجود هو الناظر وهو الحق فلو لم تتصف ذاته بالوجود فبما ذا كان ينظر فما نظر إلا الحق في الحق فانتج له الحق نفسه فقال عرفت الله بالله وهو مذهب الجماعة إذا ضربت الواحد في الواحد كان الخارج واحدا فافهم‏

(فصل بل وصل في التكتيف في الصلاة)

[أقوال الفقهاء في التكليف في الصلاة]

اختلف العلماء في وضع إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة فكرهها قوم في الفرض وأجازها في النفل ورأى قوم أنها من سنن الصلاة وهذا الفعل مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى في صفة صلاته أيضا أنه لم يفعل ذلك وقد ثبت أيضا أن الناس كانوا يؤمرون بذلك‏

(اعتبار ذلك عند أهل الله)

تختلف أحوال المصلي بين يدي ربه عز وجل في قيامه بحسب اختلاف ما يناجيه به فإن اقتضى ما يناجيه به التكتيف تكتف وإن اقتضى السدل وهو إرسال اليدين أرسلهما كما أنه إذا اقتضت الآية الاستغفار استغفر وإذا اقتضت الدعاء سأل وإذا اقتضت تعظيم الجناب العالي عظم وإذا اقتضت السرور سر وإذا اقتضت الخشوع خشع فهو بحسب‏

الصفحة 440 من الجزء 1

ما يناجيه به فلذلك ما ينبغي أن يقيد المصلي في مناجاته بصفة خاصة ولهذا قال بالتخيير في هذه المسألة من قال وكل هذه الهيئات جائزة وحسنة

(فصل بل وصل في الانتهاض من وتر صلاته)

[حكم الانتهاض من وتر الصلاة]

ذهبت طائفة أن المصلي إذا كان في وتر من صلاته أن لا ينهض حتى يستوي قاعدا واختار آخرون أن لا يقعد وإن انتهض من سجوده نفسه‏

(اعتبار أهل الله في ذلك)

المصلي بحسب ما يدعوه الحق إليه فإن دعاه وهو في حال سجوده إلى القعود قعد ثم ينهض وإن دعاه إلى النهوض نهض فهو بحسب ما يلقى إليه في نفسه وقد تقدم الكلام في الجلوس في الصلاة قبل هذا فلتجر على ذلك الاعتبار وأما الجلوس بين السجدتين فهو ليجمع في سجوده بين السجود عن قيام والسجود عن قعود فمن السجود عن الجلوس يقف منه على أسرار نزول الحق من العرش الذي استوى عليه سبحانه بالاسم الرحمن إلى السماء الدنيا فيكون العبد في حال جلوسه بين السجدتين يناجي الرحمن من حيث إنه استوى على العرش وفي سجوده من جلوسه يناجي الحق بالاسم الرب من حيث نزوله إلى عباده في الثلث الباقي من الليل فيتجلى له من هذه الأحوال ما يكون له به مزيد علوم مما تعطيه ما تتضمنه هذه الأحوال من الذكر والدعاء والهيئات كل على حسب شربه‏

(فصل بل وصل فيما يضع في الأرض إذا هوى إلى السجود)

[أيهما يضع المصلى إذا سجد]

اختلف الناس فيما يضع المصلي في الأرض إذا هوى إلى السجود هل يضع يديه قبل ركبته أم لا فذهب طائفة إلى وضع اليدين قبل الركبتين وذهب قوم إلى وضع الركبتين قبل اليدين‏

(اعتبار أهل الله في ذلك)

اليدان محل الاقتدار والركبتان محل الاعتماد فمن اعتمد على ربه مع الاقتدار الذي يجده من نفسه كالحلم مع القدرة قال بوضع الركبتين قبل اليدين ومن رأى أن اليدين محل العطاء والكرم ورأى قوله تعالى فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قدم اليدين على الركبتين ثم إن المعطي لا يخلو من إحدى حالتين إما أن يعطي وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمل الحياة وإما أن يعطي وهو من الثقة بالله والاعتماد على الله بحيث أن لا يخطر له الفقر والحاجة ببال لعلمه بأن الله أعلم بمصالحه فمن كانت هذه حالته قدم ركبتيه على يديه ومن كانت حركاته الشح يجاهد نفسه خشي الفقر وبذل المجهود من نفسه في العطاء قدم يديه على ركبتيه والساجد أي حال قدم من هاتين الحالتين فإن الأخرى تحصل له في سجوده ولا بد فمن اعتمد وتوكل حصل له صفة الجود والإيثار وجميع مراتب الكرم والعطاء ومن أعطى لله عن جبن وفزع أثمر له ذلك العطاء بهذه الحال التوكل والاعتماد على الله والذي رجح الشارع تقديم اليدين‏

(فصل بل وصل في السجود على سبعة أعظم)

[أقوال الفقهاء في كيفية السجود في الصلاة]

اتفق العلماء رضي الله عنهم على أنه من سجد على الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين فقد تم سجوده واختلفوا إذا سجد على وجهه ونقصه عضو من تلك الأعضاء هل تبطل صلاته أم لا فمن قائل تبطل ومن قائل لا تبطل ولم يختلفوا أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه واختلفوا فيمن سجد على جبهته دون أنفه أو على أنفه دون جبهته فمن قائل إن من سجد على جبهته دون أنفه جاز وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز ومن قائل إنه يجوز أن يسجد على أنفه دون جبهته وعلى جبهته دون أنفه ومن قائل إنه لا يجوز إلا أن يسجد عليهما معا

(و الاعتبار في ذلك)

السبع الصفات ترجع إليها جميع الأسماء الإلهية وتتضمنها وهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر فلو نقص منها صفة أو نسبة على الاختلاف الذي بينا في كونها نسبا أو صفات فقد بطل الجميع أي لم يصح كون الحق إلها وهذا اعتبار الذي لا يجيز الصلاة إلا بالسجود على السبعة الأعضاء فإنها للحضرة الإلهية بمنزلة الأعضاء لهذا الساجد والذي يقول إن الوجه لا بد منه بالاتفاق كالحياة من هذه الصفات التي هي شرط في وجود ما بقي من الصفات السبع أو النسب على الاختلاف الذي بينا فمن عالم يقول إن السمع والبصر راجعان إلى العلم وإن العلم يغني عنهما وإنهما للعلم مرتبتان عينهما المسموع والمبصر فهما من العلم تعلق خاص قال بجواز الصلاة إذا نقص عضو ما هذه الأعضاء مع‏

الصفحة 441 من الجزء 1

سجود الوجه كالحياة ولما كانت الحياة تقتضي الشرف والعزة لنفسها على سائر الصفات والأسماء لكون هذه الصفات في وجودها مشروطة بوجود الحياة وكانت العزة والحياة مرتبطتين كالشي‏ء الواحد مثل ارتباط الجبهة والأنف في كونهما عظما واحدا وإن كانت الصورة مختلفة فمن قال إن المقصود الوجه وأدنى ما ينطلق عليه اسم الوجه يقع به الاجتزاء أجاز السجود على الأنف دون الجبهة وعلى الجبهة دون الأنف كالذي يرى أن الذات هي المطلوبة الجامعة ومن نظر إلى صورة الأنف وصورة الجبهة ونظر إلى الأولى باسم الوجه فغلب الجبهة وإن الأنف وإن كان مع الجبهة عظما واحدا لم يجز السجود على الأنف دون الجبهة لأنه ليس بعظم خالص بل هو للعضلية أقرب منه إلى العظمية فتميز عن الجبهة فكانت الجبهة المعتبرة في السجود كذلك الحياة هي المعتبرة في الصفات وإن العزة وإن كانت لها بالإحاطة فإن العلم له الإحاطة أيضا فاشتركا فلم ير للعزة أثرا في هذا الأمر ومن قال لا بد أن يكون وجه الحق منيع الحمى عزيزا لا يغالب قال بالسجود على الجبهة والأنف معا ولما كان الأنف في الحس محل التنفس والتنفس هو الحياة الحيوانية كانت نسبته إلى الحياة أقرب النسب‏

[الأعضاء السبعة والصفات السبع ونظام العالم‏]

وبوجود هذه السبعة ثم نظام العالم وكان مألوها مربوبا ولم يبق في الإمكان حقيقة إمكانية تطلب أمرا زائدا على هذه السبعة فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه ليس في الوجود أكمل من الحق وكماله في ألوهته بهذه الصفات المنسوبة إليه سبحانه فلو انعدمت صفة واحدة من هذه الصفة أو نسبة لم تصح المرتبة التي أوجدت العالم ولم يكن للعالم وجود وقد وجد فالمرتبة موجودة فالكمال حاصل والارتباط معقول ولو ارتفع السبب لارتفع المسبب ولو زال المسبب من العقل لم يجد السبب من يظهر فيه أثره فيزول كونه سببا وكونه سببا إنما هو لذاته فينعدم السبب لانعدام المسبب من كونه سببا لا غير لا من حيث العين المنسوب إليها السببية فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ من ذاته وكلامنا إنما هو من كونه إلها فكلامنا في المرتبة لا في العين كما نتكلم في السلطان من كونه سلطانا لا من كونه إنسانا ولا فائدة في الكلام إلا في حقائق المراتب لأن بها يعقل التفاضل بين الأعيان يقول أبو طالب المكي رحمه الله إن الأفلاك تدور بأنفاس العالم وإذا أعطى الأمر ما في قوته بحيث لا يبقى عنده شي‏ء يعطيه هلك من كونه معطيا والمعتبر في بقاء العالم إنما هو عين جوهره الذي أظهرت كونه صورة ما فالصور لا يلزم من انعدام شي‏ء منها انعدام العالم من حيث جوهريته إلا أن لا تكون الصورة أصلا فيعدم العالم من حيث جوهره لانعدام جميع الصور ويتعلق بهذا الباب مسائل من الإلهيات كثيرة

(فصل بل وصل في الإقعاء)

[أصل عام يسرى في جميع مسائل الشرع‏]

أريد أن أعطى أصلا في هذه المسألة يسرى في جميع مسائل الشرع فنقول إن الشارع إذا أتى بلفظ ما فإنه يحمل ذلك اللفظ على ما هو المفهوم منه بالمصطلح عليه في لغة العرب إلى أن يخصص الشارع ذلك اللفظ بوصف خاص يخرجه بذلك الوصف عن مفهوم اللسان المصطلح عليه فإذا عين الشارع ما أراده بذلك اللفظ صار ذلك الوصف بذلك اللفظ أصلا فمتى ورد اللفظ به من الشارع فإنه يحمل على المفهوم منه في الشرع حتى يدل دليل آخر من الشرع أو من قرائن الأحوال أنه يريد بذلك اللفظ المفهوم منه في اللغة أو أمرا آخر بعينه أيضا هذا مطرد في جميع ما يتلفظ به الشارع ومثاله لفظة الوضوء والصلاة والصيام والحج والزكاة وأمثال هذا

[الإقعاء هيئته وحكمه في الصلاة]

ثم نرجع إلى ما نحن بسبيله فأقول إن الإقعاء المفهوم منه في اللغة إقعاء الكلب والقرد وصفته أن يجلس الرجل على أليتيه يفضي بهما إلى الأرض في الصلاة ناصبا فخذيه فهذه صفة الإقعاء إقعاء الكلب والسبع ولا خلاف اذكر بين العلماء أن هذه الهيئة ليست من صفات الصلاة وقد ورد النهي عن الإقعاء في الصلاة فنحن نحمله على الإقعاء المعروف في اللسان فإن خصصه الشرع بهيئة مخصوصة تخرجه عن المفهوم منه في اللسان منطوق بها وقفنا عندها ونعلم أن تلك الهيئة هي التي نهي عنها فقالت طائفة إن الإقعاء المنهي عنه هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين وأن يجلس على صدور قدميه وروى عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك لأنه كان يشتكي قدميه والثابت عن ابن عمر أن قعود الرجل على صدور قدميه ليس من سنة الصلاة وكان ابن عباس يقول الإقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هي سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم‏

(الاعتبار في ذلك)

هيأة الإقعاء هيأة المستوفز المحتفز وهكذا ينبغي أن يكون العبد مع الله في أحواله ولهذا قال ابن عباس الإقعاء سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم فإن العبد ينبغي‏

الصفحة 442 من الجزء 1

أن يكون على هيأة الاحتفاز من أجل ورود أوامر سيده عليه لا يغفل مراقبا لها حتى إذا وردت عليه وجدته متهيئا لقبول ما جاءته به فسارع إلى امتثالها ولهذه الحالة أثنى على من هذه صفته بقوله تعالى أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وهُمْ لَها سابِقُونَ فيهم قال ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ وكل من يطلب المسارعة في الأمور يكون حاله اليقظة والحضور والانتباه والاستيفاز والاحتفاز فاعلم ذلك فيخرج النهي عن الإقعاء في الصلاة أن لا يفعل من حيث التشبه بالكلاب والسباع في ذلك وليفعل ذلك من حيث إنه مشروع على الهيئة المعقولة المنقولة في الموطن المنقولة إلينا فإنه من صفة الإقعاء اللغوي أن تكون يداه في الأرض كما يقعى الكلب وليس هذا في الهيئة المشروعة في الإقعاء فلهذا قد ذكرنا من أفعال الصلاة وأقوالها ما يجري مجرى الأصول لما يتفرع منها

(فصل بل وصل في ذكر الأحوال في الصلاة)

[احوال الصلاة بعد ذكر أفعالها وأقوالها]

وبعد أن ذكرنا أكثر الأقوال والأفعال في الصلاة فلننتقل إلى الأحوال مثل صلاة الجماعة وحكمها وشروط الإمامة ومن أولى بالتقديم وأحكام الإمام الخاصة به ومقام الإمام من المأموم وأحكامهم الخاصة بهم وما يتبع المأموم فيه الإمام مما ليس يتبعه فيه وصفة الاتباع وما يحمله الإمام عن المأموم والأشياء التي بها إذا فسدت صلاة الإمام تعدت إلى المأموم على حسب ما فصلته الأئمة من علماء الشريعة واختلاف العلماء في ذلك ونذكر اعتبارات ذلك كله عند العلماء بالله بحسب ما يقتضيه الطريق إلى الله في أعمال القلوب والأسرار فإن هذا الطريق عند أصحاب الذوق ما هو طريق نقل فلنذكر أولا قبل ذكر هذه الأحوال حديثين مما يتعلق بأقوال الصلاة وأفعالها التي في الفصل قبل هذا فهما كالخاتمة له وإنما جعلتهما في فصل الأحوال لحاجة في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الحديث الواحد في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة للرجل الذي سأله أن يعلمه كيف يصلي والحديث الثاني في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما

[تعليم النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم الصلاة]

أما الحديث الأول‏

فهو حديث البخاري عن أبي هريرة وذكر حديث الرجل الذي دخل المسجد وصلى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجع فصل فإنك لم تصل فقال الرجل علمني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم اجلس حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها وله في طريق أخرى ثم ارفع حتى تستوي قائما يعني من السجدة الثانية

وقال علي بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع في هذا الحديث إن الرجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا أدري ما عبت علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ويغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله ويحمده ويمجده ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيسر ثم يكبر ويركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده ويستوي قائما حتى يأخذ كل عظم مأخذه ويقيم صلبه ثم يكبر فيسجد ويمكن وجهه من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يكبر فيرفع رأسه ويستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك خرجه النسائي‏

وهذا أبين وقال النسائي في طريق آخر عن رفاعة أيضا فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منها شيئا انتقص من صلاتك ولم تذهب كلها وقال في أوله إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم ثم كبر قال أبو عمر بن عبد البر هذا حديث ثابت‏

[صفة صلاة رسول الله ص‏]

الحديث الثاني وأما الحديث الثاني فهوالذي خرجه أبو داود في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة قال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فلم فو الله ما كنت بأكثرنا له تبعا ولا أقدمنا له صحبة قال بلى قالوا فأعرض قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى بقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل فلا ينصب رأسه ولا يقنع ثم يرفع رأسه ويقول‏

الصفحة 443 من الجزء 1

سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلا ثم يقول الله أكبر ثم يهوى إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ويسجد ثم يقول الله أكبر ثم يرفع ويثني رجله اليسرى ويقعد عليها حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك ثم إذا قام من الركعتين كبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر قالوا صدقت هكذا كان يصلي صلى الله عليه وسلم‏

وقال أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي في هذا الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه وقال في الرفع من الركوع اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا وكذلك بين السجدتين وزاد في آخره ثم سلم‏

وقال هذا حديث حسن صحيح وهذا ابتداء فصول الأحوال إن شاء الله نذكرها فصلا فصلا

(فصول الأحوال)

(فصل بل وصل في ذكر ما وقع من الاختلاف في صلاة الجماعة واختلفوا في صلاة الجماعة هل هي واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة)

[حكم صلاة الجماعة عند الفقهاء]

فمن قائل إنها سنة ومن قائل إنها فرض على الكفاية ومن قائل إنها فرض متعين على كل مكلف‏

(الاعتبار في ذلك)

لما شرع الله للمصلي أن يقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ بنون الجمع دل على أنه مطلوب بكل جزء منه بالصلاة معا في حال واحد ولهذا سميت التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام أي يحرم على العبد في صلاته أن يتصرف بعضو من أعضائه فيما ليس من الصلاة وكل ما أبيح له من الفعل فيها فهو من الصلاة ولكن لا من صلاة كل مصل إلا لمصل عرض له في صلاته من ذلك شي‏ء ففعله وهي أمور منصوصة عليها وكل فعل يجوز أن يفعل في الصلاة فهو صلاة لأن الشارع عينها فلا تبطل الصلاة بفعل شي‏ء منها فحضور جماعة العبد مع الله تعالى في الصلاة واجب بلا شك فعلى كل عضو من أعضائه في الصلاة صلاة وأقل ما ينطلق عليه اسم الجماعة اثنان يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ووصف نفسه بأنه يصلي علينا وقد أدخل نفسه مع العبد في الصلاة وكل يصلي مع ربه بلا شك فهو في جماعة بلا شك ويكون الحق إماما والعبد مأموما لأنه هو الذي يقيمه ويقعده ويكون العبد إماما في المناجاة فإن الله جعل ابتداء القول إليه فما ثم مصل فذا فإن غاب عن الحضور مع الله في هذه الصلاة فقد انفرد في هذه العبادة بنفسه دون ربه وهذا هو الفذ في الاعتبار وهو على هذا وإن كان في جماعة من عالمه فهو في حكم الفذ والفذ الآخر أن يفرد الصلاة للرب لغلبة مشاهدته إياه وفنائه عن نفسه فلا يشهد نفسه مصليا مع شهود وقوع الصلاة منه بربه فهذا أيضا يلحق بصلاة الفذ فإذا كوشف العبد على كل جزء منه في صلاته أنه مسبح بحمد ربه في صلاته وكل جزء فإن عن نفسه بشهوده فهو من حيث ما هو مجموع في جماعة فله أجر الجماعة وله أجر الفذ بكل جزء منه بالغا ما بلغت أجزاؤه فإن شئت قلت إنه صلى فذا وإن شئت قلت إنه صلى في جماعة والحق الإمام ثم إن من العارفين من يقيمه الحق في مقام الإمامة ويكون الحق مأموما وذلك مثل‏

قوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يمل حتى تملوا

فهو يجري معك ما دمت تجري معه وهو قوله تعالى من هذا الباب فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وقوله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم‏

فهذا معنى الإمام والمأموم فهو سبحانه قدمك في هذا الموضع وأمثاله ومثل أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ومثل إمامته بك فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي في دعائه إياهم ثم يدعونه اقتداء بدعائه فيجيبهم بإجابتهم إياه فانظر ما أكرم هذا الرب مع الغني المطلق الذي وصف به نفسه كيف ربط نفسه بعبده في جميع ما أمره به من العبادة ذلك هو الفضل المبين‏

(فصل بل وصل فيمن صلى وحده ثم أدرك الجماعة أو صلى في جماعة ثم إنه أدرك جماعة أخرى)

[حكم صلاة الفرد والجماعة]

اعلم أنه من صلى ثم أتى المسجد فلا يخلو من أحد وجهين إما أن صلى منفرد أو في جماعة فإن كان صلى منفردا يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط وقالت طائفة يعيد إلا المغرب والعصر وقالت طائفة إلا المغرب والصبح ومن قائل إلا الصبح‏

الصفحة 444 من الجزء 1

والعصر وقالت طائفة يعيد الصلوات كلها وأما إذا صلى في جماعة فهل يعيد في جماعة أخرى فمن قائل يعيد ومن قائل لا يعيد وأما مذهبنا في مثل هذه المسألة أن الجماعة فرض إذا قدر عليها فإن لم يقدر عليها فيصلي منفردا فإن أدرك الجماعة ولو كان صلى في جماعة فإنه يصلي مع الجماعة إذا أدركها إجابة لندائه في الإقامة حي على الصلاة وهي له نافلة في الحالتين وله أجر الجماعة إذا لم يقدر عليها

(وصل في اعتبار ذلك في النفس)

[الاعتبار في إعادة الصلاة]

لما عين الشارع المناجاة للصلاة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه وجعلت قرة عيني في الصلاة أعلاما بأنه من أهل مشاهدة الحق فيها على وجه أتم من مشاهدة الاتباع في‏

قوله في الإحسان أن تعبد الله كأنه تراه‏

وما خص عبادة من عبادة والله يقول إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وهم الذين يكثرون الرجوع إليه سبحانه في كل حال يرضيه ولا حال أشرف من الصلاة لجمعها بين الشهود والمناجاة وقال ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ والطهارة من شروط الصلاة والمحب يتمنى ويشتهي أنه لا يزال في مشاهدة محبوبه على الدوام ومناجاته فكيف إذا دعاه الحبيب إلى ذلك بقوله حي على الصلاة قد قامت الصلاة فبالضرورة يبادر ويسابق إلى ما دعاه ليلتذ بشهوده ومناجاته فيرى من هذا حاله إعادة الصلوات في الجماعة متى أقيمت ودعي إليها وإن كان قد صلى منفردا أو في جماعة وقد بينا معنى الفذ والجماعة في الفصل الذي قبل هذا

[الاعتبار في عدم إعادة الصلاة]

وأما من ذهب إلى أنه لا يعيد الصلاة فهم العارفون كما إن الذين يرون الإعادة هم المحبون وذلك أن العارفين علموا إن الإعادة محال وأن التجلي الذي كان له في صلاته غير التجلي الذي يكون له في الصلاة الأخرى إلى ما لا يتناهى فلما استحال عنده التكرار والإعادة للاتساع الإلهي لم تصح عنده الإعادة فالمحب يصلي معيدا وهو لا يعلم والعارف يصلي لا على جهة الإعادة وهو يعرف فالعلم أشرف المقامات والحب أشرف الأحوال والجامع بين المقامين المحبة والمعرفة يقول بالإعادة للتجلي وبعدم الإعادة للمتجلي له فله الأولية في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا

[الاعتبار في عدم الإعادة في صلاة المغرب‏]

وأما من لا يرى إعادة المغرب فإن المغرب وترية العبد والوتر الليلي وترية الحق فإن وتر الليل ركعة واحدة والأحدية له تعالى وجل ووترية المغرب ثلاث ركعات فجمع بين الشفع والوتر وهو أول الأفراد وإن الله وتر يحب الوتر فلا يرى العبد ربه من حيث شفعيته وإنما يراه من حيث وترية الفردية ولله وترية الفردية في كونه إلها ووترية الأحدية من كونه ذاتا وإذا رأى العبد ربه من حيث وتريته الإلهية الفردية من تلك الوترية الإلهية الفردية يرى وترية الذات الأحدية لا من جهة وترية العبد الفردية فلم ير الله إلا بالله فلو أعاد المغرب لصارت وترية العبد شفعا فلم يكن يرى ربه وترا أبدا فقال بترك الإعادة للمغرب دون غيرها من الصلوات ومن قال بإعادة المغرب قال يعيدها بوترية الفردانية الإلهية لا بوتريته فتبقى وتريته على فرديتها لا تصير شفعا بإعادة صلاة المغرب فإن الحق متميز عن الخلق بلا شك من كل وجه‏

[الاعتبار في عدم إعادة صلاتي الصبح والعصر]

وأما من لم ير إعادة الصبح فإن الصبح الأول عين الفرض وكذلك العصر والصبح الثاني والعصر الثاني هما نافلة والإنسان في أداء الفرض عبد محض عبودية اضطرار وهو في النفل عبد اختيار وعبودية الاضطرار أشرف في حقه من عبودية الاختيار لأن له في عبودية الاختيار الامتنان بالاسترقاق قال تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ولما شبه الحق رؤية العباد إياه برؤيتهم الشمس صار للشمس عندهم مزيد رتبة ولا سيما للمحبين لكون الحبيب ضرب برؤيتها المثل في رؤيته في التشبيه فهم إذا رأوها كأنهم يرون الله لأن رؤيتهم إياها تذكرهم ما وعدهم الله به من رؤيته فيريدون أن لا تطلع الشمس عليهم إلا وهم موصوفون بعبودية الاضطرار ولا تغرب عليهم الشمس إلا وهم أيضا في عبودية الاضطرار كما يريدون رؤية الله في حال الاضطرار والعبودية المحضة فإن لذتها أتم وأحلى كما إن رؤيتها أعم وأجلي ولتكون الشمس في غروبها وطلوعها تقول لربها تركناهم عبيد اضطرار وأتيناهم وهم عبيد اضطرار كما تقول الملائكة الذين يعرجون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيسألهم الحق جل جلاله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون فلا تنصرف عنهم الملائكة الذين كانوا معهم ولا تأتيهم الملائكة الأخر إلا عند شروعهم في الصلاة سواء قاموا إليها في أول الوقت أو في آخره كل إنسان لا تنصرف عنه ملائكته إلا كما قلنا ولهذا عند أهل الايمان وأهل‏

الصفحة 445 من الجزء 1

الكشف إن المصلي إذا أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام في صلاة الصبح والعصر يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لأنهم في ذلك الوقت تنصرف عنهم الملائكة الذين كانوا فيهم وترد عليهم الملائكة الذين يأتون إليهم وهم عند إتيانهم يسلمون على العبد وعند انصرافهم يسلمون أيضا والله قد أمرنا بقوله وإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها فوجب على كل مؤمن عند حق إيمانه وحقيقته أن يرد في ذلك الوقت السلام عليهم وإلا فهو طعن في إيمانه إن حضر مع هذا الخبر ونذكره في ذلك الوقت وأما صاحب الكشف فهو على علم عين والمؤمن على بصيرة ومن استثنى العصر دون الصبح رأى أنه لا يستقبل الغيب إلا بعبودية الاضطرار لأن الغيب الأصل وهو هوية الحق ولا يفارق الغيب الهوية قال والصبح خروج من الغيب إلى الشهادة فلا أبالي بالشهادة على أية حالة كنت من العبودية من اضطرار واختيار لأن الفرض الوقوف في العبودية وأن الشهادة محل الدعوى لأنه محل الحركة والمعاش ورؤية الأغيار وحجابيات الأفعال ومن استثنى الصبح دون العصر قال أريد أن استقبل الاسم الظاهر بعبودية الاضطرار ولا أبالي باستقبال الليل بأي عبودية استقبلته بعبودية الاضطرار ولا بعبودية الاختيار ولهذا

تنفل بعد العصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تنفل بعد الصبح فقط

وذلك أن هذا الذي مذهبه التنفل بعد العصر إن شاء يقول الليل له الغيب وله الاسم الباطن وله من القوة بحيث إنه يجعلني مضطرا شئت أم أبيت وليس النهار كذلك فإن استقبلته بعبودية الاختيار فهو يحكم على سلطانه ويردني مضطرا فكل طائفة راعت أمرا ما في الاعتبار في الصلوات التي لا ترى إعادتها إذا صلتها وقد تقدم معرفة المنفرد والجماعة

(فصل بل وصل فيمن أولى بالإمامة)

[أقوال الفقهاء فيمن أولى بالإمامة]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب‏

فقالت طائفة أفقههم لا أقرؤهم فهذه مسألة خلاف بين أصحاب هذا القول وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني سألت القائلين بهذا المذهب هل بلغكم هذا الحديث فاعترفوا فقالوا رويناه وعلمناه وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول ولا حجة للقائلين بخلاف ما قاله ولا سيما

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذا الحديث فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ففرق بين الفقيه والقارئ وأعطى الإمامة للقارئ ما لم يتساويا في القراءة فإن تساويا لم يكن أحدهما أولى بالإمامة من الآخر فوجب تقديم العالم الأعلم بالسنة وهو الأفقه ثم قال عليه السلام فإن كانوا في العلم بالسنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه‏

وهو حديث متفق على صحته وبه قال أبو حنيفة وهو الصحيح الذي يعول عليه وأما تأويل المخالف للنص بأن الأقرأ كان في ذلك الزمان الأفقه فقد رد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم فأعلمهم بالسنة واعلم أن كلام الله لا ينبغي أن يقدم عليه شي‏ء أصلا بوجه من الوجوه فإن الخاص إن تقدمه من هو دونه فليس بخاص وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته وهم الذين يقرءون حروفه من عجم وعرب وقد صحت لهم الأهلية الإلهية والخصوصية فإذا انضاف إلى ذلك المعرفة بمعانيه فهو فضل في الأهلية والخصوصية لا من حيث القرآن بل من حيث العلم بمعانيه فإن انضاف إلى ذينك إلى حفظه والعلم بمعانيه العمل به فنور على نور على نور فالقارئ مالك البستان والعالم كالعارف بأنواع فواكه البستان وتطعيمه ومنافع فواكهه والعامل كالآكل من البستان فمن حفظ القرآن وعلمه وعمل به كان كصاحب البستان علم ما في بستانه وما يصلحه وما يفسده وأكل منه ومثل العالم العامل الذي لا يحفظ القرآن كمثل العالم بأنواع الفواكه وتطعيماتها وغراستها والآكل الفاكهة من بستان غيره ومثل العامل كمثل الآكل من بستان غيره فصاحب البستان أفضل الجماعة الذين لا بستان لهم فإن الباقي يفتقرون إليه‏

(وصل) في اعتبار ذلك [الأحق بالإمامة من الوجهة الباطنية]

الأحق بالإمامة من كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه وسائر قواه فإن كانوا في هذه الحالة سواء فأعلمهم بما تستحقه الربوبية فإن كانوا في العلم بذلك سواء فاعرفهم بالعبودية ولوازمها وليس وراء معرفة العبودية حال يرتضى يقوم مقامه أو يكون فوقه لأنهم لذلك خلقوا قال تعالى وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ والإمامة على الحقيقة إنما هي لله الحق تعالى جل جلاله وأصحاب هذه الأحوال‏

الصفحة 446 من الجزء 1

إنما هم نوابه وخلفاؤه ولهذا وصفهم بصفاته بل جعل عينه عين صفاتهم فهو الإمام لا هم‏

[أصحاب الأمر على الحقيقة]

قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله وقال تعالى من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله وقال أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ أي أصحاب الأمر وأصحاب الأمر على الحقيقة هم الذين لا يقف لأمرهم شي‏ء لأنهم بالله يأمرون كما به يسمعون كما به يبصرون فإذا قالوا الشي‏ء كن فإنه يكون لأنهم به يتكلمون فهذا معنى وأولي الأمر منكم في الاعتبار ولهذا كانت طاعة السلطان واجبة فإن السلطان بمنزلة أمر الله المشروع من أطاعه نجا ومن عصاه هلك‏

(فصل بل وصل في إمامة الصبي غير البالغ)

[أقوال الفقهاء في إمامة الصبي إذا كان قارئا]

إذا كان قارئا اختلفوا في إمامة الصبي غير البالغ إذا كان قارئا فأجاز ذلك قوم مطلقا ومنع من ذلك قوم مطلقا وأجازه قوم في النفل دون الفريضة

اعتبار الأمر في ذلك‏

يقال صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه لما كان الصبي يميل إلى حكم الطبيعة ونيل أغراضه سمي صبيا أي مائلا إلى شهواته وهو غير البالغ حد العقل الذي يوجب التكليف وكانت الطبيعة في الرتبة دون العقل فلم يصح لها التقدم ولا لمن مال إليها وإن كان مائلا إليها بحق فإن لها مقام التأخر فلا بد أن يتأخر والمتأخر لا يكون إماما مقدما فإنه نقيض حكم ما هو فيه فمن راعى هذا الاعتبار لم يجز إمامة الصبي وإن كان قارئا ومن راعى كونه حاملا للقرآن جعل الإمامة للقرآن لا للصبي وكانت إمامة الصبي في حكم التبعية لأجل القرآن فأجاز إمامة الصبي قال تعالى وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يعني حكم الإمامة وقالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ من كانَ في الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وهو مقام الإمامة مع تسميته صبيا ومن جعل عبودية الصبي عبودية اختيار لسقوط التكليف عنه ورأى أن النافلة عبادة اختيار أجاز صلاة الصبي إماما في النفل دون الفرض للمناسبة في الاختيار

(فصل بل وصل في إمامة الفاسق)

[حكم إمامة الفاسق من الوجهة الشرعية]

فردها قوم بإطلاق وأجازها قوم بإطلاق وفرق قوم بين الفاسق المقطوع بفسقه وبين المظنون فسقه فلم يجيزوا الإمامة للمقطوع بفسقه وأن المصلي وراءه يعيد واستحبوا الإعادة لمن صلى خلف المظنون فسقه في الوقت وفرقوا أيضا بين من يكون فسقه بتأويل وبين من يكون بغير تأويل فأجازوا الصلاة خلف المتأول ولم يجيزوها لغير المتأول وبالإجازة على الإطلاق أقول فإن المؤمن ليس بفاسق أصلا إذ لا يقاوم الايمان شي‏ء مع وجوده في محل العاصي‏

(الاعتبار في ذلك) [اعتبار إمامة الفاسق من الوجهة الباطنية]

الفاسق من خرج عن أصله الحقيقي وهو كونه عبدا لأنه لهذا خلق فإنه لا بد أن يكون عبدا لله أو عبدا لهواه فما برح من الرق فلم يبق خروجه إلا عن الإضافة التي أمر أن ينضاف إليها فتجوز إمامته لأن الموفق من عباد الله يأتم بهذا الفاسق فإنه يراه قائما بعبوديته في حق هواه الذي فيه شقاؤه فيتعلم منه استيفاء حق العبودية التي أمره الله أن يكون بها عبدا له فيقول أنا أولى بهذه الصفة في حق الله من هذا العبد في حق هواه فلما رأينا أولياء الله يأتمون به وينفعهم ذلك عند الله ويكون هذا الاقتداء سببا في نجاتهم صحت إمامته وقد صلى عبد الله بن عمر خلف الحجاج وكان من الفساق بلا خلاف المتأولين بخلاف فكل من آمن بالله وقال بتوحيد لله في ألوهته فالله أجل أن يسمى هذا فاسقا حقيقة مطلقا وإن سمي لغة لخروجه عن أمر معين وإن قل والمعاصي لا تؤثر في الإمامة ما دام لا يسمى كافرا وأما الفسق المظنون فبعيد من المؤمن إساءة الظن بحيث أن يعتقد فسوق زيد بالظن لا يقع في ذلك مؤمن مرضي الايمان عند الله وهذا كله في الأحوال الظاهرة وأما الباطنة فذلك إلى الله أو من أعلمه الله ثم يرتقي العارف بالنظر في الفسوق مما يذمه الشرع إلى ما تعطيه اللغة ولكن في الاعتبار لا في الحكم الظاهر وهو إذا خرج الإنسان عن إنسانيته بخروجه عن حكم طبيعته عليه إلى عالم تقديسه من الأرواح العلا فهل تصح له إمامة هنالك أم لا فمن أصحابنا من قال تصح إمامته بالعالم الأعلى على الإطلاق وهو مذهبنا ومن أصحابنا من قال لا يؤم إذا خرج عن حكم طبيعته إلا بالأرواح المفارقة للأجسام الطبيعية من الجن والإنس وسبب اختلافهم أن كل صاحب كشف أخبر عما رأى في كشفه في ذلك الوقت والمكاشف قد يطلع وقتا على الأمر من جميع جهاته وقد يطلع على بعض وجوهه ويستر الله عنه ما شاء من وجوه ذلك الأمر فيحكم المكاشف على الكل فيكون صحيح الكشف مخطئا في تعميم الحكم ثم يرى أنه من حيث روحه من جملة

الصفحة 447 من الجزء 1

الأرواح الملكية فيقول وإن خرجت عن طبيعتي فلم أخرج عن ملكيتي لما في من عالم الأمر فيطلب النفوذ والخروج أيضا عن روحه كما خرج عن طبيعته فيخرج بسره الرباني فتقوم له الأسماء الإلهية فيؤم بها نحو خالقه وهو يقدمها فكل اسم له حقيقة وهذا العبد مجموع تلك الحقائق كلها فتصح له الإمامة في ذلك الموطن مع خروجه عن طبيعته وروحه وما من موطن يخرج عنه إلا ويلحقه فيه ذم من طائفة لأن تلك الطائفة ترى في هذا العبد أنه متعبد بمجموعه وهو الصحيح فتسميه فاسقا ولكن يعذر فإن السلوك يعطي التحليل حتى ينتهي فإذا انتهى يتركب طورا بعد طور كما يتحلل حتى يكمل فيزول عنه اسم الفسوق في كل عالم فهذا اعتبار إمامة الفاسق‏

(فصل بل وصل في إمامة المرأة)

[حكم إمامة المرأة من الوجهة الشرعية]

فمن الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء وبه أقول ومنهم من منع إمامتها على الإطلاق ومنهم من أجاز إمامتها بالنساء دون الرجال‏

(الاعتبار في ذلك)

شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض النساء بالكمال كما شهد لبعض الرجال وإن كانوا أكثر من النساء في الكمال وهو النبوة والنبوة إمامة فصحت إمامة المرأة والأصل إجازة إمامتها فمن ادعى منع ذلك من غير دليل فلا يسمع له ولا نص للمانع في ذلك وحجته في منع ذلك يدخل معه فيها ويشرك فتسقط الحجة فيبقى الأصل بإجازة إمامتها اعلم أن الإنسان عالم في نفسه كبير من جهة المعنى وإن كان صغير الحجم ولهذا يقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ بنون الجمع وجعل جوارحه وقواه الظاهرة والباطنة منقادة لما يحكم فيها المقدمون عليها وهو العقل والنفس والهوى وكل واحد منهم قد يؤم بالجماعة في وقت ما فالطاعات كلها المقربة للعقل والمباحات للنفس والمخالفات للهوى وقد قيل للعقل إذا سئمت النفس من اتباعك في الأمور المقربة واقتدائها بك في وقت إمامتك وتقدمت هي في المباحات وأمت بك فاتبعها وصل خلفها حافظا لها لئلا يخدعها الهوى فإن الهوى يتبعها في ذلك الحال عسى يوقع بها في محظور ففي مثل هذا الموطن تجوز إمامة النفس وهي إمامة المرأة وإمامة العقل بمنزلة إمامة الرجل المسلم البالغ العالم الولد الحلال وإمامة الهوى بمنزلة إمامة المنافق والكافر والفاسق وإمامة النفس بمنزلة إمامة المرأة

(فصل بل وصل في إمامة ولد الزنا)

[حكمم إمامة ولد الزنا من الوجهة الشرعية]

اختلفوا في إمامة ولد الزنا فمن مجيز إمامته ومن مانع من ذلك‏

(الاعتبار في ذلك)

ولد الزنا هو العلم الصحيح عن قصد فاسد غير مرضي عند الله فهو نتيجة صادقة عن مقدمة فاسدة فالإنسان وإن طلب العلم لغير الله فحصوله أولى من الجهل فإنه إذا حصل قد يرزق صاحبه التوفيق فيعلم كيف يعبد ربه فتجوز إمامة ولد الزنا وهو الاقتداء بفتوى العالم الذي ابتغى بعلمه الرياء والسمعة ليقال فأصل طلبه غير مشروع وحصول عينه في وجود هذا الشخص فضيلة

(فصل بل وصل في إمامة الأعرابي)

[حكم إمامة الأعرابي من الوجهة الشرعية]

اختلفوا في إمامة الأعرابي فمن مجيز إمامته ومن مانع من ذلك‏

(الاعتبار في ذلك)

الجاهل بما ينبغي للإمام أن يعلمه لا يصلح للامامة لأن الإمام يقتدى به وهو لا يعلم ولا يتعلم فلا تجوز إمامة من هذه صفته لأنه لا يعلم ما يجب عليه مما لا يجب فالمقتدي به ضال وليس هو بمنزلة صلاة المفترض خلف المتنفل فإن الإمام إذا تنفل وخالف المأموم في نيته فما خالفه فيما هو فرض في الصلاة نافلة كانت أو فريضة لأنها تشتمل على فروض وسنن فاركانها فروض كلها وسننها كذلك في النافلة والفريضة فما فعل المتنفل الذي هو الإمام في صلاته إلا ما تفرض عليه أن يفعله من أركان صلاته من ركوع وسجود وغير ذلك وكذلك سننها والمفترض مقتد به في هذه الأفعال التي هي فرض عليهما فعلها فما اقتدى الذي نوى الفرض خلف المتنفل إلا بما هو فرض على المتنفل فاعلم ذلك‏

(فصل بل وصل في إمامة الأعمى)

[حكم إمامة الأعمى من الوجهة الشرعية]

فمن مجيز إمامة الأعمى ومن مانع إمامته والله أعلم‏

(اعتبار ذلك)

الأعمى هو الحائر الذي هو في محل النظر لم يترجح عنده شي‏ء وليس بواقف فيكون شاكا والأصل حكم الفطرة التي ولد عليها فهو مؤمن في حال نظره وحيرته ما لم يقف أو يرجح فتجوز إمامته بأصل الفطرة لاستنابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس وهو أعمى‏

الصفحة 448 من الجزء 1

(فصل بل وصل في إمامة المفضول)

[حكم إمامة المفضول من الوجهة الشرعية]

اختلف العلماء في إمامة المفضول فمنهم من أجازها ومنهم من منع من ذلك‏

صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف بلا خلاف وقضى ما فاته وقال أحسنتم‏

(اعتبار ذلك)

الفاضل يصلي خلف المفضول ليرقى همته ويرغبه في طلب الأنفس والأعلى سياسة وحسن تربية فإنه داع إلى الله تعالى على بصيرة إن الله يفتح للكبير بصدق توجه الصغير فالصغير مفيد الكبير وإمامه من حيث لا يشعر وكم من مريد صادق وقعت له واقعة وهو معتنى به فعرضها على الشيخ وقد كان الشيخ ما عنده معنى تلك الواقعة وقد استفرغت همة المريد وقطعت إن واقعته لا يعرف حل أشكالها إلا هذا الشيخ ففتح الله على ذلك الشيخ فيها بهمة ذلك المريد وصدقه فيه عناية من الله بالمريد وينتفع الشيخ تبعا وإن كان الشيخ أعلى منه في المقام ولكن ليس من شرط كل مقام إذا دخله الإنسان ذوقا أن يحيط بجميع ما يتضمنه من جهة التفصيل فإنا نعلم قطعا أنا نجتمع مع الأنبياء عليهم السلام في مقامات وبيننا وبينهم في العلم بأسرارها بون بعيد يكون عندهم ما ليس عندنا وإن شملهم المقام فهذه إمامة المفضول فافهم ولا تغالط نفسك فتقول أنا شيخ هذا فأنا أعلم منه بما تطلبه التربية وقد لا تكون أعلم منه بما تنتجه وقد رأينا ذلك معاينة في حق أشخاص والحمد لله انتهى الجزء الأربعون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(فصل بل وصل في حكم الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة هل يقول آمين أم لا يقولها)

[حكم التأمين في الصلاة من الوجهة الشرعية]

اختلف العلماء في ذلك فمن قائل يؤمن ومن قائل لا يؤمن‏

(وصل في الاعتبار في ذلك)

إن جعل الإنسان نفسه أجنبية عنه فإنه يخاطبها مخاطبة الأجنبي يقول الله تعالى ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ به نَفْسُهُ وهذا يجده كل إنسان ذوقا تقتضيه نشأته ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للإنسان المكلف إن لنفسك عليك حقا فأضاف النفس إليه والشي‏ء لا يضاف إلى ذاته فجعل النفس غير الإنسان وأوجب لها عليه حقا تطلبه منه فإن كان هو التالي فلا لنفسه عند فراغ الفاتحة آمين وإن كانت النفس التالية فلا بد أن يقول هو آمين والإنسان واحد العين كثير بالقوى ويؤيده قوله فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وبادرني عبدي بنفسه في القائل نفسه فمن كان هذا مشهده قال يؤمن الإمام والمنفرد ومن رأى أن الإمام عين واحدة أو يرى أنه قال بربه في قوله بي يسمع وبي يبصر وبي يتكلم وقد كان الشيخ أبو مدين ببجاية يقول ما رأيت شيئا إلا رأيت الباء عليه مكتوبة يشير إلى هذا المقام وهي تسمى باء الإضافة مثل قوله أيضا فمن كان مشهده هذا يقول لا يؤمن الإمام والتأمين أولى بكل وجه فإن المكلف مأمور إذا دعا أن يبدأ بنفسه وقوله آمين دعاء يقول اللهم أمنا بالخير وبما قصدناك فيه والإنسان بحكم حاله ومشهده وفي الحديث الثابت إذا أمن الإمام فآمنوا والحديث الآخر إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين‏

(فصل بل وصل متى يكبر الإمام)

[أقوال الفقهاء في وقت تكبير الإمام‏]

فمن قائل بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف ومن قائل قبل أن يتم الإقامة ومن قائل بعد قول المؤذن قد قامت الصلاة وبالتخيير أقول في ذلك‏

(الاعتبار) [في وقت تكبير الإمام‏]

الإقامة للقيام بين يدي الله تعالى فإنه يقول حي على الصلاة واستواء الصفوف مثل صفوف الملائكة عند الله تعالى الذين أقسم بهم في قوله والصَّافَّاتِ صَفًّا وهي إشارة إلى إقامة العدل فإن الإنسان بروحه ملك مدبر لما ولاة الله عليه من هذه النشأة الذي أشار إليه بالبلد الأمين لكونه أما جامعة مثل مكة التي هي أم القرى والفاتحة أم الكتاب فلا بد من فروض الأحكام لإقامة العدل في العبادات التي خوطب بها جماعة الجوارح فاجتماع الهم على ذلك واجب ظاهرا وباطنا فمن رأى مثل هذا يكبر بعد الإقامة واستواء الصفوف كأنه يقول الله أكبر من أن يتقيد تكبيره بمثل هذه الصفة لإحاطته إطلاقا بكل حال ووجه فإنه أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فإنه عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فلما كلف عباده بالمشي على صراط خاص عينه لهم كان من عدل إليه سعد ومن عدل عنه شقي ومن راعى المسارعة إلى‏

الصفحة 449 من الجزء 1

الخيرات والسباق إلى المناجاة كبر عند سماعه حي على الصلاة في الإقامة إلا أن يكون هو المقيم فلا يتمكن له حتى يفرغ من لا إله إلا الله وحينئذ يكبر وإنما قلنا يبادر بالتكبير الإقامة وهو قول المؤذن قد قامت الصلاة ليصدق المؤذن في قوله قد قامت الصلاة لأنه جاء بلفظ الفعل الماضي فيبني صلاته على قاعدة صدق فيفوز في الثواب ب مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ في جَنَّاتٍ ونَهَرٍ أي في ستور من علوم جارية واسعة كلما قلت هذا جاء غيره لأن النهر جار على الدوام بالأمثال‏

[الصلاة الإلهية والصلاة الكونية]

واعلم أن أول إقامة الصلاة تكبيرة الإحرام كعجب الذنب من إقامة النشأة فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة قبل تكبيرة الإمام لم يصدق وتجوز في الكلام وعلم الأذواق والأسرار لا يحمل التجوز في الكلام فإنه على الحقيقة والكشف يعمل وروح الإنسان ما هو بيده فلو قبض الإمام وقد قال المؤذن قد قامت الصلاة ولم يكبر الإمام لعلمنا أنه قبض مكذبا ولا ينفعه هنا

قوله صلى الله عليه وسلم إن الإنسان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة

ونحن في هذا الموطن بحكم الصلاة المنتظرة بالألف واللام ولا نشك أن العارفين في حركاتهم وسكناتهم في صلاة ومناجاة ولكن المطلوب منه في هذه الحالة الصلاة المشروع لنا إقامة نشأتها من تكبيرة الإحرام إلى التسليم وما بينهما ترتيب أعضاء نشأتها حتى تقوم خلقا سويا يشهدها ببصره من أنشأها ولا سيما من أنشأها بربه فإنها تخرج من أكمل النشآت ليس للنفس فيها حظ فهذه صلاة إلهية لا كونية ومن جعل الإقامة من المؤذن أو من نفسه من نفس إقامة نشأة الصلاة كبر بعد الإقامة وتكون الصلاة مشتركة في نشأتها إلا في حق المقيم بنفسه لا بالمؤذن فإنه لا فرق في أول إنشاء صورة الصلاة عنده من الإقامة إلا أن يكون المقيم الذي هو المؤذن والإمام يتصرفان بربهما على قدم فنائهما عن أنفسهما فقد تكون نشأة الصلاة نشأة إلهية ولكن لا تقوى في الصورة قوة الواحد لأن مزاج كل واحد من الشخصين يفارق الآخر والحق ما يتجلى إلا بحسب القابل اعلم أن العبد يقيم سره بين يدي ربه في كل حال فهو مصل في كل حال ففي أي وقت كبر من هذه الأوقات التي وقع فيها الخلاف بين علماء الرسوم فقد أصاب فإن الصلاة قد قامت فإن الله قرر حكم المجتهد شرعا منه كلفنا به ويخرج قوله حي على الصلاة في الإقامة خطابا للجوارح لتصرفها في غير تلك الأفعال الخاصة بهذه الحالة وخطابا للروح بل للكل بالخروج من حال هو فيه إلى حال أخرى أي أقبل عليها وإن كنت في صلاة فتكون من‏

الذين هم على صلاتهم دائمون‏

وعَلى‏ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ‏

(فصل بل وصل في الفتح على الإمام)

[حكم الفتح على الإمام من الوجهة الشرعية]

اختلف العلماء في الفتح على الإمام فمن قائل بالفتح عليه ومن قائل لا يفتح عليه ويركع حيث أرتج عليه ومن قائل لا يفتح عليه إلا إذا استطعم ومن قائل لا يفتح عليه إلا في الفاتحة وصاحب هذا القول يقول من فتح عليه في السورة فقد بطلت صلاة الفاتح‏

(وصل الاعتبار) [الفتح على الإمام من الوجهة الباطنية]

من قال بالخاطر الأول قال لا يفتح على الإمام وكذلك من قال بالوقت ومن قال بمراعاة الأنفاس وأما من قال بما سبقت به السابقة في أول الشروع وراعى ذلك الخاطر وجعل الحكم له فإن نوى عند ما شرع قراءة سورة أو آيات معلومات ثم ارتج عليه فله أن يتم ما نوى فيستطعم المأموم فيطعم المأموم ويفتح عليه إذا ارتج عليه وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي حين ارتج عليه يقول له لم لم تفتح علي لأن أبيا كان حافظا للقرآن‏

فراعى القصد الأول بالقراءة فأراد تمامه والإرتاج على العبد في الصلاة من أدل دليل على وجود عين العبد وأعني بوجود عينه ثبوته لأن ذلك ليس من صفات الحق فإن صلى بربه فينبغي للمصلي أن يكون مع الحق بحسب الوقت فلا ينظر إلى ماض ولا إلى مستقبل فلا يستفتح ولا يفتح عليه ولكن يركع حيث انتهى به ربه من كلامه فذلك الذي تيسر له من القرآن قال تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ من الْقُرْآنِ وقد فعل فلا ينبغي أن يكون لمخلوق في الصلاة أثر ينسب إليه وهو مذهب علي بن أبي طالب والجواز مذهب ابن عمر

(فصل بل وصل في موضع الإمام)

[أقوال الفقهاء في موضع الإمام‏]

اختلف العلماء في موضع الإمام فمن قائل بأنه يجوز أن يكون أرفع من موضع المأمومين ومن قائل بالمنع من ذلك وقوم استحبوا من ذلك اليسير ومذهبنا أي شي‏ء كان من ذلك جاز وارتفاع موضع الإمام أولى لأجل الاقتداء به على‏

الصفحة 450 من الجزء 1

التعيين‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

المناسبات في الأمور أولى من عدم المناسبات ومرتبة الإمامة أعلى من مرتبة المأموم فينبغي أن يكون في تلك المرتبة الأفضل والأعلى وينبغي أن يكون في موضعه أرفع لأنه في مقام الاقتداء به فلا بد أن يكون له الشرف على المأموم فإنه موضع للمأموم ولهذا سمي إماما فله حالتان وحالتان فالحالتان الأوليان أن يكون إماما مأموما معا في حال واحدة فيقتدي بأضعف المأمومين في صلاته فهو مأموم ويقتدي به المأموم في ركوعه وسجوده وجميع أفعاله فهو إمام والحالتان الأخريان حالة يسمى بها مصليا فهو مع ربه في هذه الحالة وهو إمام لغيره فله حالة أخرى فمن راعى كونه مصليا منع أن يكون له شفوف على المصلين وإن كثروا فإنهم أئمة بعضهم لبعض من الإمام إلى آخر الصفوف ومن راعى كونه إماما كان أولى أن يكون موضعه أرفع من المأموم فهو بحسب مشهده‏

(فصل بل وصل في نية الإمام الإمامة)

[حكم نية الإمام الإمامة من الوجهة الشرعية]

اختلف العلماء هل يجب للإمام أن ينوي الإمامة أم لا فمن قائل بوجوبها ومن قائل بأنها لا تجب وبه أقول وإن نوى فهو أولى‏

(وصل الاعتبار) [نية الإمام الإمامة من الوجهة الباطنية]

ينبغي للمصلي أن يكون له شغل بربه لا بغير ربه فإن الصلاة قسمها الله بينه وبين المصلي فليس له أن ينوي الإمامة ومن رأى أن قوله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين من غير نظر إلى التفصيل الوارد بعد هذا القول في قراءة أم القرآن أدخل حكم رعاية المأموم في هذا القول أي المصلي إذا كان إماما أو مأموما فإن الصلاة مقسومة بيني وبين عبدي نصفين فينوي التوجه إلي وينوي التوجه إلى القبلة وينوي القربة بهذه العبادة إلي وينوي الإمامة بالمأمومين وينوي المأموم بهذه العبادة القربة إلي وينوي الايتمام بالإمام وكل مصل بحسب ما يقع له ويشهده الحق في مناجاته‏

(فصل بل وصل في مقام المأموم من الإمام)

[أحوال المأموم مع الإمام ومقامه منه‏]

لا يخلو المأموم إما أن يكون واحدا أو اثنين أو أكثر من اثنين ولا يخلو ما أن يكون رجلا أو رجلين أو امرأة أو صبيا فأما المأموم إذا كان رجلا بالغا واحدا فإنه يقيمه عن يمينه فإن كان صبيا أقامه عن يمينه مثل الرجل وقيل عن يساره ليمتاز حكم الصبي من حكم الرجل فإن كان رجلين أقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وإن شاء أقامهما خلفه وإن كان رجلا وصبيا فحكمهما مثل حكم الرجلين فإن كان امرأة كانت خلف الإمام إذا انفردت فإن كان معها رجل واحد فالرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفه وإن كان أكثر من واحد مع وجود المرأة أقام الرجال خلفه والمرأة أو النساء خلف الرجال‏

(وصل الاعتبار) [مقام المأموم من الإمام من الوجهة الباطنية]

ورد في الأخبار الندب إلى التخلق بأخلاق الله‏

قال عليه السلام ما كان الله لينهاكم عن الربا ويأخذه منكم‏

وما من وصف وصف الحق به نفسه إلا وقد ندبنا إلى الاتصاف به وهذا معنى التخلق والاقتداء والائتمام وهذه الإمامة عينها فالإمام على الحقيقة هو الله تعالى والمأموم المخلوقون فلا يخلو الإمام أن ينظر نفسه واحدا من حيث أحديته وهو ما يختص به ويتميز عن كل من سواه مع الحق أو ينظر نفسه مع الحق من حيث شفعيته أو ينظر مع الحق من حيث فرديته وهو الثلاثة أعني ثالث اثنين أو ينظر نفسه من حيث إنه لم يكمل كما كمل غيره أو ينظر نفسه مع الحق من كونه مائلا إلى طبيعته وهو الصبي من صبا إذا مال أو ينظر نفسه مع الحق من كونه مائلا إلى طبيعته لا من حيث عقله فيكون بمنزلة المرأة فلا يخلو من أن يستحضر عقله مع طبيعته والحق تعالى في هذه الأحوال كلها إمام فاليمين للقوة وكلتا يديه يمين للقربة وإسقاط الحول والقوة والخلف للاقتداء والاتباع فانظر أيها المصلي بأي حال حضرت في صلاتك مما ذكرناه فقم به في المقام الذي بيناه من الإمام تكن قد أتيت بالصلاة المشروعة ولكن مشهودك الحق وإمامك من حيث ما وصفه الشارع لا من حيث ما دل عليه دليل العقل حتى تكون ذا دين في عقلك وعقدك عملك وإن لم تفعل انتقص من عبادتك على قدر ما أدخلت فيها من عقلك من حيث فكرك ونظرك‏

(فصل بل وصل في الصفوف وصل فيمن صلى خلف الصف وحده)

[تسوية الصفوف من الوجهة الشرعية]

أجمع العلماء على إن الصف الأول مرغب فيه وكذلك التراص وتسوية الصف إلا من شذ في ذلك فقال من قدر على الصف الأول ولم يصل فيه بطلت صلاته وكذلك التراص وتسوية الصفوف إذا لم يوجد بطلت الصلاة ولما ثبت الأمر

الصفحة 451 من الجزء 1

بذلك حمله بعض الناس على الندب وحمله بعض على الوجوب وهو الذي ذكرناه من أنه تبطل الصلاة بعدم هذه الصفة والذي أقول به إن الصلاة صحيحة وهم عصاة أما الصف الأول‏

فورد الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسابقة إليه ثم إنه قال فيه ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه‏

يريد الاقتراع وأما التسوية فإنهم دعوا إلى حال واحدة مع الحق وهي الصلاة فساوى في هذه الدعوة بين عباده فلتكن صفتهم فيها إذا أقبلوا إلى ما دعاهم إليه تسوية الصفوف لأن الداعي ما دعا الجماعة إلا ليناجيهم من حيث إنهم جماعة على السواء لا يخص واحد دون آخر فيجب أن يكونوا على السواء والاعتدال في الصف لا يتأخر واحد من الصف ولا يتقدم بشي‏ء منه يؤدي إلى اعوجاجه فإنهم يناجون من هذه الحيثية

[الإمام هو المقصود في النيابة عن الجماعة]

وينبغي أن تكون الصور الباطنة والهمم من المصلين متساوية في نسبة التوجه إلى الله تعالى والإخلاص له في تلك العبادة التي دعاهم إليها من حيث ما هم مصلون وإن الله لما اصطفى منهم واحدا سماه إماما ليناجيه عن الجماعة بما يحب أن يهبه للجماعة وجعله كالترجمان بين يديه وبين أيديهم مقبلا على ربهم فيجب على الجماعة السكوت والإنصات والانتظار لما يرد عليهم من سيدهم بوساطة ذلك الإمام ولهذا جاء في حديث جابر أن قراءة الإمام كافية عن الجماعة فإنه الذي قدمه الحق للمناجاة فلما كان الإمام هو المقصود في النيابة عن الجماعة وأمر الشرع أن يأتموا به في كل ما يفعله مما شرع له فعله وجب عليهم الإنصات والاقتداء بكل ما يفعله الإمام في صلاته‏

[التراص في الصف‏]

وأما التراص في الصف فهو أن لا يكون بين الإنسان وبين الذي يليه خلل من أول الصف إلى آخره وسبب ذلك أن الشياطين تسد ذلك الخلل بأنفسها وهم في محل القربة من الله تعالى فينبغي أن يكونوا في القرب بعضهم من بعض بحيث أن لا يبقى بينهم خلل يؤدي إلى بعد كل واحد من صاحبه فتكون المعاملة فيما بينهم من أجل الخلل نقيض ما دعوا إليه من صفة القربة فيتخلل تلك الخلل والفرج البعداء من الله لمناسبة البعد الذي بين الرجلين في الصف في الصلاة فينقصهم من رحمة القرب الذي للمصلي في الصف بقدر الخلل وبمرتبة ذلك الشيطان من البعد عن الله فإذا ألزقت المناكب بعضها ببعض انسد الخلل ولم تجد صفة البعد عن الله محلا تقوم به لأن الشيطان الذي هو محل البعد عن الله ليس هناك وإنما تفرح الشياطين بخلل الصف وتدخل فيه لما ترى من شمول الرحمة التي يعطي الله للمصلين فتزاحمهم في تلك الفرج لينا لهم من تلك الرحمة شي‏ء بحكم المجاورة من عين المنة لمعرفتهم بأنهم البعداء عن الله وما هم هؤلاء الشياطين الذين يوسوسون في الصلاة فإن أولئك محلهم القلوب فهم على أبواب القلوب مع الملائكة تلقي إلى النفس وتنكت في القلب ما يشغله عما دعي إليه ومن جملة ما تلقي إليه أن لا يسد الخلل الذي بينه وبين صاحبه لوجهين الوجه الواحد ليتصف بالمخالفة فيؤديه إلى البعد عن الله فإن الشيطان إنما كان بعده عن الله لمخالفته لأمر الله والوجه الثاني في حق أصحابهم من الشياطين ليتخللوا ذلك الخلل فتصيبهم رحمة المصلين فيناجي الإمام ربه ويناجيه ولهذا شرع كناية الجمع في مناجاة الصلاة وأن لا يخص الإمام نفسه في الدعاء دونهم فإنه لسان الجماعة فالمكاشف يشهد هذا كله ويأخذ عن الله مما يعطيه بوساطة هذا الإمام ما يأتي به الله وسواء كان ذلك الإمام قد وفي حق ما دعي إليه من الحضور مع الله أم لا فيتلقاه كل من هذه صفته من الله فيسعد الإمام بمثل هذا المأموم وأما غير المكاشف وغير الحاضر في الصلاة بقلبه إذا اجتمع هو والإمام في عدم الحضور كان الإمام من الأئمة المضلين فإن حضر الجماعة مع الله ما عدا الإمام كان الإمام ضالا وحده وإن سعد فبمن خلفه وإن حضر الإمام وحده ولم تحضر قلوب الجماعة في تلك الصلاة شفع الإمام في الجماعة كلها فإنه العين المقصودة من الجماعة فقد حصل المقصود

[المختار للإمامة ينبغي أن يكون من أهل الدين والخير]

ولهذا ينبغي أن يختار للامامة أهل الدين والخير والمشتغلين بالله وإن كانوا قليلين من العلم فهم أولى بالإمامة من العلماء الغافلين لأن المراد من المصلي الحضور مع الله فلا يحتاج من العلم المصلي من حيث ما هو مصل إلا أن يعرف أنه بين يدي ربه يناجيه بما يسر الله له من تلاوة كتابه لا غير ذلك فلا يبالي بما نقصه من العلم في حال صلاته حتى إن المصلي لو أحضر في مناجاته مبايعة ومسائل طلاق ونكاح لم يكن بينه وبين الغافل عن صلاته فرق وإنما يكون مع الله من حيث ما هو بين يديه في عبادة خاصة دعاه إليها يحرم عليه فيها في باطنه ما حرم عليه في ظاهره فكما لا ينبغي أن يلتفت بوجهه التفاتا يخرجه عن القبلة كذلك لا ينظر بقلبه إلى غير

الصفحة 452 من الجزء 1

من يناجيه وهو الله وكما لا يشتغل بلسانه بسوى كلام ربه أو ذكره الذي شرع له لا يصح فيها شي‏ء من كلام الناس كذلك يحرم عليه في باطنه كلامه النفسي مع من يشاريه أو يبايعه أو يتحدث معه في باطنه في نفس صلاته من أهل وولد وإخوان وسلطان سواء فلهذا لا يشترط في الإمام كثرة العلم وإنما الغرض ما يليق بهذه الحالة فإن اتفق أن يكون من هذه حالته من الدين والمراقبة والحياء من الله كثير العلم راسخا سيدا كان الأولى بالتقدم فإنه الأفضل ممن ليس له ذلك‏

[حكمة شرعية الصفوف في الصلاة]

فالصفوف إنما شرعت في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوفه بين يدي الله يوم القيامة في ذلك الموطن المهول والشفعاء من الأنبياء والمؤمنين والملائكة بمنزلة الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف فكم شخص يكون هنا مأموما من أهل الصفوف يكون غدا إماما أمام الصفوف ويكون إمامه الذي كان في الدنيا يصلي به مأموما غدا فيا لها من حسرة وصفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة عند الله كما قال تعالى والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وقال والْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وهو الإمام النائب عن الجماعة وأمرنا الحق أن نصف في الصلاة كما تصف الملائكة يتراصون في الصف وإن كانت الملائكة لا يلزم من خلل صفها لو اتفق أن يدخلها خلل أعني ملائكة السماء دخول الشياطين لأن السماء ليست بمحل للشياطين ولا بمكان وإنما يتراصون لتناسب الأنوار حتى يتصل بعضها ببعض فتنزل متصلة إلى صفوف المصلين فتعمهم تلك الأنوار فإن كان في صف للمصلين خلل دخلت فيه الشياطين أحرقتهم تلك الأنوار وكذلك يكونون في الكثيب في الزور العام يصفون كما يصفون في الصلاة فمن دخله خلل في صفه هنا وكان قادرا على سده بنفسه فلم يفعل حرم هنالك في ذلك الموطن بركته وإن لم يقدر على سده عمته البركة هناك وكل مصل بين رجلين فإنه ينضم إلى أحدهما ثم يجذب الآخر إليه فإن انجذب إليه كان وإلا كان الإثم على ذلك ويكون الواحد الذي ينضم إليه هو الذي يلي جانب الإمام ولا بد فإن كان في الصف الأول نقص وهو يراه وهو قادر على الوصول إليه ولا يمشي إلى الصف الأول حتى يتمه أعني يسد الخلل الذي فيه لم ينفعه تراصه في الصف الذي هو فيه جملة واحدة فإنه ما تعين عليه إلا الأول فاعلم‏

(فصل بل وصل في المصلي خلف الصف وحده)

[حكم المصلي خلف الصف وحده من الوجهة الشرعية]

اختلف الناس فيه فمن قائل بصحة صلاته ومن قائل بأنها لا تصح والذي أذهب إليه في حكم من هذه حالته فإنه لا يخلو إما أن يجد سبيلا إلى الدخول في الصف أو لا يجد فإن لم يجد فليشر إلى رجل من أهل الصف أن يختلج إليه فإن لم يختلج إليه لجهله بما له في ذلك عند الله من الأجر فإن صلاة هذا الرجل صحيحة فإنه قد اتقى الله ما استطاع ولا يستطيع في هذه الحالة أكثر من هذا فإن قدر على شي‏ء مما ذكرناه ولم يفعل فصلاته فاسدة فإن النبي عليه السلام أمر من كان صلى خلف الصف وحده أن يعيد وهو حديث وابصة بن معبد

(اعتبار ذلك في النفس)

القربات إلى الله لا تعلم إلا من عند الله ليس للعقل فيها حكم بوجه من الوجوه فإذا شرع الشارع القربات فهي على حد ما شرع وما منع من ذلك أن يكون قربة فليس للعقل أن يجعلها قربة ثم نرجع إلى مسألتنا فلا يخلو هذا المصلي وحده خلف الصف مع القدرة على ما قلناه إما أن يكون من أهل الاجتهاد ويكون حكمه بإجازة ذلك الفعل وصحة صلاته عن اجتهاد أو لا يكون عن اجتهاد فإن كان عن اجتهاد فالصلاة صحيحة وإن لم يكن عن اجتهاد وكان مقلد المجتهد في ذلك بعد سؤاله إياه فصلاته صحيحة وإن فعل ذلك لا عن اجتهاد ولا عن سؤال فصلاته فاسدة وهكذا في جميع القربات المشروعة كما صحت صلاة الإمام بين يدي الجماعة في غير صف صحت صلاة من هو خلف الصف وحده فإن لطيفة الإنسان واحدة العين ولا تصف صفوف الجوارح عند الصلاة ولا ينبغي أن يكون أمامها فإنها لا تقبل الجهة فما صلت إلا وحدها وظاهر الإنسان جماعة فهو في نفسه صف وحده فإن كل جزء منه مكلف بالعبادة والصلاة ولا ينفصل بعضه عن بعضه فهو صف وحده فإن اشتغل ببعض جوارحه فيما ليس من الصلاة كان له ذلك الاشتغال في صف ذاته كالخلل الداخل في الصف فبطريق الاعتبار ما صلى الإنسان من حيث جملته إلا في صف ومن حيث لطيفته وحده فإنها لا تقبل الصفوف لعدم التحيز وهذا على مذهب من يقول إنها غير متحيزة وأما من قال بتحيزها التحقت بجملة ذات المصلي فما صلى من هو في صف ومن‏

الصفحة 453 من الجزء 1

هو في غير صف إلا في صف من ذاته وبهذا أجاز من أجاز الصلاة خلف الصف وحده وقد بينا مذهبنا في ذلك بطريقة تعضدها أصول الشرع‏

(فصل بل وصل في الرجل أو المكلف يريد الصلاة فيسمع الإقامة هل يسرع في المشي إلى المسجد مخافة أن يفوته جزء من الصلاة أم لا)

[حكم الإسراع في المشي إلى المسجد من الوجهة الشرعية]

فمن قائل لا يجوز الإسراع بل يأتي وعليه السكينة والوقار وبه أقول ومن قائل يجوز الإسراع حرصا على الخير وأكره له ذلك‏

(وصل اعتبار ذلك) [من الوجهة الباطنية]

المسارعة إلى الخيرات مشروعة والسكينة مشروعة والوقار والجمع بينهما أن تكون المسارعة بالتأهب المعتاد قبل دخول وقتها فيأتيها بسكينة ووقار فيجمع بين المسارعة والسكينة وإنما أمر العبد بالمسارعة إلى الخيرات لتصرفه في المباحات لا غير فمن كانت حالته أن لا يتصرف في مباح فهو في خير على كل حال ولذلك ورد ما يدل على الحالين معا فقيل سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ وهي العبادة هنا من سارع إليها فقد سارع إلى المغفرة وقال في الحالة الأخرى أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ فجعل المسارعة فيها وفي الأولى إليها فإنها ما هي نائبة عنه وهنا وجه أيضا وذلك أن المغفرة لا تصح إلا بعد حصول فعل الخير الموجب لها فنحن نسارع في الخيرات إلى المغفرة فكان المسارع فيه غير المسارع إليه فالعبد إذا كان تصرفه في غير المباح فلا بد أن يكون في مندوب أو واجب فإن كان في مندوب واستشعر بحصول وقت واجب سارع إليه في مندوبة بإقامة أسبابه التي لا يصح ذلك الواجب إلا بها ومعنى المسارعة هنا المبادرة إلى الأفعال التي هي شرط في صحة ذلك الواجب فمن رأى الجماعة واجبة ومن قال بإتمام الصف ووجوبه وهو في خير فإنه آت إلى الصلاة مثلا فيسمع الإقامة فأمره الشارع أن يأتي إليه وعليه وقار وسكينة وسبب ذلك أن الحق لا يتقيد بالأحوال وأن الآتي إلى الصلاة في صلاة ما دام يأتي إليها أو ينتظرها فنفس الإسراع المشروع قد حصل وأما الإسراع بالحركة فإنه يقتضي سوء الأدب وتقييد الحق ولهذا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي دب وهو راكع حتى دخل الصف وهو أبو بكرة زادك الله حرصا ولا تعد

يعني إلى إسراع الحركة وما قال له زادك الله إسراعا فإن الحرص أوجب له الإسراع فنبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إن الحرص على الخير هو المطلوب وهو الإسراع المطلوب لله من العبد لا حركة الاقدام فإن ذلك يؤذن بتحديد الله والله مع العبد حيث كان وقد وقع لك التفريط أولا بتأخرك فهنالك كان ينبغي لك الإسراع بالتأهب كما حكي عن بعضهم أنه ما دخل عليه منذ أربعين سنة وقت صلاة إلا وهو في المسجد وحكي عن آخر أنه بقي كذا سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام وقوله بوقار يشير أن العبد ينبغي له أن يعامل الله في نفسه بما يستحقه من الجلال والهيبة والحياء فإن هذه الأحوال تؤثر ثقلا في الجوارح وتثبت الموازنة حركته مع الله أن يقع منه كما أمره الله بخضوع وخشوع وهو السكينة المطلوبة كما قال لو خشع قلبه لخشعت جوارحه يعني لسرى ذلك في جوارحه فإن السرعة بالإقدام لا تكون إلا ممن همته متعلقة بالجهة التي يسارع إليها من أجل الله لا بالله وينبغي للعبد أن تكون همته متعلقة بالله فيكون المشهود له الحق تعالى ومن كان بهذه المثابة كانت حالته الهيبة والسكون فلا تسمع إلا همسا قال تعالى وخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً هذا مع الاسم الرحمن فكيف بمن لا يعرف أي اسم إلهي يمشي إليه أو يمشي به فمن كان حاله في الوقت ما يمشي إليه ويقصده أجاز الإسراع ومن كان حاله مشاهدة من يقصد به قال لا يجوز فإنه تضييع للوقت والشارع إنما يراعي وارد الوقت ووقت الآتي إلى الصلاة مشاهدة المقصود بها فشرع له السكينة والوقار في الإتيان دون سرعة الأقدام إعظاما لحرمة الوقت واستيفاء لحقه‏

(فصل بل وصل) [وقت قيام المأموم إلى الصلاة من الوجهة الشرعية]

متى ينبغي للمأموم أن يقوم إلى الصلاة إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة فمن قائل في أول الإقامة ومن قائل عند قوله حي على الصلاة ومن قائل عند قوله حي على الفلاح ومن قائل حتى يرى الإمام وهو الأولى عندي ومن قائل لا توقيت في ذلك وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوموا حتى تروني‏

فإن صح هذا الحديث وجب العمل به ولا يعدل عنه وأما مذهبنا في ذلك إن لم يصح هذا الحديث المسارعة في أول الإقامة ثم إن عندنا ولو صح الحديث‏

الصفحة 454 من الجزء 1

فإن هذا الحديث عندي إذا صح فحكم النبي عليه السلام في هذه المسألة في الانتظار إليه ولا نقوم حتى نراه كما أمر ما هو كحالنا اليوم فإن زمان وجود النبي كان الأمر جائزا أن ينسخ وأن يتجدد حكم آخر فكان ينبغي أن لا يقوموا لقول المؤذن حتى يروا النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة فيعلمون عند ذلك أنه ما حدث أمر برفع حكم ما دعوا إليه بخلاف اليوم فإن حكم القيام إلى الصلاة باق فيقوم إذا سمع المؤذن يقيم مسارعا وإن اتفق أن يغلط المؤذن بأن يسمع حسا فيتخيل أنه الإمام فيقيم والإمام ما خرج فما على من قام بأس في ذلك بل له أجر الإسراع إلى الخير ويرجع إلى مكانه إلى أن يخرج الإمام فإنه على يقين من بقاء حكم الصلاة

(الاعتبار)

المقيم للصلاة هو حاجب الحق الذي يدعو الخلق إلى الدخول على الله بهذه الحالة والصفة التي دعاهم وشرع لهم أن يدخلوا عليه فيها فيسارعون في القيام بأدب وسكون كما ذكرنا وحضور لما يستقبلونه واستحضار لما ينادونه به من قراءة وذكر وتكبير وتسبيح ودعاء معين عينه لهم لا يتعدونه في تلك الحالة فإذا فرغوا منها بالسلام دعوا بما شاءوا ولكن مما يرضى الله لا يدعون على مسلم ولا بقطيعة رحم‏

(فصل بل وصل) فيمن أحرم خلف الصف‏

خوفا أن يفوته الركوع مع الإمام ثم دب وهو راكع حتى دخل في الصف فمن الناس من كرهه ومنهم من أجازه ومنهم من فرق بين المنفرد والجماعة في ذلك فكرهه للمنفرد وأجازه للجماعة

(وصل الاعتبار)

الركوع هو الخضوع لله تعالى والمبادرة إليه أولى غير إن مشيه راكعا حتى يدخل في الصف هو الذي ينبغي أن يكون متعلق الكراهة أو الجواز فمن رأى سد الخلل واجبا أو الصلاة خلف الصف لا تجزئ مشي على حاله حتى يدخل في الصف فإن الشارع ما أبطل صلاة أبي بكرة بذلك ودعا له ونهاه أن لا يعود فعلم أنه نهي كراهة فإن قالوا قضية في عين قلنا ونهيه أن لا يعود قضية في عين لأنه المخاطب أن لا يعود ولم ينه غيره عن ذلك ولكن بقرينة الحال علمنا إن المراد بذلك المصلي كان من كان أن يكون في حال صلاته على حد ما أمر به فكل ما هو من تمام الصلاة جاز التعمل إلى تحصيله في الصلاة ويتعلق بهذا مسائل على هذه القاعدة

(فصل بل وصل) فيما يتبع فيه المأموم الإمام‏

[حكم متابعة المأموم الإمام في الصلاة]

لا خلاف بين العلماء في وجوب اتباعه فيما نص الشارع عليه من أقوال وأفعال واختلفوا في قوله سمع الله لمن حمده فمن الناس من قال بأنه لا يجب عليه أن يقولها مع الإمام ومنهم من أجاز له أن يقولها والأول أولى عندي للحديث الوارد

(وصل الاعتبار) [في متابعة المأموم الإمام في الصلاة]

لما أنزل الإمام نائبا عن الحق في حق من يقتدى به صح له أن يقول سمع الله لمن حمده فهو ترجمان عن الحق للمأمومين يعرفهم بأن الله يقول ذلك حين حمدوه في تلاوتهم وتسبيحهم في ركوعهم فهو مخبر عمن استخلفه ولو أقام الله الإمام مقامه في الحال لقال سمعت لمن حمدني فأثبت بقوله سمع الله لمن حمده عين العبد واعلم أنه ما عبده إلا من كونه إلها لا من حيث ذاته خلافا لقول رابعة العدوية فإن قيل فما تصنع في مثل قوله قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وهو كلام الله لعبده عليه السلام ولم يقل سمعت يريد ما ذكرنا وما يدريك لعل قوله سمع الله لمن حمده مثل هذا ولا سيما والنبي عليه السلام يقول إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏

قلنا أما الآية فقد تكون تعريفا من جبريل الروح الأمين بأمر الله أن يقول له مثل هذا أي قل له يا جبريل قد سمع الله كما قيل لمحمد قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ وهو بشر فإن الحق لا يكون بشرا وهكذا جميع ما في كلام الله من مثل هذا فإن أضفته ولا بد إلى الحق فليكن الكلام لله من مرتبة خاصة إخبارا عن مرتبة أخرى خاصة إن شئت عبرت عنها بالذات وإن شئت عبرت عنها باسم إلهي فيقول الحق من كونه متكلما يا محمد قد سمع الله فيريد بالله هنا الاسم السميع أو العليم على مذهب من يرى أن سمعه علمه والأول على من يرى أن سمعه حقيقة أخرى لا يقال هي هو ولا هي غيره وعلى الذي قيل الأول من يرى أن سمعه ذاته وهكذا سائر ما ينسب إليه من الصفات فللمأموم أن يقول سمع الله لمن حمده على هذا التفسير كله وإن ورد ذلك في حق الإمام فما ورد المنع منه في حق المأموم ولا في حق المنفرد ولا سيما والإنسان إمام جماعة ذاته وما من جزء فيه إلا وهو حامد لله فيعرف لسانه سائر ذاته بأن الله قد سمع لمن حمده ولا سيما من كشف له عن تسبيح‏

الصفحة 455 من الجزء 1

كل شي‏ء بحمده‏

(الفصل الآخر في الائتمام)

[إنما جعل الإمام ليؤتم به‏]

الائتمام لا يصح إلا مع العلم من المأموم فيما يأتم به من أفعال الإمام ظاهرا وباطنا والعامة بل أكثر الناس لا يعلمون من الإمام إلا الحركات الظاهرة من قيام وركوع ورفع وسجود وجلوس وتكبير وتسليم والنية غيب من عمل القلب لا يطلع عليها المأموم فما كلفه الله أن يأتم به فيما لا يعلمه منه ولهذا

قال عليه السلام إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد

وما تعرض للنية ولا لما غاب عن علم المأموم فذكر الأفعال الظاهرة التي يتعلق بإدراكها الحس ولا سيما وقد ثبت أن الصلاة الواحدة لا تقام في اليوم مرتين وأن أحد الصلاتين من المصلي وحده ثم يدرك الجماعة فيصلي معها أنها له نافلة فقد خالف الإمام في النية بالنص ثم إن للمأموم بهذا الحديث أن يقول سمع الله لمن حمده ثم يقول ربنا ولك الحمد للائتمام بإمامة فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاته وهو إمام سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد

(الفصل الآخر في الائتمام بصلاة القاعد)

[حكم الائتمام بصلاة القاعد من الوجهة الشرعية]

اتفق العلماء من أصحاب المذاهب وغيرهم أنه ليس للصحيح أن يصلي قاعدا فرضا إذا كان منفردا أو إماما واختلفوا في المأموم إذا كان صحيحا فصلى خلف إمام مريض يصلي ذلك الإمام المريض قاعدا على ثلاثة أقوال فمن قائل إنه يصلي خلفه قاعدا وبه أقول ومن قائل إنهم يصلون خلفه قياما ومن قائل لا تجوز إمامته إذا صلى قاعدا وأما إن صلوا خلفه قياما أو قعودا بطلت صلاتهم وقد ذكر بعض رواة مالك عن مالك قال لا يؤم الناس أحد قاعدا فإن أمهم قاعدا بطلت صلاتهم وصلاته‏

فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحد بعدي قاعدا

وهذا الحديث ضعيف جدا لأن في طريقه جابر بن يزيد الجعفي وليس بحجة ومع ضعفه فالحديث مرسل والصحيح الثابت إمامة القاعد

(وصل الاعتبار في ذلك)

الإمام على الحقيقة من نواصي الخلق بيده فلا يخلو المصلي المأموم أن يرى الإمام نائبا عن الحق كما جعله صلى الله عليه وسلم أو يراه مأموما مثله فإن رآه إماما فله الائتمام به على أي حال كان وإن رآه مأموما مثله جعل الحق إمامه وصلى قاعدا لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك فإن هذا هو إمامه شرعا ومن جعل الحق في قبلته وواجهه غاب عنه إمامه بلا شك وقد اختلفت حالة الإمام بالمرض من حال المأموم والمأموم إذا كان مريضا صلى خلف القائم للعذر وقد مضى اعتبار النية في الإمام والمأموم وقد أمر الإمام أن يقتدي بصلاة المريض في التخفيف به ولا يشق عليه وكل واحد منهما قد أمر بالاقتداء بالآخر وعين الشارع فيما ذا فلا ينبغي العدول عما عينه الشارع من ذلك لمن أراد اتباع السنة والوقوف عند حكم الله ورسوله وإذا كان الإمام على الحقيقة هو الله وهو سبحانه لا يغفل عن حالات عبده في حركاته وسكناته ولا يشغله عن مراقبته شي‏ء فإنه قال عن نفسه وكانَ الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَقِيباً فينبغي للمأموم الذي هو العبد أن يقتدي به في المراقبة والحضور فلا يغفل عن سيده في صلاته ولا يشغله شي‏ء عن مراقبته في صلاته حتى يصح له أن يكون مؤتما به في مثل هذا الوصف من المراقبة وعدم الغفلة فاعلم ذلك‏

(فصل بل وصل في وقت تكبيرة الإحرام للمأموم)

[أقوال الفقهاء في وقت إحرام المأموم‏]

أقوال الفقهاء في فمن قائل يكبر بعد فراغ الإمام من تكبيرة الإحرام استحسانا وإن كبر معه أجزأه ومن قائل لا يجزيه أن يكبر معه وبالأول أقول أن يكبر بعد الفراغ لا يجزيه غير ذلك ومن قائل لا يجزيه أن يكبر قبل الإمام ومن قائل إن كبر قبل الإمام أجزأه ومن قائل إن كبر مع تكبير الإمام وفرغ بفراغ الإمام أجزأه وإن فرغ المأموم من تكبيره قبل فراغ الإمام لم يجزه الإحرام للمأموم إما أن يعتبر فيه كونه مصليا فقط فيجزي قبل الإمام ومعه وبعده وإن اعتبر كونه مصليا ومأموما لم يجزه أن يكبر قبل الإمام فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ولا تكبروا حتى يكبر فنهي فإن علم أنه نهى كراهة أجزأه قبل الإمام ومعه وإن علم أنه نهي تحريم لم يجزه‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

ورد في الخبر أن العبد يقول في حال من الأحوال الله أكبر فيقول الله أنا أكبر يقول العبد لا الله إلا أنت يقول لا إله إلا أنا يقول العبد لا إله إلا الله لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ

الصفحة 456 من الجزء 1

يقول الله لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد يصدق عبده ومن هنا كان اسمه المؤمن وأمثاله فإذا كان الحق لا يقول شيئا من ذلك حتى يقول العبد فالعبد أولى بالاتباع فليس للمأموم أن يسبق إمامه بشي‏ء من أفعال الصلاة ولا من أقوالها حتى في قراءة الفاتحة ليس له أن يشرع فيها إذا جهر بها حتى يفرغ منها أو يتبع سكتات الإمام فيها فيقرأ ما فرغ الإمام منها في سكتة الإمام وفي صلاة السر يقرأها بحسب ما يغلب على ظنه إلا في الصلاة بعد الجلسة الوسطى فإنه يقرأها ابتداء

(فصل بل وصل فيمن رفع رأسه قبل الإمام)

[حكم رفع رأس المأموم قبل إمامه‏]

فمن قائل إنه أساء ويرجع وصحت صلاته ومن قائل صلاته تبطل‏

(وصل الاعتبار)

الإمام الحق والقيومية صفته فلا يجوز للمأموم أن يرفع قبل إمامه وأن صلاته تبطل فإنه في حال لا يصح فيها أن يكون مأموما لمثله ولا للحق فإن قيومية الحق به في رفعه من الركوع تسبق قيوميته إذ كل ما يقام فيه العبد إنما هو عن صفة إلهية ظلها هو الذي يظهر في العبد والظل تبع بلا شك والعبد ظل لقول السلطان ظل الله في الأرض وإنما ورد هذا في الرفع لأن طلب العلو بل العلو له سبحانه بالاستحقاق وإنما الذي ينبغي للمأموم الاقتداء بالإمام في كل خفض ورفع فأما الخفض فربما تطلب النفس فيه للتخيل الفاسد الذي يطرأ من الجاهل فاعلم إن الحق وصف نفسه بالنزول فيسبق المأموم بخفضه نزول الحق إليه قبل نزوله وهويه إلى السجود فلا ينحط إلى السجود حتى يسبقه إمامه فإنه إن لم يكن يجد الحق في سجوده فلمن ينزل هذا العبد المصلي وينحط بفعله ذلك فلا ينحط إلا للاله الذي وصف نفسه بالنزول من علوه إلى عبده فيقول العبد يا رب هذه صفتي فأنا أحق بها وإنما ضرورة الدعوى رفعتني عن مقام الانحطاط لكونك أخبرت أنك خلقتني على الصورة فشمخت نفسي على من نزل عن هذه الدرجة التي خصصتني بها ثم مننت علي بأن نزلت إلي فمن كان هذا مشهده ومشربه اقتدى بالإمام في جميع الأحوال والأحكام‏

(فصل بل وصل فيما يحمله الإمام عن المأموم)

[حكم قراءة المأموم خلف الإمام من الوجهة الشرعية]

اتفق علماؤنا على أنه لا يحمل الإمام عن المأموم شيئا من فرائض الصلاة ما عدا القراءة فإنهم اختلفوا في ذلك فمن قائل إن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر به ولا يقرأ معه فيما جهر به ومن قائل لا يقرأ معه أصلا ومن قائل يقرأ معه فيما أسر أم الكتاب وغيرها وفيما جهر أم الكتاب فقط وبه أقول وبعضهم فرق في الجهر بين من يسمع قراءة الإمام وبين من لا يسمع فأوجب على المأموم القراءة وإذا لم يسمع ونهاه عنها إذا سمع والذي أذهب إليه بعد وجوب قراءة الفاتحة على كل مصل من إمام وغير إمام أنه إن قرأ في نفسه كان أفضل إلا أن يكون بحيث يسمع الإمام فالإنصات والاستماع لقراءة الإمام واجب لأمر الله الوارد في قوله وإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا وما خص حال صلاة من غيرها والقرآن مقطوع به عند الجميع وإذا لم يسمع إن لم يقرأ المأموم أعني غير الفاتحة أجزأته صلاته إلا فاتحة الكتاب كما قلنا فإنه لا بد منها لكل مصل فإن الله قسم الصلاة بينه وبين عبده وما ذكر إلا الفاتحة لا غير فمن لم يقرأها فما صلى الصلاة المشروعة التي قسمها الله بينه وبين عبده ولكن يتبع المأموم بقراءة الفاتحة سكتات الإمام فيجمع بين الآية والخبر وإن لم يسكت الإمام ويكره له ذلك فليقرأها المأموم في نفسه بحيث أن لا يسمعه الإمام آية آية حتى يفرغ منها ولا يجهر على الإمام بقراءته‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

لما احتوت الصلاة على أركان وهي فروض الأعيان لم تجز فيها نفس عن نفس شيئا وكل ما ليس بفرض ويجبره سجود السهو فإن الإمام يحمله عن المأموم ومعناه أن المأموم إذا نقصه أو زاد لم يسجد لسهوه وذلك أن الفروض حقوق الله فحق الله أحق بالقضاء وما عدا الفروض وإن كانت حقا من حيث ما هي مشروعة وهي على قسمين منها ما جعل لها بدل وهو سجود السهو وهي الأفعال التي للشرع بها اعتناء من حيث ما فيها من الإنعام الذي يقرب من إنعام الفرائض بالشبه ولهذا جعل لها بدل ومنها ما هي حقوق للعبد مما رغب فيها فإن شاء عمل بها وإن شاء تركها وما جعل لها بدل فإن عمل بها كان له ثواب وإن لم يفعلها لم يكن عليه حرج ولم يحصل له ذلك الثواب الذي يحصل من فعلها كرفع الأيدي في كل خفض ورفع عمدا فإن كان في نفسه الرفع أو من مذهبه لما اقتضاه دليله فلم يفعل نسيانا وسهوا فإنه يسجد لسهوه لا لرفع اليدين فإن السجود ما شرعه الله إلا للسهو هنا لا للمسهو عنه بدليل أنه لو تركه عمدا

الصفحة 457 من الجزء 1

أو عن اجتهاد لم يسجد له بخلاف ما جعل له بدل وليس بفرض فإن الصلاة تبطل بتركه عمدا أو بفعل ما لم يشرع له فعله عمدا وفرق بين الجلسة الوسطى وبين جلسة الاستراحة والجلسة التي بين السجدتين في كل ركعة والجلسة الاخيرة وحكم ذلك كله مختلف واعتباره في العماء وفي العرش وفي السماء الدنيا وفي الأرض عند جلوس العبد في مجلسه فالعماء للجلوس بين السجدتين والعرش للجلسة الاخيرة والسماء للجلسة الوسطى ومع جلوسي في الأرض حيث كنت من مجالسي لجلوس الاستراحة وأما من جلس في وتر من صلاته فما حكمه حكم لجلسة الوسطى فإنه لم يشرع له تركها وجلسة الاستراحة شرع له فعلها فلو تعمد جلوس الاستراحة فقد تعمد ما شرع له ولم تبطل صلاته وإن جلس في وتر من صلاته ناسيا وهو يريد القيام سجد لسهوه لا لجلوسه وله أجر الجلوس وأجر ما سها عنه لسجود السهو الذي هو ترغيم للشيطان وله أجر من أنكى في عدو الله وفي عدوه فإن الله يقول ولا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ولا يَنالُونَ من عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ به عَمَلٌ صالِحٌ والشيطان من الكفار لقول الله فيه وكانَ من الْكافِرِينَ وسيأتي ما يليق بهذا كله في السهو من هذا الباب إن شاء الله تعالى‏

(فصل بل وصل في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام في الصحة والبطلان)

[ارتباط صلاة المأموم بإمامه من الوجهة الشرعية]

اختلف العلماء هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة وبه أقول وإن اقتدى به فيما أمر أن يقتدي به فيه بصحة صلاة الإمام أولا فمن الناس من رأى أنها مرتبطة ومنهم من لم ير أنها مرتبطة ولهذا اختلفوا في الإمام إذا صلى وهو جنب وعلموا بذلك بعد الصلاة فمن يرى الارتباط قال صلاتهم فاسدة ومن لم ير الارتباط قال صلاتهم صحيحة وهو الذي أذهب إليه وفرق قوم بين أن يكون الإمام عالما بجنابته أو ناسيا فقالوا إن كان عالما فسدت صلاتهم وإن كان ناسيا لم تفسد صلاتهم‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وما في وسع الإنسان أن يعلم ما في نفس غيره ولا يحيط علما بأحوال غيره فكل مصل إنما هو على حسب حاله مع الله ولهذا ما أمره الشرع في الائتمام بإمامة إلا فيما يشاهده من الإمام من رفع وخفض فإن كوشف بحال الإمام كان حكمه بحسب كشفه فإذا علم إن الإمام على غير طهارة فليس له أن يقتدي به من وقت علمه وصح له ما مضى من صلاته معه قبل علمه ولا اعتبار في ذلك لنسيان الإمام أو عمده فإن الإمام عنده من وقت علمه في غير صلاة شرعا وما أمره الله أن يرتبط أعني أن يقتدي إلا بالمصلي فإن كان الإمام ناسيا لجنابته أو حدثه فهو مصل شرعا وصلاة المأموم صحيحة شرعا وائتمامه بمن هو مصل شرعا وإن علم المأموم أن الإمام على غير طهارة فإن تمكن للمأموم أن يعلمه بحدثه في نفس صلاته أعلمه بحيث أن لا تبطل صلاة المأموم بذلك الإعلام فإن الله يقول ولا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ وإن لم يتمكن صلى لنفسه فإذا فرغ من صلاته أعلمه بحدثه سواء فرغ الإمام أو لم يفرغ فإن تذكر الإمام أو قلده تتطهر وإن لم يتذكر ولم يقلده فهو بحسب ما يقتضيه علمه ومذهبه في ذلك وصلاة المأموم صحيحة انتهى الجزء الحادي والأربعون بانتهاء السفر السادس من هذه النسخة والحمد لله‏

[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة]

(وصل في فصول الجمعة)

(فصل بل وصل في الخلاف في وجوبها)

(بسم الله الرحمن الرحيم) اختلف العلماء في وجوب الجمعة فمن قائل إنها من فروض الأعيان ومن قائل إنها من فروض الكفاية ومن قائل إنها سنة

(وصل في الاعتبار)

ليس لهذه الصلاة قدم في توحيد الذات ولا نتيجة في حال العالم بها العامل لكن لها العلم بأحدية الكثرة وكذلك من يرى أن الذات اقتضت لنفسها وجود العالم فلا ينتج هذا العلم ما يرد من الله على قلب العبد ولا في تجليه في هذه الصلاة وذلك أنها مبنية في وجودها وحقيقتها على الزائد على الواحد فهي من حضرة الأسماء الإلهية فإن وقوعها لا يصح من المنفرد بخلاف الصلوات كلها فإنها تصح من المنفرد وكل صلاة ما عدا الجمعة تعطي ما تعطي الجمعة من حيث ما هي صلاة من تكبيرة الإحرام إلى التسليم منها وتعطي ما لا تعطيه الجمعة من العلم بأحدية الحق التي لها الغني‏

الصفحة 458 من الجزء 1

على الإطلاق ومن العلم برجوع النسب أو الصفات إلى عين وحدة فاعلم ذلك‏

(وصل في فصل فيمن تجب عليه الجمعة)

[شروط الجمعة]

اتفق العلماء على أنها تجب على من تجب عليه الصلوات المفروضة ثم زادوا أربعة شروط اثنان متفق عليهما واثنان مختلف فيهما فالمتفق عليهما الذكورة والصحة وأنها لا تجب على المرأة والمريض والاثنان المختلف فيهما المسافر والعبد فمن قائل إن الجمعة تجب على المسافر وبه أقول وتجب على العبد فللعبد أن يتأهب فإن منعه سيده فيكون السيد من الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله ومن قائل إنه لا تجب عليهما وقد ورد خبر متكلم فيه إن الجمعة واجبة إلا على أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض‏

وفي رواية أخرى إلا خمسة وذكر المسافر

(وصل في اعتبار ذلك)

لما كان من شرطها ما زاد على الواحد وأنها لا تصح بوجود الواحد فاعلم إن العقل قد علم إن لله أحدية ذاتية لا نسبة بينها وبين طلب الممكنات وقد ذكرناها والعاقل يعلمها فمن المحال أن يعقل العقل وجود العالم من هذه الأحدية فوجب عليه بصلاة الجمعة أن يرجع إلى النظر فيما يطلبه الممكن من وجود من له هذه الأحدية فنظر فيه من كونه إلها يطلب المألوه فهذه معرفة أخرى لا تصح إلا بالجماعة وهو تركيب الأدلة وترتيبها فوجبت صلاة الجمعة على العقل الموصوف به العاقل ولما كانت المرأة ناقصة عقل ودين فالعقل الذي نقص منها هو عقل هذه الأحدية الذاتية فوجبت الجمعة على الرجل وهو الجمع بين العلم بتلك لاحدية وبين العلم بكونه إلها ونقص عقل المرأة عن علم تلك الأحدية فلم يجب عليها أن تجمع بينها وبين العلم بالله من كونه إلها

[الإنسان مجبور في اختياره‏]

وأما العبد الذي يسقط عنه وجوب الجمعة عند من يقول به وهو العبد المستحضر لجبر الله له في اختياره فإن الحقيقة تعطي أن العبد مجبور في اختياره فلما لم يتمكن له أن يجمع بين الحرية والعبودة لم تجب عليه الجمعة وكل من ذكرناه ونذكر أنه لا تجب عليه الجمعة أنه إذا حضرها صلاها كذلك إذا حضرت مواطن الاعتبارات المانعة للمذكورين من الوجوب أنها لا تجب عليه فإن فنى عنها بحال يخالفها وجبت الجمعة أي وجب عليه علم ما لم يكن يجب عليه علمه كمريم وآسية اللتين حصل لهما درجة الكمال فتعين عليهما علم الأحدية الذاتية وعلم الأحدية الإلهية التي هي أحدية الكثرة

[حكم الأسباب وتجريد التوحيد]

وأما المريض وهو الذي لا يقول بالأسباب ولا يعلم حكمتها فلم يحصل له مقام الصحة حيث فإنه من العلم بالله قدر ما تعطيه حكم لأسباب ومن لم يعط حاله هذا العلم ويقدح في تجريده ويخاف عليه لم يجب عليه أن يجمع بين لعلم بحكم الأسباب وبين العلم بتجريد التوحيد عنها

[كل نهاية لها بداية ولا عكس‏]

وأما المسافر فإن حاله يقتضي أن لا تجب عليه الجمعة فاته ما بين ابتداء الغاية وانتهاء الغاية فهو بين من وإلى فلا تعطي حالته أن يجمع بين من وإلى التي تطلبها لا من التي هي في إلى إلى إلى أخرى فإن إلى تلك غابت فيها من ولو لا إلى الأخرى ما عرفت أن في نفس إلى الأولى من فما نهاية إلا ولها بداية ولا ينعكس فلا تجب عليه الجمعة من حيث ما هو عين من الأولى والذي نقول بوجوبها عليه إنما هو مع من التي تتضمنها إلى الأولى وإلى الثانية والثالثة وكذا إلى ما لا نهاية له فلو لا المنازل في الطريق والمقامات ما عقل لمن غاية فإلى تطلب من ومن لا تطلب إلى‏

[الميل إلى الطبيعة ومعرفة الحقيقة]

وأما الصبي فهو المائل إلى طبيعته لا يعرف غيرها ولا يصح كونه صبيا إلا بهذه الصفة فمن المحال أن يرفع رأسه إلى معرفة حقيقته التي يصح له بالعلم بها الجمعة فلهذا اعتبرنا أن الصبي لا تجب عليه الجمعة

(وصل في فصل شروط الجمعة)

اتفق العلماء على أنها شروط الصلاة المفروضة المتقدمة وقد ذكرناها ما عدا الوقت والأذان فإنهم اختلفوا في ذلك وكذلك اختلفوا في الشروط المختصة بها وسأذكرها

(وصل في فصل الوقت)

فمن قائل إن وقتها وقت الزوال يعني وقت صلاة الظهر ومن قائل إن وقتها قبل الزوال وأنا أقول بالتخيير بين الوقتين‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

قال تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ثم قال ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فأمرنا بالنظر إليه والنظر إليه معرفته ولكن من حيث إنه مد الظل وهو إظهاره وجود عينك فما نظرت إليه من حيث أحدية ذاته في هذا المقام وإنما نظرت إليه من حيث أحدية فعله في إيجادك في الدلالة وهو صلاة الجمعة فإنها لا تجوز للمنفرد فإن‏

الصفحة 459 من الجزء 1

من شرطها ما زاد على الواحد فمن راعى هذه المعرفة الإلهية قال بصلاتها قبل الزوال لأنه مأمور بالنظر إلى ربه في هذه الحال والمصلي يناجي ربه ويواجهه في قبلته‏

[الظل ممدود ولكن الشمس هي الدليل‏]

والضمير في عليه يطلبه أقرب مذكور وهو الظل ويطلبه الاسم الرب وإعادته على الرب أوجه فإنه بالشمس ضرب الله المثل في رؤيته يوم القيامة

فقال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ترون ربكم كما ترون الشمس بالظهيرة

أي وقت الظهر وأراد عند الاستواء بقبض الظل في الشخص في ذلك الوقت لعموم النور ذات الرائي وهو حال فنائه عن رؤية نفسه في مشاهدة ربه ثم قال ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً وهو عند الاستواء ثم عاد إلى مده بدلوك الشمس وهو بعد الزوال فعرفه بعد المشاهدة كما عرفه الأول قبل المشاهدة والحال الحال قال إن وقت صلاة الجمعة بعد الزوال لأنه في هذا الوقت ثبتت له المعرفة بربه من حيث مده الظل‏

[الظل دليل على الشمس في النظر لا في الأثر]

وهنا تكون إعادة الضمير من عليه على الرب أوجه فإنه عند الطلوع يعاين مد الظل فينظر ما السبب في مدة فيرى ذاته حائلة بين الظل والشمس فينظر إلى الشمس فيعرف من مده ظله ما للشمس في ذلك من الأثر فكان الظل على الشمس دليلا في النظر وكان الشمس على مد الظل دليلا في الأثر ومن لم يتنبه لهذه المعرفة إلا وهو في حد الاستواء ثم بعد ذلك بدلوك الشمس عاين امتداد الظل من ذاته قليلا قليلا جعل الشمس على مد الظل دليلا فكان دلوكها نظير مد الظل وكان الظل كذات الشمس فيكون الدلوك من الشمس بمنزلة المد من الظل فالمؤثر في المد إنما هو دلوك الشمس والمظهر للظل إنما هو عين الشمس بوجودك فقام وجودك في هذه المسألة مقام الألوهة لذات الحق لكونه ما أوجد العالم من كونه ذاتا وإنما أوجده من كونه إلها

[التنزيه المطلق الذي ينبغي للحق‏]

فانظر يا ولي مقام ذاتك من حيث وجودك تر ما أشرف نسبته فوجودك وجود الحق إذ الله ما خلق شيئا إلا بالحق وبميل الشمس عنك يمتد ظلك فهي معرفة تنزيه جعل ذلك دليلا لتعتقده فإن الشمس تبعد عنك وكلما بعدت عنك نبهتك أنك لست مثله ولا هو مثلك إلا أن يحجبك عن رؤيتها فهو التنزيه المطلق الذي ينبغي لذات الحق كما أنه في طلوعها وطلبها إياك بالإنقاء إلى الاستواء تشمر ظلك شيئا بعد شي‏ء لنعلمك أن بظهورها في علوها تمحوك وتفنيك إلى أن لا تبقي منك شيئا من الظل خارجا عنك وهو نفي الآثار بسببك ولهذا لم تشرع الصلاة عند الاستواء لفناء الظل فلمن ذا الذي يصلي أو إلى من تواجه في صلاتك والشمس على رأسك‏

[يا أهل يثرب لا مقام لكم‏]

ولذا

قال في أهل المدينة وما كان على خطها شرقوا يعني في التوجه إلى القبلة في الصلاة ولا تغربوا أي راقبوا الشمس من حيث ما هي شارقة فإنها تطلع فتفنيكم عنكم فلا يبقى لكم مقام ولا أثر

قال تعالى يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فنبه عليه السلام إن ذلك هو المقام الأشرف بخلاف الدلوك فإن الدلوك يمكن أن ينظر الإنسان فيه إلى امتداد ظله ويمكن أن ينظر إلى تنزيه الحق في ميلة عنه بخلاف الشروق في الدلالة

فقال صلى الله عليه وسلم شرقوا ولا تغربوا

أي خدوا معرفتكم بالله من هذا الدليل فإنه أرفع للاحتمال من الغروب‏

[صلاة الجمعة قبل الزوال أولى‏]

وبعد أن تبين هذا فمن صلى قبل الزوال الجمعة أصاب ومن صلاها بعد الزوال أصاب والذي أذهب إليه أن صلاتها قبل الزوال أولى لأنه وقت لم يشرع فيه فرض فينبغي أن يتوجه إلى الحق سبحانه بالفرضية في جميع الأوقات فكانت صلاتها قبل الزوال أولى وإن كان قد يتفق أن يكون ذلك وقت أداء فرض صلاة في حق الناسي والنائم إذا تذكرا ولكن بحكم التبعية يكون ذلك فإن المعتبر إنما هو التذكر أو اليقظة في أي وقت كان بخلاف صلاة الجمعة إذا جعلناها قبل الزوال فتعين لها الوقت كما تعينت أوقات الصلوات المفروضات وإن الله قد أشار إلى نعيم مشاهدته ومصاحبته من غير تخصيص ولا تقييد فقال بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ وقال وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فاعلم ذلك‏

(وصل في فصل في الأذان للجمعة)

قال تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ الله ومن وقت النداء يكون الثواب من البدنة إلى البيضة وهو حين يشرع الخطيب في خطبته ومن جاء من وقت طلوع الشمس إلى وقت النداء فله من الأجر بحسب بكوره وهي مسألة خلاف فالبدنة من وقت تعيين السعي فأما الأذان فإن جمهور العلماء اتفقوا على إن وقته هو إذا جلس الإمام على المنبر واختلفوا هل يؤذن بين يدي الإمام مؤذن واحد فقط أو أكثر من واحد فمن قائل لا يؤذن بين يدي الإمام إلا واحد فقط وهو الذي يحرم به البيع والشراء وقال آخرون بل يؤذن اثنان فقط وقال آخرون يؤذن ثلاثة ولكل‏

الصفحة 460 من الجزء 1

قائل حجة واستناد إلى أثر والذي أذهب إليه في هذه المسألة أن الأذان لصلاة الجمعة كالأذان للصلوات المفروضة كلها وقد تقدم الكلام على الأذان في الصلوات قبل هذا إلا أنه لا يجوز أن يؤذن اثنان ولا جماعة معا بل واحد بعد واحد فإن ذلك خلاف السنة

(وصل الاعتبار في ذلك)

الأذان الإعلام وهو دعاء الحق عباده لمعرفته من حيث ما هو إله الناس وربنا ورب آبائنا وهوقوله صلى الله عليه وسلم من عرف نفسه عرف ربه‏

فذكره بالإضافة وما قال ذلك مطلقا فإن الحق سبحانه لا يعين لفظا ولا يقيد أمرا إلا وقد أراد من عباده أن ينظروا فيه من حيث ما خصصه وأفرده لتلك الحالة أو عينه بتلك العبارة ومتى لم ينظر الناظر في هذه الأمور بهذه العين فقد غاب عن الصواب المطلوب ولما كانت الجمعة لا تصح إلا بالجماعة علمنا إن الأذان الذي هو الإعلام بالإعلان للإتيان والسعي إلى هذا التجلي الخاص لا بد أن يعطي ما لا يعطي المنفرد وقد بينا ذلك وما يبقى إلا اختلاف مقامات الناظرين في ذلك بين مؤذن واحد واثنين وثلاثة ولا توقيت عندنا في ذلك إلا أنه لا بد من أذان والواحد أدناه فإن زاد جاز ولكن واحد بعد واحد فأما الأذان الواحد فيراه من يرى صلاة الجمعة من حيث ما هي صلاة فقط ومن يرى الاثنين فيرى كونها صلاة في جماعة فلا تجزى للمنفرد ومن رأى الثلاثة في الأذان لها فلكونها صلاة في جماعة ليوم خاص وحالة مخصوصة لا تكون في سائر الأيام بخلاف الصلوات المفروضة في كل يوم فمن اعتبر هذه الأحوال الثلاثة قال بثلاثة مؤذنين فيقول الأول حي على الصلاة ويقول الثاني حي على الصلاة في الجماعة ويقول الثالث حي على الصلاة في الجماعة في هذا اليوم فاعلم كل مؤذن بحالة لم يعلم بها الآخر واعتبر العلماء ذلك ولو انفرد واحد جاز

(وصل في فصل الشروط المختصة بيوم الجمعة في الوجوب والصحة)

[مقدار الجماعة في الجمعة]

فمن جملة شروطها الجماعة واختلفوا في مقدار الجماعة فمن قائل واحد مع الإمام وبه أقول حضرا وسفرا عندي ومن قائل اثنان سوى الإمام ومن قائل ثلاثة دون الإمام ومن قائل أربعون ومن قائل ثلاثون ومن قائل اثنا عشر ومنهم من لا يشترط عددا ولكن رأى أنه يجوز بما دون الأربعين ولا يجوز بالثلاثة والأربع وهذا الشرط من شروط الوجوب والصحة أي به تجب الجمعة وتصح‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

أما الواحد مع الإمام فهو حظ من يعرف أحدية الحق من أحدية نفسه فيتخذ أحدية نفسه على أحدية ربه دليل قال الشاعر

وفي كل شي‏ء له آية *** تدل على أنه واحد

وآية كل شي‏ء عنده أحديته إذ كان كل موجود لا بد أن يمتاز عن غيره بأحدية لا تكون لغيره وتلك الأحدية هي على الحقيقة حقيقة أنيته وهويته فيعلم من ذلك أن ربه على خصوص وصف في هويته لا يمكن أن يكون ذلك لسواه‏

[الاستدلال بالشفع على الأحدية]

وأما من قال اثنان فهو الذي يعرف توحيده من النظر في شفعيته فيرى كل ما سوى الحق لا يصح له الانفراد بنفسه وإنه مفتقر إلى غيره فهو مركب من عينه ومن اتصافه بالوجود المستفاد الذي لم يكن له من حيث عينه‏

[الاستدلال بالفرد على الأحدية]

وأما من قال بالثلاثة وهو أول الأفراد فهو الذي يرى أن المقدمتين لا تنتج إلا برابط فهي أربعة في الصورة وثلاثة في المعنى فيرى أنه ما عرف الحق إلا من معرفته بالثلاثة فاستدل بالفرد على الواحد وهو أقرب في النسبة من الاستدلال بالشفع على الأحدية

[الميقات الموسوي الأول والثاني‏]

وأما من قال بالأربعين فاعتبر الميقات الموسوي الذي أنتج له معرفة كلام الحق من حيث ما قد علمتم من قصته المذكورة في القرآن وكذلك أيضا من حصلت له معرفة ربه من إخلاصه أربعين صباحا وهي الخلوة المعروفة في طريق القوم فإنهم يتخذونها لتحصيل معرفة الله بما يحصل لهم فيها من الإخلاص مع الله من المشوب وأما من قال بالثلاثين فنظر إلى الميقات الأول الموسوي وعلم إن ذلك هو حد المعرفة إلا أنه طرأ أمر أخل به فزاد عشرا جبرا لذلك الخلل فهو بالمعنى ثلاثون فمن سلم ميقاته من ذلك الخلل فإن مطلوبه من العلم بالله يحصل بالثلاثين قال تعالى وواعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً ومن هذا الحد لما جرى من نساء رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم ما جرى أداه ذلك إلى الانفراد مع الله وهجرهم فإلى من نسائه شهرا لعلمه أن المقصود يحصل بهذا التوقيت فلما فرغ الشهر ناجاه الحق بآية التخيير فخير نساءه فإنه كان المطلوب بذلك التوقيت ما فتح له به فإن الحق يجري مع العبد في فتحه على حسب قصده والسبب الذي أداه إلى الانفراد

الصفحة 461 من الجزء 1

به فمن أداه إلى الانفراد به إطلاق لأمر إليه فكانت نتيجته في خلوته مطلقة فيرى سريانه في الإلهية سريان الوجود الإلهي في الموجودات وهو أتم الكشف الكياني وأعلاه ومن هنا شرع التخلق بالأسماء الإلهية وإلا فأي نسبة بين الممكن والواجب الوجود لنفسه‏

[نهاية الإنسان ومرتبته العلوية]

وأما من قال بالاثنتي عشر فاعتبر نهاية الإنسان ومرتبته العلوية وهي اثنا عشر واعتبر أيضا أسماء الأعداد البسائط دون المركبات وهي اثنا عشر من واحد إلى تسعة والعقد ثلاثة وهي العشر والمئون والآلاف فهذه اثنا عشر وبعد هذا ما ثم عدد إلا مركب في هذه الأصول فهي جمعية البسائط فاعلم ذلك‏

[الفردية والأحدية]

وأما من لم يشترط عددا وقال بدون الأربعين وفوق الأربعة التي هي عشر الأربعين فإن الأربعين قامت من ضرب الأربعة في العشرة فهي عشر الأربعين فكما أنه نزل عن الأربعين ارتفع عن الأربعة ولم يقف عندها فيقول لا تصح المعرفة بالله إلا بالزائد على الأربعة وأقل ذلك الخمسة وهي المرتبة من الفردية والمرتبة الأولى هي الثلاثة وهي للعبد فإنها هي التي نتجت عنها معرفة الحق فيمن قال تجوز الجمعة بالثلاثة ويرى صاحب هذا القول أعني الذي يقول بالزائد على الأربعة إن الفردية الثانية هي للحق وهو ما حصل للعبد من العلم بفرديته الثلاثية فكان الحاصل فردية الحق لا أحديته لأن أحديته لا يصح أن ينتجها شي‏ء بخلاف الفردية ولما كان أول الأفراد للعبد من أجل الدلالة فإن المعرفة بنفس العبد مقدمة على معرفة العبد بربه والدليل يناسب المدلول بالوجه الرابط بين الدليل والمدلول فلا ينتج الفرد إلا الفرد فأول فرد يلقاه بعد الثلاثة فردية الخمسة فجعلها للحق أي لمعرفة الحق في الرتبة الخامسة فما زاد إلى ما لا يتناهى من الأفراد فقد بان لك في الاعتبار منازل التوقيت فيما تقوم به صلاة الجمعة من اختلاف الأحوال‏

(وصل في فصل الشرط الثاني وهو الاستيطان)

اتفق كل من قال من العلماء إن الجمعة لا تجب على المسافر على الاستيطان واختلفوا فاشترط بعضهم المصر والسلطان ولم يشترطه بعضهم لكن اشترط الاستيطان في قرية أو ما في معناها

(وصل الاعتبار في ذلك)

أهل طريق الله على نوعين منهم من يتغير عليه الحال مع الأنفاس على علم منهم بذلك في قلوبهم وهم الأكابر من أهل الله فهم مسافرون على الدوام فمن المحال عليهم الاستيطان وهم في ذلك على نظرين فمن كان نظره ثبوته في مقام مراعاة الأنفاس وذوق تغيرها وتنوعات التجليات دائما مع كل نفس كني عن ثبوته في هذه الحال بالاستيطان وهو في الحقيقة مقيم لا مقيم من وجهين مختلفين فإن لا مقام مقام جعل استيطان من شرط صحة صلاة الجمعة ووجوبها وإن كان مسافرا في استيطانه كسفر صاحب السفينة كما قال بعضهم في سير الإنسان في عمره‏

فسيرك يا هذا كسير سفينة *** بقوم جلوس والقلاع يطير

ومن كان من رجال الله دون هذه المرتبة وأقامهم الحق في مقام واحد فيما يرونه في نفوسهم وإن كان محالا في نفس الأمر وهم في لبس من خلق جديد فهم بهذا الاعتبار من أهل الاستيطان فيقيمون الجمعة ويرون أن ذلك من شروط الصحة والوجوب ومن كان نظره في انتقاله في الأحوال والمشاهد ويرى أن الإقامة محال على حال واحد ذوقا وأن سفره مثل سفر صاحب السفينة فيما يظهر له والأمر في نفسه بخلاف ذلك لم يشترط الاستيطان وقال بصحة الجمعة ووجوبها بمجرد العدد لا بالاستيطان‏

(وصل في فصل جمعتين في مصر واحد

[اختلاف العلماء في تعدد إقامة الجمعة في مصر واحد]

اختلف علماؤنا هل يقام جمعتان في مصر واحد أم لا يقام) فمن قائل بجواز ذلك ومن قائل بأنه لا يجوز وبالجواز أقول إلا إن فيه ما لا يثلج الصدر به والأولى أن لا وكذلك اشترط بعضهم المصر ولم يشترطه بعضهم وبعدم هذا الشرط أقول وكذلك اشترط بعضهم أن يكون المسجد ذا سقف ولم يره بعضهم ولم يأت في شي‏ء من هذه الأمور كلها نص من كتاب ولا سنة فإذا صحت الجماعة وجبت الجمعة لا غير

(وصل الاعتبار في ذلك)

المصر الواحد ذات الإنسان في الاعتبار فإنه مدينة في نفسه بل هو جميع العالم وذات الإنسان تنقسم إلى قسمين إلى لطيف وإلى كثيف فإن اتفق أن يختلف التجلي على الإنسان فيتجلى له في الاسم الظاهر حسا أو تمثلا وفي الاسم الباطن معنى وتنزلها فإنه مأمور في هذه الحال بقبول التجليين قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله قال بجمعه‏

الصفحة 462 من الجزء 1

بين الضدين ثم تلا هُوَ الْأَوَّلُ والْآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ فجاز عنده إقامة جمعتين في مصر واحد وأكثر من جمعتين فقد يشهد الحق في كل اسم عنده من أسمائه ولكل اسم منه عالم ليس للاسم الآخر فيقام في ذات الإنسان جمعات كثيرة لاختلاف عوالمه في نفسه ولكل اسم حكم وسلطنة في عالمه وجماعته والمصر واحد فهذا قد حصل له المصر والسلطان والإقامة والسفر في حال واحد وعين واحدة وهو مسمى الإنسان وهو عالم صغير الجرم كبير المعنى‏

[منع تعدد الجمعة في المصر اعتبارا]

ومن كان نظره في مثل هذه التجليات المتنوعة في الأسماء الإلهية والأعيان الكونية وأن الحق هو الأول من عين ما هو آخر من عين ما هو ظاهر من عين ما هو باطن إلى سائر الأسماء كانت ما كانت لاتساع الأمر في نفسه بتنوع معاني هذه الأسماء الإلهية والأعيان الكونية وأنها وإن تعددت بالنسب فهي عين واحدة وجودا منع أن يقام جمعتان في المصر الواحد وكل عارف من أهل الله يعمل بحسب وقته ونظره ولهذا قال إن الصوفي ابن وقته‏

(وصل في فصل الخطبة)

[اختلاف العلماء في حكم خطبة صلاة الجمعة]

اختلف علماء الشريعة في خطبة يوم الجمعة هل هي شرط في صحة الصلاة وركن من أركانها أم لا فذهب الأكثرون إلى أنها شرط وركن وقال قوم إنها ليست بفرض وبه أقول وفي النفس من ذلك شي‏ء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نص على وجوبها ولا على خلافه بل نقل بالتواتر إنه لم يزل يخطب فيها والوجوب حكم وتركه حكم ولا ينبغي لنا أن نشرع وجوبها ولا غير وجوبها فإن ذلك شرع لم يأذن به الله فمذهبنا المحقق التوقيف في الحكم عليها مع العمل بها ولا بد

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يصليها بخطبة كما لم يزل يصلي العيدين بخطبة

مع اجتماعنا على إن صلاة العيدين ليست من الفروض ولا خطبتها وما جاء عيد قط إلا وصلى صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم صلاة العيد وخطب‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الخطبة شرعت للموعظة والخطيب داعي الحق وحاجب بابه ونائبه في قلب العبد يرده إلى الله ليتأهب لمناجاته ولذلك قدمها في صلاة الجمعة حتى جعلتها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيما روى عنها إن الخطبة في صلاة الجمعة بدل من الركعتين فإن صلاة الجمعة ركعتان كصلاة المسافر فسنها قبل الصلاة لما ذكرناه من قصد التأهب للمناجاة كما سن النافلة من أجل الفريضة ابتداء لأجل الذكرى والتأهب فإن عناية الشرع إنما هي بما فرض فسن النافلة ابتداء في جميع الصلوات المفروضة أ لا تراه حين فرض عليه قيام الليل كان يفتتحه بركعتين خفيفتين قبل الشروع في قيام الليل كل ذلك ليتنبه القلب لمناجاة من دعاه إليه بما افترض عليه ومشاهدته ومراقبته فإن الفريضة هي المطلوبة منه وهو المطلوب بها

[الانتباه قبل المناجاة أولى من الانتباه في عين المناجاة]

فمن رأى أن الانتباه أصل في الطريق كالهروي وغيره قال بوجوب الخطبة كالوضوء للصلاة منبه ومن رأى أن المقصود هو الصلاة وأن الإقامة فيها هو عين الانتباه لمن كان خفيف النوم جعل الخطبة سنة راتبة ينبغي أن تفعل وإن لم ينص عليها ولكن ثابر عليها فهكذا الانتباه قبل المناجاة للمناجاة أولى من أن يكون الانتباه في عين المناجاة فربما أثرت في مناجاته نومته المتقدمة قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ الله فيحتمل أن يريد هنا بالذكر الخطبة فإنه مأمور بالإنصات في حال الخطبة ليسمع ما يقول أ لا ترى ما قيل في حق المؤذنين إنهم أطول الناس أعناقا والعنق مجرى النفس وامتداده للاسماع برفع الصوت به كني عنه بطول العنق ولما أشهدني الحق الأذان بنفسي رأيت لكل كلمة من الخبر المقيد بالحس مد البصر في كل كلمة فالمؤذنون أفضل جماعة دعت إلى الله عن أمر الله ورسوله ولو لا رفق الرسول صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم بأمته لأذن فإنه لو أذن وتخلف عن إجابته من سمعه إذا قال حي على الصلاة كان عاصيا فكان بالمؤمنين رءوفا رحيما وإنما قلنا إنه يريد هنا بالسعي إلى ذكر الله الخطبة لأن الصلاة بذاتها تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وهو ما ظهر من المخالفة والْمُنْكَرِ وهو ما تنكره القلوب ولَذِكْرُ الله فيها أَكْبَرُ ما فيها يعني القول فيها أشرف أفعال المكلف في الصلاة فإنها تشتمل على أفعال وأقوال وقد روينا عن بعض العلماء أنه تأول ذكر الله الذي يسعى إليه هو الخطبة

(وصل في فصل اختلاف القائلين بوجوب الخطبة في المجزي منها ما حده)

فمنهم من قال أدنى ما ينطلق عليه اسم خطبة شرعية ومن قائل لا بد من خطبتين ومن قائل أقل ما ينطلق عليه اسم خطبة

الصفحة 463 من الجزء 1

لغة في لسان العرب والقائل بالخطبتين يرى أنه لا بد أن يجلس الخطيب بينهما يعني بين الخطبتين ويكون في كل واحدة منهما قائما يحمد الله في أولها ويصلي على النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم ويوصي بتقوى الله ويقرأ شيئا من القرآن في الأولى ويدعو في الثانية

(وصل الاعتبار في ذلك)

اعتبار درجات المنبر المقامات والترقي فيها الترقي في مقامات السلوك إلى الله تعالى حتى يكون الداعي على بصيرة كما يعاين ببصره الخطيب الجماعة ببصره وإن كان أعمى فهو بمنزلة الداعي على غير بصيرة وهو المقلد

[القيام في الخطبة نيابة عن الحق وعدا ووعيدا]

وأما الخطبة فالخطبة الأولى يذكر فيها ما يليق بالله من الثناء والتحريض على الأمور المقربة من الله بالدلائل من كتاب الله والخطبة الثانية بما يعطيه الدعاء والالتجاء من الذلة والافتقار والسؤال والتضرع في التوفيق والهداية لما ذكره وأمر به في الخطبة وقيامه في حال خطبته أما في الأولى فبحكم النيابة عن الحق فيما نذر به وأوعد ووعد فهو قيام حق بدعوة صدق وأما القيام في الثانية فقيام عبد بين يدي سيد كريم يسأل منه الإعانة فيما قال الله على لسانه في الخطبة الأولى من الوصايا

[الجلسة بين الخطبتين بين المقامين‏]

وأما الجلسة بين الخطبتين ليفصل بين المقام الذي تقتضيه النيابة عن الحق تعالى فيما وعظ به عباده على لسان هذا الخطيب وبين المقام الذي يقتضيه مقام السؤال والرغبة في الهداية إلى الصراط المستقيم‏

[الفعل على طريق الوجوب والفعل على طريق التأسي‏]

ولما لم يرد نص من الشارع بإيجاب الخطبة ولا بما يقال فيها إلا مجرد فعله لم يصح عندنا أن نقول يخطب شرعا ولا لغة إلا إنا ننظر ما فعل فنفعل مثله على طريق التأسي لا على طريق الوجوب ويقبله الله على ما يعلمه من ذلك قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقال قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله فنحن مأمورون باتباعه فيما سن وفرض فنجازي من الله تعالى فيما فرض جزاء فرضين فرض الاتباع وفرض الفعل الذي وقع فيه الاتباع ونجازي فيما سن ولم يفرضه جزاء فرض واحد وسنة فرض الاتباع وسنة الفعل الذي لم يوجبه فإن حوى ذلك الفعل على فرائض جوزنا جزاء الفريضة بما فيه من الفرائض كنافلة الصلاة ونافلة الحج فإنها عبادة تحوي على أركان وسنن ونوافل صدقة التطوع ما فيها شي‏ء من الفرائض فنجازي في كل عمل بحسب ما يقتضيه ذلك العمل مما وعد الله للعامل به من الخير ولا بد من فرضية الاتباع فاعلم ذلك‏

[أدراج منبر الرسول الثلاث ومراتب الأسماء الثلاثة]

فالعارف يحمل درجات المنبر على الترقي في الأسماء الإلهية بالتخلق وفيها درج عال كالقادر والعالم ودرج دونه كالمقتدر وحتى نعلم وكان لمنبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم ثلاث أدراج وكذلك الأسماء على ثلاث مراتب لكل درج مرتبة فأسماء تدل على الذات لا تدل على أمر آخر وأسماء تدل على صفات تنزيه وأسماء تدل على صفات أفعال وما ثم مرتبة رابعة وكل هذه الأسماء قد ظهرت في العالم فأسماء الذات يتعلق بها ولا يتخلق وأسماء صفات التنزيه يقدس بها جناب الحق تعالى ويتخلق بها العبد بحسب ما تعطيه مما يليق به فكما إن العبد يقدس جلال الله أن تقوم به صفات الحدوث كذلك يقدس العبد بهذه الأسماء في التخلق بها نفسه أن تقوم به صفات القدم والغني المطلق وأسماء صفات الأفعال يوحد العبد بها ربه فلا يشرك في فعله تعالى أحدا من خلقه وما في الحضرة الإلهية سوى ما ذكرناه ولا في الإنسان سوى ما ذكرناه ولا في الإمكان سوى ما ذكرناه فالعبد لا يكون ربا لمن هو عبد له والرب لا يكون عبدا تعالى الله فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لكماله في الدلالة عليه واستيعابه ما نسب الحق إلى نفسه وإلى العالم فإن قلت فقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم في دعائه بالأسماء الإلهية حين‏

قال أو استأثرت به في علم غيبك‏

فلعله يدل على أمر آخر قلنا لا بد أن يدل ذلك الاسم إما على الله وإما على ما سوى الله وإما على الله وعلى ما سوى الله بوجهين واعتبارين وما ثم قسم ثالث وكل هذه الأقسام قد حصلت في هذه الأسماء التي بأيدينا من جهة معانيها فإن الذي يدل من ذلك الاسم الذي لم نعرفه على الله إما أن يدل على صفة تنزيه وقد وجدت عندنا وإما على صفة فعل وقد وجدت وإما على صفة يعقل معناها في المحدثات كالفرح والتعجب فغاية الأمر أن يكون العالم في الدلالة كما إن في الإمكان مثل هذا العالم مما لا يتناهى فقد انحصر الأمر فيما قد وجد من العالم من جهة الحقائق فاعلم ذلك‏

(وصل في فصل الإنصات يوم الجمعة عند الخطبة)

[حكم الإنصات في خطبة الجمعة]

اختلف الناس في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب على ثلاثة أقوال فمن قائل إن الإنصات واجب على كل حال وإنه حكم لازم من أحكام الخطبة ومن قائل إن الكلام جائز في حال الخطبة إلا حين قراءة القرآن فيها ومن قائل بالتفريق في ذلك‏

الصفحة 464 من الجزء 1

بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها فإن سمع أنصت وإن لم يسمع جاز له أن يسبح أو يتكلم في مسألة من العلم والجمهور على أنه إن تكلم لم تفسد صلاته وروى عن ابن وهب أنه قال من لغا فصلاته ظهر أربع وأما القائلون بوجوب الإنصات وهم الجمهور فانقسموا ثلاثة أقسام قسم أجازوا التشميت ورد السلام في وقت الخطبة وبه قال الأوزاعي والثوري ومنهم من لم يجز رد السلام ولا التشميت وبعضهم فرق فقال برد السلام ولا يشمت‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

إنما شرع الوعظ والتذكير للإصغاء إلى ما يقول الواعظ والمذكر وهو الخطيب الداعي إلى الله والإنصات له في حال كلامه ليرى ما يجري الله على لسان عبده فالخطيب نائب الحق فكان الحق هو المكلم عباده فوجب الإنصات والإصغاء إلا فيما أمر به مثل رد السلام وتشميت العاطس إذا حمد الله فمن رأى أن الحق هو المتكلم وجب عليه الإنصات ولكن مع السماع ولا سيما عند قراءة القرآن في الخطبة فإن لم يسمع فينبغي له في تلك الحال أن يكون مشغولا بما هو الخطيب به مشتغل من ذكر الله والثناء عليه ووعظ نفسه وزجره إياها وتقريره نعم الله على نفسه وقراءة القرآن ولكن كل ما وقع من هذا كله فليكن كما قال وخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً فهكذا يكون ذكره ولا يسمع الخطبة لبعده عن الخطيب أو لصمم قام بسمعه فالإنسان واعظ نفسه‏

(وصل في فصل من جاء يوم الجمعة والإمام يخطب هل يركع أم لا)

اختلف العلماء فيمن هذه حاله فمن قائل يركع وبه أقول ومن قائل لا يركع‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الركوع الخضوع لله وهو واجب أبدا على العالم كله ما دام ذاكر الله لم يغفل وكل ما سوى الجن والإنس فهو ذاكر لله مسبح بحمده فإن ذكر الله الذاكر منا ولم يخشع قلبه ولا خضع عند ذكره إياه فلم يحترم الجناب الإلهي ولم يأت بما ينبغي له من التعظيم وأول ما يمقته جوارحه وجميع أجزاء بدنه ومعلوم قطعا إن الآتي إلى الجمعة سيحضر بدخول المسجد ورؤية الخطيب وقصده الصلاة إنه ذاكر لله وقد أمره الله على لسان الترجمان رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم الذي قال تعالى في حق من أطاعه من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله وقد أمر بتحية المسجد قبل أن يجلس وما ورد نهي برفع هذا الأمر غير أنه إذا ركع لا يجهر بتكبير ولا بقراءة بل يسر ذلك جهد الطاقة ولا يسره ولا يزيد على التحية شيئا ولا سيما إن كان بحيث يسمع الإمام والداخل والإمام يخطب قد أبيح له أن يسلم وما خطأه أحد في ذلك ولم يؤمر الداخل بالسلام وإنما الأمر تعلق يرد السلام لا بابتداء السلام فالركوع عند دخول السلام أولى أن يجوز له لورود الأمر بالصلاة للداخل قبل أن يجلس والصلاة خير موضع ولكن لا يزيد على الركعتين شيئا فإن قدر أن لا يقعد فلا ركوع عليه فإن أراد الجلوس ركع ولا بد فإنه إذا أنصف الإنسان ما ثم ما يعارض الراكع إذا دخل المسجد

(وصل في فصل ما يقرأ به الإمام في صلاة الجمعة)

[اختلاف الناس فيما يقرأ به الإمام في صلاة الجمعة]

اختلف الناس في ذلك فمن قائل إن صلاة الجمعة كسائر الصلوات لا يعين فيها قراءة سورة بعينها بل يقرأ بما تيسر ومن الناس من اقتصر على ما

قرأ به رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم فيها غالبا مما قد ثبتت به الرواية عنه وهي صورة الجمعة في الركعة الأولى والمنافقين في الثانية وقد قرأ سورة الغاشية بدلا من المنافقين وقد قرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بالغاشية

والذي أقول به أن لا توقيت والاتباع أولى‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

المناجى هو الله والمناجي اسم فاعل هو العبد والقرآن كلام الله وكل كلامه طيب والفاتحة لا بد منها والسورة منزل من المنازل من مائة وثلاثة عشر منزلا عند الله والقرآن قد ثبت في الأخبار تفاضل سورة وآية بعضه على بعض في حق القارئ بالنسبة لما لنا فيه من الأجر وقد ورد أن آية الكرسي سيدة آي القرآن لأنه ليس في القرآن آية يذكر الله فيها بين مضمر وظاهر في ستة عشر موضعا منها إلا آية الكرسي هذا في الآيات وجاء في السور أن سورة يس تعدل قراءتها قراءة القرآن عشر مرات وقراءة تبارك الذي بيده الملك تجادل عن قاريها في قبره وسورة إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل يا أيها الكافرون ربع القرآن وكذلك إذا جاء نصر الله وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ولكل واحدة من التي ذكرناها في المفاضلة معنى معقول وأن الزهراوين البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة ولهما عينان ولسانان‏

الصفحة 465 من الجزء 1

وشفتان يشهدان لمن قرأهما بحق والأخبار النبوية في ذلك كثير وأما ما نعلمه من طريق الكشف فلا يتمكن لي أن أذكره إلا أن سورة صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم منبع الأنوار عاينت ذلك مشاهدة

[الأولى الجمع بين الاقتداء والتناسب‏]

فيا أيها الإمام في صلاة الجمعة إن قصدت المناسبة فاقرأ فيها سورة الجمعة وما ثبت أنه قرأ به رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم فالله يقول لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ واقرأ بسبح اسم ربك الأعلى تنزه الحق عما يظهر في هذه العبادة من الأفعال من حيث إنه قال لنا عن نفسه أنه يصلي علينا فنسبحه عن التخيل الذي يتخيله الوهم من الإنسان من قوله يصلي بسبح اسم ربك الأعلى وإذا جاء المنافقون وهل أتاك حديث الغاشية مناسبتان لما تتضمنه الخطبة من الوعد والوعيد فتكون القراءة في صلاة الجمعة تناسب ما ذكر به الإمام في الخطبة فيجمع بين الاقتداء والتناسب‏

(وصل في فصل الغسل يوم الجمعة)

[حكم غسل يوم الجمعة]

غسل الجمعة واجب على كل محتلم عندنا وهو لليوم وإن اغتسل فيه للصلاة فهو أفضل أما الغسل يوم الجمعة فالجماعة على أنه سنة وقوم قالوا إنه فرض وبه أقول والقائلون بوجوبه منهم من قال إنه واجب لليوم وهو قولنا وإن اغتسل قبل الصلاة للصلاة فهو أفضل ومنهم من قال إنه واجب قبل صلاة الجمعة

(وصل الاعتبار في ذلك)

الطهارة العامة لباطن الإنسان الذي هو قلبه بالحياة الباطنة للمعرفة بالله التي فيها وبها حياة القلوب من حيث ما تعطيها صلاة الجمعة من جهة أنه سبحانه واضع لهذه العبادة الخاصة بهذه الصورة فإنه من أعظم الهداية التي هدى الله إليها هذه الأمة خاصة فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه فهدى الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وذلك أن الله اصطفى من كل جنس نوعا ومن كل نوع شخصا واختاره عناية منه بذلك المختار أو عناية بالغير بسببه وقد يختار من الجنس النوعين والثلاثة وقد يختار من النوع الشخصين والثلاثة والأكثر فاختار من النوع الإنساني المؤمنين واختار من المؤمنين الأولياء واختار من الأولياء الأنبياء واختار من الأنبياء الرسل وفضل الرسل بعضهم على بعض ولو لا ورود النهي من الرسول صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم في‏

قوله لا تفضلوا بين الأنبياء

لعينت من هو أفضل الرسل لكن أعلمنا الله أنه فضل بعضهم على‏

[لا ينبغي أن يجعل في العقائد إلا ما يقطع به نقلا أو عقلا]

بعض فمن وجد نصا متواترا فليقف عنده أو كشفا محققا عنده ومن كان عنده الخبر الواحد الصحيح فليحكم به إن تعلق حكمه بأفعال الدنيا وإن كان حكمه في الآخرة فلا يجعله في عقده على التعيين وليقل إن كان هذا عن الرسول في نفس الأمر كما وصل إلينا فإنا مؤمن به وبكل ما هو من عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم وعن الله مما علمت ومما لم أعلم فإنه لا ينبغي أن يجعل في العقائد إلا ما يقطع به إن كان من النقل فما ثبت بالتواتر وإن كان من العقل فما ثبت بالدليل العقلي ما لم يقدح فيه نص متواتر فإن قدح فيه نص متواتر لا يمكن الجمع بينهما اعتقد النص وترك الدليل والسبب في ذلك أن الايمان بالأمور الواردة على لسان الشرع لا يلزم منها أن يكون الأمر الوارد في نفسه على ما يعطيه الايمان فيعلم العاقل أن الله قد أراد من المكلف أن يؤمن بما جاء به هذا النص المتواتر الذي أفاده التواتر أن النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم قاله وإن خالف دليل العقل فيبقى على علمه من حيث ما هو علم ويعلم أن الله لم يرد به بوجود هذا النص أن يعلق الايمان بذلك المعلوم لا أنه يزول عن علمه ويؤمن بهذا النص على مراد الله به فإن أعلمه الحق في كشفه ما هو المراد بذلك النص القادح في معلومه آمن به في موضعه الذي عينه الحق له بالنظر إلى من هو المخصوص بذلك الخطاب ومثل هذا الكشف يحرم علينا إظهاره في العامة لما يؤدي إليه من التشويش فلنشكر الله على ما منحه فهذه مقدمة نافعة في الطريق‏

[يوم العروبة فضله ذاتي‏]

ولما اختص الله من الشهور شهر رمضان وسماه باسمه تعالى فإن من أسماء الله رمضان كذلك اختص الله من أيام الأسبوع يوم العروبة وهو يوم الجمعة وعرف الأمم أن لله يوما اختصه من هذه السبعة الأيام وشرفه على سائر أيام الأسبوع ولهذا يغلط من يفضل بينه وبين يوم عرفة ويوم عاشوراء فإن فضل ذلك يرجع إلى مجموع أيام السنة لا إلى أيام الأسبوع ولهذا قد يكون يوم عرفة يوم الجمعة ويوم عاشوراء يوم الجمعة ويوم الجمعة لا يتبدل لا يكون أبدا يوم السبت ولا غيره ففضل يوم الجمعة ذاتي لعينه وفضل يوم عرفة وعاشوراء لأمور عرضت إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض فتدخل مفاضلة عرفة وعاشوراء في المفاضلة بين الأسباب العارضة الموجبة للفضل‏

الصفحة 466 من الجزء 1

في ذلك النوع كما إن رمضان إنما فضله على سائر الشهور في الشهور القمرية لا في الشهور الشمسية فإن أفضل الشهور الشمسية يوم تكون الشمس في برج شرفها وقد يأتي شهر رمضان في كل شهور السنة الشمسية فيشرف ذلك الشهر الشمسي على سائر شهور الشمس بكون رمضان كان فيه وكونه فيه أمر عرض له في سيره فلا يفاضل يوم الجمعة بيوم عرفة ولا غيره ولهذا شرع الغسل فيه لليوم لا لنفس الصلاة فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة فلا خلاف بيننا أنه أفضل بلا شك وأرفع للخلاف الواقع بين العلماء

[أفضل الأيام والأوقات‏]

فلما ذكر الله شرف هذا اليوم للأمم ولم يعينه وكلهم الله في العلم به لاجتهادهم فاختلفوا فيه فقالت النصارى أفضل الأيام والله أعلم هو يوم الأحد لأنه يوم الشمس وهو أول يوم خلق الله فيه السموات والأرض وما بينهما فما ابتدأ فيه الخلق إلا لشرفه على سائر الأيام فاتخذته عيدا وقالت هذا هو اليوم الذي أراده الله ولم يقل لهم نبيهم في ذلك شيئا ولا علم لنا هل أعلم الله نبيهم بذلك أم لا فإنه ما ورد بذلك خبر وقالت اليهود بل ذلك يوم السبت فإن الله فرغ من الخلق في يوم العروبة واستراح يوم السبت واستلقى على ظهره ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال أنا الملك قال الله تعالى في مقابلة هذا الكلام وأمثاله وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ وتزعم اليهود أن هذا مما نزل في التوراة فلا نصدقهم في ذلك ولا نكذبهم فقالت اليهود يوم السبت هو اليوم الذي أراده الله بأنه أفضل أيام الأسبوع فاختلفت اليهود والنصارى‏

[مجي‏ء يوم الجمعة في صورة مرآة مجلوة فيها نكتة]

وجاءت هذه الأمة فجاء جبريل إلى محمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم بيوم الجمعة في صورة مرآة مجلوة فيها نكتة فقال له هذا يوم الجمعة وهذه النكتة ساعة فيه لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي إلا غفر الله له فقول النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم فهدانا الله لما اختلف فيه أهل الكتاب هو هذا التعريف الإلهي بالمرآة وأضاف الهداية إلى الله وسبب فضله أنه اليوم الذي خلق الله فيه هذه النشأة الإنسانية التي خلق المخلوقات من يوم الأحد إلى يوم الخميس من أجلها فلا بد أن يكون أفضل الأوقات وكان خلقه في تلك الساعة التي ظهرت نكتة في المرآة ولما ظهرت نكتة في المرآة دل ضرب المثل أنها لا تنتقل كما لا تنتقل تلك النكتة التي في المرآة فهي ساعة معينة في علم الله فإن راعينا ضرب ذلك المثل في الحس ولا بد قلنا إن الساعة لا تنتقل كما لا تنتقل في الحس وإن راعينا ضرب المثل بها في الخيال ولا نخرجه بالحمل إلى الحس قلنا تنتقل الساعة في اليوم فإن حكم الخيال للانتقال في الصورة لأنه ليس هو بمحسوس فينضبط وإنما هو معنى في صورة جسدية خيالية تشبه صورة حسية وكما إن المعنى الواحد ينتقل في صور ألفاظ كثيرة ولغات مختلفة في زمان واحد أشبه الخيال فتنتقل الساعة في يوم الجمعة وكلا الأمرين سائغ في ذلك ولا يعرف ذلك إلا بإعلام الله‏

[الساعة المعينة في يوم الجمعة وليلة القدر في السنة]

وهذه الساعة في يوم الجمعة كليلة القدر في السنة سواء قال تعالى في هذا اليوم أعني في شأنه كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ من بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الْحَقِّ بِإِذْنِهِ هذه الآية نزلت في الاختلاف في هذا اليوم فغسل يوم الجمعة من هذا الاختلاف حتى يكون على يقين في طهارته بما كشف الله عن بصيرته وهو علم الساعة التي في هذا اليوم فإن اليوم كان مبهما ثم إن الله عرفنا به على لسان رسوله وبقي الإبهام في الساعة التي فيه فمن علمها في كل جمعة إن كانت تنتقل أو علمها في وقتها المعين إن كانت لا تنتقل فقد صح غسله يوم الجمعة من هذا الجهل الذي كان فيه بها ولهذا ينبغي أن يكون الغسل لليوم فإنه أعم‏

(وصل في فصل وجوب الجمعة على من خارج المصر)

[اختلاف الناس في وجوب الجمعة على من هو خارج المصر]

اختلف الناس في وجوب الجمعة على من خارج المصر فمن قائل لا تجب الجمعة على من خارج المصر ومن قائل أنها تجب على من هو خارج المصر واختلفوا في قدر المسافة فمنهم من قال مسيرة يوم وهو قول شاذ ومنهم من قال ثلاثة أميال ومنهم من قال إن يكون على مسافة يسمع منها النداء غالبا والذي أقول به إذا كان الإنسان على مسافة بحيث إنه إذا سمع النداء يقوم للطهارة فيتطهر ثم يخرج إلى المسجد ويمشي بالسكينة والوقار فإذا وصل وأدرك الصلاة وجبت عليه الجمعة فإن علم أنه لا يلحق الصلاة فلا تجب عليه لأنه ليس بمأمور بالسعي إليها إلا بعد النداء وأما قبل النداء فلا

الصفحة 467 من الجزء 1

(وصل الاعتبار في ذلك)

الخارج عن الموطن الذي تعطيه معرفة الحق من حيث ما هو آمر بها من دليل من عرف نفسه عرف ربه وهو الارتباط بالمعرفتين فلا يخلو أن يكون خروجه إلى معرفة ربه من حيث ما هو واجب الوجود أو يكون خارجا إلى حضرة الحيرة والوقوف أو الكثرة فإن كان خارجا إلى حكم معرفة كونه واجب الوجود لنفسه لا تجب عليه الجمعة وإن كان خروجه إلى ما سوى هذا وجبت عليه الجمعة بلا شك‏

(وصل في فصل الساعات التي وردت في فضل الرواح إلى الجمعة)

[أقوال الناس في ابتداء فضل ساعات الرواح إلى الجمعة]

فمن قائل هي الساعات المعروفة من أول النهار ومن قائل هي أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده والذي أقول به إنها أجزاء من وقت النداء الأول إلى أن يبتدئ الإمام بالخطبة ومن بكر قبل ذلك فله من الأجر بحسب بكوره مما يزيد على البدنة مما لم يوقته الشارع‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

السعي سعيان سعى مندوب إليه وهو من أول النهار إلى وقت النداء وسعى واجب وهو من وقت النداء إلى أن يدرك الإمام راكعا من الركعة الثانية والأجر الموقت للساعي إلى أول الخطبة وما بعد ذلك فاجر غير موقت لأنه لم يرد في ذلك شرع فأما الأجر الموقت فهو من بدنة إلى بيضة وبينهما بقرة وهي تلي البدنة ويليها كبش وتلي الكبش دجاجة والبيضة تأتي بعد الدجاجة آخرا وليس بعدها أجر موقت ولما كانت البيضة من الدجاجة وفيها تتكون الدجاجة وما في معناه من الحيوان الذي يبيض لهذا قرن البيضة مع الحيوان في توقيت القربة وقصد من الحيوانات في التمثيل ما يؤكل لحمه دائما غالبا مما لا خلاف في أكله وبه تعظم قوة الحياة في الشخص المتغذي فكان المتقرب به تقرب بحياته والتقريب بالنفس إلى الله أسنى القربات أ لا ترى الشهداء في سبيل الله لما تقربوا بأنفسهم إلى الله في قتال أعداء الله كانت لهم الحياة الدائمة والرزق الدائم والفرح بما أعطاهم الله فلا يقال في الشهداء أموات لنهي الله عن ذلك لأن الله أخذ بأبصار الخلق عن إدراك حياتهم كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة والجن مع معرفتنا أنهم معنا حضور ولا نعتقد أيضا في الشهداء أنهم أموات بقوله ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ وخير الله صدق فثبتت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى الله بنفوسهم (حكي عن بعض شباب الصالحين) أنه كان بمنى يوم النحر وكان فقيرا متجردا لا يقدر على شي‏ء من الدنيا فنظر إلى الناس يتقربون إلى الله بنحر بدنهم وبالبقر والغنم وما قدروا عليه من الحيوان فقال الشاب إلهي إن الناس قد تقربوا إليك في هذا اليوم بما وصلت أيديهم إليه مما أنعمت به عليهم وما لعبدك المسكين شي‏ء يتقرب به إليك في هذا اليوم سوى نفسه فأقبلها فما فرغ من كلامه حتى فارق الدنيا فقبضه الله قبض الشهداء سبيل الله ولنا بيت من قصيدة في هذا المعنى‏

وأهدى من القربان نفسا معيبة *** وهل رى‏ء خلق بالعيوب تقربا

وفي مثل هذا يقول بعضهم وقد رأى بمنى مثل ما رآه هذا الشاب من الحاج فأنشد

تهدي الأضاحي وأهدى مهجتي ودمي‏

(وصل في فصل البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة)

اختلفوا في البيع في وقت النداء فمن قائل يفسخ ومن قائل لا يفسخ قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ الله وذَرُوا الْبَيْعَ فأمر بترك البيع في هذا الوقت‏

[اعتبار من يقول بعدم فسخ البيع في وقت النداء]

قال الله تعالى إِنَّ الله اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وقال عليه السلام في الجهاد إنه جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر

وقال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ من الْكُفَّارِ ولا أكفر من النفوس بنعم الله ولا يلي الإنسان أقرب إليه من نفسه وجهاد النفس أعظم من جهاد العدو لأن الإنسان لا يخرج إلى جهاد العدو إلا بعد جهاده لنفسه وجهاد العدو قد يقع من العبد للرياء والسمعة والحمية وجهاد النفس أمر باطن لا يطلع عليه إلا الله كالصوم في الأعمال وأحق بيع النفس من الله إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فيترك جميع أغراضه ومراداته ويأتي إلى مثل هذا السوق فيبيع من الله نفسه ومثل هذا البيع لا يفسخ هذا مذهب من يقول بعدم الفسخ‏

[اعتبار من يقول بفسخ البيع في وقت النداء]

ومن يقول بالفسخ اعتباره هو أن يقول جميع أفعال العبادات أضافها إلى العباد إلا عبادتين العبادة الواحدة الصوم فأضافه إلى نفسه والعلة في ذلك أنها صفة صمدانية سلبية لا تنبغي إلا لله من حيث‏

الصفحة 468 من الجزء 1

ذاته لا من حيث كونه إلها وكل ما عدا ذات الحق فإنه متغذ بالغذاء الذي يليق به مما يكون في استعماله بقاء ذلك المتغذي والعبادة الثانية الصلاة فإنه‏

قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي‏

فدل هذا الحديث على صحة ما يملكه العبد فإنه أضاف نصف الصلاة إلى نفسه تعالى وأضاف نصفها إلى عبده فهو وإن كان عبده فهو مالك لما أضافه الله إليه فهو بالنظر إلى ما أضافه إليه في الصلاة غير مملوك فقال بفسخ البيع ومعنى فسخ البيع أنه لا يضيف إلى الله في هذه الحالة ما هو مضاف إليه فإن في ذلك منازعة الحق حيث أضاف أمرا إليك فرددته أنت عليه وهذا سوء أدب فأي مصل رد على الله هذا النصف الثاني الذي أضافه إلى العبد وملكه إياه في حال الصلاة فهو بيع مفسوخ ولهذا قال تعالى في هذا الحال وذَرُوا الْبَيْعَ يقول مرادي منكم في هذه الحال أن يكون نصف الصلاة لكم فالموفق هو الذي يتأدب مع الله في كل حال‏

(وصل بل فصل في آداب الجمعة)

اعلم أن آداب الجمعة ثلاثة وهو الطيب والسواك والزينة وهو اللباس الحسن ولا خلاف فيه بين أحد من العلماء

(وصل الاعتبار في ذلك)

أما الطيب فهو علم الأنفاس الرحمانية وهو كل ما يرد من الحق مما تطيب به المعاملة بين الله وبين عبده في الحال والقول والفعل‏

[السواك هو طهارة لسان القلب بالذكر القرآني‏]

وأما السواك فهو كل شي‏ء يتطهر به لسان القلب من الذكر القرآني وهو أتم الطهارة وكل ما يرضي الله فإنه تنبعث ممن هذه أوصافه روائح طيبة إلهية يشمها أهل الروائح من المكاشفين‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في السواك إنه مطهرة للفهم ومرضاة للرب وإن السواك يرفع الحجب بين الله وبين عبده فيشاهده‏

فإنه يتضمن صفتين عظيمتين الطهور ورضي الله وقد أشار إلى هذا المعنى الخبر في‏

قوله صلى الله عليه وسلم صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك‏

وفي سواك إشارة للمصلين بربهم لا بأنفسهم وقد

ورد أن لله سبعين حجابا

فناسب بين ما ذكرته لك وبين هذه الأخبار تبصر عجائب‏

[اللباس الحسن هو التقوى‏]

وأما اللباس الحسن فهو التقوى قال تعالى ولِباسُ التَّقْوى‏ ذلِكَ خَيْرٌ أي هو خير لباس وقال خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ولا تقوى أقوى من الصلاة فإن المصلي مناج مشاهد ولهذا قال اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وقال لعبده قل وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فقد أقام الصبر والصلاة مقام نفسه في المعونة فكل مصل يتحدث في صلاته مع غير الله في قلبه فما هو المصلي الذي يناجي ربه ولا يشاهده فإن حال المناجاة والشهود لا يجرأ أحد من المخلوقات يقرب من عبد تكون حالته هذه خوفا من الله وهذا المصلي قليل فهو مصل بصورته الظاهرة من قيام وركوع وسجود غير مصل بباطنه الذي هو المطلوب منه ولكن نرجو في هذا الموطن أن يشفع ظاهره في باطنه كما يشفع في بعض الأحوال باطنه في ظاهره وسبب ذلك أن الحركات الظاهرة إن لم يكن لها في الباطن حضور تثبت به وتظهر عنها وإلا فما تكون ولا يظهر لها وجود فذلك القدر من الحضور المرعى شرعا هو من الباطن فيتأيد مع الفعل الظاهر فيقوي على ما يقع للمصلي من الوسوسة في الصلاة فلا يكون لها تأثير في نقص نشأة الصلاة عناية من الله إِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ولما كان اللباس الحسن من الزينة التي أمر بها العبد في الصلاة لم يكن أحسن زينة يلبسها العبد في مناجاة ربه من زينته بالعبودية والزينة الأخرى الزينة بربه في‏

قوله كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه‏

فأثبت العبد بالضمير وزينة به تعالى في عباداته كلها انتهى الجزء الثاني والأربعون‏

(وصول بل فصول صلاة السفر والجمع والقصر)

السفر يؤثر في الصلاة القصر بإنفاق وفي الجمع باختلاف أما القصر فإن العلماء اتفقوا على جواز قصر الصلاة للمسافر إلا عائشة فإنها قالت لا يجوز القصر إلا للخائف لقوله عز وجل إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقالوا

إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر لأنه كان خائفا

واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع أنا أذكرها إن شاء الله‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

قد بينا لك في هذا الباب أن السفر حال لازم لكل ما سوى الله في الحقائق الإلهية بل لكل من يتصف بالوجود وهو سفر الأكابر من الرجال تخلقا بقوله تعالى يَسْئَلُهُ من في السَّماواتِ والْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ وحديث النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الباقي من الليل وهو الإدلاج عند العرب بتشديد الدال فسفر الأكابر من الرجال بالعلم والتحقق‏

الصفحة 469 من الجزء 1

وسفر في الأسماء الإلهية بالتخلق وهو سفر حاله نازل عن الحال الأول وسفر ثالث في الأكوان بالاعتبار وهو حال دون الحالين وسفر جامع لهذه الأسفار كلها في أحوالها وهو أعظم أسفار الكون والأول أعظم الأسفار وأجلها فإذا دعا لحق المسافر للصلاة قصر عن صلاة المقيم لموضع الفرق فكما تميز المقيم من المسافر وحال الإقامة من حال السفر تميز حكم صلاة المقيم من حكم صلاة المسافر وأما قول عائشة وهو قول الله في الخوف فإن العبد مطلوب في كل نفس بمراقبة الحق في حكمه تعالى في ذلك النفس بما شرع له تعالى فيه خاصة وما كل أحد يقدر على مراعاة هذا المقام مع الحق فلا يزال في خوف دائما فالعارف إذا حصل فيه وخاف أن يلتبس عليه مناجاة الحق في الأنفاس اقتصر من المناجاة على ما يختص بذلك النفس فكان الخوف سببا للقصر وهو قول الله تعالى الذي ذهبت إليه عائشة وسيأتي تحقيق ما أومأنا إليه فيما بعد ولما قلنا إن العلماء اختلفوا من ذلك في خمسة مواضع تعين علينا إن نذكرها واعتباراتها موضعا موضعا إن شاء الله تعالى كما جرت عادتنا في عبادات هذا الكتاب‏

(وصل في فصل الموضع الأول من الخمسة)

[اختلاف علماء الشريعة في حكم القصر]

وهو حكم القصر اختلف علما الشريعة في ذلك على أربعة أقوال فمن قائل إن القصر للمسافر فرض متعين وبه أقول ومن قائل إن القصر والإتمام كليهما فرض مخير له كالخيار في واجب الكفارة ومن قائل إن القصر سنة ومن قائل إن القصر رخصة والإتمام أفضل‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

من رأى أن التمكين في التلوين إقامة قال الإتمام أفضل ومن راعى التلوين مع الأنفاس سواء كان مشعورا به أو غير مشعور به قال إن القصر فرض متعين ومن راعى التلوين والتمكين خيره في القصر والإتمام بحسب صاحب الوقت وحاكمه فإن كان صاحب الوقت التلوين بالحال والتمكين بالعلم قصر وإن كان صاحب الوقت التمكين بالحال والتلوين بالعلم أتم ومن لم يراع التلوين ولا التمكين وكان بحكم الطريق لا بحكم السالك فيه قال إن القصر سنة

(وصل في فصل الموضع الثاني من الخمسة المواضع)

وهي المسافة التي يجوز فيها القصر اختلف العلماء في ذلك فمن قائل في أربعة برد ومن قائل مسافة ثلاثة أيام ومن قائل في كل سفر قريبا كان أو بعيدا وبه أقول فإني أعتبر فيها مسمى السفر باللسان‏

(وصل الاعتبار)

في ذلك البريد اثنا عشر ميلا ولما كانت المسافة تطلب المقدار بذاتها والعدد يلزم المقادير وكانت مراتب العدد اثنتي عشرة مرتبة لا يزاد عليها ولا ينقص وهي واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة مائة ألف هذه بسائط الأعداد وما زاد عليها فمركب منها فإذا مشى الإنسان في طريق الله في الأربعة الأركان التي قامت منها نشأته وهي أخلاطه يقطع كل ركن بهذه الاثني عشرة وأما الأكابر فيقطعونها في الأربعة الأسماء الإلهية التي هي أمهات الأسماء كلها وعليها توقف وجود العالم وهو الحي العالم المريد القادر لا غير وبهذه الأسماء يثبت كونه إلها فإذا نظر العبد في هذه الأربعة مع الأربعة التي له كانت ثمانية ونظر إلى نفسه وعقله فكانت العشرة ونظر إلى توحيد ذاته وتوحيد ألوهيته كانت اثنتي عشرة وتم البريد فنظر هذا أيضا في أربع المراتب وهو قوله الْأَوَّلُ والْآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ حقا وخلقا وصرف في كل حال من هذه الأحوال الاثني عشر تثبت بذلك أربعة برد فيقصر لها الصلاة

[ألوان الزهد الثلاثة وثلاثة أيام السفر]

وأما الثلاثة الأيام فيوم كما قال أبو يزيد حين سئل عن الزهد فقال هو هين ما كنت زاهدا سوى ثلاثة أيام اليوم الواحد زهدت في الدنيا واليوم الثاني زهدت في الآخرة واليوم الثالث زهدت في كل ما سوى الله ومن كانت هذه حاله قصر صلاته فإنه قد سافر أكمل الأسفار بلا خلاف‏

[عالم الإنسان المكلف وقصر الصلاة في السفر]

وأما القصر في مسافة ينطلق عليها اسم سفر ولا بد في اللسان ولا يراعى البعد ولا القرب فهو الذي يراعي عالمه المكلفين فمن سافر منهم قصر فإذا سافر الإنسان ببصره للاعتبار قصر وإن سافر بسمعه أيضا قصر وإن سافر بفكره في المعقولات قصر وصورة قصره قصور نظره على ما يعطيه حاله في وقته فإن أعطاه الكل كان بحسبه وإن أعطاه البعض كان بحسبه وهذا هو مذهب الجماعة وعليه عولوا

(وصل في فصل الموضع الثالث من الخمسة المواضع)

وهو اختلافهم في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة فمن قائل إن ذلك مقصور على سفر الطاعات والأفعال المقربة إلى الله‏

الصفحة 470 من الجزء 1

ومن قائل بهذا وبالسفر المباح أي ذلك كان ومن قائل بكل سفر مما يسمى سفرا قربة كان أو مباحا أو معصية وبه أقول‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

قال تعالى وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هذا في الأعيان وقال في الأعيان وفي الأحوال وقال وإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وقال أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ وقال ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فهذه الآيات كلها وأمثالها تدل على سفر الإنسان إلى الله فيقصر فإن الله هو الغاية لكل مسافر سواء سافر منه أو من كون نفسه أو كون من الأكوان وفيه أو في أسماء ربه والحق سبحانه غاية الطريق قصدت الطرق أو لم تقصد فما هو غاية قصد السالك فإن السالك مقيد القصد ولا بد والله لا يتقيد إلا بالإطلاق فإن الإطلاق تقييد فلهذا أمرنا بالتقصير في كل ما ينطلق عليه اسم سفر قربة كان أو مباحا أو معصية ومن راعى أو كان مشهده قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وقوله وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ لم ير التقصير إلا في سفر الطاعة أو في سفر الطاعة والمباح لأن الصلاة قربة إلى الله سعادية والمذهب الأول أولى فإن المعصية لم يثبت كونها معصية عند هذا المسافر فيها إلا بكونه مؤمنا أو على مذهب خاص بالمؤمن بها أنها معصية فهو ممن خلط عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً وهو مسافر فلأي معنى نراعي حكم المعصية فنقول بأنه لا يقصر بكونه سافر في غير ما يرضى الله وغاب صاحب هذا القول عن حكم الايمان بهذه المعصية من هذا المسافر أنه مؤمن بأنها معصية فهو في طاعة فإنه قد أرضى الرب سبحانه من كونه مؤمنا بأنها معصية والايمان في حكمه أقوى من الفعل المعين المسمى معصية فما يمنعه إن يحكم له بجواز القصر وهو مسافر بإيمانه بها في طاعة أيضا والحسنة بعشر والسيئة واحد إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ فكيف إن كانوا مائتين والمعصية في عشرين والآيات التي أحتج بها من تعيين الصراط والحجة إنما ذلك فيمن ليس بمؤمن ومن ليس بمؤمن فما هو مخاطب بتمام ولا قصر لأن الصلاة لا تجب عليه إلا بعد الايمان وإن كان مخاطبا بالجملة فمذهبنا أولى في هذه المسألة

(وصل في فصل الموضع الرابع من الخمسة المواضع)

وهو الموضع الذي منه يبدأ المسافر بالقصر قال بعض العلماء لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها ومن قائل لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الإنسان جسم وروح فما دام روح الإنسان مستوطنا في جسمه وعالم حسه يجري بحكم طبيعته فهو مقيم غير مسافر فيتم صلاته فإذا سافر الروح عن جسمه وتركه وراء بحال فناء فقد غاب عنه في أول قدم وإذا غاب عنه فسنته القصر في الصلاة ومعنى القصر هنا ما يختص به الروح من حكم الصلاة من كونه روحا لا من كونه مدبر الجسم فإنه في هذه الحال غائب عن جسمه فلا يبقى عليه من حكم الصلاة إلا ما يختص به ومن راعى كون جسميته ذات ثلاث شعب وهو ما يحويه من الطول والعرض والعمق وهو سار في كل مسمى بالجسم إلا في مذهب المتكلمين فإن الجسم عندهم طول بلا عرض يعني أقل جسم وفي مذهب غيرهم ثمانية جواهر هي أقل الأجسام فإنه جمع بين الطول من كونه جوهرين والعرض من كونه أربعة جواهر وهو السطح والعمق من كونه ثمانية جواهر وهو سطحان وأربعة خطوط وسواء كان عند هذا الروح جسمه الخاص به أو انتقل عن جسمه في غيبته المدبر له إلى جسم آخر طبيعي يشاهده فما زال من حكم الجسمية فلا يقصر حتى يغيب عنها بالكلية ويتجرد عن مشاهدة الجسمية ويبقى روحا فحينئذ يبتدئ بصلاته الخاصة به وهو القصر فهذا اعتبار صاحب الثلاثة الأيام‏

[القرية الجامعة وهي الجسمية الشاملة]

والقرية الجامعة وهي الجسمية الشاملة لجسمه ولجسم غيره فإن من أصحابنا من يقول إنه من انتقل في غيبته من صورة حسه إلى صورة محسوسه فلا يسمى غائبا كانت تلك الصورة ما كانت روحانية أو أسمائية أو معنوية أو جسمية مهما تجلت له في الصور الجسمية فهو مقيم في الجسم فوجب عليه الإتمام في الصلاة التي يدخلها القصر والإتمام وهي الرباعية فإن الثنائية وهي الصبح لا يدخلها القصر فإن الركعة الواحدة لوحدانية الحق والركعة الثانية لوحدانية العبد فلا بد من مصل ومصلى له فلا قصر في صلاة الصبح وأما الثلاثية وهي المغرب فإن الركعتين اللتين يجهر فيهما فهما شفعية الإنسان وكونهما يجهر فيما بالقراءة لأنهما نصبتا دليلا على الحق والدليل لا يكون إلا علانية ظاهرا معلوما ودليل بغير مدلول لا يصح فكانت الركعة الثالثة لوجود المدلول وهو الحق وكانت القراءة فيها سرا لكونه غيبا فلا سبيل إلى القصر في المغرب فإنه دليل على العبد وشفعيته وعلى الحق وأحديته‏

[لا يعرف الواحد إلا بالواحد]

فلم يبق القصر إلا في الرباعية لوجود

الصفحة 471 من الجزء 1

الشفعيتين فيها فألحقت بالصبح لحكم الأحدية في جناب الحمق وجناب العبد وهو قول من قال‏

وفي كل شي‏ء له آية *** تدل على أنه واحد

فما قال اثنان ولا قال شيئان فاعتبر أحدية كل شي‏ء من كونه شيئا ومن كونه آية على أحدية الحق حتى لا يعرف الواحد إلا بالواحد ولهذا كان يقول الحسن بن هاني شاعر وقته وددت أن هذا البيت الواحد لي بجميع شعري ثم عمل في معناه وما جاء مثله ولا أعطى من حسن مساق المعنى ما أعطاه هذا البيت وخرج عن علمي في هذا الوقت ما عمله الحسن ولو كان في حفظي في هذا الوقت لسقته في هذا الموضع حتى يعرف فضل هذا البيت وأنه في الكلام المعجز وما أظن وقع لقائله وهو أبو العتاهية إلا بحكم الاتفاق‏

(وصل في فصل الموضع الخامس من الخمسة المواضع)

[أقوال العلماء في الزمان الذي يجوز للمسافر أن يقصر]

وهو اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر حكى أبو عمر بن عبد البر في هذه المسألة أحد عشر قولا ما حضرتني في هذا الوقت فلينظرها في كتبه من أراد أن يقف عليها فلنذكر منها ما تيسر على ذكري فمن قائل إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم وقال غيره خمسة عشر يوما وقال غيره عشرين يوما وقال غيره إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام والأولى عندي في هذه المسألة أن ينظر في مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إلى أن رجع إلى المدينة فإنه كان يقصر في تلك المدة

(وصل في الاعتبار في ذلك)

إذا قام السالك في المقام بنية الإقامة فيه أتم من نفسين إلى عشرين نفسا فإن يوم العارف نفسه المكمل الإلهي وإن كان في كل نفس يطلب الترقي فيمسكه الله فيه فلا يعطيه حكمه ما مشى به في أنفاسه ولم يشعر بها إلا أن نيته الرحلة في كل نفس فهو يقصر دائما عمره كله فهو بمنزلة من يتعرض للفتح فلا يفتح له ويجمع له إلى أن يموت فيرى عند موته ما أخفي له فيه من قرة أعين فيعلم عند ذلك أنه كان مسافرا ولم يشعر لكونه ما فتح له في حياته الأولى ولا شاهد ما شاهد غيره من السائرين إلى الله‏

(وصل في فصول الجمع بين الصلاتين)

[ما اتفق عليه العلماء وما اختلفوا فيه في الجمع‏]

اتفق العلماء كلهم على الجمع بين الظهر والعصر في أول الظهر يوم عرفة بعرفة وعلى الجمع بين المغرب والعشاء بتأخير المغرب إلى وقت العشاء بالمزدلفة واختلفوا فيما عدا هذين المكانين فذهب أكثر الناس إلى الجمع بينهما في المواضع التي يجوز الجمع والأحوال ومنع بعضهم ذلك بإطلاق فيما عدا موضع الاتفاق‏

[لا يخرج عن أصل ثابت بأمر محتمل‏]

وأما الذي أذهب إليه فإن الأوقات قد ثبتت بلا خلاف فلا نخرج صلاة عن وقتها إلا بنص غير محتمل إذ لا ينبغي أن يخرج عن أصل ثابت بأمر محتمل هذا لا يقول به من شم رائحة من العلم وكل حديث ورد في ذلك فمحتمل وتكلم فيه مع احتماله أو صحيح لكنه ليس بنص‏

[تأخير الصلاة إلى الوقت المشترك‏]

وأما إن أخر صلاة الظهر إلى الوقت المشترك فجمع على هذا الحد وكذلك في المغرب مع العشاء فقد صلى كل صلاة في وقتها وهو الصحيح الذي يعول عليه فإن الحديث الثابت الذي هو نص هوحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفره إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يصليها مع العصر

فهو محتمل كما ذكرناه وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر وحده ثم ركب ولم يكن يقدم العصر إليها لأنه ليس وقتها باتفاق فيقوي بهذا احتمال التأخير أنه صلى الظهر في آخر وقتها وأوقع بعضها في الوقت المشترك وهو الذي يصلح لإيقاع الصلاتين معا إلا أنه لا يتسع فيصلي من الظهر ثلاث ركعات فيه أو ما نقص عن ذلك ويصلي من العصر فيه بقدر ما أبقى من الوقت المشترك وهذا هو الأولى والأحوط

(وصل الاعتبار في ذلك)

الجمع في المعرفة بلا خلاف في توحيد الله في الوهته وهو أن لا إله إلا هو ولا يعرف هذا إلا بعد معرفة المألوه فهو الجمع بين المعرفتين بالاتفاق وهذا هو جمع عرفة وأما جمع المزدلفة فهو موضع القربة وهو موضع جمع فحكم اسم الموضع على من حل فيه بالجمع أ لا ترى‏

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه‏

فجعل الحكم والإمامة لصاحب المنزل‏

[القياس وكمال مراتب الأشياء]

وهذا المنزل يسمى جمعا فالإمامة له والحكم فجمع فيه بين الصلاتين لما تعطيه حقيقته بالاتفاق أيضا وجمع النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين بين التقدم والتأخر ولا واسطة بينهما في هذا الموضع حتى تكمل مراتب الأشياء لأجل أهل القياس فإن الله قد علم من عباده أنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذون القياس أصلا فيما لا يجدون فيه نصا من كتاب ولا سنة ولا إجماع فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى‏

الصفحة 472 من الجزء 1

الجمع في هذا اليوم بتقديم صلاة العصر وتأخير صلاة المغرب ليقيس مثبتو القياس التأخير لهذا التأخير والتقديم ولهذا التقديم‏

[فيلزم كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده‏]

وقد قرر الشارع حكم المجتهد أنه حكم مشروع فإثبات المجتهد القياس أصلا في الشرع بما أعطاه دليله ونظره واجتهاده حكم شرعي لا ينبغي يرد عليه من ليس القياس من مذهبه وإن كان لا يقول به فإن الشارع قد قرره حكما في حق من أعطاه اجتهاده ذلك فمن تعرض للرد عليه فقد تعرض للرد على حكم قد أثبته الشارع وكذلك صاحب القياس إن رد على حكم الظاهري في استمساكه بالظاهر الذي أعطاه اجتهاده فقد رد أيضا حكما قرره الشارع فليلزم كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده ولا يتعرض إلى تخطئة من خالفه فإن ذلك سوء أدب مع الشارع ولا ينبغي لعلماء الشريعة أن يسيئوا الأدب مع الشرع فيما قرره‏

(وصل في فصل صورة الجمع)

[أقوال العلماء في صورة الجمع في السفر]

اختلف القائلون في صورة الجمع في السفر فمنهم من رأى أن تؤخر الصلاة الأولى وتصلي مع الثانية ومنهم من رأى أن تقدم الأخرى إلى الأولى إن شاء وأن يؤخر الأولى إلى الآخرة إن شاء

[الاعتبار في جمع التقديم والتأخير وفيهما معا]

فمن راعى تأخير الأولى فاعتباره المعرفة بالله فإن بالله كان ولا شي‏ء معه وإن العالم متأخر عن وجود الحق بالوجود فإن وجوده مستفاد من وجود الحق فلما أردنا المعرفة به من كونه إلها للعالم أخرناه في المعرفة إلى وقت معرفتنا بنا فلما عرفنا أنفسنا عرفنا ربنا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرف نفسه عرف ربه‏

فصلينا الأولى في وقت الثانية ومن راعى الوجود في الاعتبار قدم الآخرة إلى الأولى وجعل وجود عين العبد هو وجود الحق فالحق العالم بالله فعلمه من الله وعلم الله بالله ومن راعى الأمرين معا في الاعتبار قدم إن شاء وأخر إن شاء ولكل طريقة طائفة والكامل منا من عرف كل طريقة وكل طائفة وكان فيها خارجا عنها وهم الأكابر من الرجال‏

(فصل) ومن الفصول المبيحة للجمع السفر

بالاتفاق من القائلين به واختلفوا في الجمع في الحضر وفي شروط السفر المبيح له فمنهم من جعل السفر نفسه مبيحا للجمع أي سفر كان وبأي صفة كان ومنهم من اشترط فيه ضربا من السير ونوعا من أنواع السفر في الحديث إذا عجل به السير فجعل العلة في الجمع التعجيل وأما النوع فقد تقدم من سفر القرية والمباح والمعصية

(وصل في الاعتبار في ذلك)

لا يصح الجمع بين الصلاتين إلا فيما ذكرناه في عرفة وجمع وأما السفر على الحقيقة وهو سفر الأنفاس فلا يصح فيه الجمع إذا كان الجمع عبارة عن إخراج إحدى الصلاتين عن وقتها وما قال به في طريقنا بالاعتبار إلا من لا معرفة له بالذوق في ذلك ولو جعل صاحب هذا القول باله من حركاته الظاهرة ونظره وسمعه وجوارحه لرآها في كل زمان تتغير وما عنده خبر لغفلته عن نفسه ولهذا قال الله لنا وفي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏

(وصل في فصل الجمع في الحضر لغير عذر)

قال ابن عباس في جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين من غير عذر إنه أراد أن لا يحرج أمته وهو موافق لقول الله عز وجل ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ وقوله عليه السلام دين الله يسر

وقال به جماعة من أهل الظاهر وقال ما عداهم لا يجوز الجمع لغير عذر مبيح للجمع‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الجمع لأهل الحجاب رفق بهم في التكليف وجائز لهم لرفع الحرج فإن الحرج في العبادة هو تضعيف التكليف فإن العمل في نفسه كلفة فإذا انضافت إليه المشقة كان تكليفا على تكليف وأما أهل المشاهدة فلا جمع عندهم إلا بجمع وعرفة وما عدا ذينك فلا

(وصل في فصل الجمع في الحضر بعذر المطر)

[أقوال الفقهاء في الجمع في الحضر بعذر المطر]

فأجازه بعضهم ليلا كان أو نهارا ومنعهم بعضهم في النهار وأجازه في الليل وأجازه بعضهم في الطين دون المطر في الليل والذي أذهب إليه أن المصلي إذا كان مذهبه أن الصلاة لا تصح إلا في الجماعة وما عنده جماعة إلا في المسجد فإنه يجمع بين الصلاتين ليلا ونهارا إذا كان في جماعة وإن كان مذهبه جواز صلاة الفذ مع وجود الجماعة فلا يجوز له الجمع لا إن كان في المسجد وجمع الإمام على أي مذهب كان ذلك الإمام إذا كان الإمام مجتهد لا مقلدا إلا أن اليوم تقليد ذلك المجتهد في جميع نواز له كما هم عليه عامة الفقهاء في عصرنا هذا

(وصل الاعتبار في ذلك)

الجمع للمقيم جائز فإنه محجوب عن شهود سفره فإنه مسافر من حيث لا يشعر في كل نفس باختلاف الأحوال والخواطر وحديث النفس والحركات‏

الصفحة 473 من الجزء 1

الظاهرة والباطنة فإذا انضاف إلى ذلك عذر المطر وهو العلم المنزل فهو علم ظاهر الشريعة الذي جاء بالجمع جاز له الجمع لما دل عليه هذا العلم المشروع فينبغي أن لا يعدل عنه فمن راعى الحرج أضاف الطين إليه وأجاز ذلك في صلاة الليل ومن لم يراع الحرج أجاز ذلك ليلا ونهارا ولم يجزه في الطين‏

(وصل في فصل الجمع في الحضر للمريض)

فمنهم من أباح له الجمع ومنهم من منع وبالأول أقول لحديث ابن عباس الصحيح وقد تقدم ذكره‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الكسل مرض النفس فلا يجوز الجمع لمن كان مرضه الكسل وما في معناه فإن كان مرضه استيلاء الأحوال عليه بحيث إنه يخاف أن يغلب عليه الحال كما يخاف المريض أن يغمى عليه جاز له الجمع فإن الحال مرض والمقال صحة

[الأحوال مواهب والمقامات مكاسب‏]

فالجهلاء من أهل طريقنا يقولون بشرف الحال على العلم لجهلهم بالحال ما هو فالأحوال يستعيذ منها الأكابر من الرجال في هذه الدار وهي من أعظم الحجب ولهذا جعلت الطائفة الأحوال مواهب والمقامات مكاسب والدنيا عند الأكابر دار كسب لا دار حال فإن الكسب يعليك درجة والحال يخسر صاحبه وقته فلا يرتقي به بل هو من بعض نتائج مقامه استعجله في الدنيا ولهذا كانت الأحوال مواهب ولو كانت مكاسب لوقع بها الترقي فشرف الحال في الآخرة لا في الدنيا وشرف العلم والمقام في الدنيا والآخرة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة من العلم فقال له وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ولم يأمره بطلب الزيادة من الحال فلو عرف هذا القائل شرف العلم وكان عنده منه ذوق صحيح لوافق الحق تعالى في الذي شرف العلماء به ولما كان مطرودا من هذه الصفة التي وصف الحق بها نفسه والخواص من ملائكته وعباده ولم يبلغ تلك الدرجة أخذ يحامي عن نفسه بأن جعل الحال أشرف من العلم وهو بحمد الله عرى عن العلم والحال‏

[أصحاب الأحوال الإلهية]

وأما أصحاب الأحوال الإلهية الصحيحة رضي الله عنهم فهم عالمون بشرف العلم على الحال ومطلوبهم العلم فإن الحال يحول بينهم وبين ما خلقوا له فيتبرءون منه ومما يدلك على ذلك أن أصحاب الحال وإن سر به فتراه عند الموت يتبرأ منه ويزول عنه ويتمنى أنه لم يكن صاحب حال فالحال ليس بأمر مقرب إلى الله والدنيا محل أسباب التقريب والآخرة محل القربة فيجعل كل صفة تحكم في موضعها فالحال حكمه في الآخرة والعلم حكمه في الدنيا والآخرة وفي كل موطن لأن شرفه هو الأتم‏

(وصل في فصول صلاة الخوف)

[الاختلاف في صورة صلاة الخوف‏]

أجمع الناس على إن صلاة الخوف جائزة واختلفوا في صورتها بحسب اختلاف الروايات الواردة فيها من صلاته صلى الله عليه وسلم إياها إلا أبا يوسف فإنه شذ عن الجماعة فقال لا تجوز صلاة الخوف على صورة ما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإمام واحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك خاص به وإنما تصلي صلاة الخوف بإمامين كل إمام يصلي ركعتين بطائفة ما دامت تحرس الأخرى والذي أذهب إليه أن الإمام مخير في الصور التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأي صورة صلاتها أجزأته صلاته وصحت صلاة الجماعة إلا الرواية التي فيها الانتظار بالسلام فإن عندي فيها نظر الكون الإمام يصير فيها تبعا تابعا وقد نصبه الله متبوعا وسبب توقفي في ذلك دون جزم من طريق المعنى فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الإمام أن يصلي بصلاة المريض وأضعف الجماعة والتأويل الذي يحتمله اقتداء أبي بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره الطحاوي أن أبا بكر كان هو الإمام في صلاته بالناس وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الراوي فكان الناس يقتدون بأبي بكر الصديق رضي الله عنه وكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال معنى الاقتداء هنا أنه كان يخفف لأجل مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا التأويل ليس ببعيد فقد يكون الإمام في هذه الحالة إماما مؤتما وبلفظ الإمامة وردت الرواية عن الصاحب فلهذا لم يترجح عندي نظر في رواية الانتظار والاختلاف في صور صلاة الخوف معلوم مسطور في كتب الحديث‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الحق يكون مع العبد بحسب حال العبد أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فأي شي‏ء كان حال العبد كان الحق معه بحسبه يعامله به قال الله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ إن ذكر العبد ربه في نفسه ذكره الله في نفسه وإن ذكر العبد

الصفحة 474 من الجزء 1

ربه في ملأ ذكره الله في ملأ فالعبد ينزل في هذه المسألة منزلة إمام والحالة الأخرى أن يكون حال العبد مع الله على صورة ما يكون حال الحق مع العبد مثل قوله يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ فأهل طريق الله على ما تقضي به الحقائق في هذه المسألة أن حب العبد لو لا ما أحبه الله أو لا ما رزقه محبته ولا وفقه إليها ولا استعمله فيها وهكذا جميع ما يكون فيه العبد من الأمور المقربة إلى الله عز وجل فهذا المقام يحذر أهل الله من الغفلة فيه فلهذا شبهناه بصلاة الخوف‏

(وصل في فصل صلاة الخائف عند المسايفة)

[اختلاف الناس في الصلاة عند المسايفة]

فمن الناس من قال لا يصلي ومن الناس من قال يصلي بعينيه إيماء والذي أذهب إليه أنه مأمور في ذلك الوقت بالصلاة على قدر ما يمكنه أن يفعله منها وذلك أن كل حال ما عدا حال المسايفة فهو استعداد للجهاد والقتال ما هو عين الجهاد ولا عين القتال فإذا وقعت المسايفة ذلك هو عين الجهاد والقتال الذي أمر الله عباده بالثبات فيه والاستعانة بالصبر والصلاة فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ثم توعد من لم يثبت فقال ومن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ من الله ومَأْواهُ جَهَنَّمُ يعني إن قتل في تلك الحالة وبِئْسَ الْمَصِيرُ وقال في تلك الحالة واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وهو حبس النفس عن الفرار في تلك الحال والصَّلاةِ فأمره بالصلاة وأنها من المأمور المعينة له على خذلان العدو فجعلها من أفعال الجهاد فوجبت الصلاة والفرار في تلك الحال من الكبائر فأمره الله بالصبر وهو الثبات في تلك الحال والصلاة فوجبت عليه كما وجب الصبر فيصليها على قدر الإمكان فالله يقول فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ وقال لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر على الراحلة يومئ إيماء مع الأمان فأحرى إيقاع الفرض مع الخوف ووجود الأمن والبشرى أنها من أسباب النصر فيصلي على قدر استطاعته في ذلك الوقت وعلى تلك الحال بحيث أن لا يترك القتال ولا يتوانى فيه فذلك استطاعة الوقت فإن المكلف بحكم وقته وسواء كان على طهارة أو على غير طهارة والمخالف لهذا ما حقق النظر في أمر الله ولا ما أراده الله برفع الحرج عن المكلف في دين الله في قوله تعالى ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ‏

[أهل الاجتهاد وأهل التقليد]

وبعد هذا فإني أقول لا يخلو هذا المكلف إذا كان في هذا الموطن على هذه الحال إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا فإن كان من أهل الاجتهاد فلا كلام فإنه يعمل بحسب ما يقتضيه دليله ويحرم عليه مخالفة دليله وإن كان مقلدا فالأولى به عندنا إن يقلد من قال بجواز الصلاة في حال المسايفة وعلى غير طهارة فيها فإن القرآن يعضده ولا حجة للمقلد في التخلف عن تقليد من يقول بالصلاة فإنه أبرأ لذمته وأولى في حقه ويكون ممن ذكر الله على كل أحيانه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم‏

في الصحيح عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه‏

وما خصت حالا من حال‏

وصل الاعتبار في ذلك‏

حال المسايفة هو حال العبد مع الشيطان في وسواسه وحين توسوس إليه نفسه والله في تلك الحالة أقرب إليه من حَبْلِ الْوَرِيدِ فهو مع قربه في حرب عظيم فإذا نظر العبد في هذه الحال إلى هذا القرب الإلهي منه فإنه يصلي ولا بد من هذه حالته ولو قطع الصلاة كلها في محاربته فإنه إنما يحاربه بالله فإنه يؤدي الأركان الظاهرة كما شرعت بالقدر الذي هو فيه من الحضور مع الله في باطنه في صلاته كما يؤدي المجاهد الصلاة حال المسايفة بباطنه كما شرعت بالقدر الذي يستطيعه من الإيماء بعينيه والتكبير بلسانه في جهاد عدوه في ظاهره فإن وسوسة الشيطان في ذلك الوقت لم تخرجه عما كلفه الله من أداء ما افترضه عليه وطهارته في وقت الوسوسة عين محاربته كإسباغ الوضوء على المكاره وإن أخطر له الشيطان إذا رأى عزمه في الجهاد في الله أن يقاتل ليقال رغبة منه وحرصان يحبط عمل هذا العبد وكان قد أخلص النية أولا عند شروعه في القتال أنه يقاتل ذابا عن دين الله ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلي والكافر هنا هو المشرك من جهة الشريك خاصة وإنما قلنا هذا لأن أهل الله يعرفون ما أشرت به إليهم في هذا القول فلا يبالي بهذا الخاطر فإن الأصل الذي بنى عليه صحيح والأساس قوي وهو النية في أول الشروع فإن عرض الشيطان له بترك ذلك العمل الذي قد شرع فيه على صحة ووسوس إليه أنه فاسد بما خطر له من الرياء فيرد عليه بقوله تعالى ولا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فتدفع بهذه الآية الشبهة التي ألقاها إليك من ترك العمل‏

الصفحة 475 من الجزء 1

(وصل في فصل صلاة المريض)

أجمع العلماء على إن المريض إذا بقي عليه عقل التكليف أنه مخاطب بأداء الصلاة وأنه يسقط عنه منها ما لا يستطيعه من قيام وركوع وسجود واختلفوا فيمن استطاع أن يصلي جالسا وفي هيأة الجلوس وفي هيأة الذي لا يقدر على الجلوس ولا على القيام فأما المصلي جالسا فقال قوم هو الذي لا يستطيع القيام أصلا وقال قوم هو الذي يشق عليه القيام من المرض وأما صفة الجلوس فقال قوم يجلس متربعا في الجلوس الذي هو بدل من القيام وكره ابن مسعود الجلوس متربعا وأما الذي لا يقدر على القيام ولا على الجلوس فقوم قالوا يصلي مضطجعا وقوم قالوا يصلي كيف تيسر له وقوم قالوا يصلي ورجلاه إلى القبلة وقوم قالوا يصلي على جنب من لا يستطيع الجلوس فإن لم يستطع على جنب صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة

[يصلي المريض على قدر استطاعته وكما تيسر له‏]

والذي أذهب إليه وأقول به إن الله قد رفع عن المسلم المكلف الحرج في دين الله وأمره أن يتقي الله ما استطاع فليصل المريض على قدر استطاعته وكما تيسر له ورفع الحرج عنه الذي يضربه في الزيادة من مرضه ولا يترك الصلاة أصلا ولو سقط عن استطاعته الإتيان بجميع الأركان وجميع الشروط المصححة لصلاة الصحيح فإن خطاب الشارع إنما يكلفه على حاله الذي يقدر عليه فإن الله ما كلف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وما آتاها وخفف عنها أكثر من هذا بقوله تعالى سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً متصلا بقوله تعالى لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها فكأنه يقول وإن أعطاها وفعلته بمشقة هي عسر في حق المكلف فكان اليسر قوله ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ فما أشد رفقه بعباده‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الأمراض ثلاثة أنواع بدنية ونفسية وعقلية لا رابع لها فالبدنية هي التي كنا بصددها وهي التي يعرفها علماء الرسوم والأمراض النفسية الهموم المشتملة على أداء حق لله وجب عليها والأمراض العقلية الشبه المضلة القادحة في الأدلة وفي الايمان تحول بين العقل من العاقل وبين صحة الايمان فأما الأمراض النفسية مع وجود الايمان فإن الايمان في هذا المؤمن للنفس بمنزلة وجود العقل للمريض المرض البدني فيؤدي صلاته في مناجاة ربه ومشاهدته كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهز الجيش في الصلاة فإن المؤمن الصادق ما له حديث إلا مع ربه ولا يناجي أحدا من عباد الله دون أن يرى في ذلك مناجاة ربه بحسب ما يليق فصاحب مرض النفس المؤمن يناجي ربه من حيث إيمانه في عين همومه فيكون شغله منه فيه به فلا يبرح في همه وإيمانه بالله يقول له همك هو الله ونظرك فيه إنما هو بالله فإن الله هو الوجود والموجود وهو المعبود في كل معبود وفي كل شي‏ء وهو وجود كل شي‏ء وهو المقصود من كل شي‏ء وهو المترجم عنه كل شي‏ء وهو الظاهر عند ظهور كل شي‏ء وهو الباطن عند فقد كل شي‏ء شيئا وهو الأول من كل شي‏ء وهو الآخر من كل شي‏ء فلا تفوت المؤمن عبادة الله في كل وجه وعلى كل حال فإن الأمراض النفسية لا تقدح في الايمان‏

[الأمراض العقلية تقدح في الإيمان‏]

وأما الأمراض العقلية فهي القادحة في الايمان والايمان له تعلقان تعلق بوجود الحق وتعلق بتوحيد الحق وأما الايمان بأحدية الحق من حيث ذاته فذلك من مدارك النظر العقلي عند أهل النظر وعندنا من وجه أفكارنا وأما من جهة الذكر والكشف فلا وكذلك توحيد الحق يدرك بالإيمان ويدرك بالنظر ولم تتعرض شريعة لاحدية الذات بطريق التنصيص عليها وإن كانت ترد مجملة فلهذا لا تدخل في سلك الايمان فإن كان المرض العقلي قد حال بينك وبين صحة الايمان بوجود الحق فقد حال بينك وبين العلم الضروري فإن العلم بوجود الصانع عند ظهور الصنعة للناظر ضروري وإن لم يعلم حقيقة الصانع ولا ماهيته ولا ما يجب أن يكون عليه ويجوز ويستحيل إلا بعد نظر فكري وإخبار إلهي نبوي فهذا مرض لا طب فيه‏

[فقدان العلم الضروري‏]

ومن فقد العلم الضروري كان بمنزلة المريض الذي قد استفرغ المرض نفسه بحيث لا يعلم أنه مريض ولا ما هو فيه فيرتفع عنه خطاب الشرع لأنه لا عقل له وأما إذا كان معه الايمان أو العلم الضروري بوجود الحق الخالق نفى المرض المزيل لصحة التوحيد بأن يقلد فيكون مؤمنا أو ينظر ويستدل فيكون عالما فإن حصل عن نظر واستدلال فمرضه إن لا يقبل من الشارع ما جاء به من صفات الحق القادحة في أحدية الذات مع صحة توحيد الإله عقلا وشرعا صلى وأقام عبادته مع هذا المرض فإنه نافعه إذ عقله فيه من المرض بحيث أن لا يستطيع إلا هذا القدر الذي ذكرناه من توحيد الله تعالى فإن المؤمن الصحيح‏

الصفحة 476 من الجزء 1

الايمان هو الذي يعبد الله الذي وصفه الشارع والمؤمن المريض في إيمانه هو الذي يعبد الله الذي دل عليه العقل لا غير وقد نبهتك على أمر يتضمن عذر كل من اعتذر وإذا صح التوحيد فهو المطلوب من كل موجود فكيف إذا انضاف إلى ذلك أداء العبادات المشروعة في الحركات الخارجة والداخلة

(وصل في فصل الأسباب التي تفسد الصلاة وتقتضي الإعادة)

فاتفقوا على أنه كل من أخل بشرط من شروط صحة الصلاة عمدا أو نسيانا وجبت عليه الإعادة كاستقبال القبلة والطهارة بذلك أقول إلا أني أزيد في العمد من غير عذر

(الاعتبار)

شروط السعادة التوحيد أعني عدم الخلود في النار وشروط النجاة من كل مقام مهلك من مقام الآخرة ما لا تصح النجاة منه إلا بوجوده من غير نظر إلى الرحمة التي وسعت كل فإن قلب العارف أوسع من رحمة الله وإن كان وجوده من رحمة الله فإن رحمة الله يستحيل أن تسع الله فإن الله لا يتصف بأنه مرحوم وقلب العارف بالله يسع الحق كما

قال وسعني قلب عبدي المؤمن‏

فرحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وقلب العبد العارف يسع الحق والرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ويسع كل شي‏ء فهو الواسع المطلق والعلة في ذلك كون الوجود وجود الحق فتنبه يا غافل عن درك هذه المعاقل‏

(وصل في فصل الحدث الذي يقطع الصلاة هل يقتضي الإعادة أم يبنى على ما مضى من صلاته)

فذهب الأكثرون إلى أنه لا يبنى لا في الحدث ولا في غيره مما يقطع الصلاة إلا في الرعاف فقط ومنهم من قال ولا في الرعاف أيضا ومن قائل يبنى في الأحداث كلها والذي أقول به إن كل حدث يقطع الصلاة فلا يخلو إما أن يكون من الأحداث التي تنتقض معه الطهارة أو يكون من الأحداث التي تقطع الصلاة ولا تنتقض به الطهارة فإن كان مما يؤثر في الطهارة فإنه لا يبنى وإن لم يؤثر فإنه يبنى ولكن بشرط أن لا يزيد على ما لا بد من فعله في إزالة ذلك السبب القاطع للصلاة فإن زاد لم يبن وأعاد

(وصل الاعتبار في ذلك)

القاطع للمناجاة والحائل بينك وبين المشاهدة هل يؤثر في الدار الآخرة عند الرؤية بحيث أن يكون كالفراق بين الحلبتين أو لا يؤثر ولا تتصل الرؤية والمشاهدة فإن كان القاطع حدثا وهو ما يؤثر في الايمان فإنه لا يكون ثمرة لما تقدم له قبل هذا الحدث من المناجاة المشروعة فهو بمنزلة الذي لا يبنى وإن كان القاطع رؤية سبب واستناد إليه فإنه يجني ثمرة ما تقدم له من المناجاة قبل طروء هذا القاطع السببي وهو بمنزلة الذي يبنى بلا شك‏

(وصل في فصل المصلي)

إلى سترة أو إلى غير سترة فيمر بين يديه شي‏ء هل يقطع الصلاة عليه أو لا يقطع فمن قائل لا يقطع الصلاة شي‏ء ومن قائل يقطعها المرأة والكلب والحمار إذا مر بين يديه أو بينه وبين سترته والذي أقول به إن المار مأثوم وأن المصلي مأمور بأن يحول بينه وبين المرور ويدفعه ما استطاع فإن لم يفعل ولم يدفعه فالمصلي مأثوم والصلاة صحيحة بكل وجه والحد الذي يلزمه دفعه عنه هو حد موضع جبهته في سجوده من الأرض فإذا حال بينه وبين موضع سجوده فذلك المأمور بأن يدفعه ويقاتله وما زاد على ذلك فلا يلزم المصلي دفعه ولا قتاله والإثم يتعلق بالمار في القدر الذي يسمى بين يديه عند العرب إذ لم يحد الشارع في ذلك شيئا

(الاعتبار في ذلك)

الحق قبلة العبد فمن مر بين الله وبين عبده بنفسه لا بربه فوباله يحور عليه وللمصلي الذي هو المناجي أن ينبهه ويرده عن رؤية نفسه في ذلك فإنه مأمور بالنصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين ولأئمتهم ولكافة الناس أجمعين فإن تعين عليه موضع النصيحة ولم ينصح كان آثما والمناجي على حاله صحيح المناجاة على كل حال وإن كان مأثوما فإن كان المار خاطرا يخطر له في حال صلاته بينه وبين ربه فإن كان في صلاة صحيحة بقلبه فمن المحال أن يمر به خلاف ما هو به بحسب الآية التي يكون فيها أو الذكر وأما غير ذلك فلا يجد منفذا وأما إن كان ساهيا عن نفسه ومرت الخواطر فلا يخلو في أول العقد والاستحضار إن كان حاضرا مع ربه فلا يبالي بما خطر له وصلاته صحيحة فإنه حاضر مع نفسه إنه مناج ربه فإن كان ممن يناجي ربه في كل شي‏ء في حال صلاته كعمر بن الخطاب أو يرى أن كل شي‏ء صادر عن الحق في حال مناجاته بينه وبين ربه كأبي بكر فصلاته في باطنه صحيحة

الصفحة 477 من الجزء 1

وذلك الصادر لا يخلو من أن يكون ذا إرادة أو لا يكون فإن لم يكن فلا شي‏ء عليه وإن كان ذا إرادة فلا يخلو ما أن يكون مجبورا في مروره بين يديه في عين اختياره عنده أو لا يكون إلا مختارا فالمختار يأثم والمجبور ليس بإثم‏

(وصل في فصل النفخ في الصلاة)

فقوم كرهوه وقوم أوجبوا منه الإعادة وقوم فرقوا بين أن يسمع أو لا يسمع فاعلم إن راجع ذلك إلى أنه كلام أو ليس بكلام وهو غير حسن بلا خلاف‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

عيسى عليه السلام حاضر مع ربه في كل حال ولم يقطع نفخه الروح في الطائر حضوره مع ربه ونفخه وقع بإذنه وكيف يؤذن له فيما يحجبه عن حضوره مع ربه وهو مطلوب هو وكل مخلوق أن لا يزال الحق بين أعينهم وفي سرائرهم كما لا يزال بعينه وهو المراقبة في الطرفين فمن اعتبر النفخ بدلا من كن جعله كلاما ومن اعتبره لا بمعنى كن وإنما اعتبره سببا لم يجعله كلاما ويجعل قوله بِإِذْنِي معمولا لقوله فَيَكُونُ (طَيْراً) طائرا لا لقوله فَتَنْفُخُ فِيها

(وصل في فصل الضحك في الصلاة)

اتفقوا على أنه يقطع الصلاة واختلفوا في التبسم فمن قائل هو بمنزلة الضحك فقال يقطع الصلاة ومن قائل لا يلحق بالضحك فلا يقطع الصلاة

(وصل الاعتبار في ذلك)

الضحك للمناجي يقدح في الهيبة والأدب وغير الأديب لا يناجي فإن تبسم لا يخلو ما أن يتبسم من أجل ضحك ربه في نازلة تقع كمثل عجوز موسى عليه السلام وقصة هناد فمن الأدب أن يتبسم العبد في مثل هذه النوازل لضحك الحق وأما إن كان في نازلة تعطي التبسم لنفسه فتبسم فإنه سيئ الأدب فلا يصلح للحضور ويحال بينه وبين الحضور فيستأنف التوبة والعمل فهو بمنزلة من يقول إن التبسم يقطع الصلاة

(وصل في فصل صلاة الحاقن)

فمن قائل تبطل صلاته ويعيد ومن قائل بالكراهة والذي أذهب إليه أن النهي لا يدل على فساد المنهي وإنما يدل على تأثيم فاعله فقط فتكون صلاة الحاقن جائزة وهو مأثوم كالمصلي في الدار المغصوبة

(وصل الاعتبار في ذلك)

الخبيث السريرة في حال الصلاة المفكر في سوء يفعله أو يوقعه بأحد إذا فرغ من صلاته مع كونه مؤمنا فالصلاة صحيحة وهو ممن حدث نفسه بسوء وقد عفا عن ذلك ما لم يعمل أو يتكلم به‏

(وصل في فصل المصلي يرد السلام على من يسلم عليه)

فرخصت فيه طائفة وبه أقول فإنه ذكر الله وهو من الأذكار المشروعة في التشهد في الصلاة فله أصل يرجع إليه والدعاء في الصلاة جائز وفيه ذكر الناس مثل قول المصلي اغفر لي ولو الذي ومنع ذلك قوم بالقول وأجازوه بالإشارة ومنعه آخرون على الإطلاق وأجاز قوم أن يرده في نفسه وقال قوم يرد إذا فرغ من الصلاة

(وصل الاعتبار في ذلك)

قال تعالى وإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا فجاء بالفاء فلا يجوز التأخير ولم يخص صلاة من غيرها فكل ذكر لله مشروع بدعاء أو غيره معين كتشميت العاطس ورد السلام فإنه يجوز التلفظ به في الصلاة وغيرها إذا لم يكن واجبا فكيف والوجوب مقرون برد السلام وتشميت العاطس إذا حمد الله انتهى الجزء الثالث والأربعون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل فصل القضاء)

[وجوب القضاء على الناسي والنائم‏]

اتفق المسلمون على وجوبه على الناسي والنائم واختلفوا في العامد والمغمى عليه والذي أذهب إليه أن الناسي والنائم وجب على كل واحد منهما أداء الصلاة التي نام عنها أو نسيها فإن أراد الفقهاء بالقضاء وجوب الصلاة عليه كما يريدون بالأداء فيه أقول وإن أرادوا به الفرقان بين من أداها في الوقت المعلوم المخاطب به اليقظان الذي يعصي العامد لتركها فيه وبين أدائها في وقت تذكر الناسي ويقظة النائم بالقضاء فلا بأس وإن أرادوا بالقضاء خلاف ما ذكرناه وإنه غير مؤد للصلاة وإنه صلاها في غير وقتها على خلاف صورة ما ذكرناه فلا أقول به فإن الناسي والنائم غير مخاطب بتلك الصلاة في حال‏

الصفحة 478 من الجزء 1

نسيانه ونومه وما ذلك وقتها في حقهما فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولو لا إن الشارع جعل للناسي وللنائم وقتا عند الذكرى واليقظة لسقطت تلك الصلاة عنهما مع خروج الوقت المعلوم لها عند المتيقظين الذاكرين كما تسقط عن المغمى عليه‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

الناسي هو العارف بأنه ما في الوجود إلا الله وصفاته وأفعاله وأنه عين الوجود فيلزم صاحب هذا المقام من المعرفة بالله من الأدب مع الله ما تقتضيه هذه المعرفة وهو معلوم مذكور في هذا الكتاب وفي علم طريق الله فإذا نسي هذا العارف هذه المعرفة وأساء الأدب مع الله الذي تعطيه هذه المعرفة لم يؤاخذ به بل إن كان له ذكر مقرر في حق من ليست له هذه المعرفة فهو عند الله بحسب ما ذكره وقرره في حق ذلك إن خيرا فخيرا وإن شر فشر فإن الناسي قد يكون سبب نسيانه استفراغه في شغل محرم أو في شغل مباح أو في شغل مندوب فيكون مأجورا في نسيانه من حيث ذلك المندوب لا من حيث النسيان ويكون مأثوما من حيث ذلك المحرم ويكون معرى عن الأجر والوزر من حيث ذلك المباح فإذا تذكر هذا الناسي معرفته عاملها بما يقتضيه أدبها وتعين عليه فيما مضى من أحكامها وآدابها في حال نسيانه في حركاته وسكناته أن يحضرها في نفسه على الحد الذي يقتضيه معرفته فيها فإذا أحضرها أحضر في نفسه ما ينبغي لها من الآداب فذلك وقتها فإن لم يفعل آخذه الله بما كان فيها في حال نسيانه من سوء الأدب بسبب عدم استحضارها في وقت الذكرى فإن الله يقول أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏

[نوم العارفين‏]

وأما اعتبار النائم العارف هذه المعرفة فهو الذي حجبه النظر في طبيعته وما لها من الحكم فيه من غير نظر إلى مكونها وهو ضرب خاص من النسيان لأنه تارك للعمل أو غير موجود منه العمل المطلوب في تلك الحالة فإن كان نظره الذي هو نومه في حكم طبيعته من حيث ما تقتضيه حقيقتها لذاتها غير ذاكر ولا مشاهد لموجد عينها لم يؤاخذه الله بما نقصه من الأدب الذي يطلب به الحاضر مع معرفته فمتى استيقظ هذا النائم أحضر الحق في نفسه موجد العين تلك الطبيعة مع تقرير حكمها التابع لوجود عينها كالأحوال فيتأدب بالحضور الذي يليق بتلك المسألة مع الله فيكون بمنزلة من لم ينم في ذلك الاستحضار فإن لم يفعل عوقب من كونه لم يستحضره لا من كونه كان قد نام عنها فإن كانت الأسباب الموجبة لنومه أمورا كان حظه فيها على حكم وجه الشرع لها فيتعلق الإثم به من حيث ذلك السبب وحكم الشرع لا من حكم نومه أو يتعلق به الأجران كان حكم الشرع فيه الأجر من حيث ذلك السبب لا من حيث نومه سواء فهكذا ينبغي أن يكون نوم العارفين ونسيانهم في هذا الاعتبار في المعرفة بالله‏

[تعليقات واعتبارات خطاب الشرع‏]

فإن خطاب الشرع إذا تعلق بالظاهر كان اعتباره في الباطن وإذا تعلق خطاب الشرع بالباطن كان اعتباره في الظاهر فالعالم لا يزال ناظرا إلى الشارع بمن علق الحكم فيما جاء به في هذه المسألة الخاصة هل بالظاهر مثل الحركات أو بالباطن مثل النية والحسد والغل وتمني الخير للمؤمنين والظن الحسن والظن القبيح فحيث ما علق الشارع خطاب اللسان الظاهر به كان الاعتبار في مقابله أو في مقابل الحكم كالظن الحسن يقابله الظن القبيح ويقابله الفعل الحسن في الظاهر هذه مقابلة الموطن كفعل الخير مع الذمي من كونه مقرا بربه غير عارف بما ينبغي له‏

(وصل في فصل العامد والمغمى عليه)

اختلف العلماء فيه فمن قائل إن العامد يجب عليه القضاء ومن قائل لا يجب عليه القضاء وبه أقول وما اختلف فيه أحد أنه آثم وأما المغمى عليه فمن قائل لا قضاء عليه وبه أقول ومن قائل بوجوب القضاء وهو الأحسن عندي فإنه إن لم تكتب له في نفس الأمر فريضة كتبت له نافلة فهو الأحوط فالقائلون بوجوب القضاء منهم من اشترط القضاء في عدد معلوم فقالوا يقضى في الخمس فما دونها

(وصل الاعتبار في ذلك)

أما العامد في ترك ما أمره الله به فلا قضاء عليه فإنه ممن أضله الله على علم فينبغي أن يسلم إسلاما جديدا فإنه مجاهر وهذا لا يمكن أن يقع ممن أخذ علمه بالله عن ذوق وكشف وإنما يقع هذا ممن أخذ علمه بالله عن دليل ونظر فيقول الحركات والسكنات كلها بيد الله فما جعل في نفسي أداء ما أمرني بأدائه يقول وعلى الحقيقة فهو الآمر والسامع والمخاطب فهو على بصيرة والمخاطب تشقيه وتحول بينه وبين سعادته فتضره في الآخرة وإن التذ بها في الدنيا ولا يضر الله شي‏ء وهذه مجاهرة بحق لا تنفع فلو كان عن ذوق وكشف منعته هيبة الجلال وعظيم المقام وسلطان الحال الذوقي أن يكون مثل هذا ويترك أداء حق الله على صحو فهو بمنزلة من‏

الصفحة 479 من الجزء 1

يسب السلطان لعدم نظره إليه فإذا فاجأه حكمت الهيبة على قلبه فسارع إلى أمره فمثل هذا العلم لا ينفعه فإنه عن دليل كأعمى يمشي بعصا لا عن بصيرة كمن يقتدي ببصره في طريقة

[صاحب الحال الذي أفناه الجلال أو هيمه الجمال‏]

وأما اعتبار المغمى عليه فهو صاحب الحال الذي أفناه الجلال أو هيمه الجمال فلا يعقل فيكون الحق متوليه في تلك الغيبة في حسه بما شاء أن يجريه عليه وقد أقمت أنا في هذه الحالة مدة ولم أخل بشي‏ء من حركات الصلاة الظاهرة بالجماعة على أتم ما يمكن إماما ولا علم لي بشي‏ء من هذا كله فلما أفقت ورددت إلى حسي في عالم الشهادة أعلمني الحاضرون أنه ما فاتني شي‏ء مما توجه علي من التكليف كما يتوجه على العاقل الذاكر ومن أهل طريقنا من لا تكون له هذه الحالة وهي حالة شريفة حيث لم يجر عليه لسان ذنب (و حكي) عن الشبلي أنه كان يأخذه الوله ويرد في أوقات الصلوات فإذا فرغ من الصلاة أخذه الوله فقال الجنيد حين قيل له عنه الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب فقد يمكن أن يكون الشبلي في ذلك الوقت يصلي به وهو غير عالم بذلك وحكم الناس الحاضرون عليه بأنه مردود لما رأوه من أدائه الصلاة مثل ما اتفق لنا فقالوا بصورة الظاهر منه وهو في نفس الأمر لا علم له ومنهم من يرد وليس كلامنا إلا فيمن أخذ عن نفسه في وقت أداء فرض عليه في الظاهر وأما في غير ذلك الوقت فما هي مسألتنا

[اعتبار اشتراط الخمس في المغمى عليه‏]

وأما الذين اشترطوا الخمس فما دونها لأن كل صلاة من الخمس أصل مغايرة للأخرى في الوقت وبعض الصفات فإذا انقضت الخمس كان ما بعد الخمس بصفة كل واحدة منهن فاعتبرهن لكونهن أصولا وما قصر هذا الفقيه في مثل هذا فإنها حكمة بالغة لمن عرف الحقائق من هذا الطريق ومن عرف أن الحقيقة تقتضي أن لا تكرار لم يقل بذلك وهو الأصل الأول والعارف بحسب ما يفتح عليه في وقته‏

(وصل في فصل صفة القضاء)

[نوعا القضاء وأحكامها]

القضاء نوعان قضاء لجملة الصلاة وقضاء لبعضها أما قضاء الجملة فله صفة وشرط ووقت فأما الصفة فهي بعينها صفة الأداء فيما في نفس الصلاة من الأعراض فإن اختلفت الأحوال مثل أن يذكر صلاة نسيها في حال سفره في حال حضره وبالعكس فهذا معنى اختلاف الأحوال فمن قائل يقضي مثل الذي عليه ولا يراعى وقت الذكر ومن قائل يقضي أربعا أبدا سفرية كانت أو حضرية ومن قائل يقضي أبدا فرض الحال أعني وقت الذكر فإن كان في سفر والذي نسيها حضرية قضاها سفرية وبالعكس وبه أقول فإن ذلك وقتها عندنا

(وصل الاعتبار في ذلك)

من رأى أن الحال له حكم في المقام قال بقولنا ومن رأى أن الحال لا حكم لها لأن الدنيا ليست بقوة للحال عمل بحكم المقام فادى مثل ما عليه ومن رأى أن المقام الذي هو فيه الأصل الذي يعتمد عليه ولا حكم لمقام آخر مع تداخل المقامات بعضها على بعض كالورع والزهد يجمعهما الترك والتسليم والتفويض والتوكل يجمع ذلك كله عدم الاعتراض في المقدور والرضي بحكم الله في وارد الوقت فيعمل بالأتم الأعم وهو الذي يقضي أربعا أبدا والشارع إنما يعتبر الأحوال وعليها تتوجه الأحكام والذوات محال للأحوال تبعا فزيد المختار الميتة عليه حرام وإذا اتصف زيد المختار بالاضطرار فالميتة له حلال وهو زيد بعينه وإنما اختلفت الأحوال فاختلفت الأحكام فلهذا يقضي الحضرية سفرية إذا كان حاله السفر في وقت الذكر ويقضي السفرية حضرية إذا كان حاله الحضر في وقت الذكر

(وصل في الشرط)

[شرط القضاء شرعا]

وأما شرطه الذي اختلف فيه فهو الترتيب واختلفوا في وجوب ترتيب القضاء في المنسيات من الصلاة مع الصلاة الحاضرة في وقت الذكر وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من واحدة فذهب قوم إلى أن الترتيب واجب فيها في الخمس صلوات فما دونها وأنه يبدأ بالمنسيات وإن فات وقت الحاضرة حتى لو ذكرها وهو في نفس الصلاة الحاضرة فسدت عليه الصلاة التي هو فيها مع الذكرى وقال بعضهم بمثل هذا القول إلا أنهم رأوا وجوب الترتيب مع اتساع وقت الحاضرة واتفق هؤلاء على سقوط وجوب الترتيب مع النسيان وقال آخر لا يجب الترتيب ولكن إن كان في وقت الحاضرة اتساع فالترتيب حسن‏

(وصل الاعتبار في هذا الشرط)

الحكم عند المحققين للوقت لا لغيره وذكر المنسي له الوقت فالحكم له ولا اتساع للوقت عندنا فإنه زمن فرد وإنما الاتساع في بعض الأوقات المشروعة للاحكام واتساع الأوقات عند العارفين إنما هو مثلا من كونها صلاة أو هيأة مخصوصة في عبادة فتلك الهيئة وذلك الاسم يصحبها دائما في وقتها وفي تكرار تلك الصورة

الصفحة 480 من الجزء 1

في أوقات متعددة فمن هنالك يقولون باتساع الوقت وهو أوقات ومن لم يكن من العارفين صاحب نفس قال باتساع الوقت وهم أهل الشرب والري والأول أعرف بالحقائق وأكشف لدقائق الأمور فإن التجليات والأحوال تختلف مع الأنفاس وما يعلم ذلك إلا القليل من العلماء بالله من أهل الله فإن الحس والطبع يحجبان العقل عما تعطيه مرتبته من النظر في دقائق الأمور ولطائفها وبسائطها

(وصل تنبيه)

هذه المسألة ما ثم أصل يرجع إليه فيها فإن أوقات الصلوات المنسيات مختلفة ولا يكون الترتيب في القضاء إلا في الوقت الواحد الذي يكون بعينه وقتا للصلاتين معا وهذا يتصور في مذهب من يقول بالجمع بين الصلاتين فيكون له أصل يرجع إليه في نظره‏

(وصل في فصل) القضاء الثاني الذي هو قضاء بعض الصلاة

فلهذا الفوات سببان الواحد النسيان والثاني ما يفوت المأموم من صلاة الإمام‏

(اعتبار السببين)

أما النسيان فيعلم ما يقتضيه المقام الذي هو فيه مما ينبغي أن يعامله به فينسى بعض الوجوه مما يقدح فيما ينتجه من المنازل والكرامات‏

[طلب السبب وصحة نتائج المقام‏]

والسبب الثاني هو أن يكون للإمام الذي هو الشرع المتبع فيه قول وحكم فما وصل إليه فإذا أخذ في تحصيل المقام وأكمله على حد ما علمه رأى نقصا في نتيجته فطلب علم السبب فوجد نفسه قد ترك منه ما ينبغي له أن يستعمله ولم يكن له علم بذلك فعثر على حديث نبوي أو آية من كتاب الله تعالى فاته العمل بذلك فعمل على ذلك فصح له نتائج المقام فهذا بمنزلة ما فاته من صلاة الإمام‏

[وحشة أبي يزيد البسطامي من السراج‏]

كأبي يزيد البسطامي أوحشه السراج ليلة وكان حاله الورع فقال لأصحابه إني أجد في السراج وحشة فقالوا يا سيدنا استعرنا قارورة من البقال لنسوق فيها الدهن مرة واحدة فسقناه فيها مرتين فقال عرفوا البقال وأرضوه ففعلوا وزالت الوحشة وكان رضي الله عنه في حال كان وقته التجريد وعدم الادخار فقال يوما لأصحابه فقدت قلبي فاطلبوا البيت فوجدوا فيه معلاق عنب فقال رجع بيتنا بيت البقالين فتصدقوا به فوجد قلبه‏

[غزالة أبي مدين‏]

واتفق لشيخنا أبي مدين وكان وقته التجريد وعدم الادخار فنسي في جيبه دينارا وكان كثيرا ما يرتب منقطعا في جبل الكواكب وكانت هناك غزالة نأتي إليه فتدر عليه فيكون ذلك قوته فلما جاء إلى الجبل جاءت الغزالة وهو محتاج إلى الطعام فمد يده على عادته إليها ليشرب من لبنها فنفرت عنه وما زالت تنطحه بقرونها وكلما مد يده إليها نفرت منه ففكر في سبب ذلك فتذكر الدينار فأخرجه من جيبه ورمى به في موضع فقده ولا يجده فجاءت إليه الغزالة وآنست به ودرت عليه‏

(وصل في فصل المأموم يفوته بعض الصلاة مع الإمام)

إذا دخل الإنسان والإمام قد هوى إلى الركوع فقال قوم إذا أدرك الإمام ولم يرفع رأسه من الركوع وركع معه فهو مدرك للركعة وليس عليه قضاؤها وهؤلاء اختلفوا في شرط هذا الداخل هل من شرط هذا الداخل أن يكبر تكبيرتين تكبيرة للإحرام وتكبيرة للركوع أو تجزيه تكبيرة الركوع وإن كانت تجزيه فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الإحرام أم ليس ذلك من شرطها فقال بعضهم تكفيه تكبيرة واحدة إذا نوى بها تكبيرة الإحرام وقال قوم لا بد من تكبيرتين وقال قوم تجزيه تكبيرة واحدة وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح وأما القول الثاني فذهب قوم إلى أنه إذا رفع الإمام فقد فاتته الركعة ما لم يدركه قائما قاله أبو هريرة وقول ثالث وهو إذا انتهى الداخل إلى الصف الأخير وقد رفع الإمام رأسه ولم يرفع بعضهم فأدرك ذلك أنه يجزيه لأن بعضهم أئمة لبعض والذي أذهب إليه في ذلك أنه من راعى الركعة اللغوية قال من أدركه في حال الانحناء ومن راعى الركعة الشرعية وهي القيام والانحناء والسجود قال إنه لم يدركه إذا لم يدركه قائما في حال تكبيره ودخوله في الصلاة أعني هذا الداخل ومراعاة الركعة الشرعية أولى غير أن الشرع أيضا قد سمي الانحناء ركوعا كما هو في اللغة في‏

قوله صلى الله عليه وسلم حين نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال اجعلوها في ركوعكم‏

يريد وقت الانحناء وبالجملة فهي مسألة فيها نظر وكل ناظر بحسب ما أعطاه دليله الذي أداه إليه اجتهاده ومذهبنا في هذه المسألة ما كملته على ما هو عندي لما فيه من الطول وما نعبد الله الناس بنظري فهو حكم يخضني أعطانيه دليلي‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

إمام العلماء بالله هو الحق سبحانه فإذا نزل إليهم في ألطافه‏

الصفحة 481 من الجزء 1

الخفية بأوصاف البشرية من الفرح بهم والضحك لهم والتبشش لقدومهم عليه يريدون مناجاته في بيته يا عبدي يا عبدي إن شردت عني دعوتك إلي بالحال وهو عبارة عن دخول وقت الصلاة بالقول وهو عبارة عن الأذان يا عبدي وإن عصيتني سترت عليك بأن سترتك عن أعين من وليته إقامة حدودي فيك وفي أمثالك فلم أؤاخذك وتحببت إليك بالنعم وجررت على خطيئتك ذيل الكرم فمحا آثارها كرمي ودعتك إلي بالقدوم على نعمي فإن رجعت إلى قبلتك على ما كان منك من يفعل معك ذلك مع غناه عنك وفقرك إليه غيري فهذا من الحق بمنزلة الركوع من العبد فإذا فات المصلي أن يدرك من الحق مثل هذا كما فاته أن يسمع قول الحق في صلاته حمدني عبدي وأثنى على عبدي ومجدني عبدي وفوض إلى عبدي بسمعه لا بإيمانه وتملق العبد لمولاه وتحبب إليه وعرف أنه ما نزل إليه سبحانه هذا النزول إلا لسر خفي أبطنه فيه فينزهه العبد عن كل ما نزل فيه إليه بأن يقول سبحانك ليس كمثلك شي‏ء

[تنزيه العبد ونزول الحق‏]

ولهذا أمر العبد بالتنزيه في الركوع ليقابل بذلك نزول الحق إليه بمثل ما ذكرناه من كونه سبحانه يصلي علينا فينزلنا في صلاته علينا على ثلاث مراتب المرتبة الواحدة أن يجعلنا في صلاته علينا كالوطاء الذي نصلي عليه والثانية أن يصلي علينا صلاتنا على الجنازة والثالثة كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولكل نوع طائفة معينة لها حال معين فإنه سبحانه قد ذكر أنه يصلي علينا فقال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ كما قال فجمع بينه وبين ملائكته في الصلاة على نبيه فقال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بصلاتنا عليه صَلُّوا عَلَيْهِ وقد أمره بالجزاء فقال وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ فما أعجب القرآن لمن تدبر آياته وتذكر فينبغي للعبد أن يكون بين يدي الحق عند صلاته عليه كالجنازة ميتا لا حراك له ولا دعوى وهو في قبلة ربه فإن وافق ركوع العبد نزول الحق إليه بمثل قوله قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فقد أدرك الركعة ومن لم يقابل نزول الحق بركوعه عند هذا النزول الإلهي بالاسم الكريم إليه فما أدرك الركعة لغوية كانت أو شرعية

[قيام الحق بمصالح عباده‏]

فإن اعتباره في إدراكه قائما قبل أن يركع يعني قبل أن ينحني فهو قيامه بمصالح عباده ونظره لهم في قيامه بهم فإنه القائم عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ بعين الرحمة فيرزقهم ويحسن إليهم وهم به مشركون وكافرون وقل عن الأدباء ما شئت ويدعوهم وهم عنه معرضون وعلى هواهم الذي اتخذوه إلها مقبلون‏

[أعظم التنزل الإلهي‏]

وكذلك في السجود في مذهب من يرى الركعة المعتبرة للشرع أنها القيام من قيامه والانحناء من حنوه على عباده باسمه الحنان بما ذكرناه والسجود الإلهي وهو أعظم النزول الإلهي الذي أنزل الحق فيه نفسه منزلة عبده وهوقوله مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني‏

وأكثر من هذا النزول الإلهي فلا يكون‏

ثم فسر ذلك بأن فلانا مرض وفلانا جاع وفلانا ظمى‏ء

فأنزل نفسه منازلهم في أحوالهم وأضاف ذلك إليه في كنايته عن نفسه بهذه الأحوال‏

[الركعة الإلهية والركعة المشروعة]

فمن أدرك ذلك كله من الحق في صلاته فقد أدرك الركعة الإلهية من حيث إن الحق إمامه فيقابله العبد بما يستحق هذا الإنعام الإلهي من الشكر بالثناء بأوصاف السلب والتنزيه والكبرياء والعلو والعظمة والجبروت فهذه هي الركعة المشروعة والخلاف في هذه المسألة يؤول إلى اختلاف العلماء في الأخذ ببعض دلالة الأسماء أو بكلها فقد يسمى بعض الركعة ركعة كما يسمى كلها بجميع أجزائها ركعة كما يقال في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الذكر فمن غسل رأس ذكره أجزأه فإنه ينطلق عليه اسم الذكر فيقال في اللسان فيمن غسل رأس ذكره إنه غسل ذكره وإن لم يعمه كغسل اسم اليد

(وصل في فصل مما يتعلق بهذا الباب)

[سهو المأموم عن اتباع الإمام في الركوع‏]

إذا سها المأموم عن اتباع الإمام في الركوع حتى يسجد فقال قوم إذا فاته إدراك الركوع معه فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضاؤها وقال قوم يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن يقوم الإمام إلى الركعة الثانية وقال قوم يتبعه ويتعبد بالركعة ما لم يرفع الإمام رأسه من الانحناء من الركعة الثانية وهذه الأقوال المختلفة تنبني عندي على مفهومهم من‏

قوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه‏

الحديث فهل من شرط المأموم أن يقارن فعله فعل الإمام أو ليس من شرطه وهل هذا شرط في جميع أجزاء الركعة المشروعة الثلاثة وهو القيام والانحناء والسجود أم‏

الصفحة 482 من الجزء 1

إنما هو شرط في بعضها وإذا كان الإمام في فعل جزء من أجزاء الركعة والمأموم في جزء آخر وقد قال لا تختلفوا عليه فهو اختلاف عليه وهذا الحديث إذا حققه الإنسان مع أحاديث أخر معلومة في هذه المسألة عينها فإنه يبدو له أن كل قول في هذه المسألة مما حكيناه له متعلق فجميع أقوالهم مشروعة وإن اختلفت فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة

(وصل الاعتبار في ذلك)

سهو العبد عن اتباع الحق فيما أمره به ونهاه عنه أو فيما ينبغي أن يتأدب به معه في مقابلة إنعامه وإحسانه شكرا مؤثر في إبطال ما فاته من علم ما كان يحصل له من تجليه في ذلك القدر الذي فاته واختلف أصحابنا في هذه المسألة على ما نذكره فقال قوم إذا فاتتك نظرة واحدة من الحق في وقتك وقد كنت تشهده قبل ذلك مستصحبا من وقت معرفتك به الذوقية وكان ما فاتك منه في نظرة وقتك أكثر مما نلته مما تقدم إلى وقتك وأنا أذكر ما السبب في ذلك وهو أن كل نظرة تكون من العبد إلى الحق في تجليه له تتضمن معرفة كل نظرة ولذتها مما تقدمتها وتزيد على ذلك بما تعطيه حقيقة نظرة الوقت فقد فاته خير كثير فعليه قضاء ما فات ليحصل له هذا العلم ووقع لهم في هذا غلط كبير من حيث لا يشعرون وذلك أن المصلي إذا فاته مع الإمام ما فاته فما أدرك فهي أول صلاته ويتم على ما هي الصلاة المشروعة وما عندنا قاض إلا إذا كان القضاء بمعنى الأداء فهو صحيح وأما غلط أصحابنا فإن الذي تقدم هذه النظرة الوقتية من نظرات التجلي فهي هنا بحكم التبعية لهذه النظرة وكل نظرة في وقتها في عين سلطانها وأين تصرف الشي‏ء في ملكه من تصرفه في ملك غيره فافهم‏

[إدراك الأمر بحكم التضمين وإدراكه بحكم المشاهدة]

ثم نرجع ونقول وقال قوم من أصحابنا بأن هذا التجلي الذي هو فيه يتضمن ما فاته وما ناله فيعتد بما أدركه فإنه يناله فيه والذي أذهب إليه هو ما ذكرناه من أن أدرك الأمر بحكم التضمن ما هو مثل إدراكه بحكم التصريح ومشاهدة العين فإن الواحد الذي هو سلطان الوقت هو إدراك تفصيلي عيني له ذوق خاص والآخر المضمن إدراك إجمالي غير عيني فله ذوق آخر متميز عن ذوقه في وقته أين الرؤية لصاحب الورث الموسوي منا وإن كان من مشكاة محمد صلى الله عليه وسلم من الرؤية المحمدية من المحمدي الخالص مع كونها تتضمن الرؤية الموسوية لكنها هنا تبع وفي زمان سلطانها شي‏ء آخر فتتفاضل الورثة في الميراث بحكم طبقاتهم فمن الورثة من يحوز المال كله والوارث النصف والربع والثمن والثلث والسدس إلى غير ذلك‏

[ذائق العسل على حدة وذائقة في شراب التفاح‏]

فالجامع بين إدراكين كل إدراك في مقامه لا يساوي ولا يماثل المدرك لأحدهما دون الآخر من الطرفين فإن الذائق العسل على حدة ثم بذوقه في شراب التفاح مثلا فقد أدركه ذوقا في الحالين ولكن يجد فرقانا بين الذوقين بلا شك وأين حكمه عسلا من حكمه شرابا أو شراب تفاح‏

(وصل في فصل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام هل هو قضاء أو أداء على اصطلاح الفقهاء)

فإن قلت فهل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام قضاء أو في الظاهر قلنا في الجواب إن الشرع المقرر فيه ثلاث مذاهب مذهب أن يأتي به بعد سلام الإمام فهو قضاء وأن ما أدرك مع الإمام ليس هو أول صلاته ومذهب آخر أن الذي يأتي به بعد سلام الإمام فهو أداء وأن ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته وبه أقول ومذهب ثالث فرق بين الأقوال والأفعال فقال يقضي في الأقوال يعني في القراءة ويكون مؤديا في الأفعال فمن أدرك ركعة من صلاة المغرب على المذهب الأول أعني مذهب القضاء قام إذا سلم الإمام إلى ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة ولا يجلس بينهما وعلى المذهب الثاني يقوم إلى ركعة واحدة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة يجهر فيها ويجلس ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن سرا فقط وعلى المذهب الثالث يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ثم يجلس ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها بأم القرآن وسورة وهذه المذاهب الثلاثة قد وردت في الحديث‏

ورد في الخبر فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا

والإتمام يقتضي أن يكون ما أدركه هو أول صلاته وفي رواية فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا

والقضاء يوجب أن يكون ما أدرك فهو آخر صلاته ومن استعمل الحديثين أعني الروايتين وجمع بين القضاء والأداء فقال يقضي في الأقوال ويكون مؤديا في الأفعال كما بيناه قبل‏

(وصل اعتبار هذا الفصل)

من اعتبر الحكم للاسم الإلهي الذي هو سلطان الوقت وصاحبه فلا يخلو أن كان هو عين ذلك الاسم الذي له حكم تلك الصلاة كلها من أولها إلى آخرها في حق الإمام والمأموم فإنه مؤد بلا شك فإن ذلك الاسم لا ينفصل عن حكم وقته بسلام الإمام بل حتى يسلم وينفصل كل من كان في حكم الإمام‏

الصفحة 483 من الجزء 1

فإن تلك الحالة من ذلك الاسم تستصحب لهذا الذي فاته ما فاته ولو أدركه في آخر جلوس في صلاته ومن اعتبر الحكم للاسم الذي يعطي الركوع وهو غير الاسم الذي يعطي القيام والقراءة وكل حركة في الصلاة لها اسم إلهي مخصوص وإن شاركه اسم آخر أو أسماء أخر إلهية قال القضاء

[حكم الاشتراك بين الأسماء في الصلاة]

ومن اعتبر حكم الاشتراك بين الأسماء في الصلاة وأن لكل اسم فيها نصيبا قال يؤدي في كذا ويقضي في كذا أي يأخذ من تجلى الاسم الفلاني ما يعطيه من المعارف ومن الاسم الآخر ما يعطيه من العلوم وبالذوق في ذلك تتميز الأشياء عند العارفين والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ والْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هُوَ بِالْهَزْلِ وليس جهول بالأمور كمن دري فالق سمعك وأحضر بكلك عسى أن تكون من أهل التحصيل فتكون من المفلحين‏

[السجدة السهو]

(وصل في فصل حكم سجود السهو)

اختلفوا في سجود السهو هل هو فرض أو سنة فمن قائل إنه سنة ومن قائل إنه فرض لكن ليس هو من شرط صحة الصلاة وفرق مالك بين سجود السهو في الأفعال وبين السجود للسهو في الأقوال وبين الزيادة والنقصان فقال سجود السهو الذي يكون للافعال الناقصة واجب وهو عنده من شروط الصلاة

(وصل في اعتبار هذا الفصل)

لما كان السهو سببه الشك أو النسيان والمطلوب اليقين فلا يعبد الله إلا من كان على بينة من ربه أزكاها وأعدلها وأقواها الايمان الذي يجده المؤمن بربه في نفسه مما لا يقدر على دفعه ودونه في القوة والطهارة ما هو مبناه على الأدلة النظرية فإن انضاف إلى المؤمن أو إلى صاحب النظر الكشف كان أقوى من كل واحد من الاثنين على انفراد بلا شك وهذا لا يدخله سهو في صلاته وصاحب النظر وحده هو الذي يدخله السهو وكذلك المؤمن المتزلزل فسجود السهو عليه فرض واجب وهو أنه يرجع في النظر إلى نفسه وفقره وإمكانه وعجزه ليستدل بذلك على معبوده وغناه ووجوب وجوده ونفوذ اقتداره فإن في ذلك العلم ترغيما للشيطان الذي ألقى إليه الشك في علمه أو عبادته‏

[الصلاة مناجاة الحق وشهوده‏]

ولما كانت الصلاة مناجاة الحق وشهوده وقد قيل له‏

اعبد الله كأنك تراه‏

وقيل له‏

إن الله في قبلة المصلي‏

فإذا توجه في صلاته وقيد الحق بجهة الاستقبال كما قيل له إلا أنه أخلاه عن الإحاطة به ومثله كالشخص القائم ينظر إليه ويناجيه في قبلته فقد سها عما يجب للاله من الإحاطة به والإطلاق عن التقييد وهو الذي أيضا سماه الشرع بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فينبغي لمن هذه حالته أن يسجد لسهوه وهو أن يرد ذلك التشبيه والتخيل والتصوير إلى نفسه وهو السجود ويقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا واحدة لحسه والثانية لخياله والثالثة لعقله فينزهه عن إن يكون مدركا لحسه فيتقيد به أو لقيد خياله أو بقيد عقله فذلك ترغيم للشيطان‏

(وصل في فصل في مواضع سجود السهو)

فمن قائل إن موضعه أبدا قبل السلام ومن قائل بعد السلام أبدا ومن قائل إن كان النقصان فقبل السلام وإن كان لزيادة فبعد السلام ومن قائل يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل السلام ويسجد بعد السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السلام فما كان من سجود في غير تلك المواضع فإنه يسجد قبل السلام ومن قائل لا يسجد للسهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط وأما غير ذلك فإن كان فرضا أتى به وإن كان ندبا لم يكن عليه شي‏ء والذي أقول به واذهب إليه أن المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها فما سجد له قبل السلام يسجد له قبل السلام وما سجد له بعد السلام يسجد له بعد السلام وأما غير ذلك مما سها فيه المصلي فهو مخير إن شاء سجد لذلك قبل السلام وإن شاء سجد له بعد السلام‏

(وصل اعتبار هذا الفصل)

قال الله تعالى لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ ومن بَعْدُ فإن قدم نظره لله على نظره لنفسه فيما سها فيه كان كمن سجد قبل السلام وهو مقام الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله‏

[رؤية الله بعد كل شي‏ء]

وإن قدم نظره في نفسه على نظره في ربه كما

قال صلى الله عليه وسلم من عرف نفسه عرف ربه‏

كان كمن سجد بعد السلام وهو مقام من قال ما رأيت شيئا إلا رأيت الله بعده وهو مقام أصحاب الأدلة العقلية على وجود الصانع أي ما رأيت شيئا إلا وكان لي دليلا على الله فهو يتقلب في الأدلة دائما

[العقل والخيال والشرع‏]

وأما الزيادة والنقصان فهو للعقل ما نقصه من حيث فكره من علمه بربه مما لا يستقل بدركه مما وصفه به الشارع‏

الصفحة 484 من الجزء 1

بعد ذلك ولم يكن العقل يدل على إن ذلك الوصف يستحقه جلال الله بل كان يحيله عليه معنى وإطلاقا وأما الزيادة فما يحكم به الخيال على ربه من التقييد والتحديد من غير اعتقاد تنزيه فيما قيده به وحدده فهذا سهو الزيادة وذاك سهو النقصان فإن الله يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ من هذه الآية هو دليل العقل وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هو دليل السمع فجمع معتقد هذا بين الدليلين السمعي والعقلي و

[المواضع الخمس التي سجد فيها رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم للسهو]

أما المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي خمسة شك فسجد 1 وقام من اثنتين ولم يجلس فسجد 2 وسلم من اثنتين فسجد 3 وسلم من ثلاث فسجد 4 وصلى خمسا ساهيا فسجد 5 واختلف الناس في سجوده هل سجد للزيادة والنقصان أو لسهوه فمن قائل لسهوه ومن قائل للزيادة والنقصان والذي أقول به أنه سجد لهما السجدة واحدة لسهوه والثانية للزيادة والنقصان فكان للنقص إتماما وكان للزيادة خيرا نُورٌ عَلى‏ نُورٍ

(وصل في فصل الأفعال والأقوال التي يسجد لها القائلون بسجود السهو)

اتفق العلماء على إن السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض ودون الرغائب فالرغائب لا شي‏ء عندهم فيها إذا سها عنها المصلي في الصلاة ما لم تكن أكثر من رغبة واحدة مثل ما يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان تكبيرة واحدة ويجب بأكثر من واحدة وأما الفرائض فلا يجزي عنها إلا الإتيان بها وجبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها وأما سجود السهو للزيادة فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض والسنن جميعا فهذه الجملة لا خلاف بينهم فيها وكل ما يقول فيه علماء الشريعة مستحب فذلك هو المرغب فيه وما عداه فهو سنة أو فرض والسنة والرغيبة عندهم من باب الندب ويختلف عندهم بالأقل والأكثر في تأكيد الأمر بها وذلك بحسب قرائن أحوال تلك العبادة حتى إن بعضهم يرى في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا أو فعلت عمدا إن كانت تركا أن حكمها في الإثم حكم الواجب مثل لو ترك الإنسان الوتر أو الفجر دائما كان آثما فأما الجلسة الوسطى فاتفقوا على سجود السهو لتركها واختلفوا في الجلسة الوسطى هل هي فرض أو سنة واختلفوا هل يرجع الإمام إذا سبح به إليها أو ليس يرجع وإن رجع متى يرجع فقال الأكثر يرجع ما لم يستو قائما وقال قوم يرجع ما لم تنعقد الركعة التي قام إليها وقال قوم يرجع إن فارق الأرض قيد شبر وإذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه فالأكثر على إن صلاته جائزة وقال قوم تبطل‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

فروض العبادات الحضور مع الحق عند الشروع فيها وسنن العبادات حضور المكلف فيها من حيث ما هو مكلف والرغائب فيها حضور فنائه فيها بتولي الحق أحكامها في جميع أفعالها فمن سها عن الفرائض لم تصح العبادة ولم تجبر إلا بها لا بسجود السهو وقد بينت لك ما معنى اعتبار سجود السهو ومن سها عن السنن سجد لها سجود السهو ومن سها عن الرغائب فهو مخير إن شاء سجد وإن شاء لم يسجد وأما الجلسة الوسطى فقد تكلمنا في اعتبارها في فصل واحد مع السجدة الآخرة فيما تقدم فأما سجود السهو لها فإن السجدة الأولى لسهوه والأخرى للنقص والجلوس لجبر عينها فأشبهت الفرائض التي تجبر بعينها لا بسجود السهو(وصل في فصل صفة سجود السهو)

فقال قوم إذا كانت بعد السلام فيتشهد فيها ويسلم منها وقال قوم إذا كانت قبل السلام يتشهد لها فقط وإن السلام من الصلاة هو سلام منها وقال قوم ممن يرى القبلية للنقصان والبعدية للزيادة إنه لا يتشهد للتي قبل السلام وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من سجود السهو بعد السلام‏

ولم يثبت التشهد في السهو وإن كان قد روى‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

أما قبل السلام فالسلام من الصلاة والتشهد يغني عن تكراره مثل الطواف والسعي أعني طواف القدوم للقارن فإن العمرة تطلب طوافا وسعيا والحج يطلب مثل ذلك وفي مذهب من يرى أنه يجزئ من ذلك طواف واحد وسعى واحد ومن لا يرى ذلك ويرى أن الواجب عليه طوافان وسعيان يرى التشهد والسلام ولكن صاحب هذا المذهب لا يصح أن يقول بالفرق بين الزيادة والنقصان كما إن صاحب المذهب الأول لا يصح أن يقول بالسجود بعد السلام إنما وقع الترغيم للشيطان في ذلك لكونه شرع للسهو السجود دون غيره من أفعال الصلوات‏

الصفحة 485 من الجزء 1

لكونه أمر بالسجود فلم يسجد والسهو أغلبه إنما يقع من الشيطان فلا يجبر إلا بصفة لا يتمكن للشيطان أن يدنو من العبد إذا كان موصوفا بها فشرع له السجود لسهوه فإنه‏

ثبت في الخبر أن الإنسان إذا سجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار

[الإنسان في حال سجوده محفوظ من الشيطان‏]

فالإنسان في حال سجوده محفوظ من الشيطان أن يقر به ولو اقترب منه الشيطان في سجود سهوه لسها في سجود سهوه في حال سجوده وكان يتسلسل الأمر ولهذا لم يرد شرع فيمن سها في سجود سهوه ولو وقع فليس من الشيطان وإذا لم يكن من الشيطان فلا يكون ترغيما له إلا إذا كان السهو من فعله فالسهو لا يلزم أن يكون ولا بد من فعل الشيطان وإنما سببه غيبوبة المصلي عن عبادته فنفس غيبته عنها يكون عنها السهو

[أسباب غيبوبة المصلى عن عبادته‏]

وأسباب الغيبة عن عقل المصلي نفسه في أي جزء هو من صلاته كثيرة فمنها شيطانية ومنها غلب مشاهدته عليه تقتضيها آية من كتاب الله في توحيد أو حكم من أحكام الدين أو جنة أو نار أو ما يستلزم إحداهما فإذا كانت من الشيطان كان سجود السهو له ترغيما على ترغيم من كونه سجودا ومن كونه ما أثر وسواسه فيه بما جبر عليه سجوده لسهوه ولهذا يستحب لكل مصل أن يسجد بعد كل صلاة سجدتي السهو إذ كان الإنسان لا يخلو أن يغيب لحظة في نفس صلاته عن كونه مصليا فما زاد فيكون في ذلك ترغيم للشيطان وهو مذهب الترمذي الحكيم ورأيت جماعة الزيدية تقول به في حق المأمومين ورأيتهم يفعلون ذلك واستحسبته منهم وإن اختلفت المقاصد فهو ترغيم للشيطان على كل حال‏

[اختلاف العلماء في صفة سجود السهو]

قال ابن المنذر في هذه المسألة اختلف العلماء فيها على ستة أقوال فمن قائل لا تشهد فيها ولا تسليم وبه قال أنس والحسن وعطاء ومن قائل فيها تشهد وتسليم وبالقولين أقول غير أني أقول إن التشهد والتسليم فيها ولا بد إلا أنه إذا كان السجود قبل السلام اكتفى بتشهد الصلاة والسلام منها عن تشهد السهو والسلام منه كالقارن وإذا كان بعد السلام تشهد وسلم ومن قائل فيها تشهد دون تسليم وهو قول الحكم وحماد والنخعي ومن قائل فيها تسليم وليس فيها تشهد وهو قول ابن سيرين ومن قائل إن شاء تشهد وسلم وإن شاء لم يفعل قاله عطاء ومن قائل إن سجد قبل السلام لم يتشهد وإن سجد بعد السلام تشهد وهو قول ابن حنبل قال ابن المنذر قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كبر فيها أربع تكبيرات وأنه سلم وفي ثبوت التشهد نظر انتهى الجزء الرابع والأربعون‏

(وصل في فصل سجود السهو لمن هو)

(بسم الله الرحمن الرحيم) اتفق العلماء على إن سجود السهو إنما هو للإمام وللمنفرد واختلفوا في المأموم يسهو هل عليه سجود أم لا فالجماعة إنه لا سجود عليه ويحمل عنه الإمام وقال مكحول يسجد المأموم لسهوه وبه أقول فإنه ما رأينا أن الشارع فرق بين الإمام والمأموم حين ذكر سجود السهو وإنما ذكر المصلي خاصة ولم يخص حالا من حال‏

(الاعتبار في هذا الفصل)

ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ ولا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ فإذا بحثت عن كشف هذا المعنى علمت إن الإمام لا يحمل سهو المأموم وأن مكحولا كحل عينه في هذه المسألة بكحل الإصابة فانجلى عين بصيرته والله الموفق لا رب غيره‏

(وصل في فصل) المأموم يفوته بعض الصلاة

وعلى الإمام سجود سهو متى يسجد المأموم اختلف العلماء فيمن هذه حاله فمن قائل يسجد مع الإمام ثم يقوم لقضاء ما عليه وسواء سجد الإمام قبل السلام أو بعده ومن قائل يقضي ثم يسجد ومن قائل إذا سجدهما قبل التسليم سجدهما معه وإذا سجد بعد التسليم سجدهما بعد أن يقضي ومن قائل يسجدهما مع الإمام ثم يسجدهما ثانية بعد القضاء والذي أقول به لا يخلو المأموم أن يعلم ما سهى فيه الإمام أو لا يعلم فإن لم يعلم فلا يخلو الإمام إما أن يسجدهما قبل السلام فيسجدهما معه فإذا سلم الإمام قام لقضاء ما عليه وإن سجدهما الإمام بعد السلام فلا يتبعه‏

الصفحة 486 من الجزء 1

ويقوم لقضاء ما عليه ولا سجود عليه لسهو الإمام وإن سجد هذا المأموم بعد القضاء فهو أحوط بل استحب لكل مصل أن يسجدهما بعد القضاء كل صلاة يصليها دائما منفردا أو خلف إمام بعد السلام وإن علم المأموم بسهو الإمام فلا يخلو إما أن يكون سهوه فيما فات هذا المأموم أو فيما أدرك معه من الصلاة فإن كان فيما فاته فلا يتبعه في سجوده ولو سجد قبل السلام وإن كان يعلم أن سهو الإمام فيما أدرك معه من الصلاة فإن سجد قبل السلام اتبعه وإن سجد بعد السلام يقضي ما فاته ثم يسجد إلا أن يكون سهو الإمام فيما سهى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أدركه معه هذا الداخل فإنه يتبع الإمام في سجوده قبل السلام وبعده وحينئذ يقوم لقضاء ما عليه‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

يلزم الائتمام بالإمام ما دام يسمى إماما فإذا زال عنه اسم الإمام لم يلزم اتباعه وإمامة الرسول لا ترتفع فالاتباع لازم ومحبة الله لمن اتبعه لازمة بلا شك يقول الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقيل له قُلْ ... فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وإذا أحب الله عبده كان جميع قواه وجوارحه وهو لا يتصرف إلا بقواه وجوارحه فلا يتصرف إلا بالله فيكون محفوظ التصرف في حركاته وسكناته‏

[ما ثم حال ولا صفة في المكلف تخرج عن حكم الشرع‏]

ثم لتعلم أنه من جهة اتصافه بها تكليف المكلف فقد زال عنه إما بالكلية وإما بالتعليق عند جميع الفقهاء وعندنا ليس كذلك لأنه ما ثم حال ولا صفة في مكلف تخرج عن حكم الشرع ممن غلب عليه الحال أو الجنون أو النسيان أو النوم أو الذي لم يبلغ حد الحلم فلم يخرج أحد من هؤلاء عن حكم الشرع فإنه قد شرع لكل صاحب حال وصفة حكما إما بالإحاطة أو غير ذلك من أحكام الشرع لأنه لا يخلو عن حكم مشروع لصاحب تلك الحال فما ثم إلا مكلف فما ارتفع التكليف فإن هؤلاء الذين تقول فيهم الفقهاء قد ارتفع عنهم خطاب الشرع لم يرتفع فإن الشرع قد أباح له التصرف فيما يقتضيه طبعه كالحيوان ولا حرج عليه في ذلك فكيف يقال زال عنه حكم الشرع والشرع قد حكم له بالإباحة كما حكم للعاقل البالغ بالإباحة فيما أباح له فإن الحكم في الأشياء للشرع لا للعقل والشرع هو حكم الله في الأشياء وما ثم شي‏ء خرج عن حكم الله فيه بأمر ما هذا نظر أهل الله لأنهم لا يزالون في كل نفس حاضرين مع الله‏

[أحكام الشرع وإن تعلقت بالأعيان مبنية على الأحوال‏]

وأحكام الشرع وإن تعلقت بالأعيان فإنها مبنية على الأحوال فما خوطبت عين بأمر ما إلا لحال هي عليه لأجل ذلك الحال خوطب بما خوطب به لا لعينه فإن العين لا تزال باقية والأحوال تتغير فيتغير حكم الشرع على العين لتغير الحال فحال الطفولة والإغماء والجنون وغلبة الحال والفناء والسكر والمرض للشرع فيها أحكام كما لحال الرجولة والإفاقة والصحة والبقاء والصحو وعدم غلبة الحال للشرع فيها أحكام فحكم الشرع سار في جميع الأحوال لمن عقل سريان الحق في وجود الأعيان‏

(وصل في فصل التسبيح والتصفيق من المأمومين لسهو الإمام)

فقال قوم التسبيح للرجال والنساء وقال آخرون التسبيح للرجال والتصفيق للنساء وبه أقول وإليه أذهب للخبر الوارد فيه‏

(وصل الاعتبار في هذا)

من اعتبر الإنسانية الحق النساء بالرجال كما ألحقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجال في الكمال ومن اعتبر الذكورة والأنوثة وقول الله تعالى ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وغلب الفاعل على المنفعل فرق بين الرجال والنساء فجعل التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فإن كلام المرأة يثير الشهوة بالطبع ولا سيما إن كان في كلامها خضوع وانكسار وفي خيال السامع أنها أنثى وفي قلبه مرض والله قد نهاهن عن الخضوع في القول فقال فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً ففي هذه الآية إباحة كلام النساء الرجال على وصف خاص‏

[العارف دائما مع ما يعتبره الحق في مناجاته‏]

ولا شك أن المصلي في حال مناجاة ربه فإذا سبحت المرأة به حيف عليه الميل الطبيعي الخيالي إليها فهو مع التصفيق لا يؤمن عليه فكيف مع الكلام فالعارف هنا مع ما يعتبره مع الحق في مناجاته فأما إن يناجيه بعقله وإما بنفسه وطبعه وهو بحسب قوته فإن كان صحيحا قويا فلا يبالي بما وقعت المناجاة فيستوي عنده الرجال والنساء وأن يعرف نفسه أن فيها بقية من ذاتها وعندها مرض فرق بين عقله وطبعه حتى يتخلص هكذا هو نظر أهل الله في نفوسهم‏

(وصل في فصل سجود السهو لموضع الشك)

اختلف العلماء فيمن شك في صلاته فلم يدركه صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا فمن العلماء من قال يبني على اليقين‏

الصفحة 487 من الجزء 1

وهو الأقل ولا يجزيه التحري ويسجد ومنهم من قال إن كان أول أمره فسدت صلاته وإن تكرر ذلك منه تحرى وعمل على غلبة الظن ثم يسجد سجدتين بعد السلام وقال قوم إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى يقين ولا تحر وإنما عليه السجود فقط إذا شك والذي أذهب إليه في هذه المسألة هذا القول الأخير وإن كان البنيان على اليقين أحوط

وصل في اعتبار هذا الفصل‏

الخاطر الأول إذا عرفه الإنسان اعتمد عليه والشك هو التردد بين أمرين أو أمور من غير ترجيح وغلبة الظن الميل بالترجيح لأحد المشكوكين من غير قطع وليس له رجوع لا إلى يقين ولا إلى غلبة ظن فإن الحكم لصاحب الوقت وهو الشك وكما يلزم المحذور فيما نقص من فعل العبادة كذلك يلزم في الزيادة فإنه شرع لم يأذن به الله والسجود إنما خوطب به الشاك فلو إن الذي يبني على يقين يزول عنه الشك كان حكمه حكم من لم يشك وأمنا في الزيادة في تلك العبادة فالذي شرع ذلك العمل هو الذي شرع السجود للشك فما خوطب بالسجود من تيقن ولا من غلب على ظنه‏

[الشك في دليلى السمع والعقل‏]

فمن شك في دليل عقله في معرفة ربه وفي دليل سمعه المعارض دليل عقله في معرفة ربه فلم يثق بأحد الدليلين لأنه لم يترجح عنده أحد الدليلين فإنه لا يقدر أن يرفع عن نفسه صدق الخبر المتواتر الذي عارضة دليل عقله في علمه بما ينبغي لجلال الله من التنزيه في دليل عقله ولم يقدر أن يدفع عن نفسه لإيمانه ما وصف الحق نفسه بما ينبغي له عند هذا المؤمن لورود النص المتواتر به فلو لا أنه ابتغى له ما ورد به الخبر النبوي الذي يوجب القطع وتعارض الدليلان ولم يجد وجها للترجيح ولا للجمع فهذا هو الشاك فليسجد سجدتي السهو إذ سهى عن العمل بالإيمان من غير نظر في الدليلين ويفرغ المحل ويخليه وهو القلب ويحليه بصدق التوجه وهو السجود لهذا الموصوف بالنقيضين والسجود محل القربة من الله ومحل بعد الشيطان منه فإنه يعتزل من العبد في حال سجوده وهو في حال سجوده صاحب شبهة فلا بد بعمله على الإيمان أن ينقدح لمن هذه الصفة صفته في قلبه علم بالله لم يكن عنده يرفع عنه الشك بأن يعطيه ذلك العلم إما الجمع بين الدليلين وإما الترجيح بالعثور على فساد ما يناقض الإيمان من أحد الدليلين ويعثر على الشبهة التي أوجبت التعارض قال الله تعالى واتقوا هنا بسجدتي السهو ويعلمكم الله هنا الجمع بين الدليلين المتعارضين أو الترجيح أو إبطال أحد الدليلين‏

(وصل في فصل) ما هو من الصلاة فرض على الأعيان‏

وما ليست بفرض على الأعيان اعلم أن من الصلاة ما هي فرض على الأعيان وهي ما تكلمنا فيها فيما مضى من هذا الباب ومنها ما ليست بفرض على الأعيان فأما التي ليست بفرض على الأعيان فمنها ما هي سنة ومنها ما هي فرض على الكفاية ومنها ما هي نفل والذي أذهب إليه أنه ما ثم فرض إلا الصلوات الخمس وما عداها ينبغي أن يسمى صلاة تطوع كما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الخبر الوارد في حديث الأعرابي نظر عندي إذ قال الأعرابي يا رسول الله هل على غيرها قال لا إلا أن تطوع يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم لا إلا أن تطوع بصلاة فتلزمك لزوم الفرائض فإن قوله هل على غيرها يعني من عند الله ألزمنيها ابتدا والصلاة إذا تطوعت بها مثل النذر ألزمك الله الإتيان بها بإلزامك نفسك إياها ثم إن هذه صلاة التطوع للشرع فيها أحوال مختلفة أدى ذلك الاختلاف إلى أن يجعل لها أسماء مختلفة لتعرف بها وجملتها فيما أحسب عشرة الوتر وركعتا الفجر والنفل وتحية المسجد وقيام رمضان والكسوف والاستسقاء والعيدان وسجود القرآن عند من يجعله صلاة فإذا فرغنا من هذه العشرة واعتباراتها سقنا صلاة الجنائز وصلاة الاستخارة وغير ذلك مما يسمى في الشرع صلاة وإن لم يكن فيها ركوع ولا سجود ولا إحرام ولا تسليم كالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بها شرعا منزلا وحكمة ذلك‏

(وصل الاعتبار)

الصلاة تقتضي العبودية ولما انقسمت الصلاة إلى قسمين كما قدمنا إلى ما هو فرض أعيان وإلى ما ليس بفرض انقسمت العبودية إلى قسمين عبودية اضطرار وبها أصلي فرائض الأعيان وعبودية اختيار وبها نصلي ما عدا فرض الأعيان وسماها الحق تعالى نوافل وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم تطوعا قال تعالى ومن اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ يقول بعض الصالحين ما لأحد نافلة مقطوع بها إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها لا تصح النوافل إلا لمن كملت فرائضه ومن نقصت فرائضه‏

الصفحة 488 من الجزء 1

عن الكمال كملت له من تطوعه فإن زاد التطوع حينئذ يصح اسم النافلة وما شهد الله بها لأحد إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال له أمرا ومن اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ وقال تعالى في الخبر الصحيح عنه ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل‏

فسمى ما زاد على الفرائض نوافل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي في تعليم ما بنى عليه الإسلام فذكر الفرائض فقال هل على غيرها قال عليه السلام لا إلا أن تطوع‏

فسمى ما زاد على الفرائض تطوعا

[الفرض عبودية اضطرار والنفل عبودية الاختيار]

فالفرض عبودية اضطرار لأن المعصية تتحقق بفعله أو بتركه وما عداه فعبودية اختيار لكنه مختار في الدخول فيها ابتداء فإذا دخل فيها عندنا لزمته أحكام عبودية الاضطرار ولا بد وليس له أن يخرج عن حكمها حتى يفرغ من تلك العبادة ولهذا لما قال له هل على غيرها قال له عليه السلام لا يعني أنه ما فرض الله عليك ابتداء من عنده إلا ما ذكرته لك إلا أن تطوع إلا أن تشرع أنت في أمثالها مما رغبك الحق فيه فإن تطوعت ودخلت فيها وجب عليك الوفاء بها كما وجب في فروض الأعيان فهذا معنى قوله لا إلا أن تطوع فيجب عليك ما أوجبته على نفسك وفي هذا الباب دخل النذر وأمثاله قال تعالى ولا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏

[حكمة صلوات التطوع العشر]

فالوتر لمعرفة الحق في الأشياء كلها وركعتا الفجر للشكر لقيام الليل على ما وفق له وللنائم على قيامه إلى أداء فرض الصبح ودخول المسجد للسلام على الملك في بيته وقيام رمضان لكون رمضان اسما من أسماء الله فوجب القيام لذكر الملك قال يوم يقوم الناس لرب العالمين والكسوف للتجلي الذي يعطي الخشوع‏

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكسوف فقال ما تجلى الله لشي‏ء إلا خشع له‏

وهو ما يظهر لعين الرائي من التغير في الشمس أو القمر وإن لم يتغيرا في أنفسهما فأبدى الحق لعين الرائي ما في نفس الشمس والقمر في ذلك الزمان من الخشوع لله في صورة ذهاب النور بالحجاب النفسي الطبيعي في كسوف القمر وبالحجاب العلمي في كسوف الشمس والاستسقاء طلب الرحمة والعيدان تكرار التجلي وسجود القرآن الخضوع عند كلام الله ولهذا أمر بالإنصات والاستماع والصلاة على الميت العبد يتخذ الله وكيلا نائبا عنه فيما ملكه إياه شكرا على ما أولاه حين حرم من قيل له وأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فأخرجه من أيديهم بغير اختيار منهم قال تعالى والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً والذين اتخذوا الله وكيلا صاروا أمواتا بين يديه ولهذا أعطاهم صفة التقديس وهي الطهارة فأمرنا بغسل الميت ليجمع بين الطهارتين فإنه في قبلة المصلي عليه بينه وبين الله فهو يناجي الله فيه له فإن المصلي على طهارة والحق هو القدوس وصار الميت بين الله وبين المصلي عليه فلا بد أن يكون طاهرا وطهارته المعنوية لا يشعر بها إلا أهل الكشف فأمر أهل الشرعية في ظاهر الحكم أن يغسل الميت حتى يتيقن من لا كشف له طهارته وسيأتي اعتباره في بابه إن شاء الله تعالى وصلاة الاستخارة وهي تعيين ما اختار الله لهذا العبد فعله أو تركه ليكون على بينة من ربه كما قال تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فهذه فائدة صلاة الاستخارة وستأتي في بابها إن شاء الله فلنذكر ما شرطناه فصلا فصلا إن شاء الله ليعرف الناس مقاصد العارفين في عباداتهم التي امتازوا بها عن العامة مع مشاركتهم في الأمر العام لجميع المكلفين والله الموفق لا رب غيره‏

(وصل في فصل صلاة الوتر)

خرج أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري أنه صلى الله عليه وسلم قال الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل‏

وخرج أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بسبع وتسع وخمس‏

والحديث العام بوتره صلى الله عليه وسلم ما

خرجه عن عبد الله بن قيس قال قلت لعائشة بكم كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان يوتر بأربع وثلاث وبست وثلاث وبثمان وثلاث وعشر وثلاث ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة ركعة

وخرج النسائي عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة المغرب وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل‏

[اختلاف الناس في الوتر]

واختلف الناس في الوتر هل هو واجب أو سنة فمن قائل إنه واجب والواجب عند صاحب هذا القول بين الفرض والسنة ومن قائل إنه سنة مؤكدة وقد تقدم الكلام في حكمه وبقي الكلام في صفته ووقته والقنوت فيه وصلاته على الراحلة فلنذكر أو لا من أحاديث الأمر به ما تيسر ليتبين للناظر فيها الوجوب وعدم الوجوب‏

[الأحاديث الدالة على وجوب الوتر]

فمن ذلك ما

خرجه أبو داود عن خارجة بن حذافة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن‏

الصفحة 489 من الجزء 1

الله عز وجل قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم فجعلها لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر

فهذا يدخل فيه الوتر وغير الوتر وهذا الحديث هو من رواية عبد الله بن راشد عن عبد الله بن أبي مرة ولم يسمع منه وليس له إلا هذا الحديث وكلاهما ليس ممن يحتج به ولا يكاد ورواه عبد الله بن أبي مرة عن خارجة ولا يعرف له سماع من خارجة ولما ذكر الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد قال فيه حديث غريب وخرجه الدارقطني من حديث النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث وفيه إن الله قد أمدكم بصلاة وهي الوتر

والنضر ضعيف عند الجميع ضعفه البخاري وابن حنبل وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وقال فيه ابن معين لا تحل الرواية عنه وقد ضعفه غير هؤلاء وقد روى أيضا من طريق العزرمي والعزرمي متروك وروى من طريق حجاج بن أرطاة وهو ضعيف ورواه أبو جعفر الطحاوي من حديث نعيم بن حماد وهو ضعيف وأما

حديث البزار عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الوتر واجب على كل مسلم‏

ففي إسناده جابر الجعفي وأبو معشر المديني وغيرهما وكلهم ضعفاء وأما

حديث أبي داود في ذلك فهو عن عبيد الله بن عبد الله العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا

وعبيد الله هذا وثقه يحيى بن معين وقال فيه أبو حاتم صالح الحديث وأما

حديث أبي أحمد بن عدي من حديث أبي حباب حديث ثلاث علي فريضة وعليكم تطوع فذكر منهن الوتر

وأبو حباب كان يدلس في الحديث وحديث البزار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أمرت بركعتي الفجر والوتر وليس عليكم‏

في إسناده جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف وخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن محرز من رواية أنس وابن محرز متروك وذكر أبو داود من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر

وقد تقدم اعتبار حكمه فيما تقدم في فصل عدد الصلوات المفروضات على الأعيان وغير المفروضات على الأعيان وهو الفصل الذي يليه هذا الفصل‏

(وصل في فصل صفة الوتر)

فمنهم من استحب أن يوتر بثلاث يفصل بينهما بسلام ومنهم من لا يفصل بينهما بسلام ومنهم من يوتر بواحدة ومنهم من يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرها وقد أوتر بسبع وتسع وإحدى عشرة وبثلاث عشرة وهو أكثر ما روى في ذلك في وتره صلى الله عليه وسلم‏

[وتر صلاة الليل والنهار]

قد بينا لك في الاعتبار قبل هذا في كون المغرب وتر صلاة النهار فأمر بوتر صلاة الليل لتصح الشفعية في العبادة إذا العبادة تناقض التوحيد فإنها تطلب عبادا ومعبودا والعابد لا يكون المعبود فإن الشي‏ء لا يذل لنفسه ولهذا قسم الصلاة بين العبد والرب بنصفين فلما جعل المغرب وتر صلاة النهار والصلاة عبادة غارت الأحدية إذ سمعت الوترية تصحب العبادة فشرعت وتر صلاة الليل لتشفع وتر صلاة النهار فتأخذ بوتر الليل ثارها من وتر صلاة النهار ولهذا يسمى الذحل وترا وهو طلب الثأر

[الاعتبار في صفة الوتر]

فإن أوتر بثلاث فهو من قوله فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ ومن أوتر بواحدة فهو مثل‏

قوله لا قود إلا بحديدة

فمن فصل في الثلاث بسلام راعى لا قود إلا بحديدة وراعى حكم الأحدية ومن لم يفصل راعى أحدية الإله فمن أوتر بواحدة فوتره أحدي ومن أوتر بثلاث فهو توحيد الألوهة ومن أوتر بخمس فهو توحيد القلب ومن أوتر بسبع فهو توحيد الصفات ومن أوتر بتسع فقد جمع في كل ثلاث توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الأفعال ومن أوتر بإحدى عشرة فهو توحيد المؤمن ومن أوتر بثلاث عشرة فهو توحيد الرسول وليس وراء الرسالة مرمى فإنها الغاية وما بعدها إلا الرجوع إلى النبوة لأن عين العبد ظاهر هناك بلا شك ومن السنة أن يتقدم الوتر شفع والسبب في ذلك أن الوتر لا يؤمر بالوتر فإنه لو أمر به لكان أمرا بالشفع وإنما المأمور بالوتر من ثبتت له الشفعية فيقال له أوترها فإن الوتر هو المطلوب من العبد فما أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا عن شفع قال تعالى والشَّفْعِ والْوَتْرِ

[الشفعية والوترية]

وقد قدمنا إن الشفعية حقيقة العبد إذ الوترية لا تنبغي إلا لله من حيث ذاته وتوحيد مرتبته أي مرتبة الإله لا تنبغي إلا لله من غير مشاركة والعبودية عبوديتان عبودية اضطرار ويظهر ذلك في أداء الفرائض وعبودية

الصفحة 490 من الجزء 1

ذلك في النوافل ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوتر قط إلا عن شفع نافلة غير أن‏

قوله إن صلاة المغرب وتر صلاة النهار

وشرع الوتر لوترية صلاة الليل وصلاة النهار منها فرض ونفل وعلمنا أن النعل قد لا يصليه واحد من الناس كضمام بن ثعلبة السعدي فقد أوتر له صلاة المغرب الصلوات المفروضة في النهار فقد يكون الوتر يوتر له صلاة العشاء الآخرة إذا أوتر بواحدة أو بأكثر من واحدة ما لم يجلس فإن النفل لا يقوى قوة الفرض فإن الفرض بقوته أوتر صلاة النهار وإن كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات يجلس فيها من ركعتين ويقوم إلى ثالثة وقد ورد النهي عن أن يتشبه في وتر الليل بصلاة المغرب لئلا يقع اللبس بين الفرائض والنوافل‏

فمن أوتر بثلاث أو بخمس أو بسبع وأراد أن يوتر الفرض فلا يجلس إلا في آخر صلاته حتى لا يشتبه بالصلاة المفروضة فإذا لم يجلس قامت في القوة مقام وترية المغرب وإن كان فيه جلوس لقوة الفرضية فيتقوى الوتر إذا كان أكثر من ركعة إذا لم يجلس بقوة الأحدية

(وصل في فصل وقت الوتر)

فمن وقته متفق عليه وهو من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر ومنه مختلف فيه على خمسة أقوال فمن قائل يجوز بعد الفجر ومن قائل بجوازه ما لم تصل الصبح ومن قائل يصلي بعد الصبح ومن قائل يصلي وإن طلعت الشمس ومن قائل يصلي من الليلة القابلة هذه الأقوال حكاها أبو بكر بن إبراهيم بن المنذر في كتاب الأشراف في الخلاف والذي أقول إنه يجوز بعد طلوع الشمس وهو قول أبي ثور والأوزاعي‏

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المغرب وتر صلاة النهار مع كونه لا يصلي إلا بعد غروب الشمس‏

فكذلك صلاة الوتر وإن تركها الإنسان من الليل فإنه تارك للسنة فإن صلاها بعد طلوع الشمس فإنها توتر له صلاة الليل وإن وقعت بالنهار كما أوترت صلاة المغرب صلاة النهار وإن كانت وقعت بالليل‏

(وصل الاعتبار)

الوتر لا يقيد بالأوقات وإن ظهر في الأوقات إذ لو تقيد لم يصح له الانفراد فإن القيد ضد الإطلاق لا سيما وقد بينا لك فيما ذكرناه في هذا الكتاب وفي كتاب الزمان إن الوقت أمر عدمي لا وجود له والوتر أمر محقق وجودي وكيف يتقيد الأمر الوجودي بالأمر العدمي حتى يؤثر فيه هذا التأثير ونسبة التأثير إلى الأمر الوجودي أحق وأولى عند كل عاقل وإذا لم يقيد الوقت الوتر فليوتر متى شاء ومثابرته على إيقاعه قبل الفجر أولى فإنه السنة والاتباع في العبادات أولى وإنما هذا الكلام الذي أوردناه هو على ما تعطيه الحقائق في الاعتبارات فافهم كما أنه إذا اعتبرنا في الوتر الذحل مما وقع من وتر صلاة المغرب من كونها عبادة فطلب الثأر لا يتقيد بالوقت وإنما أمره مهما ظفر بمن يطلبه أخذ ثاره منه من غير تقييد بوقت فعلى كل وجه من الاعتبارات لا يتقيد بالوقت‏

(وصل في فصل القنوت في الوتر)

قد تقدم الكلام في شرح ألفاظ قنوت الوتر في فصل القنوت من هذا الباب واختلف الناس فيه فمن قائل يقنت في الوتر ومن قائل بالمنع ومن قائل بالجواز في نصف رمضان الأول ومن قائل في نصف رمضان الآخر ومن قائل بجوازه في رمضان كله وعندي أن كل ذلك جائز فمن فعل من ذلك ما فعل فله حجة ليس هذا موضعها

(وصل في الاعتبار)

الوتر لما لم يصح إلا أن يكون عن شفع إما مفروض أو مسنون لم يقو قوة توحيد الأحدية الذاتية التي لا تكون نتيجة عن شفع ولا تتولد في نفس العارف عن نظر مثل‏

من عرف نفسه عرف ربه‏

فهذه معرفة الوترية لا معرفة الأحدية الذاتية والقنوت دعاء وتضرع وابتهال وهو ما يحمله الوتر من أثر الشفع المقدم عليه الذي هو هذه المعرفة الوترية نتيجة عنه فتعين الدعاء من الوتر ولهذا دعا الحق عباده وقال فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وقال والله يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ والْمَغْفِرَةِ وقال والله يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ فوصف نفسه بالدعاء وهو الوتر سبحانه فاقتضى الوتر القنوت فإذا أوتر العبد ينبغي له أن يقنت ولا سيما في رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى فتأكد الدعاء في وتر رمضان أكثر من غيره من الشهور فاعلم‏

(وصل في فصل صلاة الوتر على الراحلة)

فمنهم من منع من ذلك لكونه يراه واجبا فيلحقه بالفرض قياسا وموضع الاتفاق بين الأئمة أن الفرض لا يجوز على الراحلة وأكثر الناس على إجازة صلاة الوتر على الراحلة لثبوت الأثر في ذلك وبه أقول‏

الصفحة 491 من الجزء 1

(وصل في الاعتبار في هذا الفصل)

الصلاة المقسومة بين الله وبين العبد ليست في الأفعال وإنما هي في قراءة المصلي فاتحة الكتاب وما في معناها من أقوال الإنسان في الصلاة عند أهل الله فيجوز الوتر على الراحلة وهو مصل ومن راعى تنزيه الحق جل جلاله في كل فعل في الصلاة واعتباره فيما يناسب الحق من ذلك قال لا يجوز الوتر على الراحلة لأن من شروط صحة الصلاة ما يسقط في مشي الراحلة إذا توجهت لغير القبلة

[النبي وجه كله بلا قفا]

فإن اعترض بوتر النبي صلى الله عليه وسلم على الراحلة حيث توجهت فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كله وجه بلا قفا فإنه‏

قال صلى الله عليه وسلم إني أراكم من خلف ظهري‏

فأثبت الرؤيا لحاله ومقامه فثبتت الوجهية له وذكر الخلف والظهر لبشريته فإنهم ما يرون رؤيته ويرون خلفه وظهره‏

[وراثة ابن عربي للنبي في الوجهية]

ولما ورثته صلى الله عليه وسلم في هذا المقام وكانت لي هذه كنت أصلي بالناس بالمسجد الأزهر بمدينة فاس فإذا دخلت المحراب أرجع بذاتي كلها عينا واحدا فأرى من جميع جهاتي كما أرى قبلتي لا يخفى على الداخل ولا الخارج ولا واحد من الجماعة حتى أنه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة فإذا سلمت ورددت وجهي إلى الجماعة أدعو أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته فيخل بركعة فأقول له فاتك كذا وكذا فيتم صلاته ويتذكر فلا يعرف الأشياء ولا هذه الأحوال إلا من ذاقها ومن كانت هذه حاله فحيث كانت القبلة فهو مواجهها هكذا ذقته بنفسي فلا ينبغي أن يصلي على الراحلة إلا صاحب هذا الحال‏

[وجه الله للمصلي إنما هو في قبلته‏]

ورأيت مقالة لبعض أهل الظاهر أنه لا يجوز الوتر إلا على الراحلة فقط لا على غير الراحلة من حمار وبغل وفرس ولا على الراحلة إلا الوتر فقط فما أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قط على راحلته حيث توجهت إلا والقبلة في وجهه كما قررناه ومن كان له مثل هذه الحال يثبت له في صلاته وجميع تصرفاته قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ووجه الله للمصلي إنما هو في قبلته فدل إن من حاله هذا الوصف ويرى القبلة بعين منه تكون في الجهة التي تليها فهو مصل للقبلة

(وصل في فصل من نام على وتر ثم قام فبدا له أن يصلي من الليل)

فمن قائل يصلي ركعة تشفع له وتره ثم يصلي ما شاء ثم يوتر ومن قائل لا يشفع وتره فإن الوتر لا ينقلب شفعا بهذه الركعة التي يشفعه بها والتنفل بركعة واحدة غير الوتر غير مشروعة فهو شرع لم يأذن به الله والوتر مختلف فيه بين سنة مؤكدة ووجوب وأين النفل من السنن المؤكدة أو الصلاة الواجبة والحكم هنا للشرع وقد قال صلى الله عليه وسلم لا وتران في ليلة

ومن راعى المعنى المعقول قال إن هذه الركعة الواحدة تشفع تلك الركعة الوترية واتباع الشرع أولى في ذلك بلا شك‏

(اعتبار هذا الفصل)

الوتر لا يتكرر فإن الحضرة الإلهية لا تقتضي التكرار لما هي عليه من الاتساع والله واسِعٌ عَلِيمٌ ولما كان العلم صفة إحاطته قرن معه السعة واشتق له اسما منها كما اشتق من العلم فاعلم ذلك فلا وتران في ليلة

[أحدية الحق وأحدية المخلوق وأحدية المرتبة]

فأحدية الحق لا تشفعها أحدية كل مخلوق فإنه لكل شي‏ء أحدية لا بد من ذلك وبأحديته عرف كل شي‏ء أحدية خالقه وهي الآية التي لله في كل شي‏ء الدالة على أحديته وهو الذي أشار إليه القائل بقوله وهو أبو العتاهية

وفي كل شي‏ء له آية *** تدل على أنه واحد

ولا يكون لشي‏ء أحديتان فلا يشفع وتره من قام يصلي ممن نام على وتر ومن راعى أحدية الألوهة وأضافها إلى أحدية الذات الموصوفة بالألوهة فإن أحدية المرتبة لا تعقل إلا مع أحدية صاحب المرتبة قال من قام من الليل يريد الصلاة وكان قد نام على وتر يضيف إلى تلك الركعة التي نام عليها وهي التي أوتر بها ركعة عند قيامه يشفعها به ثم يصلي بعد تلك الركعة ما يشاء مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة فكل قائل من العلماء له اعتبار خاص يسوغ له فيما ذهب إليه من ذلك‏

(وصل في فصل ركعتي الفجر)

[ركعتا الفجر والمغرب قبل الفرض‏]

ركعتا الفجر قبل صلاة فرض الصبح بمنزلة الركعتين قبل صلاة فرض المغرب‏

فإن الصحابة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا سمعوا أذان المغرب تبادروا إلى صلاة هاتين الركعتين قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم بحديث عبد الله بن مغفل ذكره مسلم في صحيحة وكان يخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراهم ولا ينكر عليهم‏

وقد قال صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة

يريد الأذان والإقامة فإنها أذان بلا شك ولا يحافظ على الركعتين قبل المغرب إلا من استبرأ لدينه إلا أن تعجله الإقامة فإنه إذا كانت الإقامة فلا صلاة إلا التي أقيم لها وهي سنة متروكة مغفول‏

الصفحة 492 من الجزء 1

عنها وما رأيت في زماننا من يحافظ عليها من الفقهاء إلا صاحبنا زين الدين يوسف بن إبراهيم الشافعي الكردي وفقه الله لذلك‏

[صلاة الأولياء الأوابين‏]

وفي هاتين الركعتين قبل صلاة المغرب من الأجر ما لا يعلمه إلا الله فإن لله بين كل أذان وإقامة تجل خاص واطلاع فمن ناجاه في ذلك الوقت اختص بأمر عظيم وهو كما قلنا

في الخبر المروي الذي صححه الكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة

يريد الأذان والإقامة فسماها أذانا لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة وحضور الإمام كما يقال في الشمس والقمر القمران في لسان العرب وكذلك العمران في أبي بكر وعمر وهي صلاة الأولياء الأوابين وكان الصدر الأول شديد المحافظة عليهما وسبب ذلك التوفيق الإلهي أن النفل عبودية اختيار والفرض عبودية اضطرار فيحتاج في عبودية الاضطرار إلى حضور تام بمعرفة ما ينبغي للسيد المعبود من الآداب والجلال والتنزيه فتقوم عبودية الاختيار لها كالرياضة للنفس وكالعزلة بين يدي الخلوة فإن دخول العبد للفرض من النفل ما يكون مثل دخوله من الفعل المباح لأنه لا بد أن يبقى للداخل في خاطره مما تقدم له قبل دخوله أثر فلهذا حافظ عليهما من حافظ

[النافلة قبل الفريضة كالصدقة قبل النجوى‏]

وركعتا الفجر كذلك فإن النافلة قبل الفريضة صدقة من الشخص على نفسه يقول الله إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فما ظنك بمناجاة الحق تعالى آكد وأوجب وحكم ركعتي الفجر سنة بالاتفاق‏

فإن النبي صلى الله عليه وسلم قضاها بعد طلوع الشمس حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فصلاهما ثم صلى الصبح‏

وما هي عندنا قضاء وأنه صلاها في وقتها كما صلى الصبح في وقتها فإن ذلك وقت صلاة النائم والناسي فلا يقال قضاها على اصطلاح الفقهاء

(وصل في فصل القراءة في ركعتي الفجر)

استحب بعضهم أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فقط وقال بعض العلماء لا بأس أن يضيف إلى أم القرآن سورة قصيرة وقال بعضهم ليس في القراءة في ركعتي الفجر توقيت يستحب والذي أذهب إليه أن يوجز فيهما ويخفف في كمال بلا توقيت والفاتحة لا بد منها فإنها عين الصلاة في الصلاة ومن لم يقرأ بها في صلاته فما صلى وقد وردت السنة بتحسينهما وإن زاحمك الوقت‏

(وصل في اعتبار هذا الفصل)

سبب التخفيف فيها من السنة للخبر الوارد أن مقدار الزمان في محاسبة الله عباده يوم القيامة بأجمعهم كركعتي الفجر فكان يخففهما رحمة بأمته وهي بالجملة صلاة فحكمها حكم الصلاة وما عدا الفرائض وإن كانت عبودية اختيار فإن في ركعتي الفجر شبهة عبودية اضطرار لما تتضمنه صلاة النفل من الفرائض‏

[منزلة العبد في النافلة]

فالعبد في النافلة وما عدا الفرائض من الصلوات بمنزلة عبد قد عتق منه شقص أو بمنزلة المكاتب أو بمنزلة المدبر فإن في هؤلاء من روائح الحرية ما ليست للعبد الذي ما له هذه الحالات فالسنن من النوافل حال العبودية فيها حال المكاتب والمدبر والنافلة التي ليست بسنة أي ليست من فعله صلى الله عليه وسلم دائما ولا من نطقه بتعيينه بمنزلة عبد عتق منه شقص فهو حر من حيث إنه عتق منه ما عتق وهو عبد من حيث ما بقي منه دون عتق ما بقي فهذه حالة في العبودية بين عبودية الاضطرار وعبودية الاختيار كالسنن بين الفرائض والنوافل سواء

[فاتحة الكتاب هي الكافية]

فأما من رأى في القراءة فيها الفاتحة فقط فلأنها الكافية فإن بها يصح أنه صلى وأما من زاد السورة بعد الفاتحة فليعلم المنزلة التي حصلت له من هذه الخاصة لأن السورة بالسين هي المنزلة قال النابغة في ممدوحه‏

أ لم تر أن الله أعطاك سورة *** ترى كل ملك دونها يتذبذب‏

بأنك شمس والملوك كواكب *** إذا طلعت لم يبد منهن كوكب‏

[آيات سور القرآن ودلالات معرفة الإنسان‏]

وسور القرآن منازله وكما أنه لكل سورة آيات كذلك لكل منزلة لأحد عند الله دلالات وأوضحها المعرفة بالله فالتأييد في الإفصاح عنها وهذه الدلالة سيدة الدلالات كآية الكرسي سيدة آي القرآن فهو قرآن من حيث ما اجتمع العبد والرب في الصلاة وهو فرقان من حيث ما تميز به العبد من الرب مما اختص به في القراءة من الصلاة

[منزلة العبد من ربه في الفاتحة]

والعبد في الفاتحة قد أبان الحق بمنزلته فيها وأنه لا صلاة له إلا بها فإنه تعرفه بمنزلته من ربه وأنها منزلة مقسمة بين عبد ورب كما ثبت فينبغي للعبد أن يقرأ سورة بعد الفاتحة من غير أن تتقدمه روية فيما يقرأ من السور أو الآيات من سورة واحدة أو من سور فإن تقدم الرواية في تعيين ما يقرأ بعد الفاتحة يقدح في علم من يريد الوقوف على وجه الحق في منزلته عند الله فهو الخاطر الأول‏

الصفحة 493 من الجزء 1

فإذا فرغ المصلي من قراءة فاتحة الكتاب قرأ ما تيسر له من القرآن وما يجري الله على لسانه منه من غير أن يختار آية معينة أو يتردد فينظر آية سورة يقيمه الله فيها أو أي آية من سورة أو سور يجري الله على لسانه إن لم يكمل السورة بالقراءة فيعلم بذلك العالم الحاضر المراقب منزلته من الله في ذلك الوقت التي حصلت له من قراءة فاتحة الكتاب من قسمه الذي له منها ومن قسم ربه جزءا لما كان منه من الثناء على ربه والسؤال بالسورة التي يقرءوها فإن أتمها فالمنزلة له بكمالها بلا شك وإن اقتصر منها على ما اقتصر فحظه منها أي من تلك المنزلة بحسب ما اقتصر عليه منها والسنة إتمام السورة

في الخبر الصحيح يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ وارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ

فاختر لنفسك أيها الإنسان *** واصخ إلي يلح لك البرهان‏

(وصل في فصل صفة القراءة فيهما)

[وقت الفجر والمغرب برزخي‏]

فمن العلماء من استحب الأسرار ومنهم من استحب الجهر ومنهم من خير والذي أذهب إليه إذ لم يرد في ذلك نص نوقف عنده أن يسمع بالقراءة نفسه من جهة سمعه بحيث أن لا يسمع غيره قراءته وهي حالة بين الجهر والأسرار مناسبة لوقتها فإن وقتها وقت برزخي بين الليل والنهار ما هو ليل فيجهر ولا هو نهار فيسر ولو لا إن النص في قراءة فرض الصبح ورد بالجهر لكان الحكم فيها كذلك نعم صلاة المغرب جمعت بين الجهر لما فيها من الليل وبين الأسرار لما فيها من النهار فأشبهت في الوقت النائم فإن النائم في موطن برزخي فيكون النائم يرى في نومه صيحات وزعقات وأمور إعظاما والذي إلى جانبه لا يعلم بما هو فيه هذا النائم فمعاملة الوقت بهذه الصفة من القراءة أولى للمناسبة وليفرق بمثل هذه الصفة في القراءة بينها وبين قراءة صلاة الصبح لتتميز من الفريضة ومن الحكمة تميز المراتب وارتفاع اللبس في الأشياء ومع هذا فالذي عندي إنه مخير

[اعتبار السر والجهر في قراءة ركعتى المغرب والفجر]

والذي يقول بالجهر يلحقها بصلاة الليل لأن الليل ما لم تطلع الشمس في العرف لا في الشرع والذي يسرها يجعل طلوع الفجر من النهار المشروع للصائم الإمساك فيه ولم يعتبر ذلك في المغرب وسماه ليلا لقوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وللشرع أن يعتبر المعنى الواحد باعتبارين في وقتين أو من وجهين له ذلك وقد قيل في تفسير قوله وفارَ التَّنُّورُ يريد ضوء الفجر وهو المعلوم من لسان العرب فإذا فار التنور وظهر انبغي للعبد أن يكون في صلاة ركعتي الفجر كما قال تعالى وخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً

[التجلي الرحماني للمعاش وللسكون‏]

وطلوع الفجر تجل رحماني للمعاش كطلوع الليل للسكون يقول تعالى ومن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا من فَضْلِهِ لما يتضمنه النهار غالبا من الحركات في المعاش وقوام النفوس ومصالح الخلق وتنفيذ الأوامر وإظهار الصنائع وإقامة المصنوعات في نشأتها وتحسين هيأتها فهو تجل إلهي رحماني بهذا العالم فلهذا استحببنا الأسرار بحيث أن يسمع نفسه فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً أي صوتا خفيا خشوعا لله تعالى وخضوعا وأدبا مع الحق وإنما شرع الجهر في الصبح عند هذا التجلي لأنه مأمور أمر فرض واجب بالكلام من الله فهو يتكلم عن أمر إلهي يعصى بتركه إذا قصده على حسب ما شرع له كما قال تعالى في حق هذا الفرض عند هذا التجلي الذي ذكرناه في مثل هذا اليوم يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وقالَ صَواباً فورد الأذن فتعين الجهر والنافلة ليست لها هذه المرتبة في هذا التجلي فلا تسمع في النافلة إلا همسا فحصل الفرق بين المأمور والمختار والله الهادي‏

(وصل في فصل) من جاء إلى المسجد ولم يركع ركعتي الفجر

فوجد الصلاة تقام أو وجد الإمام يصلي فمن الناس من جوز ركوعهما في المسجد والإمام يصلي ومن الناس من قال لا يركعهما أصلا في هذا الحال وبه أقول ومن الناس من قال لا يخلو إما أن يكون خارج المسجد أو داخل المسجد فإن كان قد دخل المسجد فلا يركعهما وإن كان لم يدخل بعد فاختلف أصحاب هذا القول في الذي يكون خارج المسجد وقد سمع الإقامة أو قد رأى الإمام يصلي والناس يصلون فمنهم من قال إن لم يخف أن يفوته الإمام بتلك الركعة فليركعهما وإن خاف فلا يركعهما ويدخل مع الإمام في الصلاة ويقضيهما بعد طلوع الشمس وقال المخالف يركعهما من هو خارج المسجد ما غلب على ظنه أنه مدرك ركعة واحدة مع الإمام من صلاة الصبح‏

الصفحة 494 من الجزء 1

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

يبطل التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله ولا شك أنه كل ما زاد على الفرض فهو نافلة سواء وكد أو لم يوكد فإن الفرض آكد منه بلا شك والوقت للفرض بالإقامة الحاصلة فتأخرت النافلة إذ لا تتحقق الزيادة على الشي‏ء إلا بعد حصول الشي‏ء فإن الزيادة تؤذن بوجود مزاد عليه متقدم في الوجود وهو الفرض وهو الأصل في التكليف وكذلك هو في نفس الأمر فإن الفرض هو المشروع الذي يأثم تاركه والنفل إنما يكون بعد ثبوته فإن كونه زائدا يبطل فإنه لما يكون زائدا وما ثبت أمر قبله يزيد عليه هذا فيصح عليه اسم الزائد ومراعاة الأصول أولى فالدخول مع الإمام في الصلاة أو عند سماع الإقامة أولى من صلاة ركعتي الفجر وقد غلط في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظهر الكراهة لمن فعل ذلك وقال لمن صلاهما وصلاة الصبح تقام أ تصلي الصبح أربعا يكرر عليه كارها منه ذلك الفعل‏

وهذا هو عين الدليل على جوازها مع الكراهة فإنه صلى الله عليه وسلم ما أمره أن يقطعها ولا أن يخرج عنها فلو فعل محظورا ما أبقاه عليه فثبت أنه عمل مشروع لا يبطله من شرع فيه فإن الله يقول ولا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ولكن لا يعود إليه بعد علمه بأن الشرع يكرهه وإنما يكره له الشروع فيه‏

(وصل بل فصل في وقت قضاء ركعتي الفجر)

فمن قائل يقضيها بعد صلاة الصبح وبه أقول وقال قوم يقضيها بعد طلوع الشمس وأصحاب هذا القول اختلفوا فمنهم من جعل لها هذا الوقت غير متسع ومنهم من وسع فقال يقضيها من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال ولا يقضيها بعد الزوال والقائلون بالقضاء منهم من استحب ذلك ومنهم من خير

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

كل حق لله واجب أو مرغب فيه إذا فات وقته لم يقيده وقت فإن الشرع ما قيده فليؤده قاضيا متى شاء ما لم يمت إلا أن يكون عن نسيان فهو مؤد وذلك وقته ولا يكون قاضيا قط في نوم ولا نسيان‏

(وصل في فصل الاضطجاع بعد ركعتي الفجر)

فذهب قوم إلى وجوبها وبه أقول للأمر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب قوم إلى أنها سنة وذهب قوم أنه مستحب ولم يره قوم‏

[الفقهاء في عصر ابن عربي‏]

ولا شك ولا خفاء على كل من عرف شرع الله من المحدثين لا من الفقهاء الذين يقلدون أهل الاجتهاد كفقهاء زماننا ولا علم لهم بالقرآن ولا بالسنة وإن حفظوا القرآن ورأوا فيه ما يخالف مذهب شيخهم لم يلتفتوا إليه ولا عملوا به ولا قرءوا على جهة اقتباس العلم واعتمدوا على مذهب إمامهم المخالف لهذه الآية والخبر ولا عذر لهم عند الله في ذلك فأول من يتبرأ منهم يوم القيامة إمامهم فإنهم لا يقدرون أن يثبتوا عنه أنه قال للناس قلدوني واتبعوني فإن ذلك من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم فإن قالوا فالله أمرنا باتباعهم فقال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وقد سألناهم فأفتونا قلنا لهم إنما نسألهم لينقلوا إلينا حكم الله في الأمور لا رأيهم فإنه قال أهل الذكر وهم أهل القرآن فإن الذكر هو القرآن فإذا وجدنا الحكم عند قراءتنا القرآن مخالفا لفتواه تعين علينا الأخذ بكتاب الله أو بالحديث وتركنا قول ذلك الإمام إلا أن ينقل إلينا ذلك الإمام الآية أو الخبر فيكون عملنا بالآية أو الخبر لا بقوله فحينئذ ليس لنا أن نعارضه بآية أخرى ولا خبر لعدم معرفتنا باللسان وبما يقتضيه الحكم فإن كان لنا علم بذلك فنحن وإياهم سواء

[تارك الاضطجاع بعد ركعتى الفجر عاص‏]

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضطجع بعد ركعتي الفجر

وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة الأمر بالاضطجاع لكل من ركع ركعتي الفجر

فالذي أذهب إليه أن تارك الاضطجاع عاص وإن الوجوب يتعلق به فليضطجع ولا بد ولو قضاه متى قضاه وإن كانت الفاء تعطي التعقيب فإن بعض المتأخرين من المجتهدين الحفاظ من أهل الظاهر قال إن صلاة الصبح لا تصح لمن ركع ركعتي الفجر ولم يضطجع فإن لم يركع ركعتي الفجر صحت صلاة الصبح عنده‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

الاضطجاع بعد ركعتي الفجر وقبل صلاة الصبح لأن الكراهة قد تعلقت بالمكلف فإنه لا يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر ثم يصلي الصبح فقد أشبهت الفريضة فجاء الاضطجاع بينها وبين صلاة الصبح لتتميز السنة من الفرض وليقوم إلى الفرض من اضطجاع حتى يعلم أنه قد انفصل عن ركعتي الفجر فإنه لو قام إلى الصبح بعد ركعتي الفجر لالتبست بالرباعية من‏

الصفحة 495 من الجزء 1

الصلوات ولهذا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن صلاها والمؤذن يقيم أ تصلي الصبح أربعا

فيستحب أن يفصل بينهما وبين الصبح بأمر يعرف الحاضر أنه قد انفصل عن صلاة الفجر

[الاضطجاع مشروع بفعل النبي وأمره‏]

فشرع النبي صلى الله عليه وسلم الاضطجاع فعلا وأمرا ففعل وأمر فلا حجة للمخالف عن التخلف عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ولا عن الاقتداء به والله يقول لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا الله والْيَوْمَ الْآخِرَ فانظر منزلة من لم يقتد في نقيضها

(وصل في فصل النافلة)

هل تثني أو تربع أو تثلث فما زاد فمن قائل تثني ولا بد أن يسلم في كل ركعتين ليلا أو نهارا ومن قائل بالتخيير إن شاء ثنى وثلث وربع وسدس وثمن وما شاء ومن قائل بالتفريق بين صلاة النهار فقال يربع إن شاء وصلاة الليل مثنى مثنى والذي أقول به في غير الوتر هو مخير بين أن يسلم من اثنتين وهو أولى ولا سيما في صلاة الليل ويربع في صلاة النهار إن شاء ولا سيما في الأربع قبل الظهر وإن شاء سدس وثمن وما شاء من ذلك وأما التثليث والتخميس والتسبيع من النوافل فذلك في صلاة الوتر فإنه ما جاء شرع بإفراد ركعة في غير الوتر ولكن هو مخير إن شاء لم يسلم ويجلس في كل ركعتين إلى الثالثة والخامسة والسابعة وإن لم يجلس إلا في آخرها من الشفع ثم يقوم إلى الواحد وإن شاء لم يجلس إلا في آخر الركعة الوترية ويؤخر السلام في الأحوال كلها إلى الركعة الوترية

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

لما كان الشروع فيها مبنيا على الاختيار كان الاختيار أيضا في القدر من ذلك من غير توقيت فإنه ما ورد من الشرع في ذلك منع ولا أمر بالاقتصار على ما وقع في ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم واتباع السنة أولى وأحق وإن جوزنا ذلك لمن وقع منه فنرجح الاتباع والاقتداء على الابتداء وإن كان خيرا

[الابتداع ضرب من السيادة والتقدم‏]

فإن الفضل في الاتباع والاتباع أليق بالعبد وأحق بمرتبته من أن يبتدع من نفسه فإن في الابتداع والتسنين ضربا من السيادة والتقدم ولو لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض له أن يسن ما سن وكان يقول صلى الله عليه وسلم اتركوني ما تركتكم‏

وكره المسائل وعابها وما فرض على غيره أن يسن ولو شغل الإنسان نفسه باستعمال السنن والفرائض لاستغراق أوقاته ولم يتسع له أن يسن هيهات حجاب الإنسان برئاسته عن سياسته‏

[عدد الصلوات المسنونة]

والذي اعتمد عليه من السنن المنطوق بها والثابتة من فعله صلى الله عليه وسلم صلاة ركعتي الفجر وأربع ركعات في أول النهار وأربع ركعات قبل الظهر وأربع ركعات بعد الظهر وأربع ركعات قبل العصر وركعتين قبل المغرب وست ركعات بعد المغرب وثلاث عشرة ركعة بالليل منها الوتر وأربع ركعات بعد صلاة الجمعة فما زاد على ذلك فهو خير على خير نُورٌ عَلى‏ نُورٍ وإن صلى ست ركعات بعد الظهر ليجمع بين فعله وبين ما حض عليه وهي الأربع كان أولى‏

[الصلاة خير موضوع والاستكثار من الخير حسن‏]

وللناس في هذا مذاهب وما ذكرت إلا ما اخترته مما جاء به النص أو الفعل والحديث العام الصلاة خير موضوع‏

والاستكثار من الخير حسن ولكن الذي ذكرناه من حسنه وطول فيه في أفعال ذلك وتدبر قراءتها وأذكارها أخذ من الزمان بقدر الذي يكثر الركوع بالتخفيف والذي ذهبنا إليه أولى وعليه أدركت شيوخنا من أهل الله وقد ورد في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يقوم من الليل فيصلي ركعتين فيا حسنهن ويا طولهن وكان ركوعه قريبا من قيامه ورفعه من الركوع قريبا من ركوعه وسجوده كذلك فكانت صلاته قريبا من السواء

والأصل الركوع فتكون أفعال الصلوات في الخفض والرفع من نسبة الركوع فيها في حال الوقت من الطول والقصر ومن السنة الركعة الأولى أطول من الثانية وكل ما زاد قصر عن التي قبلها وكذلك في الفرائض فاعلم ذلك انتهى الجزء الخامس والأربعون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل في فصل قيام شهر رمضان)

ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه‏

فهو مرغب فيه وهو المسمى التراويح والأشفاع لأن صلاته مثنى مثنى واختلفوا في عدد ركعاتها التي يقوم بها الناس في رمضان ما المختار

الصفحة 496 من الجزء 1

منها إذ لا نص في ذلك فاختار بعضهم عشرين ركعة سوى الوتر واستحسن بعضهم ستا وثلاثين ركعة والوتر ثلاث ركعات وهو الأمر القديم الذي كان عليه الصدر الأول والذي أقول به في ذلك أن لا توقيت فيه فإن كان ولا بد من الاقتداء فالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فإنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما زاد على ثلاث عشرة ركعة بالوتر شيئا لا في رمضان ولا في غيره إلا أنه كان يطولهن ويحسنهن فهذا هو الذي اختاره ليجمع بين قيام رمضان والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

رمضان اسم من أسماء الله تعالى فالقيام في هذا الشهر من أجل هذا الاسم لأنه إذا ورد وجب القيام له قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ورمضان اسمه سبحانه فيقوم العارف إجلالا لهذا الاسم الذي اختص به هذا الشهر الكريم هذا يحضر العارف في قيامه ثم إن لهذا الشهر من نعوت الحق حكما ليس لغيره وهو فرض الصوم على عباد الله وهو صفة صمدانية يتنزه الإنسان فيها عن الطعام والشراب والنكاح والغيبة وهذه كلها نعوت إلهية يتصف بها العبد في حال صومه فإذا جاء الليل قام العبد بين يدي الحق بصفاته التي كان عليها في نهاره وفرض له القيام في وقت الفطر ليعلم أنه عبد فقير متغذ ليس له ذلك التنزه حقيقة وإنما هو أمر عرض له ينبهه على التخلق بأوصاف الله من التنزيه عن حكم الطبيعة

[كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لله‏]

ولهذا أخبرنا تعالى في الحديث المروي عنه إن الصوم له وكل عمل ابن آدم لابن آدم يقول إن التنزه عن الطعام والشراب والنكاح لي لا لك يا عبدي لأني القائم بنفسي لا أفتقر في وجودي إلى حافظ يحفظه علي وأنت تفتقر في وجودك لحافظ يحفظه عليك وهو أنا فجعلت لك الغذاء وأفقرتك إليه لينبهك أني أنا الحافظ عليك وجودك ليصح عندك افتقارك‏

[غناء الحق وافتقار العبد]

ومع هذا الافتقار طغيت وتجبرت وتكبرت وتعاظمت في نفسك وقلت لمن هو مثلك أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ وما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي وأنا وأنا وأنا وما استحييت في ذلك من فضيحتك بجوعك وعطشك وبولك وخراءتك وتألمك بالحر والبرد والآلام العارضة يا ابن آدم رهصتك ثلاث رهصات الفقر والمرض والموت ومع ذلك إنك وثاب فقيام رمضان قيام في الله فمن كان الحق ظرفا له فإن الله بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ فهذا معنى الظرفية فليس له خروج عنه فأحاطته بك في رمضان إحاطة تشريف وتنزيه حيث شرع لك فرضا في عبوديتك الاضطرارية للاتصاف بما ينبغي له لا لك وهو التنزه عن الغذاء وملابسة النساء طول النهار وهو النصف من عمر وجودك ثم تستقبل الليل فتخرج من ربوبيتك المنزهة عن الغذاء والنكاح إلى عبوديتك بالفطر والكل رمضان‏

[الصيام كالصلاة قسمة بنصفين بين العبد وربه‏]

فأنت في رمضان كما أنت في الصلاة من‏

قوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي‏

كذلك رمضان قسمه بينه وبين عبده بنصفين نصف له وهوقوله الصوم لي‏

وهو زمان النهار والنصف للعبد وهو الليل زمان فطره وقد قال في الصلاة إنها نور

وقال في الصوم إنه ضياء

والضياء هو النور قال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وقال وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً وشرع القيام في ليل رمضان ورغب فيه للمناسبة التي بين الصلاة والصوم في القسمة والنور ليكون ليله بصلاته مثل نهاره بصومه فبالنهار يتحد به وبالليل يتوحد له كما قلنا

إذا صحت عزائمنا *** ففي الأسرار نتحد

[صحة العزائم واتحاد الاسرار]

والعزيمة النية والنية شرط في الصوم من الليل فنحن في الصوم مع الحق كما قالت بلقيس في عرشها كأنه هو وهو كان هو وإنما جهلها أدخل كاف التشبيه كذلك جهل الإنسان يقول أنا الصائم وكيف ينبغي للمتغذي أن يكون صائما هيهات‏

قال الله الصوم لي لا لك‏

فأزال عنه دعوى الصوم كما أزال عن بلقيس تشبيه العرش بعرشها فعلمت بعد ذلك أنه هو لا غيره فهذا معنى قولنا

إذا صحت عزائمنا *** ففي الأسرار نتحد

[الاتحاد صحة النسبة لكل من المتحدين‏]

فإن قلت الصائم هو الإنسان صدقت وإن قلت الصوم لله لا للإنسان صدقت ولا معنى للاتحاد إلا صحة النسبة لكل واحد من المتحدين مع تميز كل واحد عن الآخر في عين الاتحاد فهو هو وما هو هو كما قلنا في بعض ما نظمناه في هذا المعنى في حال غلب علي‏

لست أنا ولست هو *** فمن أنا ومن هو هو

فيا هو قل أنت أنا *** ويا أنا هو أنت هو

لا وأنا ما هو أنا *** ولا هو ما هو هو

لو كان هو ما نظرت *** أبصارنا به له‏

الصفحة 497 من الجزء 1

ما في الوجود غيرنا *** أنا وهو وهو وهو

فمن لنا بنا لنا *** كما له به له‏

[فرحتا الصائم في غذائه الطبيعي وغذائه الروحي‏]

ولما رأينا فيما روينا أن الله أنزل لقاءه منزلة فطر الصائم‏

فقال للصائم فرحتان فرحة عند فطره لأنه غذاء طبيعته وهو الغذاء الحجابي إذ المغذي هو الله تعالى وفرحة عند لقاء ربه‏

وهو غذاؤه الحقيقي الذي به بقاؤه فجعل هاتين الفرحتين للصائم في الحجاب وفي رفع الحجاب فنظمنا في شرف الرغيف إذ هو الغذاء المعتاد عندنا وله الشكل الكري وهو أفضل الأشكال فخصصنا الرغيف بالذكر دون غيره من الأمور التي يكون بها الغذاء فقلنا فيما سخر الله في حقه من العالم وطلب الهمم كلها جهته لتصل إليه فإن كل حيوان يطلب غذاءه بلا شك بل كل موجود حتى ما لا يقال فقلنا

[الرغيف حجاب على المهيمن واللطيف‏]

إذا عاينت ذا سير حثيث *** فذاك السير في طلب الرغيف‏

لأن الله صيره حجابا *** على اسميه المهيمن واللطيف‏

به وله تجارات الذراري *** وأرواح اللطائف والكثيف‏

وتسخير العناصر والبرايا *** وتكوين المعادن في الكهوف‏

وتسيير المثقفة الجواري *** بموج البحر والريح العسيف‏

وقطع مهامه فيح تباري *** بها الأنعام بالسير العنيف‏

فمن شرف الرغيف يمين ربي *** عليه للوضيع وللشريف‏

يضج الخلق إن عدموه وقتا *** عن إذن الواحد البر الرءوف‏

له صلوا وصاموا واستباحوا *** دم الكفار والبر العفيف‏

له تسعى الطيور مع المواشي *** له يسعى القوي مع الضعيف‏

فمن ساع له من غير شك *** وللسبب الثقيل أو الخفيف‏

هو المعنى ونحن إذا نظرنا *** به عند التفكر كالحروف‏

هو الجود الذي ما فيه شك *** فيا شوقي لذا الجود الظريف‏

فديتك من رغيف فيه سر *** جلي بالتليد وبالطريف‏

فقل للمنكرين صحيح قولي *** لقد غبتم عن المعنى الطريف‏

أ ليس الله صيره عديلا *** لرؤيته على رغم الأنوف‏

[قيام رمضان بالليل وصيامه بالنهار]

فالصفة التي يقوم بها المصلي في صلاته في رمضان أشرف الصفات لشرف الاسم لشرف الزمان فأقام الحق قيامه بالليل مقام صيامه بالنهار إلا في الفرضية رحمة بعبده وتخفيفا ولهذا امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقومه بأصحابه لئلا يفترض عليهم فلا يطيقونه ولو فرض عليهم لم يثابروا عليه هذه المثابرة ولا استعدوا له هذا الاستعداد ثم الذين ثابروا عليه في العامة يؤدونه أشأم أداء وأنقصه لا يذكرون الله فيه إلا قليلا لا يتمون ركوعه ولا سجوده ولا يرتلون قراءته وما سنه من سنه أعني من الاجتماع على قارئ واحد على ما هم الناس اليوم عليه من المتميزين من الخطباء والفقهاء وأئمة المساجد وفي مثل صلاتهم فيه‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل ارجع فصل فإنك لم تصل‏

فمن عزم على قيام رمضان المسنون قيامه المرغب فيه فليقم كما شرع الشارع الصلاة من الطمأنينة والخشوع والوقار وتدبر ما يتلى وإلا تركه أولى والقيام فيه أول الليل كما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه في الليلتين أو الثلاثة منه أولى ويكون في المسجد أولى منه في البيت بخلاف سائر النوافل وإنما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته وصلى فيه رحمة بأمته أن يفترض عليهم فيعجزوا عنه أن يتكاسلوا وهو كما قال تعالى وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وقال بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ والصلاة فيه مثنى مثنى كما

ورد في الخبر في صلاة الليل أنها مثنى مثنى‏

(وصل في فصل صلاة الكسوف)

وإنها سنة بالاتفاق وإنها في جماعة واختلفوا في صفتها والقراءة فيها والأوقات التي تجوز فيها وهل من شرطها

الصفحة 498 من الجزء 1

الخطبة أم لا وهل كسوف القمر في ذلك مثل كسوف الشمس‏

[الخلاف في صفة صلاة الكسوف‏]

الخلاف في صفتها وردت فيها روايات مختلفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين ثابت وغير ثابت وما من رواية إلا وبها قائل فأي شخص صلاها على أي رواية كانت جاز له ذلك فإنه مخير في عشر ركعات في ركعتين وبين ثمان ركعات في ركعتين وبين ست ركعات في ركعتين وبين أربع ركعات في ركعتين وإن شاء صلى ركعتين ركعتين على العادة في النوافل حتى تنجلي الشمس وإن شاء دعا الله تعالى بتضرع وخشوع حتى تنجلي فإذا انجلت صلى ركعتين شكرا لله تعالى وانصرف والعمل على هذه الرواية أحب إلي لما فيها من احترام الجناب الإلهي والرحمة بالأمة المصلين لها فإنهم لاستيلاء الغفلات والبطالة عليهم لا يفون بشروط ما تستحقه الصلاة من الحضور والآداب فربما يمقت المصلي ولا يشعر أو تثقل عليه تلك العبارة فيتبرم منها فلذلك جعلنا رواية الدعاء من غير صلاة أولى فإنه في حقهم أحوط وكان العلاء بن زياد يصلي لها فإذا رفع رأسه من الركوع نظر إليها فإن كانت انجلت سجد وإن لم تكن انجلت مضى في قيامه إلى أن يركع ثانيا فإذا رفع رأسه من الركوع نظر إلى الشمس فإن انجلت سجد وإلا مضى في قيامه حتى يركع هكذا حتى تنجلي‏

(وصل الاعتبار)

الكسوف آية من آيات الله يُخَوِّفُ الله به عِبادَهُ فإذا وقع فالسنة أن يفزع الناس إلى الصلاة كسائر الآيات المخوفات مثل الزلازل وشدة الظلمة واشتداد الريح على غير المعتاد

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكسوف فقال إذا تجلى الله لشي‏ء خشع له كل شي‏ء

والحديث غير ثابت من طريق الرواية صحيح المعنى وعندنا إن التجلي لا زال دائما وإنما جهل الناس به أداهم إلى أن يقولوا أو يقال لهم مثل هذا العدم علمهم فخرق العادة إنما هو في أن يعلم خاصة كما كان خرق العادة في إسماع السامعين تسبيح الحصى وما زال الحصى مسبحا ولا شك أن النفوس ما تنبعث وتهتز إلا للآيات الخارقة للعادة

[الآيات الإلهية وغير المعتادة]

والآيات الإلهية منها معتاد وغير معتاد والقرآن قد ورد في الآيات المعتادة كثير في قوله ومن آياتِهِ ومن آياتِهِ ويذكر أمورا معتادة ثم يقول إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ ولكن لا ترفع العامة بها رأسا لجري العادة واستيلاء الغفلة وعدم الحضور وسبب كسوف الشمس والقمر معروف والذي لا يعرف كونه عن تجلى إلهي إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم أو عارف صاحب كشف وقد جعل الله الكسوف آية على ما يريد أن يحدثه من الكوائن في العالم العنصري وفي العالم الذي يظهر فيه الكسوف وفي الزمان فإنه قد يكسف ليلا فلا أثر له عندنا ويكون الحدث أيضا بحسب البرج الذي يقع الكسوف فيه وهو علم قطعي أعني علم وقوع الكسوف لا علم ما يحدث الله فيه أو عنده ويكون الكسوف في مكان أكثر منه في مكان آخر وفي مكان دون مكان ويبتدئ في مكان وفي مكان آخر ما ابتدأ بل هو على حاله وهذا كله يعرفه العلماء به فإنه راجع إلى حركات معلومة معدودة عند أهل هذا الشأن‏

[سبب الكسوف والخسوف وزمانهما]

وسبب كسوف الشمس من القمر إذا كان في مسامتتها فعلى قدر ما يسامتها منه يغيب منها عن أبصارنا فذلك الظل الذي نراه في الشمس هو من جرم القمر وقد يحجبها كلها فيظلم الجو فيقع الأبصار على جرم القمر فتتخيل العامة أن ذلك المرئي هو ذات الشمس والشمس نيرة في ذاتها على عادتها إلى أن يشاء الله تكويرها ولذلك يعرف زمان كسوفها ومقداره عند العارفين بتسيير الكواكب ولا يكون أبدا إلا في آخر الشهر العربي فإن القمر في ذلك الزمان يكون في المحاق والاحتراق تحت الشعاع فإن أعطى الحساب ما يؤدي إلى المسامتة عندنا وقع الكسوف بلا شك وكذلك كسوف القمر إنما هو أن يحول ظل الأرض بينه وبين الشمس فعلى قدر ما يحول بينهما يكون الكسوف في ذلك الموضع ولهذا يعرف والخطاء فيه قليل جدا ولو لم يكن الأمر على هذا ما علم‏

[الأمور العوارض والعادات والأصول الثابتة]

فإن الأمور العوارض لا تعلم إلا بإعلام الله على لسان من شاء من عباده وعندنا هي عوارض لا في نفس ما رتب الله في ذلك عند ما أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها والأمور الجارية على أصولها ثابتة لا تنخرم يعلمها العلوم بتلك الأصول وهي معتادة موضوعة لله تعالى واضعها ما هي عقلية ولا رسب ذلك طبيعي ولهذا يجوز خرق العادة فيها وهكذا كل موضوع إلى أن يخرم الله ذلك الأصل فلله المشيئة في ذلك وله الْأَمْرُ من قَبْلُ ومن بَعْدُ ولذلك لا يقال في حكم المنجم إنه علم لأن الأصول التي يبنى عليها إنما هي عن وضع إلهي وترتيب عالم حكيم استمرت به العادة ما ذاك لذواتها وما كان بالوضع قد يمكن زواله فإن الواضع له قد يضعه إلى أجل مخصوص معين ما عندنا

الصفحة 499 من الجزء 1

علم به فما من زمان نقدره إلا ويجوز تغيير ما وضع فيه من الأمور فإن لم يكن فبإرادة الواضع لا بنفسه وما كان بهذه المثابة لا يكون القائل بوقوعه على علم قطعي ولو وقع فإنه لا يعرف ما في نفس الواضع إلا بجهتين إما أن يكون هو المعرف بما في نفسه وهو الصادق وأما بعد ظهور الشي‏ء فيعلم أنه لو لا ما كان في نفس الواضع ما وقع والواضع هو الله تعالى وجل فالعالم المؤمن يقول في مثل هذا إن أبقى الله الترتيب على حاله وسيره في المنازل على قدره ولم يخرق العادة فيه فلا بد أن يقع هذا الأمر الذي ذكرناه فلهذا ينفي العلم عن المنجم وكل ما هو مثله من حظ الرسل وغيره‏

[كسوف القمر والشمس وحجاب العقل والنفس‏]

فضوء القمر لما كان مستفادا من الشمس أشبه النفس في الأخذ عن الله نور الايمان والكشف وإذا كملت النفس وصح لها التجلي على التقابل وهي ليلة البدر ربما التفتت إلى طبيعتها فظهرت فيها ظلمة طبيعتها فحالت تلك الظلمة بينها وبين نورها العقلي الإيماني الإلهي كما حال ظل الأرض بين القمر الذي هو بمنزلة النفس وبين نور الشمس فعلى قدر ما نظرت إلى طبيعتها انحجبت عن نور الايمان الإلهي فذلك كسوفها فهذا كسوف القمر وأما كسوف الشمس فهو كسوف العقل فإن الله خلقه ليعقل عن الله ما يأخذ عنه فحالت النفس التي هي بمنزلة القمر بينه وبين الحق تعالى من حيث ما يأخذ عنه من اسمه النور سبحانه من كون نسبته إلى الأرض من قوله وهُوَ الله في السَّماواتِ وفي الْأَرْضِ وقوله وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وفي الْأَرْضِ إِلهٌ فيريد العقل أن يأخذ عن الحق من علم ما يوجده في الأرض فتحول النفس بينه وبين علم ما يوجده في الأرض بشهواتها حتى لا ينظر إليه سبحانه فيما يحدثه فيها والأرض عبارة عن عالم الجسم فيحجب العقل لحجاب النفس الحيوانية الشهوانية فذلك بمنزلة كسوف الشمس فلا تدركها أبصار الناظرين ممن هو في تلك الموازنة ويفوت العقل من العلم بالله بقدر ما انحجب عنه من عالم الأجسام فلهذا شرع الله التوجه إلى مناجاته المعبر عن ذلك بصلاة الكسوف وشرع الدعاء لرفع ذلك الحجاب فإن الحجاب جهل وبعد في الحال الذي ينبغي له الكمال ولهذا لم يكن الكسوف إلا عند الكمال في النيرين في القمر ليلة بدره وهو كماله في الأخذ من الوجه الذي يلينا وكسوف الشمس في ثمانية وعشرين يوما من سير القمر في جميع منازل الفلك فلما وصل إلى نهايته وأراد أن يقابل الشمس من الوجه الآخر حتى يأخذ عنها على الكمال في عالم الأرواح مثل أخذه في الرابع عشر في عالم الأجسام النازل ليفيض من نوره على أبصار الناظرين إنعاما منه فاشتغلت الشمس بإعطائها النور للقمر في عالم الأرواح العالم العلوي إسعافا لطلبته وإكراما لقدومه عليها في حضرتها كان الكسوف لهذا الإسعاف‏

[حكم الكسوف في الأرض وفي النفس‏]

ولهذا لا يكون للكسوفات حكم في الأرض إلا في الأماكن التي يظهر فيها الكسوف وأما الأماكن التي لا يظهر فيها الكسوف فلا حكم يظهر فيها له ولا أثر أي ما يفعل الله عند ذلك شيئا في العالم من الكوائن التي يفعلها عند ظهور الكسوف إذ لا فاعل إلا الله فإن الأمور بتقدير العزيز العليم صنعة حكيم حتى إن الشمس إذا أعطى الحساب أنها تكسف ليلا لم يكن لذلك الكسوف حكم في ظاهر الأرض التي لم يظهر الكسوف فيها وكذلك كسوف القمر في الحكم فكذلك ظاهر الإنسان وباطنه فقد يقع الكسوف في الأعمال أي في العلم الذي يطلب العمل بالأحكام المشروعة وقد يقع في العلوم التي تتعلق بالباطن ولا حكم لها في الظاهر فتؤثر في موضع تعلقها إما في علم العمل وإما في العلم الذي لا يطلب العمل بحسب ما يقع فيتعين على من تكون حالته مثل هذه أن يتضرع إلى الله‏

[الذين هم في كسوف دائم مسرمد]

فإن أخطأ المجتهد فهو بمنزلة الكسوف الذي يكون في غيبة المكسوف فلا وزر عليه وهو مأجور وإن ظهر له النص وتركه لرأيه أو لقياسه الجلي في زعمه فلا عذر له عند الله وهو مأثوم وهو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرر عند علماء الأحكام بسير الكواكب وأكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين الذين قالوا لهم لا تقلدونا واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا به فإن الحديث مذهبنا وإن كنا لا نحكم بشي‏ء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا إنه دليل وما يلزمنا غير ذلك لكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا وفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد ولهذا كان يقول ما لك إذا سئل في نازلة هل وقعت فإن قيل لا يقول لا أفتى وإن قيل نعم أفتى في ذلك الوقت بما أعطاه دليله فأبت المقلدة من الفقهاء في زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث الذي أمرها به إمامها وقلدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت الله في قوله وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وعصت الرسول‏

الصفحة 500 من الجزء 1

في قوله فَاتَّبِعُونِي فإنه ما قالها إلا عن أمر ربه سبحانه وعصت إمامها في قوله خذوا بالحديث إذا بلغكم واضربوا بكلامي الحائط فهؤلاء في كسوف دائم مسرمد عليهم إلى يوم القيامة فلا هم مع الله ولا مع رسوله صلى الله عليه وسلم ولا مع إمامهم فهم في براءة من الله ورسوله وإمامهم فلا حجة لهم عند الله فانظروا مع من يحشر هؤلاء

[الصلاة المشروعة في الكسوف‏]

فالصلاة المشروعة في الكسوف إنما هي لمناجاة الحق في رفع ظلمة النفس وظلمة الطبع كما يقول اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وهم أهل الأنوار غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مثل أهل ظلمة الطبع ولا الضَّالِّينَ مثل أهل ظلمة النفس فالله يحول بيننا وبين ما يكسف عقولنا ونفوسنا ويجعلنا أنوارا كلنا لنا ولمن يقتدي بنا أنه الملي‏ء بذلك والقادر عليه‏

[رمزية الركعات في صلاة الكسوف والخسوف‏]

وأما اعتبار عدد الركعات في الركعتين فاعلم إن الركعتين ظاهر الإنسان وباطنه أو عقله وطبعه أو معناه وحرفه أو غيبه وشهادته وأما العشرة فهو تنزيهه في الركعتين خالقه تعالى وجل عن القبل والبعد والكل والبعض والفوق والتحت واليمين والشمال والخلف والأمام فيرجع هذا التنزيه من الله عليه فإنه عمل من أعماله فتكون له برجوع هذا العمل عليه هذه الأحكام كلها فلا قبل له فإنه لم يكن إلا الله والله لا يتصف بالقبلية ولا بعد له فإنه باق بإبقاء الله فلا يبعد ولا كل له فإنه لا يتجزأ ولا يتحير من حيث لطيفته ومن لا كل له من ذاته فلا بعض له ومن لا يتصف بهذه الصفات فلا جهات له فلا جهات للإنسان إلا من حيث صورة جسمه ونشأته فإن نشأته الجسدية بها ظهرت الجهات الستة فهو عين الجهات ما هو في جهة من نفسه وأما اعتبار الثمانية في اثنتين فالثمانية الذات والصفات فتغيب الذات الكونية وصفاتها في الذات الأحدية وتندرج أنوار صفاتها في صفاتها وهوقوله تعالى كنت سمعه وبصره‏

وذكر جوارحه فلا تقع عين إلا عليه ظاهرا وباطنا

من عرف نفسه عرف ربه‏

فهكذا هو الأمر في الباطن وأما في الظاهر فما تقع العين إلا على العبد والحق مدرج في هذا الحق بضم الحاء الكياني ما هو كاندراج العرض في المحل ولا كالمظروف في الظرف وأما اعتبار الست في اثنتين فهو قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله وقوله إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ وأما اعتبار الأربعة في الثنتين فهو قوله ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومن خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ وعلى كل طريق يأتي إليه منها ملك مقدس بيده السيف صلتا فإن كان المؤتي إليه من العارفين لم يكن له ملك يحفظه بل هو إكسير وقفه من أي ناحية جاءه قبل منه وقلب جسده ذهبا إبريزا فيعود الآتي من الخاسرين‏

(وصل في فصل في القراءة فيها)

اختلف العلماء في القراءة فيها أعني في السر والجهر بها فمن قائل يقرأ فيها سرا ومن قائل يقرأ فيها جهرا

(اعتبار هذا الفصل)

إن كان كسوفه نفسيا أسر في مناجاته وذكر الله في نفسه وإن كان كسوفه في عقله جهر في قراءته وهو بحثه عن الأدلة الواضحة وفيها الظاهرة الدلالة القريبة المأخذ التي يشركه فيها العقلاء من حيث ما هم أهل فكر ونظر واستدلال والآخرون أهل كشف وتجل ينتجه الهمم إلى الرياضات وهي تهذيب الأخلاق والخلوات والمجاهدات وتطويل المناجاة

[النشأة النورانية خارجة عن حكم الأركان‏]

والتضرع إلى الله تعالى فيها مشروع وهو اعتبار طول القراءة في صلاة الكسوف فإنه روى أنه كان يقوم فيها بقدر سورة البقرة والقيام الثاني ربما يكون على النصف والقيام الثالث على النصف من الثاني وهكذا في القيام الرابع والخامس وسبب ذلك أن عالم الأرواح ما يتعبهم القيام ولا يدركهم ملل لأن النشأة نورية خارجة عن حكم الأركان‏

[النشأة العنصرية تئول إلى الاستحالات البعيدة والقريبة]

وأما نشأة تقوم من العناصر تئول إلى الاستحالات العبدية والقريبة فيعبر عن ذلك بالنصب والتعب وكلما نزل فيها من معدن إلى نبات إلى حيوان إلى إنسان كان التعب أقوى في آخر الدرجات وهو الإنسان والنصب أعم فإنه سريع التغير فإن له الوهم ولا شك أن الأوهام تلعب بالعقول كتلاعب الأفعال بالأسماء

(وصل في فصل الوقت الذي تصلي فيه)

اختلف العلماء في الوقت الذي تصلي فيه صلاة الكسوف فمن قائل تصلي في جميع الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وغير المنهي ومن قائل لا تصلي في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ومن قائل تصلي في الوقت الذي تصلي فيه النافلة ومن قائل تصلي من الضحى إلى الزوال لا غير

(وصل الاعتبار)

كما لا يتعين للكسوف وقت لا يتعين للصلاة له لأن الصلاة

الصفحة 501 من الجزء 1

تابعة للأحوال وقد ثبت الأمر بالصلاة لها وما خص وقتا من وقت وهي صلاة مأمور بها بخلاف النافلة فإنها غير مأمور بها فإن حملنا الصلاة على الدعاء دعونا في الوقت المنهي عن الصلاة فيه وصلينا في غيره من الأوقات وبه أقول‏

(وصل في فصل الخطبة فيها)

اختلف علماء الشريعة في ذلك فمن قائل إن الخطبة من شرطها ومن قائل ليس في صلاة الكسوف خطبة والذي أذهب إليه أنه يستحب للإمام أن يخطب بالناس ليذكرهم ويحذرهم فإن الكسوف من الآيات التي يُخَوِّفُ الله به عِبادَهُ‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

الخطبة موعظة وذكرى والآية منبهة وذكرى والكسوف آية تخويف فوقعت المناسبة فترجح جانب من يقول باشتراط الخطبة وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم ذكر الناس بعد الفراغ من الصلاة

(وصل في فصل كسوف القمر)

فمن قائل يصلي لكسوف القمر في جماعة كصلاة كسوف الشمس ومن قائل لا يصلي له في جماعة واستحب صاحب هذا القول أن يصلي له أفذاذ ركعتين ركعتين كسائر النوافل والذي أذهب إليه الصلاة في الجماعة أولى إن قدر عليها

(اعتبار هذا الفصل)

لما كان كسوف الشمس سببه القمر كان كسوف القمر كالعقوبة له لكسوفه الشمس فتضمن كسوف القمر آيتين فكانت الصلاة له في الجماعة أولى فإن شفاعة الجماعة لها حرمة أكثر من حرمة الواحد فالجمع لها ينبغي أن يكون آكد من الجمع بكسوف الشمس وكسوف القمر نفسي كما قدمنا والنفس أبدا هي المزاحمة للربوبية بخلاف العقل فكان ذنبها أعظم وحالها أخطر فاجتماع الشفعاء عند الشفاعة أولى من إتيانهم أفذاذا ومن اعتبر في الكسوفات الخشوع كما ورد في الحديث الذي تقدم كان منبها على الخشوع للمصلي فإن الله يقول قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وقال وإِنَّها يعني الصلاة لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وخشوع كل خاشع على قدر علمه بربه وعلمه بربه على قدر تجليه له‏

(وصل في فصل صلاة الاستسقاء)

فمن قائل بصلاة الاستسقاء ومن قائل لا صلاة فيه والحجة لمن قال بالصلاة إنه من لم يذكر شيئا فليس بحجة على من ذكر وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة وحول رداءه ورفع يديه واستسقى واستقبل القبلة

والعلماء مجمعون على إن الخروج إلى الاستسقاء والبروز عن المصر والدعاء والتضرع إلى الله تعالى في نزول المطر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء كما ذكرنا والذي أقول به إن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء والقائلون بأن الصلاة من سنته يقولون أيضا إن الخطبة من سنته وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيه وخطب‏

واختلف القائلون بالخطبة هل هي قبل الصلاة أو بعدها فاتفق القائلون بالصلاة أن قراءتها جهر واختلفوا هل يكبر فيها مثل تكبير العيدين أو مثل تكبير سائر الصلوات ومن السنة في الاستسقاء استقبال القبلة واقفا والدعاء ورفع اليدين وتحويل الرداء باتفاق واختلفوا في كيفية تحويل الرداء فقال قوم يجعل الأعلى أسفل والأسفل أعلى وقال قوم يجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين والذي أقول به أن يجمع بين الثلاث الكيفيات الأعلى أسفل واليمين على الشمال والباطن ظاهرا واختلفوا متى يحول ثوبه فقال قوم عند الفراغ من الخطبة وقال قوم إذا مضى صدر من الخطبة والذي أذهب إليه أن وقت التحويل وقت الدعاء فإنه سؤال بالحال في تحويل الحالة واختلفوا في وقت الخروج إليه فقيل في وقت صلاة العيدين وقيل عند الزوال وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس‏

(وصل الاعتبارات) في جميع ما ذكرناه‏

اعتبار الاستسقاء الاستسقاء طلب السقيا وقد يكون طالب السقيا لنفسه أو لغيره أو لهما بحسب ما تعطيه قرائن الأحوال فأما أهل الله المختصون به الذين شغلهم به عنهم وعرفهم بأنهم إن قاموا فهم معه وهو معهم وإن رحلهم رحلوا به إليه فلا يبالون في أي منزل أنزلهم إذ كان الحق مشهودهم في كل حال فإن عاشوا في الدنيا فيه عيشهم وإن انقلبوا إلى الأخرى‏

الصفحة 502 من الجزء 1

فإليه انقلابهم فلا أثر لفقد الأسباب عندهم ولا لوجودها فهؤلاء لا يستسقون في حق نفوسهم إذ علموا إن الحياة تلزمهم لأنها أشد افتقارا إليهم منهم إليها وفائدة الاستسقاء إبقاء الحياة الدنيا فاستسقاء العلماء بالله في الزيادة من العلم بالله كما قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم حين أمره وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً هذا الدعاء هو عين الاستسقاء فإذا استسقى النبي صلى الله عليه وسلم ربه في إنزال المطر والعلماء بالله لم يستسقوه في حق نفوسهم وإنما استسقوه في حق غيرهم ممن لا يعرف الله معرفتهم تخلقا بصفته تعالى حيث يقول كما

ورد في الحديث الصحيح قال الله تعالى استسقيتك عبدي فلم تسقني قال وكيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك فلان فلم تسقه‏

فهذا الرب قد استسقى عبده في حق عبده لا في حق نفسه فإنه يتعالى عن الحاجات كذلك استسقاء النبي والعلماء بالله إنما يقع منهم لحق الغير فهم ألسنة أولئك المحجوبين بالحياة الدنيا عن لزوم الحياة لهم حيث كانوا تخلقا بالاستسقاء الإلهي‏

[الفقير من لا تقوم به حاجة فتملكه‏]

إذا الفقير المحقق من لا يقوم به حاجة معينة فتملكه لعلمه بأنه عين الحاجة فلا تقيده حاجة فإن حاجة العالم إلى الله مطلقة من غير تقييد كما إن غناه سبحانه عن العالم مطلق من غير تقييد من حيث ذاته فهم يقابلون ذاتا بذات وينسبون إلى كل ذات ما تعطيها حقيقتها وما أحسن ما شرع في الأذان والإقامة في قوله حي على الصلاة ولم يقل إلى الصلاة فيقيده بالغاية ومن كان معك فلا يكون غايتك ولا تقل حي كلمة إقبال ولا يطلب الإقبال إلا من معرض وكل معرض فاقد قلنا نعم لما كان العبد متحققا بالله كان هو الناظر والمنظور والشاهد والمشهود وغاب عين العبد ولم يبق إلا الرب وأراد الحق سبحانه أن يشهد العبد عين عبوديته ليعرفه بما أنعم عليه به مما لم يعط ذلك لغيره من العبيد ولا يعرف ذلك حتى يرد لنفسه ومشاهدة عينه مقارنة لمشاهدة ربه ولم يجعل ذلك في شي‏ء من عباداته إلا في الصلاة

فقال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي‏

[القسم الذي يخص العبد من الصلاة]

فلا بد للمصلي من أجل قسمه من الصلاة أن يقوم فيه إذ لا يليق ذلك لقسم الذي للعبد من الصلاة أن يكون لله فقال له حي على الصلاة أي أقبل على الصلاة من أجل القسم الذي يخصك منها فإعراضه إنما كان عن نفسه لا عن ربه لأن العلم بالله أعطاه ذلك فقال له أقبل على صلاتك لتشهدني وتشهد نفسك فتعرف ما لي وما لك فتتصف بالحكمة وفصل الخطاب وترى ما أنت فيه فلم يأت بإلى فإنها أداة تؤذن بالفقد والأمر في نفسه ليس كذلك فإذا كان الحق يستسقي عبده فالعبد أولى وإذا كان الحق ينوب عن عبده في استسقاء عبده يسقى عبده فالعبد أولى أن يستسقي ربه ليسقى عبده وهو أولى بالنيابة عن مثله من الحق عنه إذ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فمن الأدب مع الله الاستسقاء في حق الغير

[صاحب الحال وصاحب العلم‏]

فإن أصحاب الأحوال محجوبون بالحال عن العلم الصحيح فصاحب الحال إذا لم يكن محفوظا عليه أدبه لم يؤاخذ بسوء الأدب إذ كان لسانه لسان الحال وصاحب العلم مؤاخذ بأدنى شي‏ء لأنه ظاهر في العالم بصورة الحق وكم بين من يظهر في وجوده بربه وبين من يظهر بحاله شتان بين المقامين ويا بعد ما بين المنزلتين شاهد العلم عدل وشاهد الحال فقير إلى من يزكيه في حاله ولا يزكيه إلا صاحب العلم ولما كان العلم بهذه العزة شرعت التزكية في حكم الشرع بغلبة الظن فيقول أحسبه كذا وأظنه كذا لأنه لا يعلم كل أحد ما منزلة ذلك المزكى عند الله فلا يزكي على الله أحدا وإذا افتقر صاحب الحال إلى التزكية بغلبة الظن فهو إلى العالم صاحب العلم أفقر وأفقر فإنه مع من يزكيه كلاهما محتاجان إلى صاحب العلم العلم منجل يظهر نفسه والحال ملتبس يحتاج إلى دليل يقويه لضعفه أن يلحق بدرجة الكمال فصاحب الحال يطلب العلم وصاحب العلم لا يطلب الحال أي عاقل يكون من يطلب الخروج من الوضوح إلى اللبس فإذا فهمت ما قررناه تعين عليك الاستسقاء فاشرع فيه‏

(وصل اعتبار البروز إلى الاستسقاء)

الاستسقاء له حالان الحال الواحدة أن يكون الإمام في حال أداء واجب فيطلب منه الاستسقاء فيستسقي على حالته تلك من غير تغيير ولا خروج عنها ولا صلاة ولا تغير هيأة بل يدعو الله ويتضرع في ذلك فحال هذا بمنزلة من يكون حاضرا مع الله فيما أوجب الله عليه فيتعرض له في خاطره ما يؤديه إلى السؤال في أمر لا يؤثر السؤال فيه في ذلك الواجب الذي هو بصدده بل ربما هو مشروع فيه كمسألتنا أ لا ترى‏

أن الشارع قد شرع للمصلي أن يقول في جلوسه بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واجبرني‏

فشرع له في الصلاة طلب الرزق والاستسقاء طلب الرزق فليس لمن هذه حالته أن يبرز إلى خارج المصر ولا يغير هيأته فإنه في أحسن الحالات وعلى أحسن الهيئات لأن أفضل الأمور أداء الواجبات‏

دخل أعرابي على رسول‏

الصفحة 503 من الجزء 1

الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة من باب المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر خطبة الجمعة فشكا إليه الجدب فطلب منه أن يستسقي الله فاستسقى له ربه كما هو على منبره وفي نفس خطبته ما تغير عن حاله ولا أخر ذلك إلى وقت آخر

[المضطر تجاب دعوته بلا شك‏]

وأما الحالة الأخرى فهو أن لا يكون العبد في حال أداء واجب فيعرض له ما يؤديه إلى أن يطلب من ربه ابتداء في حق نفسه أو غيره مما يحتاج أن يتأهب له أهبة جديدة على هيأة مخصوصة فيتأهب لذلك الأمر ويؤدي بين يديه أمرا واجبا ليكون بحكم عبودية الاضطرار فإن المضطر تجاب دعوته بلا شك كذلك العبد إذا لم يكن في حال أداء واجب وأراد الاستسقاء برز إلى المصلي وجمع الناس وصلى ركعتين فالشروع في تلك الصلاة عبودية اختيار وأداء ما فيها من قيام وركوع وسجود وجلوس عبودية اضطرار فإنه يجب عليه في الصلاة النافلة بحكم الشروع الركوع والسجود وكل ما هو فرض في الصلاة فإذا دعا عقيب عبودية الاضطرار فقمن أن يستجاب له ويدخل في الهيئة الخاصة من رفع اليد وتحويل الرداء واستقبال القبلة والتضرع إلى الله والابتهال في حق المحتاجين إلى ذلك كائنا من كان ولما ذكرناه وقع الخلاف في البروز إلى الاستسقاء وقد برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خارج المدينة فاستسقى بصلاة وخطبة

[الخروج من قيد الأسباب إلى فضاء التجريد]

(و اعتبار البروز من المصر إلى خارجه) خروج الإنسان من الركون إلى الأسباب إلى مقام التجريد والفضاء حتى لا يكون بينه وبين السماء الذي هو قبلة الدعاء حجاب سقف ولا غيره وهو خروج من عالم ظاهره مع عالم باطنه في حال الافتقار إلى ربه بنية التخلق بربه في ذلك أو بنية الرحمة بالغير أو بنفسه أو بمجموع ذلك كله‏

(وصل الاعتبار في الوقت الذي يبرز)

إن برز من ابتداء طلوع حاجب الشمس إلى الزوال وذلك عند ما يتجلى الحق لقلب العبد التجلي المشبه بالشمس لشدة الوضوح ورفع اللبس وكشف المراتب والمنازل على ما هي عليه حتى يعلم ويرى أين يضع قدمه لئلا يهوى أو يخطئ الطريق أو تؤذيه هو أم أفكار رديئة ووساوس شيطانية فإن الشمس تجلو كل ظلمة وتكشف كل كربة فإن لطلوعها شرع أهل الأسباب في طلب المعاش والمستسقي طالب عيش بلا شك فما دام الحق يطلب العبد لنفسه لما ينقبض من الظل من طلوع الشمس إلى الزوال ليكون طلبه للأشياء من الله بربه لا بنفسه لذلك نبهه على ذلك بقبض الظل إلى حد الزوال فإذا قضيت حاجته التي سأل فيها فمن شأن صاحب هذا الحال إذا حصلت له حاجته أنه يؤديها إلى المحتاج وقد انقبض ظله فأخذ الحق في الاحتجاب عن عبده ليبقى مع نفسه فيما أعطاه في سؤاله مما تحتاج إليه نفسه فيشهده نفسه شيئا فشيئا كما يمتد الظل ويظهر بدلوك الشمس إلى حين الغروب فإذا احتجب عنه بقي مع نفسه متفرغا إليها بما حصله وهو المعبر عنه بالعشاء فينضم إلى وكره ويجمع أهله على مائدته بما اكتسبه في يومه فلهذا كان البروز إلى المصلي من طلوع الشمس فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما برز إلى الاستسقاء خرج حين بدا حاجب الشمس فاعتبرناه على ذلك الحد للمناسبة والمطابقة

(وصل اعتبار الصلاة في الاستسقاء)

لما شرع الله في الصلاة الدعاء بقوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ والاستسقاء دعاء مخصوص فأراد الحق أن يكون ذلك الدعاء في مناجاة مخصوصة يدعو فيها بتحصيل قسمه المعنوي من الهداية إلى الصراط المستقيم صراط النبيين الذين هداهم الله تهمما بطلب الأول الذي فيه السعادة المخصوصة بأهل الله ثم بعد ذلك يستسقون في طلب ما يعم الجميع من الرزق المحسوس الذي يشترك جميع الحيوانات وجميع الناس من طائع وعاص وسعيد وشقي فيه فابتدأ بالصلاة ليقرع باب التجلي واستجابة الدعاء فيما يزلف عند الله فيأتي طلب الرزق عقيب ذلك ضمنا ليرزق الكافر بعناية المؤمن والعاصي بعناية الطائع فلهذا شرعت الصلاة في الاستسقاء

[عبودية الاختيار وعبودية الاضطرار]

فعبودية الاختيار قبل عبودية الاضطرار تأهب واستحضار وتزيين محل وتهيؤه وعبودية الاختيار عقيب عبودية الاضطرار شكر وفرح وبشرى بحصول عبودية الاضطرار فالأولى بمنزلة النافلة قبل الفرض والثانية بمنزلة النافلة بعد أداء الفرض‏

لما بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر تنفل حتى تورمت قدماه فسئل في ذلك فقال أ فلا أكون عبدا شكورا

[عبادة الشكر]

وعبادة الشكر عبادة مغفول عنها ولهذا قال تعالى وقَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ وما بأيدي الناس من عبادة الشكر على النعماء إلا قولهم الحمد لله والشكر لله لفظ ما فيه كلفة وأهل الله يزيدون على مثل هذا اللفظ العمل بالأبدان والتوجه بالهمم قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً ولم يقل قولوا والأمة المحمدية

الصفحة 504 من الجزء 1

أولى بهذه الصفة من كل أمة إذ كانت خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏

(وصل اعتبار التكبير فيها)

من شبهها بصلاة العيد الأول عبد فطر فهو خروج من حال صيام والصيام يناسب الجدب فإن الصائم يعطش كما تعطش الأرض في حال الجدب وعيد الأضحى هو عند زمان الحج وأيام عشر الحج أيام ترك زينة ولهذا شرع للمحرم ترك الزينة وشرع لمن أراد أن يضحى إذا أهل هلال ذي الحجة أن لا يقص ظفرا ولا يأخذ من شعره ولما لم يكن زينة الأرض إلا بالأزهار والأزهار لا تكون إلا بالأمطار وهذه الأحوال تقتضي عدم الزينة فأشبهت الأرض الجدبة التي لا زينة لها لعدم الزهر لعدم المطر فأشبهت صلاة الاستسقاء صلاة العيدين فيكبر فيها كما يكبر في العيدين وسيأتي اعتبار عدد التكبير في صلاة العيدين‏

[حال العبد بالإحرام وحال الأرض الجدبة]

ومن حمل صلاة الاستسقاء على سائر أكثر السنن والنوافل وصلوات الفرائض لم يزد على التكبير المعلوم شيئا وهو أولى فإن حالة الاستسقاء حالة واحدة ما هي مختلفة الأنواع فإن المقصود إنزال المطر فلا يزيد على تكبيرة الإحرام شيئا لأنه ما ثم حالة تطلب تكبيرة أخرى زائدة على تكبيرة الإحرام فيحرم على المصلي في الاستسقاء في تكبيرة الإحرام جميع ما تلتذ به النفوس من الشهوات ويفتقر إلى ربه في تلك الحالة كما حرم على الأرض الجدبة الماء الذي به حياتها وزينتها ونسمتها يناسب حال العبد بالإحرام حال الأرض فيما حرمت من الخصب‏

(وصل اعتبار الخطبة)

في الاستسقاء الخطبة ثناء على الله بما هو أهله ليعطي ما هو أهله فيثني عليه ثناء آخر بما يكون منه وهو الشكر على ما أنعم والمصلي مثن على الله بما هو أهله وعلى ما يكون منه وهو القسم الواحد الذي لله من الصلاة فالخطبة ينبغي أن تكون في الاستسقاء

[الصلاة ثناء على الله‏]

ومن رأى أن الصلاة ثناء على الله يقول حصل المقصود فأغنى عن الخطبة وتضاعف الثناء على الله أولى من الاقتصار على حال واحدة فإن الخطبة تتضمن الثناء والذكرى فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ والاستسقاء طلب منفعة بلا شك‏

(وصل اعتبار متى يخطب)

التشبه بالنسبة لكونها سنة أولى من التشبه بالفريضة وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تشبه صلاة الوتر بصلاة المغرب‏

فيكره لمن أوتر بثلاث أن يأتي بها على صورة صلاة المغرب فتشبيه الاستسقاء بالعيدين أولى فيخطب لها بعد الصلاة إلا أن يرد نص صريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب لها قبل الصلاة فيكون النص فيها فلا تقاس على سنة ولا على فريضة بل تكون هي أصلا في نفسها يقيس عليها من يجيز القياس في دين الله‏

[الخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة أولى‏]

وإذا كان العيد يخطب فيه بعد الصلاة مع المراد بالخطبة تذكير الناس وتعليمهم وهم لا يقيمون بل يتصرف أكثرهم بتمام الصلاة فالخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة أولى لأنهم لا ينصرفون حتى يستسقي الإمام بهم فإنهم للاستسقاء خرجوا والخطبة إنما تكون بعد الصلاة وبعد الدعاء بالاستسقاء فلا ينصرف الناس فيحصل المقصود من الخطبة

[عبد الملك بن مروان أول من اختطب في العيد قبل الصلاة]

أ لا ترى إلى عبد بن الملك مروان كيف اختطب في العيد قبل الصلاة فقيل له في المجلس في ذلك معيرا عليه فعله وإن النبي صلى الله عليه وسلم ما اختطب في العيدين إلا بعد الصلاة فقال عبد الملك قد ترك ما هنالك يريد أن الناس قد تركوا الجلوس للخطبة وكانت الصحابة لا ينصرفون من صلاة العيد حتى يخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع السنة أولى ولو لم يبق إلا الإمام وحده لأنه لا يلزمه أكثر من الاقتداء ولا يعلل كذلك الإنسان إذا فرغ من مناجاة ربه في صلاته يثني على الله في نفسه فيما ينصرف إليه وذلك حتى لا يبرح مع الله في عموم أحواله فإذا فعل ذلك كان بمنزلة الخطبة بعد الصلاة فلا يزال في شغله مع الله في كل حال والله الموفق لا رب غيره‏

(وصل اعتبار في القراءة جهرا)

يجهر المصلي بالقراءة في الاستسقاء ليسمع من وراءه ليحول بينهم وبين وساوسهم بما يسمعونه من القرآن لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ويشغلوا نفوسهم عن وساوسها بالتفكر في معاني القرآن وليثابوا من حيث سمعهم فقد يكون حسن استماعهم لقراءة الإمام من الأسباب الموجبة لنزول المطر لكونهم أدوا واجبا بامتثالهم أمر الله بقوله وإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏

[أفعال الترجي من الله حكمها حكم الواجب‏]

والمطر من رحمة الله وهم ما أخرجهم إلا طلبتهم إياه من الله تعالى وقد وعد به لمن استمع القرآن فإن أفعال الترجي من الله حكمها حكم الواجب وإن الإمام ذاكر ربه في ملأ وهو الجماعة في صلاته جهرا ودعائه فيذكره الله في ملأ خير منهم فقد يكون في ذلك الملإ من يسأل الله تعالى في قضاء حاجة ما توجه إليه فيها هذا الإمام وجماعته فيمطرون بدعاء ذلك الملك‏

[الرحمة مقدمة على العلم لموضع حاجة العباد إليها]

فإن الملائكة تقول رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وعِلْماً فقدمت الرحمة على العلم لموضع حاجة العباد إليها وأدبا مع الله فإن الله قدمها في العطاء

الصفحة 505 من الجزء 1

على العلم فقال آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً وقد ورد أن الله يقول لعبده ادعني بلسان لم تعصني به‏

وهو لسان أمثالي من العصاة فكيف بلسان الملائكة الذين لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فالجهر بالقراءة فيها أولى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقرآن فيها أعني في صلاة الاستسقاء

(وصل اعتبار تحويل الرداء)

إشارة إلى تحويل الحال الذي أخرجهم من الجدب إلى الخصب ومن حال شظف العيش إلى رغده فإن ذلك من الفال الحسن كما تحول أهل هذا المصر في خروجهم إلى الاستسقاء من حال البطر والأشر وكفران النعم إلى حال التوبة والافتقار وإظهار الفاقة والمسكنة فطلبوا التحويل بالتحويل ولسان الأفعال أفصح من لسان الأقوال فإنهم القائلون بذلك الفعل أي ربنا إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ ورجعنا عما كنا عليه من مخالفتك فإن التنعم بالنعم وما كنا فيه من الخصب على جهة البطر أوجب لنا الجدب والقحط ونرجو بكرمك إن توجب لنا الافتقار والذلة والمسكنة والخشوع والخصب فإن الشي‏ء لا يقابل إلا بضده حتى ينتجه‏

[الشاكر في حال شكره فقير إلى ما ليس عنده‏]

فإن قلت فقوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ قلنا الشاكر في حال شكره هو عين فقره إلى ما ليس عنده وهو الزيادة التي تزاد له على النعمة التي يكون فيها وهي نعمة باطنة وهي توبته التي أعطاه الله في باطنه وظاهره وهي نعمة توجب الشكر والشكر يطلب المزيد فتعمه النعمة ظاهرا بنزول المطر وباطنا بالحمد على ما أنعم الله به عليهم‏

شكر لنعمة ربي نعمة أخرى *** منه علي لهذا يطلب الشكرا

فقير إليه وما عندي سوى نعم *** من الإله بها إرساله تترى‏

هو الغني وفقري منة ظهرت *** منه علي فنلت الزهو والفخرا

بالفقر فخري وبالفاقات سلطنتي *** على الوجود فلا أدري ولا أدري‏

[متجر الموفقين الصادقين‏]

أ لا ترى التاجر رب المال الغزير والخير الكثير الذي لو قسم ما له عليه وعلى أهله وأولاده وأتباعه طول أعمارهم لكفاهم وفضل عنهم ومع هذا يخاطر بما له ونفسه في ركوب البحار والسبل المخوفة في طلب زيادة درهم فما أخرجه عن أهله وهون عليه مفارقة وطنه وولده ودعته وأحوجه إلى ركوب هذه الأخطار إلا فقره وتوهمه تحصيل هذا الدرهم الزائد على ما عنده وربما تلفت نفسه وماله بغرق أو قطاع طريق أو أسر المحقق عنده الحاصل في أمر متوهم يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل فإذا أراد من هذه حالته من التجار وتخرجه فاقته ولا بد له من السفر فليحول نيته إلى نية أخرى فينظر إلى الجهة التي يقصدها في سفره ويعلم أن الله قد سخر عباده في قضاء حوائج بعضهم لبعض فيقول إن البلد الفلاني يحتاجون إلى كذا وكذا ويذكر السلع التي يطلبها أهل ذلك البلد يا رب فإن قعدت أنا وغيري ولم أحمل إليهم هذا الذي يحتاجون إليه كلفناهم التعب ومفارقة الأولاد بالوصول إلينا لتحصيل ما يحتاجون إليه فنحن نؤثر تعبنا على تعبهم ونحمل إليهم ما يحتاجون إليه ويكون ما يكسبه من زيادة الدرهم تبعا لهذه النية هكذا يكون متجر الموفقين الصادقين الذين‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم في الحديث الصحيح التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ

فانظر ما أحسن هذه النسبة بهذا التنبيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام جاءوا من عند الله إلى عباد الله بما يحتاجون إليه مما فيه سعادتهم فأجروا على ذلك الأجر التام وهذا حال التاجر لمن عقل يقول تعالى هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ مع حصول المشقة في ذلك من مفارقة الأهل في دخوله في الايمان دونهم ومفارقة الوطن بالهجرة إلى دار الإسلام فانظر ما أعجب كلام النبوة

[التاجر الذي باع بنسيئة إلى أجل معلوم‏]

وهذا كله من تحويل الحالات لهذا يحول رداءه من يستسقي ومن لم يوفق إلى هذا النظر الذي له فيه الأجر التام والمعرفة الصحيحة أخرجه ما يخرج الناس اليوم وهو الفقر الذي قام به لطلب تلك الزيادة المتوهمة التي يمكن أن تحصل ويمكن أن لا تحصل مع كثرة المال الذي يقع له به الغني لو استغنى فلما لم يكن عنده غنى في نفسه بما عنده وقام به الخوف على ماله والفقر إلى الزيادة خاطر بنفسه وماله وعمي عن علمه بأن المسافر وماله على قلة فأزعجه هذا الفقر المتوهم وحال بينه وبين أهله وولده وأحبابه وهو على غاية من السرور والفرح بذلك السفر لتوهمه حصول الأرباح فحال الشاكر وفقره إلى طلب الزيادة

الصفحة 506 من الجزء 1

أولى فإن الزيادة محققة والربح هناك متوهم فإن الله صادق في إخباره ثم إن الشاكر الذي له هذه الزيادة المحققة بشكره هو في أهله لا يفارق وطنه ولا أهله ولا ولده ولا يغري بنفسه ولا يركب الأخطار ولا يتعب بدنه ولو تصدق بماله كله فهو كتاجر باع بنسيئة فهو له مدخر يجده يوم فقره وحاجته عند الله فإن رزقه الذي تقوم به نشأته وأرزاق عياله لا بد منها يأتي بها الله كما قال لقمان يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ فهذا تاجر باع بنسيئة إلى أجل وأجله زمان القيامة فهو حلول الأجل فهذا يا أخي حكمة تحويل الرداء

(وصل اعتبار كيفية تحويله)

وهو على ثلاث مراتب يجمعها كلها العالم إذا أراد أن يخرج من الخلاف الذي بين علماء الشريعة وهو أن يرد ظاهره باطنه وباطنه ظاهره وأعلاه أسفله وأسفله أعلاه والذي على يمينه على يساره والذي على يساره على يمينه وكل ذلك تأكيد في الإشارة إلى تحويل الحالة التي هم عليها

[تأثير الظاهر في الباطن وبالعكس‏]

فأما اعتبار ظاهر الرداء وباطنه فهو تأثير أعمال ظاهره في باطنه أعني في قلبه بما تنتج له هذه الأعمال وأعمال باطنه أيضا المحمودة تظهر بالفعل على ظاهره مثل نيته أن يتصدق فيتصدق أو ينوي فعل خير ما فيفعله فما كان في باطنه قد ظهر بالفعل على ظاهره من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ومن عمل عملا صالحا أثر له في نفسه وقلبه المحبة والطلب إلى الشروع في عمل آخر ولا سيما إن أنتج له ذلك العمل في الدنيا علما في نفسه كما

قال صلى الله عليه وسلم من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يكن يعلم‏

وقال تعالى إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً

[إلحاق العالم الأعلى بالأسفل والأسفل بالأعلى‏]

وأما تحويل أعلى الرداء وأسفله فهو إلحاق العالم الأعلى بالأسفل في التسخير وإلحاق العالم الأسفل بالأعلى في الطهارة والتقديس فينزل الأعلى رحمة بالأسفل ويرفع الأسفل عناية إلى رتبة الأعلى في النسبة إلى الله تعالى والافتقار إليه وإن الله كما توجه إلى أعلى الموجودات قدرا وهو القلم الإلهي والعقل الأول بما أعطاه من العلم والسعادة كذلك توجه إلى أدنى الموجودات قدرا وأشقاهم وأخسهم منزلة عند الله على حد واحد

[ما من جوهر فرد إلا وهو مرتبط بحقيقة إلهية]

فإن الله من حيث ذاته ما فيه مفاضلة لأنه لا يتصف بالكل فيتحقق فيه البعض وما من جوهر فرد من العالم كله أعلاه وأسفله إلا وهو مرتبط بحقيقة إلهية ولا تفاضل في ذلك الجانب الأعز الأحمى فهو مستو على عرشه الأعلى ولو دليتم بحبل لهبط على الله‏

اجتمع أربعة من الأملاك على الكعبة واحد نازل من السماء وآخر عرج من الأرض السفلي والثالث جاء من ناحية المشرق والرابع من ناحية المغرب فسأل كل واحد منهم صاحبه من أين جئت فكلهم قالوا من عند الله وروينا عن بعض شيوخنا حديثا يرفعه أو يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله في السماء كما هو في الأرض وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم فساوى بين العالمين في الطلب ومعلوم ما بينهما من التفاوت في العرف‏

[ذكريات تاريخية ومعارف ذوقية]

واتفق لي في هذا المشهد ذوقا وذلك أني حملت في يدي شيئا محقرا بحيث يراه الناس ما كان يقتضيه منصبي في الدنيا وهو ذو رائحة خبيثة من هذا السمك المالح فتخيل أصحابي أني حملته مجاهدة لنفسي لعلو منصبي عندهم عن حمل مثل ذلك وقالوا لشيخي ما قصر فلان في مجاهدته فقال حتى نسأله بأي نية حمله فسألني الشيخ بحضور الجماعة وذكر لي ما ذكروه فقلت لهم أخطأتم في التأويل علي والله ما نويت شيئا من ذلك ولكني رأيت الله على علو قدره ما نزه نفسه عن خلق مثل هذا فأنزه نفسي عن حمله فشكرني الشيخ وتعجب الأصحاب وهو من هذا الباب بل والله في حملي إياه شرفي فإنه نظير القدرة في إيجاد عينه ولا فرق عند العارفين بين العالي والدون المعتاد هذا خلوف فمن الصائم عند الله أطيب من ريح المسك وأين إدراك الشم من الرائحتين فلا تنظروا في الأشياء المتفاضلة إلا بارتباطها بالحقائق الإلهية وإذا كان هذا نظركم فإنكم لا تحقرون شيئا من العالم فلا تقس الله ولا تحمله على نفسك وخذ الأشياء على ما تعطيها الحقائق‏

[ظهور المؤمن في الآخرة بنعيم الكافر في الدنيا وبالعكس‏]

وأما تحويل ما هو على اليمين إلى الشمال وبالعكس فاعتباره إن صفات السعداء في الدعاء الخشوع والذلة وهم أهل اليمين في الدنيا فتتحول هذه الصفة على أهل الشمال في الدار الآخرة فكان السعداء أخذوها منهم في الدنيا قال تعالى في حق السعداء الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وقال خاشِعِينَ لِلَّهِ وقال أعني في عكس الصفة عليهم يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ والْأَبْصارُ وقال في حق الأشقياء في الدار الآخرة خاشِعِينَ من الذُّلِّ يَنْظُرُونَ من طَرْفٍ خَفِيٍّ وقال وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً وتحويل آخر وهو أن يتصف العبد السعيد في الآخرة بما يتصف به العبد الشقي في الدنيا في الثروة

الصفحة 507 من الجزء 1

والملك والسلطان فينقلب إليه المؤمن في الآخرة ويتحول إليه ويتحول عنه الكافر في الآخرة فيظهر المؤمن في الآخرة بنعيم الكافر الشقي في الدنيا ويظهر الكافر المنعم في الدنيا في الآخرة بصفة الشقاء والبؤس الذي كان فيه المؤمن في الدنيا فهذا اعتبار اليمين والشمال في تحويل الرداء

(وصل في اعتبار وقت التحويل‏

وهو في الاستسقاء في أول الخطبة أو بعد مضى صدر الخطبة) فاعلم أن اعتبار التحويل في أول الخطبة هو أن يكون الإنسان في حال نظره لربه بربه فينظر في أول الخطبة لربه بنفسه وهو قوله في أول الصلاة حمدني عبدي فلو كان حال المصلي في وقت الحمد حال فناء بمشاهدة ربه أنه تعالى حمد نفسه على لسان عبده لم يصدق من جميع الوجوه حمدني عبدي وهو الصادق سبحانه في قوله حمدني عبدي فلا بد أن يكون العبد يشاهد نفسه في حمده ربه وهو صدق‏

[الثناء على ربه بربه في حال فناء علمى ومشهد سنى‏]

ومن قال بعد مضى صدر من الخطبة فهو إذا قال العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فكان في أول الخطبة يثني على ربه بربه بحال فناء علمي ومشهد سنى بربه عن نفسه فإنه بكلامه حمده فلما أوقع الخطاب كان ثناؤه بنفسه على ربه فيحول عن حالته تلك في هذا الوقت فهذا اعتبار تعيين التحويل في أول الخطبة أو بعد مضى صدر الخطبة

(وصل اعتبار استقبال القبلة)

من كان وجها كله يستقبل ربه بذاته كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه فكان وجها كله فينبغي للمستسقي ربه أن يقبل على ربه بجميع ذاته فإنه ما فيه جزء محسوس أو معنوي ظاهر أو باطن إلا وهو فقير محتاج إلى رحمة الله به في استجلاب نعمه أو بقاء النعم عليه ولهذا يجيب الله المضطر في الدعاء فإن المضطر هو الذي دعا ربه عن ظهر فقر إليه وما منع الناس الإجابة من الله في دعائهم إياه إلا كونهم يدعونه عن ظهر غنى لالتفاتهم إلى الأسباب وهم لا يشعرون وينتجه عدم الإخلاص والمضطر المضمون له الإجابة مخلص مخلص ما عنده التفات إلى غير من توجه إليه‏

[فخر الدين الرازي في السجن‏]

أخبرني الرشيد الفرغاني رحمه الله عن فخر الدين شيخه ابن خطيب الري عالم زمانه أن السلطان حبسه وعزم على قتله وما له شفيع عنده مقبول قال فطمعت أن أجمع همي على الله في أمري أن يخلصني من يد السلطان لما انقطعت بي الأسباب وحصل الياس من كل ما سوى الله فما تخلص لي ذلك لما يرد علي من الشبه النظرية في إثبات الله الذي ربطت معتقدي به إلى أن جمعت همتي وكليتي على الإله الذي تعتقده العامة ورميت من نفسي نظري وأدلتي ولم أجد في نفسي شبهة تقدح عندي فيه وأخلصت إليه التوجه بكلي ودعوته في التخلص فما أصبح إلا وقد أفرج الله عني وأخرجني من السجن فهذا اعتبار استقبال القبلة فإن ذلك إشارة إلى القبول‏

(وصل اعتبار الوقوف عند الدعاء)

القيام في الاستسقاء عند الدعاء مناسب لقيام الحق بعباده فيما يحتاجون إليه فإنه طلب للرزق بإنزال المطر الذي تركن نفوسهم إليه ويستبشرون بقول الله الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ والنفوس كلها في مقام الأنوثة لمن عقل فإن كل منفعل فرتبته رتبة الأنثى وما ثم إلا منفعل والفعل مقسم على الحقيقة بين الفاعل والمنفعل فمن الفاعل الاقتدار ومن المنفعل القبول للاقتدار فيه وهنا سر يتضمن أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي فالذي يجعل الله الرزق على يديه قائم على من يرزق بسببه فشرع القيام في الدعاء في الاستسقاء كأنه يقول بحال قيامه بين يدي ربه ارزقنا ما نقوم به على عيالنا بما تنزله من الغيث علينا فإنه السبب في وجود ما به قوام أنفسنا إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

(وصل اعتبار الدعاء في هذا الباب)

الدعاء مخ العبادة وبالمخ تكون القوة للأعضاء كذلك الدعاء مخ العبادة به تقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي العبادة هنا عين الدعاء سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وهو البعد عن الله فإن جهنم سميت به لبعد قعرها

(وصل اعتبار رفع الأيدي عند الدعاء)

على الكيفيتين الأيدي محل القبض والعطاء فبها ما أخذ وبها ما أعطى فلها القبض بما تأخذ والبسط بما تعطي فيرفع العبد يديه مبسوطتين ليجعل الله فيهما ما سأله من نعمه فإن رفعها وجعل بطونها إلى الأرض فرفعها تشهد العلو والرفعة ليدي ربي تعالى التي هي اليد العليا ويَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ويجعل الداعي بطون يديه إلى الأرض في الاستسقاء أي أنزل علينا مما بيديك من الخير والبركة ما تسد به فقرنا وفاقتنا التي علقتها بالأسباب فأوحدها إليك وفرغها بما تنزله من الغيث من أجلها

[ركعتا الاستسقاء ونعمتا الظاهر والباطن‏]

فهذا وأشباهه اعتبار صلاة الاستسقاء وأحوال أهله وكون صلاتها ركعتين هو قول الله وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً

الصفحة 508 من الجزء 1

فالركعة الواحدة للنعمة الظاهرة يسد بها الخلل الظاهر والركعة الثانية للنعمة الباطنة يسأل فيها ما يكون فيه غذاء الأرواح والقلوب من العلوم والمعارف والتجلي واليد النعمة انتهى الجزء السادس والأربعون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل في فصل ركعتي تحية المسجد)

اختلف علماء الشريعة في الركعتين لدخول المسجد فمن قائل إنها سنة ومن قائل بوجوبهما والذي أذهب إليه وأقول به إن هاتين الركعتين لا تجب على من دخل المسجد إلا إن أراد القعود في المسجد فإن وقف ولا يجلس أو عبر فيه ولم يقعد فهو مخير عندي إن شاء ركعهما وإن شاء لم يركعهما ولا حرج عليه ويأثم بتركهما إن قعد ولم يركعهما إلا أن يدخل في الوقت المنهي عن الصلاة فيه أو يكون على غير طهارة

(وصل في اعتبار هذا الفصل)

لا يخلو هذا الداخل في المسجد أن يدخل في زمان إباحة النافلة أو في زمان النهي عن صلاة النافلة فإن دخل في زمان النهي فلا يركع فإنه ربما يتخيل بعض الناس أن الأمر بتحية المسجد يعارض حديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها

[النهى ومدى معارضته للأمر الثابت‏]

فاعلم إن النهي لا يعارض به الأمر الثابت عند الفقهاء إلا عندنا فإن لنا في ذلك نظرا وهو أن النهي إذا ثبت والأمر إذا ثبت فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا نهانا عن أمر بامتثال ذلك النهي مطلقا من غير تخصيص وأن تجتنب كل منهي عنه يدخل تحت حكم ذلك النهي وقال في الأمر الثابت صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم‏

فقد أمرنا بالصلاة عند دخول المسجد ونهانا عن الصلاة في أوقات معينة فقد حصلنا بالنهي الثابت في حكم من لا يستطيع إتيان ما أمر به في هذه الحال لوجود النهي فانتفت الاستطاعة شرعا كما تنتفي عقلا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل فافعلوا منه ما استطعتم الاستطاعة المشروعة ولا المعقولة فوجب العموم في ذلك فيقول إن النهي المطلق منعني من الإتيان بجميع ما يحويه هذا الأمر الوارد من الأزمنة فلا أستطيع إتيان هذه الصلاة في هذا الوقت المخصص بالنهي شرعا فاعلم ذلك‏

[المسجد بيت الله والكرسي تجليه‏]

المسجد بيت الله والكرسي تجليه لمن أراد أن يناجيه فمن دخل عليه في بيته وجب عليه إن يحييه بما أمره أن يحييه فعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نحيي بيت ربنا فإنه يقول في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ والْآصالِ رِجالٌ يقول عبد الله بن عمر لو كنت مسبحا أتممت يعني متنفلا وسبحة الضحى صلاة الضحى إذا دخلنا المسجد نسلم على الحاضرين فيه من الملإ الأعلى بقولنا السلام عليكم إن كان هنالك من البشر أحد من كان من صبي أو امرأة أو رجل فإذا لم يكن أحد ممن يسمى إنسانا فلا يخلو هذا الداخل إما أن يكون ممن كشف الله عن بصره غطاء الحجاب المعتاد فيدرك من فيه من الأرواح العاقلين من جن وملك فيسلم عليهم كما يسلم على من وجد فيه من البشر وإن لم يكن من أهل الكشف لمن فيه فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وينوي كل صالح لله من جميع عباده من كل ما سوى الله فيصيب ذلك السلام كل عبد صالح لله في السماء والأرض ولا يقل السلام على الله فإن الله هو السلام‏

[تحية المسجد وتحية ملوك الأعاجم‏]

وليركع ركعتين بين يدي ربه عز وجل وليجعل الحق تعالى في قبلته وتكون تلك الصلاة بما فيها من الركوع والسجود مثل التحية التي تحيا بها ملوك الأعاجم إذا دخل عليهم أو ظهروا لرعاياهم وقد مضى اعتبار وأحوال الركوع والقيام والجلوس والسجود فهاتان الركعتان سجود تحية فإن كان دخوله في غير وقت صلاة أعني دخل في الأوقات المنهي عن إيقاع الصلاة فيها فعند ما يدخل المسجد يقوم بين يدي ربه عز وجل خاضعا ذليلا مراقبا ممتثلا أمر سيده في نهيه عن الصلاة في ذلك الوقت كما نهاه أن يقول في تحياته في الصلاة السلام على الله‏

[ركعتا الشكر]

فإن رسم له سيده تعالى بالقعود في بيته فليركع ركعتين شكر الله تعالى على ذلك حيث أمره سيده بالقعود عنده في بيته فهاتان الركعتان في ذلك الوقت ركعتا شكر ومن ركع قبل الجلوس وما في نيته أن يجلس وهو وقت صلاة فتانك الركعتان تحية لله لدخوله عليه في بيته ومن راعى من أهل الله من العارفين دخوله على الحق في بيته ولم يخطر له خاطر التقييد بالأوقات كان ركوعه ركوع تحية لدخوله ومن كان حاله الحضور مع الله على الدوام ومناجاته في كل حال فليست بتحية مطلقا ولكنهما ركعتا

الصفحة 509 من الجزء 1

شكرا لله تعالى حيث جعله من المتقين بدخوله المسجد حيث قال المسجد بيت كل تقي فأضافه إلى المتقين من عباده وقد كان مضافا إلى الله‏

(وصل في فصل سجود التلاوة)

اختلف علماء الشريعة في سجود التلاوة هل هو واجب أو سنة فمن الناس من قال إنه واجب ومن الناس من قال إنه سنة وليس بواجب‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

لما

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الثابت عنه إن الله عز وجل يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين‏

ولم يذكر في المقسوم إلا تلاوة الفاتحة ولم يتعرض للهيئات من قيام أو ركوع أو سجود أو جلوس فلما لم يذكر إلا التلاوة ومن القرآن فاتحة الكتاب من العبد لله تعالى ما فيها من تلاوة فاتحة الكتاب وهذا الحديث دليلنا على وجوب قراءة الفاتحة على المصلي فسمينا التالي مصليا أو مناجيا لله تعالى بما يخص الله من الصفات وبما يخص العبد منها كشفا محققا في جميع القرآن المسمى كلام الله‏

[نسجد فيما سجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم ونترك فيما ترك‏]

فثم آية تخص جناب الحق فهي لله مخاصة وثم آية تخص جناب العبد فهي له مخلصة وثم آية يقع فيها الاشتراك فهي بين الله وبين عبده والعمل في ذلك كالعمل في الفاتحة المنصوص عليها فجاء في الذي يتلوه من كلامه تعالى مواضع ينبغي السجود فيها فعين لنا الشارع ما نسجد فيه مما لا نسجد فيه فاشترط فيها من اشترط الطهارة والوقت للسجود والقبلة وسيأتي فصل ذلك كله فنسجد فيما سجد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونترك فيما ترك وإن كان اللفظ بالأمر يقتضي السجود ولكن لا نسجد لكون الشارع ما شرع السجود إلا في مواضع مخصوصة معينة عينها لنا الشارع فعلا وقولا لا تتعدى ولا يزاد عليها والخلاف في عددها معلوم والسجود المشروعة في غير التلاوة مذكور كسجود الإنسان عند رؤية الآيات وكسجود الشكر وغير ذلك فلنذكر عدد عزائم السجود الوارد في القرآن ونجمع المختلف فيه إلى المجمع عليه‏

(وصل في ذكر سجود القرآن العزيز)

اعلم أن سجدات القرآن العزيز من إحدى عشرة سجدة إلى خمس عشرة سجدة فمنها ما ورد بصيغة الخبر ومنها ما ورد بصيغة الأمر

السجدة الأولى من ذلك في سورة الأعراف‏

في خاتمتها أما الأعراف فهو سور بين الجنة والنار باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وهو ما يلي الجنة وظاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذابُ وهو ما يلي النار منه وعليه رجال تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلم ترجح في الوزن كفة على كفة فلم تثقل موازينهم ولا خفت فإنه ما وضع الله لأحد منهم في ميزانه تلفظه بلا إله إلا الله فإنه ما ثم سيئة تعادلها إلا الشرك وكما لا يجتمع الشرك والتوحيد في قلب شخص واحد كذلك لا يدخل في الميزان إلا لصاحب السجلات لسبب آخر نذكره في هذا الكتاب أو قد ذكرناه في باب القيامة فيما تقدم‏

[سجود الملائكة المقربين‏]

وأما خاتمة هذه السورة فقوله تعالى وإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا وهذه الآية روينا أنها نزلت في القراءة في الصلاة والسجود ركن من أركان الصلاة وختم هذه السورة بذكر الملائكة وسجودهم لله فوصفهم فقال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ وهم المقربون من الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يقول يذلون ويخضعون له ويُسَبِّحُونَهُ أي ينزهونه عن الصفات التي لا يليق به وهي التي تقربوا بها إليه من الذل والخضوع وصدقهم الله في هذه الآية في قولهم ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ فأخبر الله عنهم بما أخبروه عن نفوسهم ولَهُ يَسْجُدُونَ وصفهم بالسجود له عز وجل مع هذه الأحوال المذكورة وقال الله تعالى لما ذكر النبيين عليهم السلام لمحمد صلى الله عليه وسلم وذكر أنه تعالى أتاهم الْكِتابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ قال له أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وهم بشر مثله فما ظنك بالملائكة الذين لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ وأي هدى أعظم مما هدى الله تعالى به الملائكة فسجد هذا التالي في هذه السجدة اقتداء بسجود الملإ الأعلى وبهديهم فمن سجد فيها وأ يحصل له نفحة مما حصل للملائكة في سجودها من حيث ملكيته الخاصة به فما سجدها وهكذا في كل سجدة ترد

[سجود أصحاب الأعراف‏]

ورأى أصحاب الأعراف أن موطن القيامة قد سجد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما طلب من ربه فتح باب الشفاعة تعظيما لله وهيبة وإجلالا وسمع الله يقول يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ بأمر الآخرة تقول العرب كشفت الحرب عن ساقها وهو إذا حمي الوطيس واشتد الحرب وعظم الخطب فعلموا أنه موطن سجود فلما

الصفحة 510 من الجزء 1

دعوا إلى السجود هنالك سجد أصحاب الأعراف امتثالا لأمر الله فرجحت كفة حسناتهم بهذه السجدة وثقلت فسعدوا لأنها سجدة تكليف مشروعة في ذلك الموطن عن أمر إلهي فيدخلون الجنة

(وصل السجدة الثانية)

وهي سجود الظلال بالغدو والآصال مع سجود عام وهذه سجدة سورة الرعد وهي عند قوله تعالى ولِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ والْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ والْآصالِ وظلال الأرواح أجسادها فأخبر الله تعالى أنه يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وهم الأعلون ومن في الْأَرْضِ وهم الأسفلون عالم الأجساد الذين قاموا بالنشأة العنصرية طوعا للأرواح من حيث علمهم ومقامهم وللأجسام من حيث ذواتهم وأعيانهم وكرها في الأرواح من حيث ذواتهم وفي الأجسام من حيث رياستهم وتقدمهم على أبناء جنسهم‏

[الإنسان الكامل بشر ملكى وملك بشرى‏]

وهذا سجود إخبار فتعين على العبد أن يصدق الله في خبره عمن ذكر فإنه من أهل الأرض بجسده ومن أهل السموات بعقله فهو الملك البشري والبشر الملكي فيسجد طائعا لربه وكرها من تقييده بجهة خاصة لا يقتضيها علمه وإن كان ساجدا في نفس الأمر سجودا ذاتيا وإن لم يشعر بذلك فيوقعها عبادة فإن ذلك أنجى له‏

[امتداد الظلال في الغدو والآصال‏]

وذكر الغدو والآصال لامتداد الظلال في هذه الأوقات فجعل امتدادها سجودا فهي في الغدو تتقلص رجوعا إلى أصلها الذي منه انبعثت وخوفا على نفسها من الاحتراق فكأنها نقتصر على ذاتها وفي الآصال تمتد وتطول بالزيادات من إظهار نعم الله التي أسبغها عليها والغدو والآصال من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فأخرج حكم السجود في هذه الأوقات عن حكم النافلة وجعل حكمه حكم الفرائض أو المقضي من النوافل فتعين على التالي في هذه الآية السجود فيجازي من باب من صدق ربه تعالى في خبره‏

[سجدة الاقتداء بالمهدى وسجدة التصديق بالتحقيق‏]

فسجدة الأعراف سجدة اقتداء بهدى الملائكة وهذه سجدة تصديق بتحقيق‏

(وصل السجدة الثالثة)

سجود العالم الأعلى والأدنى في مقام الذلة والخوف سجود هذه السجدة عند قوله ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فذكر الملائكة والظلال وسجدوا في الأعراف سجود اختيار لما يقتضيه جلال الله وهنا أثنى الله عز وجل عليهم بأنهم يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فسجدوا شكرا لله لما أثنى الله عز وجل عليهم بأنهم يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فسجدوا شكرا لله لما أثنى الله عز وجل عليهم بما وفقهم إليه من امتثال أوامره‏

[السجود لله رغبة]

فسجدها العبد رغبة في أن يكون ممن أثنى الله عليه بما أثنى على ملائكته فهي للعبد سجود ذلة وخضوع فإنه يقول يتفيؤا ظلاله الضمير في ظلاله يعود على الشي‏ء المخلوق وقد قلنا إن الأجساد ظلال الأرواح فلا تتحرك إلا بتحريك الأرواح إياها تحريكا ذاتيا

[السجود لله ذلة وخضوعا]

ثم قال عَنِ الْيَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وهُمْ داخِرُونَ أي أذلاء فهو سجود ذلة وخضوع فمن سجد هذه السجدة ولم يشاهد سجود ظله في اليمين إذا وقع له التجلي في الشمائل ولا شاهد سجود ظله في الشمائل إذا وقع له التجلي في اليمين ولم يحصل له التأثير في عالم الكون خاصة فإن الآثار في حضرة العين سهلة الوجود وما تظهر الرجال أصحاب القوة واليمين إلا في تأثيرهم في الكون فهذا من خصوص سجود هذه السجدة

(وصل السجدة الرابعة)

سجود العلماء بما أودع الله في كلامهم من علوم الأسرار والأذواق وهو سجود تسليم وبكاء وخشوع وبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وبِالْحَقِّ نَزَلَ وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً ونَذِيراً وقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى‏ مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا يقول وبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ لتحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق وبِالْحَقِّ نَزَلَ لذاته وما أَرْسَلْناكَ خطاب لمن أنزل عليه تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ إِلَّا مُبَشِّراً تبشر قوما بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ورِضْوانٍ وجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ وتبشر قوما بِعَذابٍ أَلِيمٍ ونَذِيراً معلما بمن تبشره وبما تبشر

[القرآن آيات بينات في سور منزلات‏]

وقرآنا وكلاما جامعا لأمور شتى فَرَقْناهُ أي فصلناه آيات بينات في سور منزلات لِتَقْرَأَهُ أي تجمعه وتجمع عليه الناس عَلَى النَّاسِ عَلى‏ مُكْثٍ تؤدة مرتلا ونَزَّلْناهُ عما يجب له من التعظيم إلى مخاطبة من لا يعرف قدره وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ قُلْ يا أيها النبي آمِنُوا به صدقوا به أَوْ لا تُؤْمِنُوا أو تردوه ولا تصدقوا به إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أعطوا العلامات التي تعطي اليقين والطمأنينة في الأشياء من قبله ممن تقدمه من أمثاله إِذا يُتْلى‏ تتبع آياته بعضها بعضا بالمناسبة التي بين الآية والآية يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً يقعون على وجوههم مطاطئين أذلاء والسجود التطأطؤ أسجد البعير إذا طأطأه ليركبه ويقولون سُبْحانَ رَبِّنا أي وعده صدق وكلامه حق إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا واقعا كما وعد الوعد يستعمل في الخير

الصفحة 511 من الجزء 1

والشر والوعيد في الشر خاصة فالوعد في الخير من الله لا بد منه والوعيد قد يعفو ويتجاوز فإنه من صفة الكريم عند العرب ومما يمدح به الأعراب سادتها وكبراءها يقول شاعرهم‏

وإني إذا وعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادى ومنجز موعدي‏

[سجود التجلي‏]

ويَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ على ما فرط منهم مما لا يستدركونه ولو عفي عنه فالكتابة على المحو ما تقوم في الصفا كالكتابة على غير المحو ويَزِيدُهُمْ خُشُوعاً أي ذلة والخشوع لا يكون أبدا من الخاشع إلا عن تجل ولا بد إما على الظاهر وإما على الباطن أو عليهما معا فهذه السجدة سجدة زيادة في الخشوع والخشوع كما قلنا لا يكون إلا عن تجل إلهي فزيادة الخشوع دليل على زيادة التجلي فهذا يسمى سجود التجلي فافهم‏

(وصل السجدة الخامسة)

وهي سجود الإنعام العالم الرحماني عن الدلالات وهي في سورة مريم عند قوله إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وبُكِيًّا وهي سجدة النبيين المنعم عليهم فهذا بكاء فرح وسرور وآيات قبول ورضي فإن الله قرن هذا السجود بآيات الرحمن والرحمة لا تقتضي القهر والعظمة وإنما تقتضي اللطف والعطف الإلهي فدمعت عيونهم فرحا بما بشرهم الله من هذه الآيات فالصورة صورة بكاء لجريان الدموع والدموع دموع فرح لا دموع ترح وكمد وحزن لأن مقام الاسم الرحمن لا يقتضيه‏

[فرح أبى يزيد وطيران الدم من عينه‏]

وفي هذه السورة في قوله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ فرح أبو يزيد وطار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر وقال يا عجبا كيف يحشر إليه من هو جليسه‏

فإن الله يقول أنا جليس من ذكرني‏

والمتقي ذاكر لله ذكر حذر فلما حشر إلى الرحمن وهو مقام الأمان مما كان فيه من الحذر فرح بذلك واستبشر وكان دمع أبي يزيد دمع فرح كيف حشر منه إليه حين حشر غيره إلى الحجاب‏

[اقتران العذاب بالاسم الرحمن‏]

وأما قوله في هذه السورة عن إبراهيم الخليل في قوله إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ من الرَّحْمنِ فقرن العذاب بالاسم الرحمن ولا يقتضيه هنا في الظاهر فاعلم أنه أشار له إلى الاسم الذي هو أبوه معه في الحال فإنه مع الرحمن بلا شك لحصول العافية والخير والرزق والصحة الذي هو فيه وعليه‏

[رحمة الطبيب بصاحب الآكلة]

والمعنى الآخر في مساق هذا الاسم مع العذاب مثل رحمة الطبيب بصاحب الأكلة فهو يعذبه في الوقت بقطع العضو الذي فيه الأكلة رحمة به حتى يحيا ومن رحمته نصب الحدود في الدنيا لتكون لهم طهارة إلى الأخرى وهكذا في كل داران نظرت بعين التحقيق فاعلم ذلك‏

[رؤية النعيم في عين العذاب‏]

فمن سجد هذه السجدة ولم ير النعيم في العذاب فما سجدها كما قال القائل‏

أريدك لا أريدك للثواب *** ولكني أريدك للعقاب‏

وكل مآربي قد نلت منها *** سوى ملذوذ وجدي بالعذاب‏

وأما رابعة العدوية فضرب رأسها ركن جدار فأدماه فقيل ما تحسين بالألم فقالت شغلي بموافقة مراده فيما جرى شغلني عن الإحساس بما ترون من شاهد الحالة

(وصل السجدة السادسة)

وهي سجود المعادن والنبات سجود المشيئة والحيوان وبعض البشر وعمار الأفلاك والأركان سجود مشاهدة واعتبار قال الله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ ومن في الْأَرْضِ والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ والْجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ وكَثِيرٌ من النَّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ ومن يُهِنِ الله فَما لَهُ من مُكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ ما يَشاءُ فذكر سبحانه كل شي‏ء في هذه الآية ولم يبعض إلا الناس فإنه قال وكَثِيرٌ من النَّاسِ وجعل ذلك من مشيئته فيبادر العبد بالسجود في هذه الآية ليكون من الكثير الذي يسجد لله لا من الكثير الذي حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ فإذا رأى هذا العبد إن الله تعالى قد وفقه للسجود ولم يحل بينه وبين السجود علم أنه من أهل العناية الذين التحقوا بمن لم يبعض سجودهم ممن في السموات ومن في الأرض والشمس في غروبها والقمر في محاقه والنجوم في مواقعها والجبال في إسكانها والشجر في إقامتها على سوقها والدواب في تسخيرها وبعض الناس ممن له الشهود فمن سجد هذه السجدة من أهل الله ولم يشهد كل عالم فيه ممن ذكر ويشهد سجود بعضه من كله ومن بقي منه ولم يسجد فما سجدها

(وصل السجدة السابعة)

وهي سجدة الفلاح والايمان عن خضوع وذلة وافتقار وهي في آخر الحج في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكُمْ وافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فهذا سجود الفلاح وهو البقاء والفوز والنجاة فكان فعل الخير بمبادرته للسجود عند ما سمع‏

الصفحة 512 من الجزء 1

هذه الآية تتلى سببا لإيمانه إذ كان الله قد آية بالمؤمنين في هذه الآية وأمرهم بالركوع والسجود له فالتحقق بالملائكة في كونهم يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فسجد العبد فأفلح‏

[نسبة البقاء والإبقاء]

وهي سجدة خلاف فمن سجد هذه السجدة ولم يعرف نسبة البقاء الإلهي والإبقاء ولم يفرق بين من هو باق ببقائه ومن هو باق بإبقائه وفاز فامتاز بعلامته ممن انحاز وجاز ونجا عند ما التجأ وفال بالتثبت في بعض الأمور وفي بعضها بالنجا فما سجد هذه السجدة

(وصل السجدة الثامنة)

وهو سجدة النفور والإنكار عند أهل الاعتراف قال تعالى وإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وما الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهُمْ نُفُوراً لما قيل لهم اسجدوا للرحمن فسجدها المؤمن عند ما يتلو ليمتاز بها عن الكافر المنكر لاسمه الرحمن فهذه تسمى سجدة الامتياز والله يقول وامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ‏

[الامتياز بين المنكرين والعارفين للاسم الرحمن‏]

فيقع الامتياز بين المنكرين للاسم الرحمن وبين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم عند التلاوة وزادهم هذا الاسم نفورا لجهلهم به ولهذا قالوا وما الرَّحْمنُ على طريق الاستفهام فهذا سجود إنعام لا سجود قهر فإن الكفار أخطئوا حيث رأوا أن الرحمن يناقض التكليف ورأوا أن الأمر بالسجود تكليف فلا ينبغي أن يكون السجود لمن هو هذا الاسم الرحمن لما فيه من المبالغة في الرحمة فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر ربما سارع الكافر إلى السجود خوفا

كما صدر من الجبار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من رؤساء الجاهلية حيث قال له يا محمد اتل علي مما جئت به حتى أسمع فتلا عليه حم السجدة فلما وصل إلى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ وهما من العرب وحديثهما مشهور عندهم بالحجاز فلما سمع هذه الآية ارتعدت فرائصه واصفر لونه وضرط من شدة ما سمع ومعرفته بذلك وقال هذا كلام جبار

[اقتران التكليف بالاسم الرحمن‏]

فما زادهم نفورا إلا اقتران التكليف بالاسم الرحمن فإن الرحمن من عصاه عفا عنه وتجاوز فلا يكلفه ابتداء فلو علم هذا الجاهل أن أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف وإنما يناقض المؤاخذة ويزيد في الجزاء الحسنى لبادر إلى ذلك كما بادر المؤمن‏

[الفرق بين العلم والخبرة وهو علم الأذواق‏]

فمن سجد هذه السجدة ولم يفرق بين العلم والخبرة وهو علم الأذواق ومنه قوله تعالى ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ‏

(وصل السجدة التاسعة)

وهي سجدة السر الخفي عن النبإ اليقين وموضع السجود من هذه السورة مختلف فيه فقيل عند قوله تُعْلِنُونَ وقيل عند قوله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فهذا هو سجود توحيد العظمة إن سجد في العظيم وإن سجد في قوله أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‏ءَ في السَّماواتِ والْأَرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ‏

[السجود لعالم السر والعلن ومخرج الخب‏ء]

يقول إن الشمس التي يسجدون لها وإن اعتقدوا أنها تعلم ما يعلنون فالسجود لمن يعلم ما يخفون وما يعلنون أولى ثم إنهم يسجدون للشمس لكونها تخرج لهم بحرارتها ما خبأت الأرض من النبات فقال الله لهم ينبغي لكم أن تسجدوا للذي يخرج الخب‏ء في السموات وهو إخراجه ما ظهر من الكواكب بعد أفولها وخبئها ثم يظهرها طالعة من ذلك الخب‏ء وفي الأرض ما يخرجه من نباتها فالشمس ليس لها ذلك بل بظهورها يكون خب‏ء ما في السموات من الكواكب فالله أولى بأن يسجد له من سجودكم للشمس فإن حكمها عند الله كحكم الكواكب في الأفول والطلوع فطلوعها من الخب‏ء الذي يخرجه الله في السماء مثل سائر الكواكب فهذا سجود الرجحان فإن الدليل هنا في جناب الله أرجح منه في الدلالة على ألوهة الشمس حين اتخذتموها إلها لما ذكرناه فمن سجد هذه السجدة ولم يقف على لغات البهائم ولا علم منطق الطير ولم ينكح جميع الكواكب وحروف النطق بحيث يلتذ بها التذاذه بالكواعب‏

(وصل السجدة العاشرة)

وهي سجدة التذكر والذكر بتسبيح وتواضع عن دلالات منصوبة سجود عقل واستبصار وهذه سجدة الم تنزيل التي إلى جانب سورة لقمان الحكيم إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ إن حرف تحقيق وتنكير يقول إن الذي يصدق بآياتنا أنها آيات نصبن لها دلالات على وجودنا وصدق إرسالنا ما هي عن همم النفوس عند جمعيتها هم الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها والتذكر لا يكون إلا عن علم غفل عنه أو نسيان من عاقل‏

[آيات الله دلالات نصبن على وجوده‏]

ف إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يقول إنها مدركة بالنظر العقلي إنها دلالات على ما نصبناها عليه فإذا ذكروا بها وقعوا على وجوههم أي حرصوا على معرفة ذواتهم فنزهوا ربهم بما نزه به نفسه على السنة رسله ولم يعطهم العلم الأنفة عن ذلك‏

[ما يعطيه النظر وما يعطيه الإيمان‏]

فمن سجد هذه السجدة ولم يقف على مدارك عقله ولم يفرق بين ما يعطيه نظره وبين‏

الصفحة 513 من الجزء 1

ما يعطيه إيمانه فينزه ربه إيمانا لا عقلا ويأخذ العلم والحكمة حيث وجدها ولا ينظر إلى المحل الذي جاء بها وإن العاقل يعرف الرجال بالحق وغير العاقل يعرف الحق بالرجال وهذا من أكبر أغاليط النظر فإن المعنى الذي يندرج في اللفظ الذي يقصد به المتكلم إيضاح أمر هو في الحق المطلوب يقبله الجاهل من الرسول إذا جاء به ويحيله ويرده من الوارث والولي إذا جاء به فلو قبل العلم لذات العلم لكان ممن تذكر

[طبقات الناس الثلاثة في قبول القرآن‏]

فإن الله تعالى يقول في حق ما أنزل من القرآن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب به ثلاث طبقات من الناس فهو في حق طائفة بلاغ يسمعون حروفه إيمانا بها أنها من عند الله لا يعرفون غير ذلك وطائفة تلاه عليها لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ أي يتفكروا فيها حتى يعلموا أن الآتي بها لم يأت بها من نفسه بل هي من عند مرسله سبحانه وليتذكر أرباب العقول ما كانوا قد علموه قبل أي ما جاءوا بما تحيله الأدلة الغامض إدراكها فإنها لب الدلالات وهم أهل الكشف والجمع والوجود فمن لم يحصل ما ذكرناه في سجوده هذه السجدة فما سجد

(وصل السجدة الحادية عشرة)

وهي لنا سجدة شكر في حضرة الأنوار ولصاحبها سجدة توبة لا من حوبة وليست من عزائم السجود وهذه سجدة سورة صلى الله عليه وسلم في قوله وظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعاً وأَنابَ فسجدها توبة وشكرا معا والظن على بابه يقول ظن داود أنما اختبرناه فإن الفتنة في اللسان الاختبار تقول العرب فتنت الفضة على النار أي اختبرتها فطلب طلبا مؤكدا الستر من ربه فإن الاستفعال يؤذن بالتأكيد ووقع خاضعا ورجع إلى الله فيما طلب عنه لا لحوله وقوته وهذا دليل على أنه كان عنده من القوة ما يستتر به فلم يفعل ورجع إلى الله في ذلك ويؤيد هذا قول الله له ولا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فلو لم يكن في قوته التحكم به فيما يريده ما نهى عنه فقضينا حاجته فيما رجع إلينا فيه وسترناه عن الأغيار في حضرتنا فجهل قدره مع تصريحنا بخلافته عنا في الحكم في عبادي والتحكم والتصريف ثم قال وإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏ مما هو له منا لا يرجع من ذلك إلى الأكوان والأغيار شي‏ء وحُسْنَ مَآبٍ وخاتمة حسنة أي مشهود لأن الحسنة والحسنى من الإحسان وهو مقام الشهود الذي يعطي الحقائق على ما هي عليه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الإحسان لجبريل عليه السلام بما أشرنا إليه‏

[سجود داود عليه السلام وسجود محمد ص‏]

فمن سجد هذا السجود وهو سجود الإنابة وفي السجود فيها خلاف فإذا سجدها الإنسان ولم يجد فيها ما وجد داود عليه السلام من التقريب الإلهي وعلم خاتمة أمره وبما ذا يختم له ونهاية مقامه ومنزلته عند ربه في الدار الآخرة هذا إذا سجدها سجود داود وإذا سجدها سجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجد الزيادة في جميع أحواله في كل حال بما يليق به من علم وعمل في كل دار بما يليق بتلك الدار

[يوم الدين هو يوم الدنيا ويوم الآخرة]

فإن الزيادات في الدار بحسب ما وضعت لها فالدنيا دار تكليف وعمل والآخرة دار جزاء والدنيا أيضا دار جزاء لمن عقل عن الله‏

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر زاد في عبادته ربه فقام حتى تورمت قدماه شكرا لله على ذلك‏

وهذا جزاء العبد على المغفرة فهي دار جزاء فيوم الدين هو يوم الدنيا والآخرة فوضع الحدود جزاء وجازى أهل الشقاء بما عملوه من مكارم الأخلاق في الدنيا ما أنعم به عليهم من النعم حتى انقلبوا إلى الآخرة وقد جنوا ثمر خيرهم في الدنيا فلو لم تكن الدنيا أيضا دار جزاء ما كان هذا فمن لم يدرك في سجوده أمثال هذه العلوم فلم يسجد

(وصل السجدة الثانية عشرة)

وهي سجدة الاجتهاد وبذل المجهود فيما ينبغي لجلال الله من التعظيم والالتذاذ به وهي في حم السجدة وفي موضع سجودها خلاف فقيل عند قوله إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فمن سجد هنا جعلها سجدة شرط ومن سجدها عند قوله لا يَسْأَمُونَ كانت عنده سجدة نشاط ومحبة

[عباد الشمس: الشمسية]

لما كانت حاجة الخلق إلى الليل لِيَسْكُنُوا فِيهِ ويتخذوه لباسا يحول بينهم وبين أعين الناظرين وإلى النهار ليتسببوا فيه في تحصيل أقواتهم ورأوا أن الشمس يكون النهار بطلوعها ويكون الليل بغروبها نسبوا وجود الليل والنهار إليها فعبدوها وهم الشمسية

[ابن عربى في ضيافة أحد علماء يونان الشمسية]

رأينا منهم خلقا كثيرا ببلاد يونان ونزلت عند واحد من علمائهم فسألته لم أشركتم مع الله في عبادته عبادة الشمس فقال لي ما عبدنا الشمس لكونها إلها حاشى لله بل الله إله واحد وإنما نظر علماؤنا فيما لهذا النير الأعظم من المنافع في العالم ثم عدد ما ربط الله به من المنافع فعرفنا أنه لو لم يكن له عناية من الله به ما ولاة على هذه الأمور فطلبنا القربة إليه بالتعظيم ليكون لنا أحسن‏

الصفحة 514 من الجزء 1

وساطة عند الله في تخليصنا والشمس عندنا عبد فقير إلى الله تعالى إلا إن الله به عناية هذا قوله لي ونحن على مائدته نأكل ضيافته‏

[نور القمر انعكاس لنور الشمس‏]

يقول الله تعالى في هذه السجدة ومن آياتِهِ الضمير يعود على الله اللَّيْلُ والنَّهارُ وإن حدث عن الشمس فما هو من آياتها بل هو من آياتي ثم قال والشَّمْسُ والْقَمَرُ وأخبرهم أن الله ممحي آية الليل وهو القمر فلا يظهر لنوره حكم في البصر إلا بالليل ونوره معار فإنه انعكاس نور الشمس فإنه لها كالمرآة فالنور الذي يعطيك القمر إنما هو للشمس وهو موصل لا غير لأنه محو وجعل آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً يعني نورها ظاهرا للبصر وجعلنا ذلك الطلوع والغروب لمن يكون حسابه بالشمس ليعلم فصول سنته ومن يكون حسابه بالقمر عدد السنين والحساب يقول الله في الأهلة قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِ‏

[السجود إنما لخالق الشمس والقمر]

فقال لهم إذا كانت عبادتكم للشمس والقمر لهذه العلة فأنا خالق هذه الآيات دلالات علي واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ فجميع الليل والنهار والشمس والقمر في الضمير وغلب هنا التأنيث على التذكير لأن الليل والنهار والشمس والقمر منفعلون لا فاعلون فهو تشبيه واضح لمن عقل وجمعهن جمع من يعقل من المؤنث ينبه بذلك أيضا على نقص الدرجة التي تنبغي للذكورية ولم يقل خلقهم حتى لا يعظم قدرهم بتغليب التذكير عليهم فإن العرب تغلب المذكر على المؤنث في كلامها تقول زيد والفواطم خرجوا ولا تقول خرجن فالله الذي خلقهن أولى بأن تعبدوه منهن لأن مرتبة الفاعل فوق مرتبة المنفعل فالحق أولى وأحق أن يعبد ممن له النقص من طريقين من كونه مخلوقا ومن كونه مؤنثا

[العلماء بالله من الملائكة]

وقال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني العلماء بالله من الملائكة الذين هم دون مقعر فلك القمر يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم أعلم بالله منكم فلو كان ما اتخذتموه من هؤلاء آلهة لكانت الملائكة أولى بالسجود لهن منكم لعلمكم أنهم أعلم فهم يسجدون لله من غير سامة ولا فتور

(وصل السجدة الثالث عشرة)

وهي سجدة الطرب واللهو تنبيه الغافلين عن الله وهي سجدة خاتمة سورة النجم وفي السجود فيها خلاف واقترن بسجودها الأمر الإلهي والذلة والمسكنة لأن السامدين اللاهون فيقول لهم وإن كنتم أهل غناء فتغنوا بالقرآن فهو أولى بكم فَاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا

[التغني بالقرآن من السنة]

وقد ورد في الخبر ما أذن الله لنبي كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يقول ما استمع كاستماعه‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن‏

فجعل التغني به من السنة وهي لغة حميرية يقولون اسمد لنا أي غن لنا في وقت حصادهم لينشطوا للعمل‏

[علماء الظاهر عند سماعهم كلام أهل الله‏]

وكانت العرب إذا سمعت القرآن غنت حتى لا تسمع القرآن وكانوا يقولون ما أخبر الله عنهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ كما يفعله اليوم من لم يوفقه الله من العلماء إذا سمعوا كلام أهل الله بما يمنحهم الله من الأسرار يقولون هذا هذيان وفشار وأما المتغالون فيقولون هذا كفر ولو سألوا عن معنى ما سمعوا ما عرفوا

[وعيد القرآن ووعده‏]

فقال الله أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ يعني من القرآن فيما وعظهم به منهم وتوعدهم ووعدهم تَعْجَبُونَ تكثرون العجب كيف جاء به مثل هذا وما أنزل على عظمائكم كما قالوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ من الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وتَضْحَكُونَ أي تهزءون منه إذا أتى به وهؤلاء هم الذين ذكرنا من جهلهم أنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال وأَنْتُمْ سامِدُونَ يقول لأهون فلا تفعلوا ولا تتكبروا واخضعوا لله الذي هذا كلامه بلغتكم وتذللوا لمنزله فإن في القرآن ما يبكي من الوعيد وما يضحك ويتعجب فيه من الفرح باتساع رحمة الله ولطفه بعباده ولا تَبْكُونَ وفي القرآن من الوعيد والمخاوف ما يبكي بدل الدموع دما لمن دبر آياته وأَنْتُمْ سامِدُونَ وفي القرآن هذا كله فما لكم عنه معرضون وموطن الدنيا موطن حذر ولا سيما والموت فيكم رائح وعاد مع الأنفاس ولا تتفكروا إلى أين تصبرون وإلى أين تسافرون وأين تحطون ما هي الدنيا موطن أمان والعالم الحكيم هو الذي يعامل كل موطن بما يستحقه‏

(وصل السجدة الرابع عشرة)

وهي سجدة الجمع والوجود فمن سجد سجدة النجم ولم ينتج له في علم النغمات والألحان المطربة الفلكية ورأى أن أصوات كل مصوت مزامير من مزامير الحق في العالم ويشهد داود عليه السلام في هذا الكشف ويرى الأصوات والحروف ناطقة بكل معنى عجيب يهز الجبال الراسيات طربا ويضحك الثكلى سرورا وفرحا فما سجدها وهذه السجدة الأخرى في سورة إذا السماء انشقت وفيها خلاف وسجدها أبو هرير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسجد فيها عند قوله وإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ‏

[أحدية الألوهية وأحدية الكثرة وأحدية الذاتية]

فهذا سجود الجمع لأنه سجود عند القرآن والجمع يؤذن بالكثرة وقد تكون‏

الصفحة 515 من الجزء 1

الكثرة بالأمثال وغيرها والأحدية وإن كانت لله تعالى فالمقطوع به أحدية الألوهية أي لا إله إلا الله وأحدية الكثرة من حيث أسماؤه الحسنى وأما الحق فلا يقال فيه من حيث ما هو عليه في نفسه كل ولا بعض ويقال في الواحد منا رأيت زيدا نفسه عينه كله لاحتمال أنك قد ترى وجهه دون سائر جسده فأعطى التأكيد بالكل رؤية جميعه فلو لا وجود الكثرة فيه ما قلت كله‏

[القرآن جامع صفات الله‏]

يقول فإذا سمع القرآن الذي هو جامع صفات الله من التنزيه والتقديس كيف لا يتذكر السامع جمعيته فيسجد لمن له جميع صفات التنزيه فمن سجد في هذه السورة ولم يقف على علم الموالد وما تجنه الحاملات في بطونها من أنواع الحوامل من العالم كالأرض والسحاب والنساء وجميع الأناثي وما تحمله الكتب في حروفها من المعاني فإنها من جملة الحاملات ولم يقف فيها على رجوعه من أين جاء ويرى صورة حاله عيانا حالا وعاقبة بحيث أن يحلف على ما رآه لقطعه به فما سجد

(وصل السجدة الخامس عشرة)

وهي سجدة العقل الأول سجود تعليم عن شهود ورجوع إلى الله وهذه سجدة سورة العلق عند قوله واسْجُدْ واقْتَرِبْ فهي سجدة طلب القرب من الله تعالى وجاءت بعد كلمة ردع وزجر وهو قوله كلا لما جاء به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر يقول له ربه اسْجُدْ واقْتَرِبْ لما تعتصم مما دعاك إليه فتأمن غائلة ذلك انتهى الجزء السابع والأربعون‏

(وصل في فصل وقت سجود التلاوة)

(بسم الله الرحمن الرحيم) منع قوم السجود في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وأجاز قوم السجود بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح ما لم تدن الشمس إلى الغروب أو الطلوع والذي أقول به بالسجود في كل وقت لأن متعلق النهي الصلاة وليس السجود من الصلاة شرعا إلا في الصلاة كما إن له أن يقرأ الفاتحة في كل وقت وإن كانت قراءتها في الصلاة من الصلاة

اعتبار هذا الفصل‏

السجود قربة تعريف وتنزيه بما يستحقه الإله من العلو والرفعة عن صفات المحدثات ومثل هذا لا يتقيد بوقت دون وقت بل نسبة تعظيمه وإجلاله إلى الأوقات على السواء كما أن للعبد أن يناجي ربه بتلاوته كتابه العزيز في كل وقت وهو محمود في ذلك مأجور عند الله عز وجل‏

(وصل في فصل من يتوجه عليه حكم السجود)

أجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في صلاة كان أو غير صلاة السجود واختلفوا في السامع فمن قائل عليه السجود ومن قائل عليه السجود بشرطين أحدهما أن يسجد القارئ والآخر أن يكون قعد ليسمع القرآن وأن يكون القارئ ممن يصلح أن يكون إماما للسامع وقيل عن بعضهم يسجد السامع لسجود القارئ وإن كان القارئ لا يصلح للامامة إذا جلس إليه ليسمع والذي أذهب إليه أنه لا سجود عليهما وإن كرهنا لهما ذلك‏

الاعتبار

يجب السجود على القلب وإذا سجد لا يرفع أبدا بخلاف سجود الوجه اتفق لسهل بن عبد الله في أول دخوله إلى هذا الطريق أنه رأى قلبه قد سجد وانتظر أن يرفع فلم يرفع فبقي حائرا فما زال يسأل شيوخ الطريق عن واقعته فما وجد أحدا يعرف واقعته فإنهم أهل صدق لا ينطقون إلا عن ذوق محقق فقيل له إن في عبادان شيخا معتبرا لو رحلت إليه ربما وجدت عنده علم ما تسأل عنه فرحل إلى عبادان من أجل واقعته فلما دخل عليه سلم وقال يا أيها الشيخ أ يسجد القلب فقال له الشيخ إلى الأبد فوجد شفاه فلزم خدمته‏

[الطريقة الصوفية والسجدة القلبية]

ومدار هذه الطريقة على هذه السجدة القلبية إذا حصلت للإنسان حالة مشاهدة عين فقل كمل وكملت معرفته وعصمته فلم يكن للشيطان عليه من سبيل وتسمى هذه العصمة في حق الولي حفظا كما تسمى في حق النبي والرسول عصمة ليقع الفرق بين الولي والنبي أدبا منهم مع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليختصوا باسم العصمة

[الفرق بين حفظ الأولياء وعصمة الأنبياء]

ومع هذا فإني أبين الفرق بينهما وذلك أن الأنبياء لهم العصمة من الشيطان ظاهرا وباطنا وهم محفوظون من الله في جميع حركاتهم وذلك لأنهم قد نصبهم الله للناس ولهم المناجاة الإلهية فالأنبياء المرسلون معصومون من المباح أن يفعلوا من أجل نفوسهم لأنهم يشرعون بأفعالهم وأقوالهم فإذا فعلوا مباحا يأتونه للتشريع‏

الصفحة 516 من الجزء 1

ليقتدي بهم ويعرفون الاتباع عين الحكم الإلهي فيه فهو واجب عليهم ليبينوا للناس ما أنزل إليهم يقول الله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ من النَّاسِ وللورثة من هذا التبليغ حظ وافر والولي محفوظ من الأمر الذي يقصد الشيطان عند إلقائه في قلب الولي ما شاء الله أن يلقي إليه فيقلب عينه بصرفه إلى الوجه الذي يرضى الله فيحصل بذلك على منزلة عظيمة عند الله ولو لا حرص إبليس على المعصية ما عاد إلى هذا الولي مرة أخرى فإنه يرى ما جاء به ليبعد بذلك من الله يزيده قربا وسعادة والأنبياء معصومون أن يلقي الشيطان إليهم فهذا الفرق بين العصمة والحفظ

[العلم الذي أعطاه التجلي لقلب الولى‏]

وإنما جعلوا الحفظ للولي أيضا أدبا مع النبي فإن الشيطان ما له سبيل على قلوب بعض الأولياء من أجل العلم الذي أعطاه التجلي الإلهي لقلوبهم يقول تعالى وحِفْظاً من كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ وهو أعظم الشياطين فإنه لا يلقي إلى أحد إلا ما يليق بمقامه فيأتي إلى الولي فما يلقي إليه إلا فعل الطاعات وينوعه فيها ويخرجه من طاعة إلى طاعة أعلى فلا يرى الولي فيها أثرا لهوى نفسي فيبادر إلى فعلها ويقنع الشيطان المارد منه بهذا الأخذ عنه على جهالة فلو كان على بينة من ربه في ذلك لكان أولى فالشيطان لا يقدر أن يقدح في علم التجلي الإلهي بوجه من الوجوه ولذلك‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق شيطانه أعني قرينه الموكل إن الله أعانه عليه فأسلم‏

أي انقاد إليه فلا يأمره إلا بخير

[العلم بالله عن نظر فكرى‏]

بخلاف من كان عنده العلم بالله عن نظر فكري واستدلال فإن الشيطان يلقي إليه الشبهة في أدلته ليحيره ويرده إلى محل النظر ليموت على جهل بربه أو شك أو حيرة أو وقفة والولي الحاصل عنده العلم عن التجلي هو على بصيرة محفوظ من كل شبهة فإن الشيطان أعني شيطان الإنس والجن ليس له على قلب صاحب علم التجلي الإلهي سبيل في ربه وهذا لا يكون لأحد من الأولياء إلا لمن سجد قلبه فإن الشيطان لا يعتزل عن الإنسان إلا في حال سجوده في الظاهر والباطن فإن لم يسجد قلب الولي فليس بمحفوظ

[البينة الربانية والشاهد التالي‏]

وهذه مسألة دقيقة عظيمة في طرق أهل الله ما تحصل إلا لأفراد يعز وجودهم وهم الذين هم على بينة من ربهم والبينة تجليه تعالى ويتلو تلك البينة شاهد من العبد معدل وهو سجود القلب فإذا اجتمعت البينة الربانية والشاهد التالي عصم القلب وحفظ ودعا صاحبه الخلق إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ وعلى هذا المقام من طرق القوم أسباب حار فيها القوم مثل قول أبي يزيد دعوت الخلق إلى الله كذا وكذا سنة ثم رجعت إليه فوجدتهم قد سبقوني وقيل له في هذا المقام أ يعصي العارف فقال وكانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُوراً وهذا غاية في الأدب حيث لم يقل نعم ولا لا وهذا من كمال حاله وعمله وأدبه رضي الله عنه وعن أمثاله‏

(وصل في فصل صفة السجود)

فمن قائل يكبر إذا خفض وإذا رفع ومن قائل لا يكبر إلا إذا كانت السجدة في الصلاة حينئذ يكبر لها في الخفض والرفع والذي أذهب إليه التكبير وإن كان لم ينقل ولا خلافه‏

(وصل في اعتبار هذا الفصل)

تكبير الحق عن السجود محمود على أي حال كان فإنه تنزيه وينبغي للعبد أن يعطي اللسان حظه من هذا السجود وليس إلا التلفظ بالتكبير كما سجد سائر أعضائه كل عضو بحقيقته‏

(وصل في فصل الطهارة للسجود)

فمن قائل لا يسجد إلا على طهارة ومن قائل يسجد وإن لم يكن طاهرا وبه أقول وعلى طهارة أولى وأفضل‏

فإن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم لرد السلام وقال إني كرهت إن أذكر الله إلا على طهر أو قال على طهارة

(الاعتبار في هذا الفصل)

طهارة القلب شرط في صحة السجود لله عز وجل من كونه ساجدا وطهارة الجوارح في وقت السجود معقولة من طريق المعنى فإنها في وقت السجود غير متصرفة في أمر آخر بخلاف القلب ولهذا إذا سجد قلب العبد لم يرفع أبدا والجوارح في حال السجود في غير الصلاة متصرفة في عبادة لم يشترط في فعلها استعمال ماء ولا تراب وإن كان على طهارة فهو أولى وأفضل وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يسجد للتلاوة على غير طهارة

(وصل في فصل السجود للقبلة)

اختلف العلماء رضي الله عنهم في السجود للتلاوة للقبلة فمن قائل يسجد في التلاوة لأي وجهة كان وجهه والأولى‏

الصفحة 517 من الجزء 1

استقبال القبلة ومن قائل لا بد من استقبال القبلة والذي أقول به بالسجود لأي وجه كان فإن الله يقول فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله وإذا قدر على القبلة فهو أولى للجمع بين الظاهر والباطن‏

(وصل في اعتبار ذلك)

الله جل جلاله عن التقييد فهو قبلة القلوب فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله حقيقة منزهة بلا خلاف بين أهل الله فإذا سجد العبد لله فقد سجد للقبلة المعتبرة فإن الله بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ لا تقيده الجهات ولا تحصره الأينيات وهو بالعين في كل أين ليس ذلك لسواه ولا يوصف به موجود إلا إياه فإن جمع الساجد بين القبلتين كما جمع في خلقه بين النشأتين باليدين فيقيد من يقبل التقييد ويطلق من يقبل الإطلاق فيعطي كل ذي حق حقه كما إن الله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ‏

(وصل في فصل صلاة العيدين حكما واعتبارا)

صلاة العيد تكرار الشهود *** بما يبدو علي من الوجود

إذا جلى لنا ما كان منه *** لنا مني به في كل عيد

فعيدي من وجودي يوم جود *** يمن به علي بلا مزيد

أكبره بسبع ثم خمس *** عن القرب المقيد بالوريد

واطلب منه ما تعطيه ذاتي *** لذاك اليوم من لبس جديد

ولو أنى أقول بعين كوني *** لميزت المراد من المريد

ولكن عنه أعني حين أكني *** بحال في هبوط أو صعود

أناجيه به في كل حال *** ويحجبني بلذات المزيد

وأرفع ستره عن عين ذاتي *** فتغنيني المطالع عن وجودي‏

بماء حياته طهري ومن لم *** يجد ماء تيمم بالصعيد

وعين تيممي ردي بذاتي *** إلي بلا شهود في شهود

[صلاة العيدين سنة بلا أذان ولا إقامة]

صلاة العيدين سنة بلا أذان ولا إقامة هما يوما سرور عيد الفطر لفرحته بفطره فيعجل بالصلاة للقاء ربه فإن المصلي يناجي ربه‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه‏

فأراد أن يعجل بحصول الفرحتين فشرعت صلاة عيد الفطر وحرم عليه صوم ذلك اليوم ليكون في فطره مأجورا أجر الفرائض في عبودية الاضطرار لتكون المثوبة عظيمة القدر وفي صلاة عيد الأضحى مثل ذلك لصيامه يوم عرفة في حق من صامه فإنه صوم مرغوب فيه في غير عرفة وحرم عليه صوم يوم الأضحى ليؤجر أجر الواجبات فإنها من أعظم الأجور

[يوم العيد يوم زينة والشغل بأحوال النفوس‏]

ولما كان يوم زينة وشغل بأحوال النفوس من أكل وشرب وبعال شرع في حق من ليس بحاج في ذلك اليوم أن يستفتح يومه بالصلاة بمناجاة ربه لتحفظه سائر يومه فإن الصلاة في ذلك اليوم في أول النهار كالنية في الصلاة فكما إن النية تحفظ عليه هذه العبادة وإن صحبته الغفلة في أثناء صلاته فالنية تجبر له ذلك فإنها تعلقت عند وجودها بكمال الصلاة فحكمها سار في الصلاة وإن غفل المصلي كذلك الصلاة في يوم العيد تقوم مقام النية واليوم يقوم مقام الصلاة فما كان في ذلك اليوم من الإنسان من لهو ولعب وفعل مباح فهو في حفظ صلاته إلى آخر يومه ولهذا سميت صلاة العيد أي تعود إليه في كل فعل يفعله من المباحات بالأجر الذي يكون للمصلي حال صلاته وإن غفل لصحة نيته‏

[تحريم الصوم في يوم العيد]

ولهذا حرم عليه الصوم فيه تشبها بتكبيرة الإحرام وليقابل به نية الصوم في حال وجوب الصوم فيكون في فطره صاحب فريضة كما كان في صومه في رمضان صاحب فريضة فجميع ما يفعله من المباحات في ذلك اليوم مثل سنن الصلاة في الصلاة وجميع ما يفعله من الفرائض في ذلك اليوم والواجبات من جميع العبادات بمنزلة الأركان في الصلاة

[حال الإنسان في العيد مثل حال المصلى في الصلاة]

فلا يزال العبد في يوم العيدين حاله في أفعاله كلها حال المصلي فلهذا قلنا سميت صلاة العيد بخلاف ما يقول من ليس من طريقنا ولا شرب شربنا من أنه سمي بذلك لأنه يعود في كل سنة فهذه الصلوات الخمس تعود في كل يوم ولا تسمى صلاة عيد وإن كان لا يلزم هذا ولكن هو قول في الجملة يقال فإن قيل لارتباطه يوم العيد بالزينة قلنا والزينة مشروعة في كل صلاة فإن الله يقول خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

الصفحة 518 من الجزء 1

للمؤمنين من بنى آدم فلما عاد الفطر عبادة مفروضة سمي عيدا وعاد ما كان مباحا واجبا

(فصول ما أجمع عليه أكثر العلماء)

الغسل مستحسن في هذا اليوم للخروج إلى الصلاة بلا خلاف أعني في استحسانه والسنة ترك الأذان والإقامة إلا ما أحدثه معاوية على ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في أصح الأقاويل عنه في ذلك والسنة تقدم الصلاة على الخطبة في هذا اليوم إلا ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه وبه أخذ عبد الملك بن مروان رحمه الله نظرا واجتهادا ومبني على ما فهم من الشارع من المقصود بالخطبة ما هو وأجمعوا أن لا توقيت في القراءة في صلاة العيدين مع استحباب قراءة سبح اسم ربك الأعلى في الأولى وفي الثانية الغاشية وكذلك سورة ق في الأولى وسورة القمر في الثانية اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم‏

(الاعتبار في هذا الفصل)

الغسل وهو الطهارة العامة والطهارة تنظيف فليلبس أحسن لباسه ظاهرا وهو الريش وباطنا وهو لِباسُ التَّقْوى‏ والمراد بالتقوى هنا ما بقي به الإنسان كشف عورته أو ألم الحر والبرد وهو خير لباس من الريش‏

[حضور القلب مع الله يغنى عن الأذان في العيد]

ولما توفرت الدواعي على الخروج في هذا اليوم إلى المصلي من الصغير والكبير وما شرع من الذكر المستصحب للخارجين سقط حكم الأذان والإقامة لأنهما للاعلام لينبه الغافلين والتهيؤ هنا حاصل لحضور القلب مع الله يغني عن إعلام الملك بلمته التي هي بمنزلة الأذان والإقامة للاسماع‏

[ما أحدثه معاوية في صلاة العيد]

والذي أحدث معاوية مراعاة للنادر وهو تنبيه الغافل فإنه ليس ببعيد أن يغفل عن الصلاة بما يراه من اللعب بالتفرج فيه وكانت النفوس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفرة على رؤيته صلى الله عليه وسلم وفرجتها في مشاهدته وهو الإمام فلم يكن يشغلهم عن التطلع إليه شاغل في ذلك اليوم فلم يشرع أذانا ولا إقامة

[ما فعله الخليفة عثمان في صلاة العيد]

وأما تقديم الصلاة على الخطبة فإن العبد في الصلاة مناج ربه وفي الخطبة مبلغ للناس ما أنزل إليه من التذكير في مناجاته فكان الأولى تقديم الصلاة على الخطبة وهي السنة فلما رأى عثمان بن عفان إن الناس يفترقون إذا فرغوا من الصلاة ويتركون الجلوس إلى استماع الخطبة قدم الخطبة مراعاة لهذه الحالة على الصلاة تشبها بصلاة الجمعة فإنه فهم من الشارع في الخطبة إسماع الحاضرين فإذا افترقوا لم تحصل الخطبة لما شرعت له فقدمها ليكون لهم أجر الاستماع ولو فهم عثمان رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم خلاف هذا ما فعله واجتهد ولم يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما يمنع منه ولقرائن الأحوال أثر في الأحكام عند من ثبتت عنده القرينة وتختلف قرائن الأحوال باختلاف الناظر فيها

[لقرائن الأحوال أثر في الأحكام‏]

ولا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتمونى أصلي‏

وقال في الحج خذوا عني مناسككم‏

فلو راعى صلى الله عليه وسلم صلاة العيد مع الخطبة مراعاة الحج ومراعاة الصلاة لنطق فيها كما نطق في مثل هذا وكذلك ما أحدثه معاوية كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره خال المؤمنين‏

[لا سبيل إلى تجريح الصحابة]

فالظن بهم جميل رضي الله عن جميعهم ولا سبيل إلى تجريحهم وإن تكلم بعضهم في بعض فلهم ذلك وليس لنا الخوض فيما شجر بينهم فإنهم أهل علم واجتهاد وحديثو عهد بنبوة وهم مأجورون في كل ما صدر منهم عن اجتهاد سواء أخطئوا أم أصابوا

[لا توقيت في القرآن في الصلاة]

وأما التوقيت في القراءة فما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كلام وإن كان قد قرأ بسورة معلومة في بعض أعياده مما نقل إلينا في أخبار الآحاد وقد ثبت في القرآن المتواتر أن لا توقيت في القراءة في الصلاة بقوله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ من الْقُرْآنِ ولا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها وهو ما يتذكره في وقت الصلاة والقرآن كله طيب وتاليه مناج ربه بكلامه فإن قرأ بتلك السورة فقد جمع بين ما تيسر والعمل بفعله صلى الله عليه وسلم فهو مستحب والتأسي به مشروع لنا وليس بفرض ولا سنة

(وصل في فصل التكبير في صلاة العيدين)

فقال قوم يكبر بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة في الركعة الأولى سبع تكبيرات وقيل بتكبيرة الإحرام ويكبر في الثانية بعد تكبيرة القيام إلى الركعة الثانية خمس تكبيرات وقال آخرون يكبر في الأولى قبل القراءة وبعد تكبيرة الإحرام ثلاث تكبيرات ويكبر في الركعة الثانية بعد القراءة ثلاث تكبيرات ثم يكبر للركوع وحكى أبو بكر بن إبراهيم بن المنذر في التكبير اثني عشر قولا

(وصل في اعتبار هذا الفصل)

زيادة التكبير في صلاة العيدين على‏

الصفحة 519 من الجزء 1

التكبير المعلوم في الصلوات تؤذن بأمر زائد يعطيه اسم العيد فإنه من العودة فيعاد التكبير لأنها صلاة عيد فيعاد كبرياء الحق تعالى قبل القراءة لتكون المناجاة عن تعظيم مقرر مؤكد لأن التكرار تأكيد للتثبيت في نفس المؤكد من أجله مراعاة لاسم العيد إذ كان للأسماء حكم ومرتبة عظمى فإن بها شرف آدم على الملائكة

[العيد يوم فرح وزينة وسرور]

فاسم العيد أعطى إعادة التكبير لأن الحكم له في هذا الموطن وبعد القراءة في مذهب من يراه لأجل الركوع في صلاة العيد وسبب ذلك أن العيد لما كان يوم فرح وزينة وسرور واستولت فيه النفوس على طلب حظوظها من النعيم وأيدها الشرع في ذلك بتحريم الصوم فيه وشرع لهم اللعب في هذا اليوم والزينة وفي هذا اليوم لعبت الأحابشة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف ينظر إليهم وعائشة رضي الله عنها خلفه صلى الله عليه وسلم‏

وفي هذا اليوم دخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مغنيتان فغنتا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ولما أراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين دخل أن يغير عليهما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهما يا أبا بكر فإنه يوم عيد!

[مضاعفة التكبير تعبير عما ينبغي لجلال الحق‏]

فلما كان هذا اليوم يوم حظوظ النفوس شرع الله فضاعف التكبير في الصلاة ليتمكن من قلوب عباده ما ينبغي للحق من الكبرياء والعظمة لئلا تشغلهم حظوظ النفوس عن مراعاة حقه تعالى بما يكون عليهم من أداء الفرائض في أثناء النهار أعني صلاة الظهر والعصر وباقي الصلوات قال الله تعالى ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ يعني في الحكم‏

[العوالم الثلاثة والصفات السبعة النفسية]

فمن رآه ثلاث تكبيرات فلعوالمه الثلاثة لكل عالم تكبيرة في كل ركعة ومن رآه سبعا فاعتبر صفاته فكبر لكل صفة تكبيرة فإن العبد موصوف بالصفات السبعة التي وصف الحق بها نفسه فكبره أن تكون نسبة هذه الصفات إليه سبحانه كنسبتها إلى العبد فقال الله أكبر يعني من ذلك في كل صفة

[الذات والصفات الأربعة]

والمكبر خمسا فيها فنظرة في الذات والأربع الصفات التي يحتاج إليها العالم من الله أن يكون موصوفا بها وبها ثبت كونه إلها فيكبره بالواحدة لذاته ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ويكبره بالأربع لهذه الصفات الأربع خاصة على حد ما كبره في السبع من عدم الشبه في المناسبة فاعلم ذلك‏

[ليس شي‏ء بأيدينا مما ينسب إلينا]

وأما رفع الأيدي فيها فإشارة إلى أنه ما بأيدينا شي‏ء مما ينسب إلينا من ذلك وأما من لم يرفع يديه فيها فاكتفى برفعها في تكبيرة الإحرام ورأى أن الصلاة أقرت بالسكينة فلم يرفع إذ كانت الحركة تشوش غالبا ليتفرغ بالذكر بالتكبير خاصة ولا يعلق خاطره بيديه ليرفعهما فينقسم خاطره فكل عارف راعى أمرا ما فعمل بحسب ما أحضره الحق فيه‏

(وصل في فصل في التنفل قبل صلاة العيد وبعدها)

فمن قائل لا يتنفل قبلها ولا بعدها ومن قائل بالعكس ومن قائل لا يتنفل قبلها ويتنفل بعدها والذي أقول به إن الموضع الذي يخرج إليه لصلاة العيد لا يخلو إما أن يكون مسجدا في الحكم كسائر المساجد فيكون حكم الآتي إليه حكم من جاء إلى مسجد فمن يرى تحية المسجد فلينتفل كما أمر في ركعتي دخول المسجد وإن كان فضاء غير مسجد موضوع فهو مخير إن شاء تنفل وإن شاء لم يتنفل‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

المقصود في هذا اليوم فعل ما كان مباحا على جهة الفرض والندب خلاف ما كان عليه ذلك الفعل في سائر الأيام فلا يتنفل فيه سوى صلاة العيد خاصة الفرائض إذا جاءت أوقاتها

[دعي الإنسان إلى الفرح والسرور في يوم العيد]

فإن حركة الإنسان في ذلك اليوم في أمور مقربة مندوب إليها وفي فرض ومن كان في أمر مندوب إليه مربوط بوقت فينبغي أن يكون له الحكم من حيث إن الوقت لذلك المندوب المعين فهو أولى به فلا يتنفل وقد ندب إلى اللعب والفرح والزينة في ذلك اليوم فلا يدخل مع ذلك مندوبا آخر يعارضه‏

[فعل الحكيم العادل في القضايا]

فإذا زال زمانه حينئذ له أن يبادر إلى سائر المندوبات ويرجع ما كان مندوبا إليه في هذا اليوم مباحا فيما عداه من الأيام وهذا هو فعل الحكيم العادل في القضايا فإن لنفسك عليك حقا واللعب واللهو والطرب في هذا اليوم من حق النفس فلا تكن ظالما نفسك فتكون كمن يقوم الليل ولا ينام فإن تفطنت فقد نبهتك‏

(وصل في فصول الصلاة على الجنازة)

[الصلاة على الميت شفاعة له‏]

الصلاة على الميت شفاعة من المصلي عليه عند ربه ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى الحق أن يشفع فيه ولم يرتض سبحانه من عباده إلا العصاة من أهل التوحيد سواء كان ذلك عن دليل أو إيمان ولهذا شرع تلقين الميت ليكون‏

الصفحة 520 من الجزء 1

الشفيع على علم بتوحيد من يشفع فيه وآخر شافع حيث كان الاسم الرءوف يشفع عند الاسم الجبار المنتقم في نجاة من عنده علم التوحيد مع وصول الدعوة إليه وتوقفه في القبول‏

[الشفاعة في العصاة الذين لم تبلغهم الدعوة]

فإن الموحد الذي لم تصل إليه الدعوة لا يدخل النار فلا تكون الشفاعة إلا في العصاة الذين بلغتهم الدعوة فمنهم من آمن ومنهم من توقف إيمانه بهذا الشخص من أجل ما جاء به لأنه استند إلى عظيم لا ينبغي أن يفتري عليه فاحتاج إلى دليل يقطع به على صدق دعواه فيما يبلغه أنه من عند الله فلهذا توقف إذ لم يرزقه الله العلم الضروري ابتداء بصدق دعوى هذا الرسول‏

[الآيات البينات على صدق دعوى الرسول‏]

قال تعالى وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يعني نبعثه بالآيات البينات على صدق دعواه وكذا أخبر الله تعالى أنه أيد الرسل بالبينات ليعذر الإنسان من نفسه والايمان نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده‏

فإذا انضاف إلى نور العلم فهو نور على نور فلنشرع في حال الميت الذي يصلي عليه وما يجب له وما يجب من أجله علينا من تجهيزه على الصفات التي أمرنا الشارع بها

[وصل تلقين الميت‏]

[الحالة الأولى من التلقين‏]

فمن ذلك التلقين التلقين عند الموت إذا احتضر فإن الهول شديد والمقام عظيم وهو وقت الفتنة التي هي فتنة المحيا بما يكشفه المحتضر عند كشف الغطاء عن بصره فيعاين ما لا يعاينه الحاضر ويتمثل له من سلف من معارفه على الصور التي يعرفهم فيها وهم الشياطين تتمثل إليه على صورهم بأحسن زي وأحسن صورة ويعرفونه أنهم ما وصلوا إلى ما هم فيه من الحسن إلا بكونهم ماتوا مشركين بالله فينبغي للحاضرين عنده في ذلك الوقت من المؤمنين أن يلقنوه شهادة التوحيد ويعرفوه بصورة هذه الفتنة لينتبه بذلك فيموت مسلما موحدا مؤمنا فإنه عند ما يتلفظ بشهادة التوحيد ويتحرك بها لسانه أو يظهر نورها من قلبه بتذكره إياها فإن ملائكة الرحمة تتولاه وتطرد عنه تلك الصور الشيطانية التي تحضره‏

الحالة الثانية من التلقين‏

وكذلك ينبغي أن يلقن إذا أنزل في قبره وستر بالتراب من أجل سؤال القبر فإن الملكين منظرهما فظيع وسؤالهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام ما فيه تعظيم ولا تبجيل في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن يقولا له ما تقول في هذا الرجل وهذه هي فتنة الممات المستعاذ منها

[الاستعاذة من فتنة المحيا وفتنة الممات‏]

وأما استعاذة الأنبياء عليهم السلام منها فإنهم مسئولون عمن أرسل إليهم وهو جبريل عليه السلام كما نسأل نحن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ في التشهد في الصلاة من فتنة المحيا والممات لعلمه بأن الأنبياء تفتن في الممات كما يفتن المؤمنون فأمر المؤمنين بالاستعاذة من ذلك في الصلاة فإن الإنسان في الصلاة في مقام قربة من الله بمناجاته فيسأله على الكشف‏

(وصل) [استقبال الميت القبلة]

ومما يستحب من الشروط المخاطب بها أهل الميت أن يستقبلوا به القبلة عند الاحتضار فإن كان على قفاه فيستقبل القبلة برجليه وإن كان على جنبه فيستقبل القبلة بوجهه‏

(وصل) [التعجيل بدفن الميت‏]

ومما يستحب تعجيل دفنه والإسراع به إلى قبره فإن كان سعيدا أسرعتم به إلى خيره وإن كان شقيا فشر تضعونه عن رقابكم فيراعي الميت في السعادة ويراعى الحي الذي هو حامله بوضع الشر عنه فهذا إسراع من أجل الميت وهذا إسراع من أجل حامله‏

[التكليف من أجل الخير]

وإنما ورد التفسير من الشرع في الإسراع بهذا ليعلم أن الله ما كلف عباده إلا من أجل الخير لا لينالوا بذلك شرا فاعتبر في حق الشقي حامله فقال أسرعوا بالجنازة فإنه شر تضعونه عن رقابكم واعتبر في حمل السعيد الميت فقال أسرعوا به فإنه خير تقدمونه إليه فما ألطف حكم الشارع‏

[العجلة من الشيطان إلا في ثلاث‏]

وقد ورد أن العجلة من الشيطان إلا في ثلاث منها تجهيز الميت ومن تجهيزه الإسراع به إلى دفنه فيقول الميت وهو على نعشه حين يحمل إذا كان سعيدا قدموني قدموني وإذا كان شقيا يقول إلى أين تذهبون بي يسمع ذلك منه كل دابة إلا الثقلين‏

(وصل) [غسل الميت‏]

[الغسل للميت والطهارة للصلاة]

ومما يتعلق بالحي من الميت أيضا غسله وهو كالطهارة للصلاة وفعله مخاطب به الحي واختلف الناس فيه أعني في حكمه فمن قائل إنه فرض على الكفاية ومن قائل إنه سنة على الكفاية فمن قال بوجوبه فللأمر الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم اغسلنها ثلاثا أو خمسا وقوله في المحرم اغسلوه فهذا أمر في الصيغة بلا شك فإذا اقترنت معه قرينة حال تخرجه مخرج التعليم لصفة الغسل جعلته سنة ومن رأى أنه يتضمن الأمر والصفة قال بالوجوب‏

[الموت الجهل والعلم الحياة]

(و اعتبار) الميت الجاهل والموت الجهل فيجب على العالم تعليم الجاهل لأن من جهل الجاهل أنه لا يعلم أن السؤال يجب عليه فيما لا يعلمه فيتعين على العالم أن يعلمه أن من لا يدري حكم الشرع في حركاته أن يسأل أهل الذكر ومتى لم يفعل فقد عصى ويعلمه ما يتعين عليه تعليمه إياه فتلك طهارته وهذا هو غسل الميت في الاعتبار مختصر

الصفحة 521 من الجزء 1

(فصل في الأموات الذين يجب غسلهم)

فأما الأموات الذين يجب غسلهم فاتفقوا على غسل الميت والمقتول الذي لم يقتل في معترك حرب الكفار واختلفوا في الشهيد المقتول في حرب الكفار وفي غسل المشرك وفي غسل من ينطلق عليه اسم شهيد وفيمن قتله مشرك في غير المعترك فمن قائل يغسل كل هؤلاء ومن قائل لا يغسلون‏

[الغسل عبادة ونظافة]

فمن راعى أن الغسل عبادة يعود ما فيها من الثواب على المغسول قال لا يغسل المشرك ومن رأى أن غسل الميت تنظيف قال يغسل المشرك‏

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل عمه أبي طالب‏

وهو مشرك وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن يدفنوا في ثيابهم ولا يغسلون‏

[الشهيد لا يغسل لمطلق الشهادة]

فمن رأى أن الشهيد لا يغسل لمطلق الشهادة قال لا يغسل من نص النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهيد ومن رأى وفهم من النبي صلى الله عليه وسلم بقرينة حال إن الشهيد الذي لا يغسل هو المقتول في المعترك في حرب الكفار قال يغسل ما عداه‏

(وصل اعتبار هذا الفصل)

[الشهيد حى يرزق‏]

المقتول في سبيل الله في معترك حرب الكفار حي يرزق وإنما أمرنا بغسل الميت وهذا الشهيد الخاص لا يقال فيه إنه ميت ولا يحسب أنه ميت بل هو حي بالخبر الإلهي الصدق الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ ولا من خَلْفِهِ‏

[أخذ البصر عن إدراك حياة الشهيد]

ولكن الله أخذ بأبصارنا عن إدراك الحياة القائمة به كما أخذ بأبصارنا عن إدراك أشياء كثيرة كما أخذ أيضا بأسماعنا عن إدراك تسبيح النبات والحيوان والجماد وكل شي‏ء قال الله تعالى ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وقال تعالى ولا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبِيلِ الله أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ ولكِنْ لا تَشْعُرُونَ بحياتهم كما يحيي الميت عند السؤال ونحن نراه من حيث لا تشعر ونعلم قطعا أنه يسأل ولا يسأل إلا من يعقل ولا يعقل إلا من هو موصوف بالحياة فنهينا أن نقول فيهم أموات وأخبرنا أنهم أحياء ولكن لا نشعر وما ورد مثل هذا في من لم يقتل في سبيل الله فهو ميت وإن كان شهيدا أو هو حي مثله وما أخبرنا بذلك الشهيد هو الحاضر عند الله ولهذا قال عِنْدَ رَبِّهِمْ‏

[الميت يغسل ويطهر ليحضر عند ربه‏]

وإنما يغسل الميت ويطهر ليحضر عند ربه طاهرا فيلقاه في البرزخ بعد الموت على طهارة مشروعة وهذا الشهيد حاضر عند ربه بمجرد الشهادة التي هي القتل في سبيل الله فإنه لا يغسل وهو عند ربه‏

(وصل في اعتبار غسل المشرك)

وهو القاتل بالأسباب بالركون إليها والاعتماد عليها والاعتقاد بأن الله يفعل الأشياء بها لا عندها وذلك لعدم علمه لضعف نفسه واضطراب إيمانه كما يضطرب في صدق وعده تبارك وتعالى في الرزق مع قسمه سبحانه عليه لعباده فقال فَوَ رَبِّ السَّماءِ والْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ فهذا ضرب من الشرك الصريح لا الخفي لغلبة الطبع عليه في مألوف العادة قال بعضهم موبخا لمن اضطرب إيمانه‏

وترضى بصراف وإن كان مشركا *** ضيمنا ولا ترضى بربك ضامنا

[طهارة القلب الميت باليقين‏]

فيجب على العلماء بالله طهارة قلب هذا الميت وغسله باليقين والطمأنينة حتى يتنظف قلبه فيجب غسل المشرك ومن رأى أن مثل هذا الشرك لا يقدح في الايمان بالرزق ويقول إنما اضطرب بالطبع لكون الحق ما عين الوقت ولا المقدار منه‏

[إن الله بحكمته ربط المسببات بالأسباب‏]

فاعلم إن الله بحكمته قد ربط المسببات بالأسباب وأن ذلك الاضطراب ما هو عن تهمة من المؤمن في حق الله وأنه ربما لا يرزقه وإنما ذلك الاضطراب اضطراب البشرية والإحساس بألم الفقد وعدم الصبر فإن الله قد أعلمه أنه يرزقه ولا بد سواء كان كافرا أو مؤمنا لكونه حيوانا فقال تعالى وما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ولكن ما قال له متى ولا من أين فما عين الزمان ولا السبب بل أعلمه أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها

[الموت فزع للمؤمن والعارف والكافر]

فما يدري عند فقد السبب المعتاد لحصول الرزق عند وجوده هل فرغ وجاء أجله أم لا فيكون فزعه واضطرابه من الموت فإن الموت فزع إما للمؤمن فلما قدم من إساءة وإما للعارف فللحياء من الله عند القدوم عليه والكافر لفقد المألوفات فالصورة في الخوف واحدة والأسباب مختلفة

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره *** تنوعت الأسباب والداء واحد

[التعوذ من الجوع والوقاية من المرض‏]

وإن كان لم يفرغ رزقه في علم الله فيكون اضطرابه لجهله بوقت حصول الرزق كما قدمنا بانقطاع السبب فيخاف من طول المدة وألم الجوع المتوقع والحاجة الداعية له إلى الوقوف فيه لمن لا يسهل عليه الوقوف بين يديه في ذلك لعزة نفسه عنده وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجوع ويقول إنه بئس الضجيع‏

فإنه بلاء من الله يحتاج من قام به‏

الصفحة 522 من الجزء 1

إلى صبر ولا علم له هل يرزقه الله الصبر عند ذلك أم لا فإن القليل من عباد الله من يرزقه الله الصبر عند البلاء ولهذا شرع التطبب لسكون النفس وخور الطبيعة بالاستناد إلى سبب حصول الصحة المتوهمة وهو اختلاف الطبيب إليه‏

[أسباب البلاء وبشرى الصابرين‏]

قال تعالى ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ من الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ من الْأَمْوالِ والْأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وهذه كلها أسباب بلاء يبتلي الله به عباده حتى يعلم الصابرين منهم كما أخبر وهو العالم بالصابر منهم وغير الصابر ثم قال وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ على ما ابتليتهم به من ذلك‏

[نعت الصابرين وعاقبتهم‏]

ثم من فضله ورحمته نعت لنا الصابرين لنسلك طريقهم ونتصف بصفاتهم عند حلول الرزايا والمصائب التي ابتلى الله بها عباده فقال في نعت الصابرين الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يريد في رفعها عنهم ثم أخبر بما يكون منه لمن هذه صفته فقال أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ من رَبِّهِمْ يقول إن الله يشكرهم على ذلك ورحمة بإزالتها عنهم وأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الذين بانت لهم الأمور على ما هو الأمر عليه‏

[غسل المشرك ذى الشرك الخفي‏]

فمن رأى هذا قال لا يغسل المشرك أي هذا المشرك لأن إيمانه بتوحيد الله صحيح فلا يطهر من حيث إنه مؤمن بل طهر وغسل فمن كونه ضعيف اليقين في الاعتماد على مراد الله فيما قطعه من الأسباب في حقه‏

(وصل في ذكر من يغسل ويغسل)

اتفق العلماء رضي الله عنهم إن الرجل يغسل الرجل والمرأة تغسل المرأة لاختلاف بينهم في ذلك إذا ماتت‏

(الاعتبار)

الكامل في المرتبة يرى منه الكامل أيضا فيها مع ما هم فيه من التفاضل فيها قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مع اجتماعهم في الرسالة والكمال وقال ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ مع اجتماعهم في درجة النبوة فإذا رأى الكامل من الكامل أمرا يجب عليه تطهيره منه طهره منه ولزم الكامل الآخر اتباعه في ذلك لا يأنف من ذلك‏

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق موسى كليم الله عليه السلام ولا نشك في كمالهما لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني‏

[الحكم لصاحب الوقت‏]

وسبب ذلك مع وجود الكمال أن الحكم لصاحب الوقت وهو الحكم الناسخ وهو الحي والحكم المنسوخ هو الميت فللوقت سطان ولو كان صاحبه ينقص عن درجة الكمال فله السلطان على الكامل فكيف وهو كامل فالنسخ له كالموت فينوب عنه في تطهيره فإنه لو كان حيا لطهر نفسه كما إن الكامل لو كشف له عما نقصه لتعمل في تحصيله وكذلك حكم من نقص عن درجة الكمال في الطريق‏

[المريد يغسل المريد]

فينبغي للمريد أن يغسل المريد إذا طرأ منه ما يوجب غسله وينبغي للآخر أن يقبل منه فإنهم أهل إنصاف مطلبهم واحد وهو الحق فإنا مأمورون بذلك فإن ذلك موت في حقه والله يقول في هؤلاء وتَواصَوْا بِالْحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وأمرنا بالتعاون عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوى‏ ونهانا عن التعاون عَلَى الْإِثْمِ والْعُدْوانِ‏

[صاحب الشهوة وصاحب الشبهة]

فإن صاحب الشهوة الغالبة عليه في الطبع وصاحب الشبهة الغالبة عليه في العقل محجوبان عن حكمهما فيها لأن صاحب الشبهة يتخيل أنها دليل في نفس الأمر وصاحب الشهوة يتخيل أنها في الله في نفس الأمر فيتعين على العالم بهذا وإن كان ليس محله الكمال ويكونان هذان أكمل منه أو لهما الكمال إلا أنه يعلم تلك المسألة فيجب عليه أن يطهره من تلك الشبهة لا تصاف صاحبها بالموت فيها لأنه لا علم له بها وكذلك صاحب الشهوة فإن كانت تلك الشبهة في معترك حرب النظر الفكري والاجتهاد في طلب الأدلة فغلبته كان قتيلا بها ولها في نفس الأمر في سبيل الله من يد مشرك فإنه ما قصد إلا الخير فهو في سبيل الله فإن الشبهة تشارك الدليل في الصورة فهو حي غير متصف بالموت فلا يجب غسله على الحي العالم بكون ما هو فيه إنه شبهة

[ليس للمجتهد أن يحكم على المجتهد]

فليس للمجتهد أن يحكم على المجتهد فإن الشرع قرر حكمهما كمن يرى أن صفات الحق تعلق ذاته بما يجب لتلك النسب من الحكم ويرى آخران صفات الحق أعيان زائدة على ذات الحق وقد اجتمعا في كون الحق حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما هذا في العقائد وذلك عن نظر واجتهاد فهو قتيل ميت عند النافي صاحب شبهة وهو حي عند نفسه وعند ربه صاحب دليل وإن أخطأ فلا يجب غسله وكذلك في الظنيات ليس للشافعي مثلا إذا كان حاكما أن يرد شهادة الحنفي إذا كان عدلا مع اعتقاد تحليل النبيذ ويحده عليه إن شربه الحنفي لكونه حاكما يرى تحريمه لدليله فيجب عليه إقامة الحد وكالحنفي إذا كان حاكما وقد رأى شافعيا تزوج بابنته المخلوقة من ماء الزنا منه ويشهد عنده فلا يرد شهادته إذا كان عدلا ويفرق بينه وبين زوجته التي هي ابنته لصلبه المخلوقة من‏

الصفحة 523 من الجزء 1

ماء الزنا لكونه حاكما ذا سلطان فإنه صاحب الوقت‏

[الحكم لله وقد قرر حكم المجتهد]

فهذا بمنزلة الشهيد لا يغسل وإن كنا نشهد حسا أن روحه فارقت بدنه كسائر القتلى والحكم لله ليس لغيره وقد قرر حكم المجتهد فليس لنا إزالة حكم اجتهاده فإن ذلك إزالة حكم الله في حقه أصل هذا الباب في قبول الكامل ما يشير به الأنقص في المسألة التي هو أعلم بها منه حديث تأبير النخل‏

قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنتم أعلم بمصالح دنياكم‏

ورجع إلى قوله وكذلك رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى قولهم يوم بدر في نزوله على الماء

(وصل في فصل المرأة تموت عند الرجال والرجل يموت عند النساء وليس بزوجين)

اختلف العلماء رضي الله عنهم في الرجل يموت عند النساء والمرأة تموت عند الرجال وليس بزوجين على ثلاثة أقوال فمن قائل يغسل كل واحد منهما صاحبه ومن قائل بتيممه ولا يغسله ومن قائل لا يغسل واحد منهما صاحبه ولا ييممه والذي أقول به يغسل كل واحد منهما صاحبه خلف ثوب يكون على الميت إن كان من ذوي المحارم أو ستر مضروب بين الميت وبين غاسله وصورة غسله يصب الماء عليه من غير مد يد إلى عضو من أعضاء الميت إلا إن كان من ذوي المحارم فيجتنب مد اليد إلى الفرجين ويكتفي بصب الماء عليهما بالحائل لا بد من ذلك هذا الذي أذهب إليه في مثل هذه المسألة

(الاعتبار في هذا الفصل)

الموت في الاعتبار في هذا الطريق شبهة تطرأ على هذا الشخص في نظره طرو الموت على الحي أو شهوة طبيعية تحكم عليه وتعميه فيأتيها بشبهة عنده هي أنه يرى ربه في الأشياء فهو ميت عند الجماعة بلا خلاف كاملا كان أو ناقصا عن درجة الكمال‏

[معصية آدم وغيره من الملائكة]

فقد قال الله في الكامل وعَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ أي خاف وهو قد أكل بالتأويل وظن أنه مصيب غير منتهك للحرمة في نفس الأمر وكان متعلق النهي القرب لا الأكل فيقوي التأويل وقال في الكمل الذين لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ لما ألجأتهم الغيرة الإلهية التي نطقتهم بقولهم أَ تَجْعَلُ فِيها فقال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وأما غير الكامل فرتبته معروفة والناقص قد يكون مريدا بين يدي الكامل داخلا تحت حكمه وطاعته شبيه الزوجين وهو كالواحد من الأمة مع نبيه المبعوث إليه‏

[العارف الكامل مع تلميذه‏]

فهذا العارف الكامل مع تلميذه فقد يموت الكامل في مسألة ما لا يعلمها ويعلمها المريد فيشهدها الشيخ من التلميذ مثل ما تقدم في الحديثين قبل هذا فهكذا حال التلامذة مع الشيوخ فإن الشيوخ ما تقدموا عليهم إلا في أمور معينة هي مطلوبة للاتباع فإن كان المريد مريد الغير ذلك الشيخ وأعني بالمريد التلميذ والرجل من الناس لغير ذلك النبي في الزمان الذي قبل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت المسألة التي جهلها هذا الناقص مما تختص بالطريق العام من حيث ما هو طريق إلى الله فإن لغير شيخه أن يطهره منها بما تبين له فيها وله أن يقبل منه إن أراد الفلاح ووفى الطريق حقه وإن كانت المسألة التي جهلها غير عامة وتكون خاصة بالنظر إلى مقام ذلك الشيخ وإن كان نقصا عند هذا الشيخ الآخر فليس له أن يرد ذلك المريد عن تلك المسألة كما أنه ليس لمجتهد أن يرد مجتهدا آخر إلى حكم ما أعطاه دليله ولا لمقلد مجتهد أن يرد مقلدا مجتهدا آخر عن مسألته التي قلد فيها إمامه إذ قال له هذا حكم الله‏

[تطهير المريد على يد غير شيخه‏]

فإن كانت المسألة عامة مثل أن يقدح في التوحيد أو في النبوات فله تطهيره منها سواء كان ذلك المريد تحت حكمه أو لم يكن وصورة غسله وطهارته التي يلزمه هو أن يعرفه وجه الحق في المسألة ولا يبالي أخذ بها أو لم يأخذ كغسل الميت فإن كان محلا لقبول الغسل انتفع به وإن لم يكن محلا ولا أهلا لقبول الغسل وأريد بالمحل الأهلية وإن غسل فهو كغسل المشرك إن لم ينتفع به وقد أدى الحي ما عليه فإن الداعي إلى الله ما يجب عليه إلا البلاغ كما قال ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ والله يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ما يلزمه خلق القبول والهداية في نفس السامع فمن علم عدم القبول قال لا يغسل واحد منهما صاحبه وإن كانت المسألة في العقائد قال بالغسل وإن كانت في فروع الأحكام قال بالتيمم فإن موضع التيمم من الشخصين ليس بعورة فإن الوجه والكفين من المرأة ما هما عورة فله أن ييممها وتيممه إذا مات كذلك الحكم الشرعي العام لا يتوقف سماع المريد على أحد من أهل الفتوى بل يأخذه المريد من كل شيخ والشيخ من كل مريد لأن الحكم ليس لواحد منهما بل هو لله بخلاف المباحات والمندوبات في الرياضات والمجاهدات فليس للمريد أن يخرج عن حكم شيخه في ذلك‏

الصفحة 524 من الجزء 1

(وصل في فصل غسل من مات من ذوي المحارم)

اختلف قول بعض الأئمة في ذوي المحارم فقول إن الرجل يغسل المرأة والمرأة تغسل الرجل وقول لا يغسل أحد منهما صاحبه وقول تغسل المرأة الرجل ولا يغسل الرجل المرأة وقد تقدم في الفصل قبل هذا مذهبنا في هذا

(وصل في الاعتبار)

ذو والمحارم أهل الشرع كلهم فالرجل منهم الكامل هو الذي أحكم العلم والعمل فجمع بين الظاهر والباطن والناقص منهم هم الفقهاء الذين يعلمون ولا يعلمون ويقولون بالظاهر ولا يعرفون الباطن كما قال تعالى يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏

[الشبهة والشهوة في العقائد والاحكام‏]

فإذا وقع ذو محرم في شبهة أو شهوة من الكمال أو النقص فإن كانت في العقائد فيغسل كل واحد منهما صاحبه أي يعرفه بوجه الصحة في ذلك سواء كان العالم بها ناقصا أو كاملا وإن كانت في الأحكام لا يغسل كل واحد منهما صاحبه فإنه حكم مقرر في الشرع وسواء كان كاملا أو ناقصا

[يغسل الناقص الكامل أحيانا]

ومن رأى أن المرأة تغسل الرجل وهو غسل الناقص الكامل فللناقص أن يطهر الكامل إذا تحقق أن الكامل وقع في شبهة ولا بد مثل الفقيه يرى العارف قد زل بارتكاب محرم شرعا بلا خلاف فله أن ينكر عليه والعارف أعلم بما فعل فإن كان كما علمه الفقيه تعين عليه قبول ذلك التطهير بتوبة منه ورجوع عنه وإن كان في باطن الأمر على صحة وأن الفقيه أفتى بالصورة ولم يعلم باطن الأمر فقد وفي الفقيه ما يجب عليه فيغسل الناقص الكامل‏

[لا يغسل الكامل الناقص أحيانا]

لا يغسل الكامل الناقص في مثل هذه المسألة وهو أن يكاشف الكامل ببراءة شخص مما ينسب إليه مما يوجب الحد وقد حكم الحاكم الناقص بإقامة الحد عليه فليس للكامل أن يرد حكم الفقيه في تلك المسألة لعلمه ببراءة المحدود فليس للكامل في مثل هذا أن يرد على الناقص‏

[لا يغسل الرجل المرأة]

كذلك ليس للرجل أن يغسل المرأة إذا ماتت لأنها عورة

قال صلى الله عليه وسلم في المرأة التي لاعنت زوجها وكذبت وعرف ذلك وقد حكم الله بالملاعنة وفي نفس الأمر صدق الرجل وكذبت المرأة فقال صلى الله عليه وسلم لكان لي ولها شأن فترك كشفه وعلمه لظاهر الحكم‏

(وصل في فصل غسل المرأة زوجها وغسله إياها)

أجمعوا على غسل المرأة زوجها واختلفوا في غسله إياها فقال قوم يغسلها ومنع قوم من ذلك‏

(الاعتبار في هذا الفصل)

مريد الشيخ إذا رأى الشيخ قد فعل ما لا يقتضيه الطريق عند الشيخ فللمريد أن ينبه الشيخ على ذلك لموضع احتمال أن يكون غافلا وليس له أن يسكت عنه وليس للشيخ إذا رأى المريد قد وقعت منه طاعة بالنظر إلى مذهبه وهي معصية بالنظر إلى مذهب الشيخ وحكم الشرع بصحتها بالنظر إلى من وقعت منه فإنها وقعت عن اجتهاد فليس للكامل وهو الشيخ وإن عرف أن ذلك المجتهد أو المقلد له قد أخطأ في اجتهاده أن يرد عليه فلا يغسل الرجل زوجته إذا ماتت‏

[المريد المقلد والمريد المجتهد وشيخه في الطريق‏]

ومن ذهب إلى أنه يغسلها قال باعتباره يتعين على الشيخ أن يعرف المريد الذي هو الناقص أن ذلك الأمر قد أخطأ فيه المجتهد هذا حد غسله فإن كان المريد هو المقلد للمجتهد لزمه أن يرجع إلى كلام شيخه وإن كان المريد هو المجتهد فيحرم عليه الرجوع إلى كلام الشيخ في تلك المسألة إلا إن قام له كلام الشيخ مقام المعارض في الدلالة فحينئذ يكون كلام الشيخ أقوى من دليل المجتهد فيلزم المجتهد أن يرجع إلى كلام شيخه وهو من اجتهاده أعني رجوعه لرجحان ذلك الدليل الذي هو تصديقه الشيخ على الدليل الذي كان عنده لاحتمال كذب الراوي أو تخيل الغلط منه في قياسه لما أثر في نفسه من صدق الشيخ في ذلك‏

(وصل في فصل المطلقة في الغسل)

أجمعوا على إن المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها واختلفوا في الرجعية فقالوا تغسل وقالوا لا تغسل‏

(الاعتبار) [ليس للمريد أن يقدح في شيخه‏]

المريد يخرج عن حكم شيخه بالكلية فليس له أن يقدح في شيخه ولو قدح لم يقبل منه فإنه في حال تهمة لارتداده وهو ناقص فكيف يطهر الكامل وهو في حال نقصه‏

[تخلف المريد عن شيخه لزلة وقع فيها]

فإن كان تخلف المريد عن شيخه حياء منه لزلة وقع فيها أو فترة حصلت له فهو مثل الطلاق الرجعي فإن حكم الحرمة في نفس المريد للشيخ ما زالت وإن تخلف عنه أو هجره الشيخ تأديبا له‏

[في وقت الزلة يحتاج المريد إلى شيخه‏]

لقي بعض الشيوخ تلميذا له كان قد زل فاستحيا أن يجتمع بالشيخ فتركه فلما لقيه استحيى وأخذ التلميذ طريقا غير طريق الشيخ‏

الصفحة 525 من الجزء 1

فلحقه الشيخ ومسكه وقال له يا ولدي لا تصحب من يريد أن يراك معصوما في مثل هذا الوقت يحتاج إلى الشيخ فأزال ما كان أصابه من الخجل ورجع إلى خدمته فإذا كان المريد بمنزلة صاحبة الطلاق الرجعي فما خرجت عن حكمه كان اعتباره كما ذكرناه فيما تقدم في الموضع الذي يغسل فيه الناقص الكامل‏

(وصل في فصل حكم الغاسل)

قال قوم يجب الغسل على من غسل ميتا وقال قوم لا يجب على من غسل ميتا غسل‏

(الاعتبار) [التعليم والتطهير مع الحضور الإلهي‏]

العالم إذا علم غيره وطهره من الجهل بما حصل له من العلم فلا يخلو إما أن علمه بربه أي وهو حاضر مع الله إن الله هو المعلم مثل قوله الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ فلا غسل عليه فإن الله هو الغاسل لذلك الجاهل من جهله بما علمه الله على لسان هذا الشيخ‏

[تعليم الغير بنفسه‏]

وإن كان الغاسل علمه بنفسه وغاب في حال تعليمه عن شهود ربه أنه معلمه على لسانه في ذلك الوقت وجب عليه الغسل من تلك الغفلة التي حالت بينه وبين الحضور مع ربه في ذلك التعليم‏

(وصل في فصل صفات الغسل)

فمن ذلك هل ينزع عن الميت قميصه عند الغسل أم لا فمن قائل تنزع ثيابه وتستر عورته وقال بعضهم يغسل في قميصه‏

(الاعتبار) [الشبهة العقلية والشهوة الطبيعية]

صاحب الشبهة أو الشهوة الغالبة الطبيعية وإن كانت مباحة إذا اتصف صاحبها بالموت تشبيها فإن الغاسل له إن كان قادرا على أن يظهر له الحق من نفس شبهته وشهوته فهو كمن غسل الميت في قميصه ولم ينزعه عنه وإن لم يقدر على تطهيره إلا بإزالة تلك الشبهة لقصوره كان كمن نزع ثياب الميت وحينئذ غسله‏

(وصل في فصل وضوء الميت في غسله)

فذهب قوم إلى أن الميت يوضأ وذهب قوم إلى أنه لا يوضأ وقال قوم إن وضى‏ء فحسن‏

(الاعتبار)

الوضوء في الغسل طهر خاص في طهر عام إذا كانت المسألة تطلب بعض عالم الشخص كزلة تقع من جوارحه فإنه يغسل تلك الجوارح الخاصة بما تستحقه من الطهارة كالعين والأذن واليد والرجل واللسان‏

[الإيمان هو الغسل العام‏]

والايمان هو الغسل العام فيجمع بين طهارة الجوارح على الخصوص وبين الايمان لا بد من ذلك فإن الغسل غير مختلف فيه والوضوء مختلف فيه والجمع بين عبادتين إذا وجد السبيل إليهما أولى من الانفراد بالأعم منهما

(فصل في التوقيت في الغسل)

فمن العلماء من أوجبه ومنهم من لم يوجبه فاعلم ذلك‏

(الاعتبار) [كل شي‏ء عند ربنا بمقدار]

بأي شي‏ء وقع التطهير من هذه الشبهة كان من غير تعيين ولا توقيت ما تقع به ومن قال بوجوب التوقيت قال نحن مأمورون بالتخلق بأخلاق الله والله يقول وكُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ وهو التوقيت وما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ولكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ

[اغتسال النبي بالصاع ووضوؤه بالمد]

وقال صلى الله عليه وسلم فيمن زاد على ثلاث مرات في الوضوء أنه قد أساء وتعدى وظلم وجعله موقتا من واحدة إلى ثلاث وكره الإسراف في الماء في الغسل والوضوء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد

(وصل منه) والذين أوجبوا التوقيت فيه اختلفوا

فمنهم من أوجب الوتر أي وتر كان ومنهم من أوجب الثلاثة فقط ومنهم من حد أقل الوتر في ذلك ولم يحد الأكثر فقال لا ينقص من الثلاث ومنهم من حد الأكثر فقال لا يتجاوز السبعة ومنهم من استحب الوتر ولم يحد فيه حدا

(الاعتبار) [الوتر في الغسل واجب لأنه عبادة]

أما الوتر في الغسل فواجب لأنه عبادة ومن شرطها الحضور مع الله فيها وهو الوتر فينبغي أن يكون الغسل وتر الحكم الحال وهو من واحد إلى سبعة فإن زاد فهو إسراف إذا وقعت به الطهارة فوتريته في الغسل بحسب ما يخطر له في حال الغسل وهي سبع صفات أمهات فيها وقع الكلام بين أهل النظر في الإلهيات وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر

[غسل صفات العبد بصفات الرب‏]

والعبد قد وصف بهذه الصفات كلها وقد ورد أن الحق قال في المتقرب بالنوافل إن الله يكون سمعه وبصره‏

وغير ذلك فقد تبدلت نسبة هذه الصفات المخلوقة للعبد بالحق فبالله يسمع وبه يبصر وبه يعلم وبه يقدر وبه يكون حيا وبه يريد وبه يتكلم فقد

الصفحة 526 من الجزء 1

غسل صفاته بربه فكان طاهرا مقدسا بصفاته‏

[اغسل الميت منك بمثل هذا الغسل‏]

فهذا توقيت غسل الميت من واحد إلى سبعة بحسب ما ينقص ويزيد وقد عم هذا جميع ما وقع من الخلاف في شفعه ووتره وقليله وكثيره وحده وترك حده ففكر فيه واغسل الميت منك بمثل هذا الغسل والكامل مع الناقص كالعاقل المؤمن مع العاقل وحده أو مع المؤمن‏

(وصل في فصل ما يخرج من الحدث من بطن الميت بعد غسله)

الحدث يخرج من بطن الميت بعد غسله فمنهم من يقال يعاد ومنهم من قال لا يعاد الغسل والذي قال بأنه يعاد اختلفوا في العدد إلى سبع وأجمعوا على أنه لا يزاد على السبع‏

(الاعتبار) [طرو الشبهة بعد الطهارة منها]

الشبهة تطرأ بعد حصول الطهارة لسرعة زوالها من خياله لضعف تصوره فيعاد عليه التعليم سبع مرات فإن استنكحه ذلك كان كمن استنكحه سلس البول وخروج الريح لا يعاد عليه التعليم فإنه غير قابل لثبوته‏

[السبع غاية الكمال في العلم الإلهي‏]

وإنما اجتمعنا على السبع لأنه غاية الكمال في العلم الإلهي بكونه إلها ولهذا ربط الله الحكمة في وجود الآثار في العالم العنصري عن سير السبعة الدراري في الاثني عشر برجا فجعل السائرين سبعة فعلمنا أنه غاية كمال الوجود

[الاثنا عشر غاية مراتب العدد]

وجعل كمال السير في اثني عشر لأنه غاية مراتب العدد من واحد إلى تسعة ثم العشرات ثم المئون ثم الآلاف فهذه اثنا عشر وفيها يقع التركيب إلى ما لا يتناهى من غير زيادة كذلك سير السبعة في الاثني عشر برجا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏

(وصل) اختلفوا في عصر بطن الميت‏

قبل إن يغسل فمنهم من رأى ذلك ومنهم من لم يره‏

(الاعتبار)

العصر اختيار الكبير الصغير في حاله هل عنده شبهة فيما هو فيه يخاف عليه منها أن تقدح في طهارته إذا طهره الكبير أم لا حتى يدعوه على بصيرة منه إنه صاحب شبهة يتوقى ظهورها في وقت آخر فيحفظ المربي نفسه في أول الوقت قبل إن ينشب فيقع التعب ويعظم انتهى الجزء الثامن والأربعون بانتهاء السفر السابع يتلوه في الجزء التاسع والأربعين وصل في الأكفان وهو كاللباس للمصلي‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل في فصل في الأكفان)

[الكفن للميت كاللباس للمصلي‏]

الكفن للميت كاللباس للمصلي وهو ما يصلي عليه لا فيه كالصلاة على الحصير والثوب الحائل بينك وبين الأرض لأنه في موضع سجودك لو سجدت فأشبه ما يصلي عليه‏

[كفن الرجل والمرأة]

فأما المرأة فترتيب تكفينها أن تغطي الغاسلة أولا الحقو وهو الإزرة التي تشد على وسط الإنسان ثم الدرع وهو القميص الكامل ثم الخمار وهو الذي تغطي به رأسها ثم الملحفة ثم تدرج بعد في ثوب آخر يعم الجميع فهذه خمسة أثواب هكذا على الترتيب‏

أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلى الثقفية حين غسلت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثوبا بعد ثوب يناولها إياه ويأمرها بأن تفعل به ما ذكرناه على ذلك الترتيب‏

هذا هو السنة في تكفين المرأة

[كفن رسول الله ص‏]

وأما الرجل فما لنا نص في صفة تكفينه إلا أنه‏

لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة

بحضور من حضر من علماء الصحابة ولم يبلغنا أن أحدا منهم ولا ممن بلغه أنكر ذلك ولا تنازعوا فيه ولكن في قول الراوي ليس فيها قميص ولا عمامة احتمال ظاهر والنص في الثلاثة الأثواب من الراوي بلا شك إلا أن الوتر مستحب في الأكفان‏

[كفن الرجل والمرأة]

فمن الناس من رأى أن الرجل يكفن في ثلاثة أثواب والمرأة في خمسة أثواب أخذا بما ذكرناه ومنهم من يرى أقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان والسنة ثلاثة أثواب وأقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أبواب والسنة خمسة أثواب ومن الناس من لم ير في ذلك حدا ولكن يستحب الوتر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي مات محرما يكفن في ثوبين‏

(وصل في اعتبار هذا الفصل)

المقصود من التكفين أن يوارى الميت عن الأبصار ولهذا

لما كفن مصعب بن عمير يوم أحد في الثوب الواحد الذي كان عليه وكان نمرة قصيرة لا تعمه بالستر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطي بها رأسه ويلقي على رجليه من الإذخر حتى يستر عن الأبصار

[خلق الإنسان من تراب‏]

ولما خلق الإنسان من تراب كان من له حضور مع الله من أهل الله إذا شاهدوا التراب تذكروا ما خلفوا منه فينظروا في قوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ يعني يوم‏

الصفحة 527 من الجزء 1

البعث‏

[المصلي يناجي ربه‏]

والمصلي يناجي ربه فإذا وقف المصلي في المناجاة وليس بينه وبين الأرض حائل وكانت الأرض مشهودة لبصره ذكرته بنشأته وبما خلق منه وبإهانته وذلته فإن الأرض قد جعلها الله ذلولا مبالغة في الذلة بهذه البنية قال الشاعر

ضروب بنصل السيف سوق سمانها *** إذا عدموا زادا فإنك عاقر

فجاء ببنية فعول للمبالغة في الكرم ولا أذل ممن يطئوه الأذلاء ونحن نطأها وجميع الخلائق ونحن عبيد أي أذلاء فربما شغل المصلي النظر في نفسه وما خلق منه عن مناجاة ربه بما يقرأ من كلامه فيغيب عما يقول للحق وما يقول له الحق وهو سوء أدب من التالي فكان الحائل أولى لما نهي المصلي أن يستقبل رجلا مثله في قبلته أو يصمد إلى سترته صمدا وليجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر هذا كله حتى لا يقوم له مقام الوثن غيرة إلهية فإنهم كانوا يصورونه على صورة الإنسان فأمر يستره الميت لأن الميت بين يدي المصلي والمصلي يناجي الحق في قبلته شفيعا في هذا الميت وسيأتي اعتباره في الصلاة على الميت إن شاء الله تعالى‏

(وصل في فضل المشي مع الجنازة)

[المشي مع الجنازة كالسعي إلى الصلاة]

المشي مع الجنازة كالسعي إلى الصلاة فقال بعضهم من السنة المشي أمامها وقال آخرون المشي خلفها أفضل والذي أذهب إليه أن يمشي راجلا خلفها قبل الصلاة عليها فيجعلها أمامه كما يجعلها في الصلاة وبعد الصلاة يمشي أمامها خدمة لها بين يديها إلى منزلها وهو القبر ظنا بالله جميلا إن الله قبل الشفاعة فيها عند الصلاة عليها وأن القبر لها روضة من رياض الجنة فإن الله قد ندب إلى حسن ظن عبده به‏

فقال أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا

وروى أن الله سئل من أحب إليك عيسى أم يحيى عليهما السلام فقال الله تعالى للسائل أحسنهما ظنا بي يعني عيسى‏

فإن الخوف كان الغالب على يحيى‏

[الملائكة تمشي مع الجنازة ما لم يصحبها صراخ‏]

والأولى أن لا يركب أدبا مع الملائكة لا غير فإن الملائكة تمشي مع الجنازة ما لم يصحبها صراخ فإن صحبها صراخ تركتها الملائكة فعند ذلك أنت مخير بين الركوب والمشي فإن الميت على نعشه كالشخص في المحفة محمول قال صاحبنا أبو المتوكل وقد رأينا نعشا يحمل وعليه الميت فأشار إليه وقال‏

ما زال يحملنا وتحمله الورى *** عجبا له من حامل محمولا

وصل الاعتبار فيه المشي أمام الجنازة

لأن الماشي شفيع لها عند الله فيتقدم ليخلو بالله في شأنها فإن الشفيع لا يدري هل تقبل شفاعته فيها أم لا حتى إذا وصلت إلى قبرها وصلت مغفورا لها بكرم الله في قبول سؤال الشافع وإن كانت من المغفورين لها قبل ذلك كان الماشي أمامها من المعرفين بقدومها لمن تقدم عليه في منزلها الذي هو قبرها فهو كالحاجب بين يديها تعظيما لها يشهد ذلك كله أهل الكشف‏

[اعتبار الماشي خلف الجنازة]

وأما الماشي خلفها فإنه يراعي تقديمها بين يديه كما يجعلها بين يديه في الصلاة عليها ليعتبر بالنظر إليها فيها فإن الموت فزع وإن الملك معها وإن النبي صلى الله عليه وسلم قام عند ما رأى جنازة يهودي فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أ ليس معها الملك وقال مرة أخرى إن الموت فزع وقال مرة أخرى أ ليست نفسا

ولكل قول وجه أرجى الأقوال أ ليست نفسا لمن عقل فكان قيامه مع الملك‏

[الملائكة أفضل من البشر على الإطلاق‏]

وفي هذا الحديث قيام المفضول للفاضل عندنا وعند من يرى أن الملائكة أفضل من البشر على الإطلاق وهكذا قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبشرة أريتها

[شرف النفس الناطقة]

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا أ ليست نفسا في حق يهودي فإنه أرجى ما يتمسك به أهل الله إذا لم يكونوا من أهل الكشف وكانت بصائرهم منورة بالإيمان في شرف النفس الناطقة وإن صاحبها إن شقي بدخول النار فهو كمن يشقى هنا بأمراض النفس من هلاك ما له وخراب منزله وفقد ما يعز عليه ألما روحانيا لا ألما حسيا فإن ذلك حظ الروح الحيواني وهذا كله غير مؤثر في شرفها فإنها منفوخة من الروح المضاف إلى الله بطريق التشريف فالأصل شريف ولما كانت من العالم الأشرف قام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونها نفسا فقيامه لعينها وهذا إعلام بتساوي النفوس في أصلها

[شمول الرحمة الإلهية]

وروى القشيري في رسالته عن بعض الصالحين أنه قال من رأى نفسه خيرا من نفس فرعون فما عرف فذمه وأخبر أنه ليس له أن يرى ذلك وهذه مسألة من أعظم المسائل تؤذن بشمول الرحمة وعمومها لكل نفس وإن عمرت النفوس الدارين ولا بد من عمارة الدارين كما ورد وإن الله سيعامل النفوس بما يقتضيه‏

الصفحة 528 من الجزء 1

شرفها بسر لا يعلمه إلا أهل الله فإنه من الأسرار المخصوصة بهم فكما إن الحد يجمعهم كذلك المقام يجمعهم لذاتهم إن شاء الله تعالى قال تعالى في الذين شقوا إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ولم يقل عذابا غير مجذوذ كما قال في السعداء فإنه قال يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ولم يخص شخصا من شخص بل الظاهر أنه يريد من خالف أمره وعصاه مطلقا لا من أطاعه ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ فنبه الغافل عن صفة الحق التي هي كرمه فإنه من كرمه أوجده ولهذا قال له الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ يقول له بكرمه أوجدك ليقول له العبد يا رب كرمك غرني فقد يقولها لبعض الناس هنا في خاطره وفي تدبره عند التلاوة فيكون سبب توبته وقد يقولها في حشره وقد يقولها له وهو في جهنم فتكون سببا في نعيمه حيث كان فإنه ما يقولها له إلا في الوقت الذي قد شاء أن يعامله بصفة الكرم والجود فإن رحمته سبقت غضبه ورحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ منة واستحقاقا وبالأصل فكل ذلك منة منه سبحانه فإنه الذي كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ للمتقي والمتقي بمنته سبحانه اتقاه وجعله محلا للعمل الصالح‏

(وصل في فصل صفة الصلاة على الجنازة)

[الاختلاف في عدد التكبير على الجنازة]

فمنها عدد التكبير واختلف الصدر الأول في ذلك من ثلاث إلى سبع وما بينهما لاختلاف الآثار

ورد حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر على الجنازة أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانية وقد ورد أنه كبر ثلاثا ولما مات النجاشي وصلى عليه صلى الله عليه وسلم كبر عليه أربعا وثبت على أربع إلى أن توفاه الله تعالى‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

أكثر عدد الفرائض أربع ولا ركوع في صلاة الجنائز بل هي قيام كلها وكل وقوف فيها للقراءة له تكبير فكبر أربعا على أتم عدد ركعات الصلاة المفروضة فالتكبيرة الأولى للإحرام يحرم فيها أن لا يسأل في المغفرة لهذا الميت إلا الله تعالى والتكبيرة الثانية يكبر الله تعالى من كونه حيا لا يموت إذا كانت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وكُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ والتكبيرة الثالثة لكرمه ورحمته في قبول الشفاعة في حق من يشفع فيه أو يسأل فيه مثل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لما مات وقد كان عرفنا أنه من سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع فيه من صلى عليه وإنما يسأل له الوسيلة من الله لتحضيضه أمته على ذلك والتكبيرة الرابعة تكبيرة شكر لحسن ظن المصلي بربه في أنه قبل من المصلي سؤاله فيمن صلى عليه فإنه سبحانه ما شرع الصلاة على الميت إلا وقد تحققنا أنه يقبل سؤال المصلي في المصلي عليه فإنه إذن من الله تعالى في السؤال فيه فهو لا يأذن وفي نفسه أنه لا يقبل سؤال السائل قال تعالى في الشفاعة يوم القيامة ولا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ وقال من ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وقال ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ وقد أذن لنا أن نشفع في هذا الميت بالصلاة عليه فقد تحققنا الإجابة بلا شك ثم يسلم بعد تكبيرة الشكر سلام انصراف عن الميت أي لقيت من ربك السلام ولهذا

شرع النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفوا عن ذكر مساوي الموتى‏

فإن المصلي قد قال في آخر صلاته عليه السلام عليكم فأخبر عن نفسه أن الميت قد سلم منه فإن ذكره بمساءة بعد هذا فقد كذب نفسه في قوله السلام عليكم فإنه ما سلم منه من ذكره بسوء بعد موته فإن ذلك يكرهه الميت ويكرهه الله للحي فإن الحي يذكره به ولا ينتهي عن فعل مثله فيؤديه ذلك إلى أن يكون قليل الحياء من ربه‏

(وصل في فصل رفع الأيدي عند التكبير في الصلاة على الجنائز والتكييف)

[رفع الأيدى يؤذن بالافتقار]

وأما رفع الأيدي عند كل تكبيرة والتكتيف فإنه مختلف فيهما ولا شك أن رفع اليدين يؤذن بالافتقار في كل حال من أحوال التكبير يقول ما بأيدينا شي‏ء هذه قد رفعناها إليك في كل حال ليس فيها شي‏ء ولا تملك شيئا

[التكتيف شافع والشافع سائل‏]

وأما التكتيف فإنه شافع والشافع سائل والسؤال حال ذلة وافتقار فيما يسأل فيه سواء كان ذلك السؤال في حق نفسه أو في حق غيره فإن السائل في حق الغير هو نائب في سؤاله عن ذلك الغير فلا بد أن يقف موقف الذلة والحاجة لما هو مفتقر إليه فيه والتكتيف صفة الأذلاء وصفته وضع اليد على الأخرى بالقبض على ظهر الكف والرسغ والساعد فيشبه أخذ العهد في الجمع بين اليدين يد المعاهد والمعاهد أي أخذت علينا العهد في أن ندعوك وأخذنا عليك العهد بكرمك في أن تجيبنا فقلت وإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ولم يقل دعاني في حق نفسه ولا في حق غيره‏

الصفحة 529 من الجزء 1

[الدعاء للميت والشفاعة عند الله فيه‏]

ثم أذنت لنا في الدعاء للميت والشفاعة عندك فيه فلم يبق إلا الإجابة فهي متحققة عند المؤمن ولهذا جعلنا التكبيرة الاخيرة شكرا والسلام سلام انصراف وتعريف بما يلقي الميت من السلام والسلامة عند الله ومنا من الرحمة والكف عند ذكر مساوية

(وصل في فصل القراءة في صلاة الجنازة)

[الخلاف في صورة القراءة على الجنازة]

فمن قائل ما في صلاة الجنازة قراءة إنما هو الدعاء وقال بعضهم إنما يحمد الله ويثني عليه بعد التكبيرة الأولى ثم يكبر الثانية فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكبر الثالثة فيشفع للميت ثم يكبر الرابعة ويسلم وقال آخر يقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل ما تقدم آنفا وبه أقول وذلك أنه إذ ولا بد من التحميد والثناء فبكلام الله أولى وقد انطلق عليها اسم صلاة فالعدول عن الفاتحة ليس بحسن وبه قال الشافعي وأحمد وداود

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

قال أبو يزيد البسطامي اطلعت على الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات قال بعض شيوخنا رأى أبو يزيد عالم نفسه هذه الصفة تكون لمن لا معرفة له بربه ولا يتعرف إليه وتكون لأكمل الناس معرفة بالله فالعارف المكمل يرى نفسه ميتا بين يدي ربه عز وجل إذ كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه يصلي عليه قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فإذا كان الحق هو المصلي فيكون كلامه القرآن‏

[قراءة القرآن بعد التكبيرة الأولى‏]

والعارفون لا بد لهم من قراءة فاتحة الكتاب يقرأها الحق على لسانهم ويصلي عليهم فيثني على نفسه بكلامه ثم يكبر نفسه عن هذا الاتصال في ثنائه على نفسه بلسان عبده في صلاته على جنازة عبده بين يدي ربه عز وجل ويكون الرحمن في قبلته وهو المسئول ويكون المصلي هو الحي القيوم‏

[الصلاة على النبي بعد التكبيرة الثانية]

ثم يصلي بعد التكبيرة الثانية على نبيه المبلغ عنه قال تعالى إِنَّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فلو لم يكن من شرف الملائكة على سائر المخلوقات إلا جمع الضمير في يصلون بينهم وبين الله لكفاهم وما احتيج بعد ذلك إلى دليل آخر ونصب الملائكة بالعطف حتى يتحقق أن الضمير جامع للمذكورين قبل ثم يكبر نفسه على لسان هذا المصلي من العارفين عن التوهم الذي يعطيه هذا التنزل الإلهي في تفاضل النسب بين الله وبين عباده من حيث ما يجتمعون فيه ومن حيث ما يتميزون به في مراتب التفضيل فربما يؤدي ذلك التوهم أن الحقائق الإلهية يفضل بعضها على بعض بتفاضل العباد إذ كل عبد في كل حالة مرتبط بحقيقة إلهية والحقائق الإلهية نسب تتعالى عن التفاضل فلهذا كبر الثالثة

[الدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة]

ثم شرع بعد القراءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء للميت من قوله ولَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ به الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ به الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ به الْمَوْتى‏ لكان هذا القرآن الذي أنزل عليك يا محمد وإذا كان الأمر على هذا الحد والميت في حكم الجمادات في الظاهر لذهاب الروح الحساس فكان حكمه حكم الجماد وقال تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى‏ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً من خَشْيَةِ الله فوصفه بالخشية وعين وصفه بالخشية عين وصفه بالعلم بما أنزل عليه قال تعالى إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ فالمعنى الذي أوجب له عدم الخشية إنما هو ارتباط الروح بالجسد فحدث من المجموع ترك الخشية لتعشق كل واحد منهما بصاحبه فلما فرق بينهما رجع كل واحد منهما إلى ربه بذاته فعلم ما كان قبل قد جهله بتركيبه فصحبته الخشية لعلمه فأول ما يدعى به للميت في الصلاة عليه ويثني على الله به في الصلاة عليه القرآن فإن الميت في مقام الخشية من جهة روحه ومن جهة جسمه فإذا عرف العارف فلا يتكلم ولا ينطق إلا بالقرآن فإن الإنسان ينبغي له أن يكون في جميع أحواله كالمصلي على الجنازة فلا يزال يشهد ذاته جنازة بين يدي ربه وهو يصلي على الدوام في جميع الحالات على نفسه بكلام ربه دائبا فالمصلي داع أبدا والمصلى عليه ميت أو نائم أبدا فمن نام بنفسه فهو ميت ومن مات بربه فهو نائم نومة العروس والحق ينوب عنه ولنا في هذا المعنى‏

يا نائما كم ذا الرقاد *** وأنت تدعى فانتبه‏

لكن قلبك نائم *** عما دعاك ومنتبه‏

كان الإله يقوم عنك *** بما دعا لو نمت به‏

في عالم الكون الذي *** يرديك مهما مت به‏

فانظر لنفسك قبل *** سيرك إن زادك مشتبه‏

اللهم أبدله دارا خيرا من داره يعني النشأة الأخرى فيقول الله قد فعلت فإن نشأة الدنيا هي داره وهي دار منتنة كثيرة

الصفحة 530 من الجزء 1

العلل والأمراض والتهدم تختلف عليها الأهواء والأمطار ويخربها مرور الليل والنهار والنشأة الآخرة التي بدلها وهي داره كما قد وصفها الشارع من كونهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون نزهها عن القذارات وأن تكون محلا تقبل الخراب أو تؤثر فيها الأهواء ثم يقول وأهلا خيرا من أهله فيقول قد فعلت فإن أهله في الدنيا كانوا أهل بغي وحسد وتدابر وتقاطع وغل وشحناء قال تعالى في الأهل الذي ينقلب إليه الميت ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ثم يقول وزوجا خيرا من زوجه وكيف لا يكون خيرا وهن قاصِراتُ الطَّرْفِ مَقْصُوراتٌ في الْخِيامِ ولا تشاهد في نظرها أحسن منه ولا يشاهد أحسن منها قد زينت له وزين لها وطيبت له وطيب لها كما قال تعالى في الجنة ويُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أي طيبها من أجلهم فلا يستنشقون منها إلا كل طيب ولا ينظرون منها إلا كل حسن‏

[الدعاء على الميت مقبول‏]

فدعاؤهم في الصلاة على الميت مقبول لأنه دعاء بظهر الغيب وما من خير يدعون به في حق الميت إلا والملك يقول لهذا المصلي على جهة الخبر ولك بمثله ولك بمثليه نيابة عن الميت ومكافاة له للمصلي على صلاته عليه خبر صدق وقول حق فقد تحقق حصول الخير للمصلي والمصلى عليه فإنه‏

ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الإنسان المؤمن إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك له ولك بمثله ولك بمثليه‏

إخبارا عن الله تعالى من هذا الملك لهذا الداعي وخبر الملك صدق لا يدخله مين فعلى الحقيقة إنما صلى على نفسه وما أحسنها من رقدة بين ربه عز وجل وبين المصلي عليه فإن كان المصلى عليه عارفا بربه محبوبا عنده حب من يكون الحق سمعه وبصره ولسانه فليس المصلي سوى ربه وليستقبل في الصلاة الرب عز وجل فيكون الميت في رقدته بين ربه وربه فما أعلاها من رقدة ليتها إلى الأبد فنسأل الله تعالى لنا ولإخواننا إذا جاء أجلنا أن يكون المصلي علينا عبدا يكون الحق سمعه وبصره ولسانه لنا ولإخواننا وأولادنا وآبائنا وأهلينا ومعارفنا وجميع المسلمين من الجن والإنس آمين بعزته وكرمه ولما كان حال الموت حال لقاء الميت ربه واجتماعه به لجمعه ما تفرق في سائر الكتب والصحف المنزلة واختص من القرآن الفاتحة لكونها مقسمة بالخبر الإلهي بين الله وبين عبده وقد سماها الشرع صلاة وقال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين‏

وخص الفاتحة بالذكر دون غيرها من سور القرآن فتعينت قراءتها بكل وجه في الصلاة على الميت لكونها تتضمن ثناء ودعاء

[أي ثناء أعظم من الرحمن الرحيم‏]

ولا بد لكل شافع أن يثني على المشفوع عنده بما يليق بالشفاعة وأي ثناء أعظم من الرحمن الرحيم والمدح محمود لذاته وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شي‏ء أحب إلى الله تعالى من أن يمدح‏

والله تعالى قد وصف عباده المؤمنين بالحامدين وذم ولعن من ذم جناب الله ونسب إليه ما لا يليق به من الفقر والبخل إذ قالت اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ كنت بذلك عن البخل فأكذبهم الله بقوله بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ فعم الكرم يديه ف لا تَيْأَسُوا من رَوْحِ الله فهذه عندنا من أرجى آية تقرأ علينا فتعين على الشافع أن يمدح ربه بلا شك فإنه أمكن لقبول الشفاعة مع الأذن فيها فما ثم مانع من القبول‏

ورد في الخبر الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان غدا يوم القيامة وأراد أن يشفع يحمد الله أولا بين يدي الشفاعة بمحامد لا يعلمها الآن يقتضيها ذلك الموطن بحاله‏

فإن الثناء على المشفوع عنده إنما يكون بحسب جنايات المشفوع فيهم فيقدم بين يدي شفاعته من الثناء على الله بحسب ما ينبغي له لذلك الموطن من مكارم الأخلاق وموطن القيامة ما شوهد الآن ولا وقع فلهذا قال لا أعلمها الآن‏

(وصل في فصل التسليم من الصلاة على الجنازة)

[اختلاف في عدد التسليم‏]

اختلف الناس فيه هل هو تسليمة واحدة أو اثنتان فالأكثر على أنه تسليمة واحدة وقالت طائفة يسلم تسليمتين وكذلك اختلفوا هل يجهر فيها بالسلام أو لا يجهر والذي أذهب إليه وأقول به إن حكم السلام من صلاة الجنازة في الإمام والمأموم حكم السلام من الصلاة سواء ولو كان وحده‏

(الاعتبار)

لما كان الشافع بين يدي المشفوع عنده وأقام المشفوع فيه بينه وبين ربه ليعين المشفوع فيه كما يحضر الشفيع نازلة من يشفع من أجلها بالذكر عند من يشفع عنده فأقام حضور الجاني بين يديه مقام النازلة التي كان يحضرها بالذكر لو لم يحضر الجاني فهو في حال غيبة عن كل من دون ربه بتوجهه إليه فإذا فرغ من شفاعته رجع إلى الحاضرين عنده من بشر وملك وجان مؤمن فسلم عليهم كما يفعل في‏

الصفحة 531 من الجزء 1

الصلاة سواء وهي بشرى من الله في حق الميت كأنه يقول لهم ما ثم إلا السلامة له ولكم وإن الله قد قبل الشفاعة بما قررناه من الأذن فيها

[الميت سعيد بالصلاة عليه‏]

وكل من قال إن الميت إذا كان من أهل الصلاة عليه وصلى عليه لا تقبل الشفاعة فما عنده خبر جملة واحدة لا والله بل ذلك الميت سعيد بلا شك ولو كانت ذنوبه عدد الرمل والحصى والتراب أما المختصة بالله من ذلك فمغفورة وأما ما يختص بمظالم العباد فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة فعلى كل حال لا بد من الخير ولو بعد حين ولهذا ينبغي للمصلي على الميت إذا شفع في صلاته عند الله أن لا يختص جناية بعينها وليعم في ذكره كل ما ينطلق عليه به أنه مسي‏ء إساءة تحول بينه وبين سعادته وليسأل الله التجاوز عن سيئاته مطلقا وأن يعترف عن الميت بجميع السيئات وإن لم يحضر المصلي التعميم في ذلك فإن الله إن شاء عمه بالتجاوز وإن شاء عامل الميت بحسب ما وقعت فيه الشفاعة من الشافع ولهذا ينبغي للمصلي على الميت أن يسأل الله له في التخليص من العذاب لا في دخول الجنة لأنه ما ثم دار ثالثة إنما هي جنة أو نار وذلك أنه إن سأل في دخول الجنة لا غير فإن الله يقبل سؤاله فيه ولكن قد يرى في الطريق أهوالا عظاما فلهذا ينبغي أن تكون شفاعة المصلي في إن ينجي الله من صلى عليه مما يحول بينه وبين العافية واستصحابها له فإن ذلك أنفع في حق الميت وإذا فعل هكذا صح التعريف بالسلام من الصلاة أي قد لقي السلامة من كل ما يكرهه‏

(وصل في فصل تعين الموضع الذي يقوم الإمام فيه المصلي من الجنازة)

[اختلاف في مقام الإمام من الجنازة]

واختلفوا أين يقوم الإمام من الجنازة فقالت طائفة يقوم في وسطها ذكرا كان أو أنثى وقال قوم يقوم من الذكر عند رأسه ومن الأنثى عند وسطها ومنهم من قال يقوم منهما عند صدرهما وقال قوم يقوم منهما حيث شاء ولا حد في ذلك وبه أقول‏

(وصل الاعتبار في ذلك)

للخيال والوهم سلطان ومقصود المصلي إنما هو سؤال الله تعالى والحديث معه في حق هذا الميت وإحضار الميت بين يديه فلا يبالي أين يقوم منه فإن التردد في ذلك يفصم الخاطر عن المقصود ولا سيما إن كانت الجنازة أنثى فيتوهم الإمام إذا وقف عند وسطها أن يسترها عمن خلفه فلم يسترها عن نفسه ويقدح ذلك التوهم في حضوره في حقها مع الله‏

[القلب الذي يستقبل الحق‏]

فإن الحق إنما يستقبله على الحقيقة من الإنسان قلبه فإذا كان قلب المصلي بهذه المثابة من التفرقة واستحضار ما لا ينبغي بالتوهم فقد أساء الأدب في الشفاعة ومن هذه حاله فليس بشفيع وكان هذا المصلي أولى باسم الميت من الميت لسوء أدبه مع الله ومع الموت ومع الميت فلا يحضر المصلي أين يقوم من الجنازة وليستفرغ همته في الله الذي دعاه إلى الشفاعة فيها عنده وكم من مصل على جنازة والجنازة تشفع فيه جعلنا الله من الشافعين هنا وهناك‏

[الإنسان مكلف من رأسه إلى رجليه‏]

الإنسان مكلف من رأسه إلى رجليه وما بينهما فإنه مأمور بأن لا ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه شرعا وبجميع ما يختص برأسه من التكليف ومأمور بأن لا يسعى بأقدامه إلى ما لا يحل له السعي إليه وفيه ومنه وما بينهما مما كلفه الله أن يحفظه في تصرفه من يد وبطن وفرج وقلب فلو تمكن للمصلي أن يعم الميت بذاته كلها لفعل فليقم منها حيث ألهمه الله والقيام عند قلبه وصدره أولى فإنه كان المستخدم لجميع الأعضاء بالخير والشر فذلك المحل هو أولى أن يقوم المصلي الشافع عنده بلا شك ويجعله بينه وبين الله ويعينه فإنه إذا غفر له غفر لسائر جسده فإن جميع الأعضاء تبع للقلب في كل شي‏ء دنيا وآخرة

[القلب كبضعة والقلب كلطيفة]

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إن في الجسد بضعة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب كذلك إذا قبلت الشفاعة فيها قبلت في سائر الجوارح‏

أراد الشرع بالقلب هنا المضغة التي يحوي عليها الصدر ولا يريد بالقلب لطيفته وعقله وفي هذا التنبيه هنا سر لمن فهم وعلم لا يحصل إلا بالكشف يقول تعالى إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ وقال ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ كما قال أيضا ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ وفي باب الإشارة عن الحق فيريد بالصلاح والفساد إذا أراد المضغة ما يطرأ في البدن من المرض والصحة والموت فإن القلب الذي هو هذه المضغة هو محل الروح الحيواني ومنه ينتشر الروح الحيواني في جميع ما يحس من الجسد وما ينمي وهو البخار الخارج من تجويف القلب الذي يعطيه الدم الذي أعطاه الكبد فإذا كان الدم صالحا كان البخار مثله فصلح الجسد وبالعكس فهو تنبيه من الشارع لنا بما هو الأمر عليه‏

[الجسم الطبيعي العنصري واللطيفة الإنسانية]

فإن العلم بما هو الأمر عليه في هذا الجسم الطبيعي العنصري الذي هو آلة للطبقة الإنسان المكلفة في إظهار ما كلفه الشارع إظهاره‏

الصفحة 532 من الجزء 1

من الطاعات التي تختص بالجوارح فإذا لم يتحفظ الإنسان في غذائه ولم ينظر في صلاح مزاجه وروحه الحيواني المدبر لطبيعة بدنه اعتلت القوي وضعفت وفسد الخيال والتصور من الأبخرة الفاسدة الخارجة من القلب وضعف الفكر وقل الحفظ وتعطل العقل بفساد الآلات التي بها يدرك الأمور فإن الملك إنما هو بوزعته ورعاياه وكذلك الأمر أيضا إن صلح فاعتبر الشارع الأصل المفسد إذا فسد لهذه الآلات والمصلح لهذه الآلات إذا صلح إذ لا طاقة للإنسان على ما كلفه ربه إلا بصلاح هذه الآلات واستقامتها وسلامتها من الأمور المفسدة لها ولا يكون ذلك إلا من القلب فهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم فلو أراد بالقلب العقل هنا ما جمع من الفوائد ما جمع بإرادته القلب الذي يحوي عليه الصدر ولهذا جاء باسم المضغة والبضغة لرفع الشك حتى لا يتخيل خلاف ذلك ولا يحمله السامع على العقل وكذلك قال الله ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ فإذا فسدت وعميت عن إدراك ما ينبغي فإن فساد عين البصيرة فيما يعطيه البصر إنما هو من فساد البصر وفساد البصر إنما هو من فساد محله وفساد محله إنما هو من فساد روحه الحيواني الذي محله القلب‏

[قيام المصلي عند صدر الجنازة]

فقيام المصلي عند صدر الجنازة عند الصلاة عليها أولى وأحق لأجل قلبه الذي هو الأصل في صلاحه وفساده‏

(وصل في فصل ترتيب الجنائز عند الصلاة)

[الخلاف في ترتيب الجنائز]

واختلفوا في ترتيب جنائز إذا اجتمع الرجال والنساء عند الصلاة عليهن فقال قوم يجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة وقال قوم فيه بالعكس وقال قوم يصلي على الرجال على حدة مفردين وعلى النساء على حدة مفردين‏

[مذهب ابن عربى في ترتيب الجنائز]

والذي أقول به إن كان في الجنائز ذكران جعل أحدهما مما يلي الإمام والآخر مما يلي القبلة ويجعل النساء فيما بينهما وإن لم يكن إلا رجل واحد جعل مما يلي الإمام وإن جعل مما يلي القبلة فهو أولى وكل هذا ما لم يرد حد مشروع يوقف عنده وقد بحثنا أن نجد في ذلك حدا للشرع فلم نجد

[المروي عن بعض الصحابة في ترتيب الجنائز]

وقد ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يجعلون الرجال مما يلي القبلة والنساء مما يلي الإمام فإذا سألوا عن ذلك قالوا هي السنة وهو أولى عندي ومثل هذا إذا وقع يدخل في المسند عندهم والتوقيف في الحكم أولى ولهذا احتاط من فرق في الصلاة بين الرجال والنساء

[المرجح عند ابن عربى في ترتيب الجنائز]

والذي يترجح عندي تقديم الرجال مما يلي القبلة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن قتلي أحد كان يقدم الأفضل مما يلي القبلة ويدفن الجماعة في قبر واحد فكان تقديم الأفضل مما يلي القبلة أولى لأنه إلى الله أقرب شرعا والله أعلم‏

(الاعتبار) [النساء أولى بالقبلة]

النساء محل التكوين فهن إلى المكون أقرب فهم أولى بالقبلة من الرجال وإن وقع التكوين في الرجال مرة واحدة ولم يكن سوى تكوين حواء من آدم فالحكم للغالب ولا سيما وقد جعل في مقابلة تكوين حواء من آدم تكوين عيسى في مريم من غير فحل وبقي الغالب في الإناث إنهن محل التكوين فهن أولى بالقبلة ليكون كل مولود يولد على الفطرة فإنه إذا ولد خرج إلينا وهو حديث عهد بربه كما جاء بربه‏

كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغيث إنه حديث عهد بربه‏

[الرجال أولى بالإمام‏]

فكان الرجال أولى بأن يكونوا مما يلي الإمام والاعتبار الآخران الرجل الميت إذا كان مما يلي الإمام كان سترة للإمام عن المرأة فإن المرأة عورة ومجاورة الميت لها أولى لعدم الشهوة من مجاورة الحي فالنساء أولى بالتقدم مما يلي القبلة من الرجال وكان الحق أولى بإمائه وسترهن عن الإمام أو المصلي عليهن‏

[الإمام العارف‏]

فإن كان الإمام عارفا بحيث أن يعلم من نفسه أن الحق سمعه وبصره فلا يبالي أ يقدم النساء إليه أو الرجال وتقدم النساء أولى مما يلي من هو بهذه الصفة والرجال مما يلي القبلة فإنه أقوى في الاعتبار لأن أكثر الأكوان الطبيعية إنما كونها الحق عند الأسباب فتقديم النساء مما يلي الإمام الذي يكون بهذه المثابة أولى فإنه اعتبار محقق فإن الإمام الموصوف بهذه الصفة آلة والحق غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏

[الحق لا يقبل الحد فلا يحتجب عن شي‏ء ولا يحتجب عنه شي‏ء]

وفي هذه المسألة من الأسرار البديعة العجيبة ما لو وقف عليها العقلاء لتعجبوا وحاروا وعلموا حكمة الله في الأشياء وما معنى حجابه النور والظلمة وما ذا يحد هذا الحجاب والحق لا يقبل الحد ولا يحتجب عنه شي‏ء ولا يحجبه شي‏ء إذ لو حجبه شي‏ء لحكم عليه ذلك الحجاب بالحد ولا يصح أن يقبل الحجاب فلا يصح أن يكون العبد محجوبا عن الله ولكن يكون محجوبا عن نسبة خاصة قال تعالى في الفجار إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فأضاف الرب إليهم وهي النسبة التي يرجونها منه لم يجدوها لأنهم طلبوها من غير جهة ما تكون فيه فكانوا كمن يقصد الشرق بنيته وهو يمشي إلى‏

الصفحة 533 من الجزء 1

الغرب بجسمه ويتخيل أن حركته إلى جهة قصده وهو قوله تعالى وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فإنهم لما استيقظوا من نوم غفلتهم ووصلوا إلى منزل وحطوا عن رحالهم طلبوا ما قصدوه فقيل لهم من أول قدم فارقتموه فما ازددتم منه إلا بعدا فيقولون يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا سبيل إلى ذلك فلهذا وصفوا بالحجاب عن ربهم الذي قصدوه بالتوجه على غير الطريق الذي شرع لهم‏

[الحكم للشرع ليس الحكم لك‏]

فإذا علمت ما اعتبرناه فلترتب الجنائز على قدر مقامك ولا نحكم فالحكم ليس لك وإنما هو للشارع فإن وقفت من الشارع في ذلك المقام من طريق الكشف على حكم صحيح ثابت في ذلك فاعمل به ولا تتعداه وقف عنده فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ‏

(وصل في فصل من فاته التكبير على الجنازة)

[الخلاف في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة]

اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة في مواضع منها هل يدخل بتكبير أم لا ومنها هل يقضي ما فاته أم لا وإن قضى فهل يدعو بين التكبيرات أو لا فمن قائل يكبر أول دخوله ومن قائل ينتظر حتى يكبر الإمام وحينئذ يكبر وأما قضاء ما فاته فمن قائل يقضي ما فاته من التكبير والدعاء ومن قائل يقضي ما فاته من التكبير نسقا من غير دعاء

[مذهب ابن عربى فيمن فاته بعض التكبير]

والذي أذهب إليه أن الذي يدرك مع الإمام من التكبير هو أول له ثم يتم صلاته بتكبيراتها والدعاء

(الاعتبار)

التكبير تعظيم الحق فليسارع إليه ولا ينتظر الإمام ويقضي ما فاته من التكبير نسقا من غير دعاء فإن الله تعالى يقول من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين والمدعو له هنا الميت فيعطي الميت بالذكر من المصلي أفضل مما يعطيه لو دعا له والمقصود بالدعاء للميت إنما هو النفع والنفع الأعظم قد حصل بالذكر

(وصل في فصل الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة)

[الخلاف في الصلاة على القبر]

فقال قوم لا يصلي على القبر وقال قوم لا يصلي على القبر إلا وليها فقط إذا فاتته الصلاة عليها وكان قد صلى عليها غير وليها وقال قوم يصلي على القبر من فاتته الصلاة على الجنازة واتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث الدفن واختلف هؤلاء في المدة في ذلك فأكثرها شهر

[مذهب ابن عربى في الصلاة على القبر]

وبالصلاة على القبر أقول من غير مدة

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

لا يصلي على الميت حتى يوارى عن الأبصار في أكفانه فلا فرق أن يوارى بأكفانه أو يوارى بقبره وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على الميت بعد ما دفن في قبره‏

فالاعتبار أن الجسم خلق من التراب وعاد إلى أصله فلا فرق بينه في حال انفصاله وبروزه على وجه الأرض أو حصوله تحت التراب فهو منها

[الروح المدبر يعود إلى باريه بعد الموت‏]

فإن كان المراد بتلك الصلاة الروح المدبر لهذا الجسم فالروح قد عرج به إلى بارئه وقد فارق الجسد فلا مانع من الصلاة عليه وإن كان المراد بتلك الصلاة الجسد دون الروح فسواء كان فوق الأرض أو تحت الأرض فإن الشارع ما فرق فكل واحد من الإنسان قد رجع إلى أصله فالتحق الروح منه بالأرواح والتحق العنصري منه بالعنصر

(فصول من يصلي عليه ومن أولى بالتقديم)

[الخلاف فيمن يصلى عليه‏]

فمن ذلك الصلاة على من هو من أهل لا إله إلا الله فمن قائل يصلي عليهم مطلقا ولو كانوا من أهل الكبائر والأهواء والبدع وكره بعضهم الصلاة على أهل البدع وبالأول أقول ولم يجز آخرون الصلاة على أهل الكبائر ولا على أهل البغي والبدع ولو علم هذا القائل إن المصلي على الجنازة شفيع وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خبأت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي‏

(وصل اعتبار هذا الفصل)

قال صلى الله عليه وسلم صلوا على من قال لا إله إلا الله‏

ولم يفصل ولا خصص وعم بقوله من وهي نكرة تعم فالمفهوم من هذا الكلام الصلاة على أهل التوحيد سواء كان توحيدهم عن نظر أو عن إيمان أعني عن تقليد للرسول أو عن نظر وإيمان معا ومعنى الايمان أن يقولها على جهة القربة المشروعة من حيث ما هي مشروعة وهذا لا سبيل إلى الوصول إلى معرفته من القائل لها إلا بوحي أو كشف فإنه غيب وما كلف الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ولهذا ربطه بالقول‏

[من لا يتصور منه قول التوحيد أو لم يسمع منه‏]

ومن لا يتصور منه القول أو لم يسمع أنه قالها كالصبي الرضيع فإن الرضيع يلحق بأبيه في الحكم فيصلي عليه ومن لم تسمع منه يلحق بالدار والدار دار الإسلام وهو بين المسلمين ولم يعرف منه دين أصلا لا الإسلام ولا غيره وكان مجهولا فإنه يحكم له بالدار فيصلي عليه فإذا كانت عناية الدار تلحقه بالمحقق إسلامه فما ظنك‏

الصفحة 534 من الجزء 1

بعناية الله وهذا من عناية الله وأهل لا إله إلا الله بكل وجه وعلى كل حال لا يقبلهم الخلود في النار إلا من أشرك أو سن الشرك فإنهم لا يخرجون من النار أبدا

[التوحيد لا يقاومه شي‏ء]

فالأهواء والبدع وكل كبيرة لا تقدح في لا إله إلا الله لا تعتبر مؤثرة في أهل لا إله إلا الله فإن التوحيد لا يقاومه شي‏ء مع وجوده في نفس العبد ولو لا النص الوارد في المشرك وفيمن سن الشرك لعمت الشفاعة كل من أقر بالوجود وإن لم يوحد فإن المشرك له ضرب من التوحيد أعني توحيد المرتبة الإلهية العظمى فإن المشرك جعل الشريك شفيعا عند الله يقولون هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله كما قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى‏ فوحد هذا المشرك الله في عظمته ليست للشريك عنده هذه الرتبة إذ لو كانت له ما اتخذه شفيعا والشفيع لا يكون حاكما

[عذاب المشرك يوم القيامة]

فلهم رائحة من التوحيد وبهذه الرائحة من التوحيد وإن لم يخرجوا من النار لا يبعد أن يجعل الله لهم فيها نوعا من النعيم في الأسباب المقرونة بها الآلام وأدنى ما يكون من تنعيمهم أن يجعل المقرور في الحرور ونقيضه الذي هو المحرور في الزمهرير حتى يجد كل واحد منهما بعض لذة كما كانت لهم هنا بعض رائحة من التوحيد فيخلقهم الله على مزاج يقبلون به نعيم هذه الأسباب المعتادة بوجود الألم عندها في المزاج الذي لا يلائمه ذلك وما ذلك على الله بعزيز فإنه الفعال لما يريد وما ورد نص يحول بيننا وبين ما ذكرناه من الحكم فبقي الإمكان على أصله في هذه المسألة وفي الشريعة ما يعضده من قوله ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وقوله رحمتي سبقت غضبي‏

(وصل في فصل من قتله الإمام حدا)

فمن الناس من لم ير أن يصلي عليه الإمام ومنهم من رأى أنه يصلي عليه الإمام وبه أقول‏

(اعتبار هذا الفصل)

الغاسل غير ممنوع من الصلاة على من غسله والإمام هنا غاسل فإن القتل هنا للمقتول طهور معنوي مكفر وقد ورد في ذلك الخبر فللإمام أن يصلي عليه لتحقق طهوره‏

[لو مات من عليه الحد صلى عليه الإمام‏]

والعجب من صاحب هذا المذهب الذي يمنع من صلاة الإمام عليه وهو عنده لو مات من عليه هذا الحد صلى عليه الإمام مع تحققه بأنه مشغول الذمة بهذا الحد الواجب عليه وأنه غير طاهر النفس فإن أمره إلى الله إن شاء آخذه به وإن شاء عفا عنه وبهذا وردت الأخبار

[إقامة الحد في الدنيا تكفير عن المحدود في الآخرة]

فالأولى أن يصلي عليه الإمام إذا قتله حدا كالغاسل سواء فإنه لا معنى لإقامة الحدود على المؤمنين في الدنيا إلا إزالتها عنهم في الآخرة بخلاف من قتل سياسة أو كفرا لا حدا

(وصل في فصل من قتل نفسه هل يصلى عليه أم لا يصلى عليه)

فقيل يصلى عليه ومن قائل لا يصلى عليه وبالأول أقول‏

(وصل اعتبار هذا الفصل)

لما أذن الله عز وجل في الشفاعة بالصلاة على الميت علمنا أنه عز وجل قد ارتضى ذلك وأن السؤال فيه مقبول وأخبر أن الذي يقتل نفسه في النار خالدا مخلد فيها أبدا وأن الجنة عليه حرام وما ورد نهي عن الصلاة على من قتل نفسه فيحمل ذلك على من قتل نفسه ولم يصل عليه فيجب على المؤمنين الصلاة على من قتل نفسه لهذا الاحتمال فيقبل الله شفاعة المصلي عليه فيه ولا سيما والأخبار الصحاح والأصول تقضي بخروجه من النار ويخرج الخبر الوارد بتأبيد الخلود مخرج الزجر

[الموت سبب في لقاء الله‏]

والحكمة المشار إليها في هذه المسألة في قول الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ففيه إشارة حقيقة فالاشارة يُسارِعُونَ وسابِقُوا ومن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا

والموت سبب لقاء الله فكان الإنسان في حياته يسافر ويقطع المنازل بأنفاسه إلى لقاء ربه وقد جعل له حدا مخصوصا فاستعجل اللقاء فبادر إليه قبل وصوله إلى ذلك الحد وهو السبب الذي لا تعمل له في لقائه فإن كان عن شوق للقاء الحق فإنه يلقاه برفع الحجب ابتداء فإنه‏

قال حرمت عليه الجنة والجنة الستر أي منعت عنه أن يستر عني فإنه بادرني بنفسه‏

ولم يقل ذلك على التفصيل فحمله على وجه الخبر للمؤمن لما يعضده من الأصول أولى‏

[الإيمان قوى السلطان في المؤمن‏]

وأما قوله عليه السلام فيمن قتل نفسه بحديدة وبسم وبالتردي من الجبل فلم يقل في الحديث من المؤمنين ولا من غيرهم فتطرق الاحتمال وإذا دخل الاحتمال رجعنا إلى الأصول فرأينا إن الايمان قوى السلطان لا يتمكن معه الخلود على التأبيد إلى غير نهاية في النار فنعلم قطعا إن الشارع أخبر بذلك عن المشركين في تعيين ما يعذبون به أبدا

فقال من قتل نفسه بحديدة منهم فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا

أي هذا

الصفحة 535 من الجزء 1

الصنف من العذاب هو حكمه في النار وكذلك من شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا أي هذا النوع من العذاب يعذب به هذا الكافر وقد ورد من قتل نفسه بشي‏ء عذب به‏

[الأدلة الشرعية تؤخذ من جهات متعددة]

وأما المؤمن فحاشى الايمان بتوحيد الله أن يقاومه شي‏ء فتعين إن ذلك النص في المشرك وإن لم يخص الشارع في هذا الخبر صنفا بعينه فإن الأدلة الشرعية تؤخذ من جهات متعددة ويضم بعضها إلى بعض ليقوي بعضها بعضا لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا كذلك الايمان بكذا يشد للإيمان بكذا فيقوي بعضه بعضا

فإن أهل الجنة إنما يرون ربهم رؤية نعيم بعد دخولهم الجنة كما ورد في الخبر

في الزيارة إذا أخذ الناس أماكنهم في الجنة فيدعون إلى الرؤية

[القاتل نفسه يرى أن الله أرحم به مما هو فيه‏]

فيمكن إن الله قد خص هذا الذي بادره بنفسه فقتل نفسه أن يكون قوله حرمت عليه الجنة قبل لقائي فيتقدم للقاتل نفسه لقاء الله رؤية نعيم وحينئذ يدخل الجنة فإن القاتل نفسه يرى أن الله أرحم به مما هو فيه من الحال الموجبة له إلى هذه المبادرة فلو لا ما توهم الراحة عند الله من العذاب الذي هو فيه لما بادر إليه‏

والله يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا

والقاتل نفسه إذا كان مؤمنا فظنه بربه حسن فظنه بربه الحسن هو الذي جعله أن يقتل نفسه وهذا هو الأليق أن يحمل عليه لفظ هذا الخبر الإلهي إذ لا نص بالتصريح على خلاف هذا التأويل وإن ظهر فيه بعد فلبعد الناظر في نظره من الأصول المقررة التي تناقض هذا التأويل بالشقاء المؤبد فإذا استحضرها ووزن عرف ما قلناه وفي الأخبار الصحاح أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى من مثقال حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ من إيمان فلم يبق إلا ما ذكرناه ولم يقل الله في هذا الخبر إلا أنه حرم عليه الجنة خاصة

[الله أكرم من أن ينسب إليه إنفاذ الوعيد]

فإن قلنا ولا بد بالعقوبة فتكون الجنة محرمة عليه أن يدخلها دون عقاب مثل أهل الكبائر فيكون نصا في القاتل نفسه وغيره من أهل الكبائر في حكم المشيئة فإن صاحب السجلات لا يدخل النار مع أنه من أهل الكبائر إذ ليس معه سوى قول لا إله إلا الله في طول إسلامه مدة حياته في الدنيا فغايته أن يتحقق إنفاذ الوعيد في القاتل نفسه قبل دخول الجنة وإنه لا يغفر له والله أكرم أن ينسب إليه نفاذا لوعيد بل ينسب إليه المشيئة وترجيح الكرم كما وصف بعض الأعراب مع كونه من أهل الأغراض نفسه‏

وإني إذا أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادى ومنجز موعدي‏

ولذا ما ورد في الشرع نص في الإيعاد وورد في الوعد فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ فالإيعاد في الشر خاصة والوعد يكون في الخير والشر معا

(وصل في فصل حكم الشهيد المقتول في المعركة)

فمن قائل لا يصلى عليه ولا يغسل ومن قائل يصلى عليه ولا يغسل‏

(الاعتبار)

الحياة المنسوبة إلى الشهيد في المعركة من رأى أن الله أخذ بأبصارنا عن إدراك حياة الشهيد وأنه لحي يرزق كحياة زيد وعمر وفي نفس الأمر وهذا ليس ببعيد فإن الحي بهذه المثابة لا يصلى عليه‏

[الدعاء إنما هو للحى وللميت‏]

ومن رأى أن الصلاة إنما هي الدعاء له بكونه انقطع عمله في الدنيا وإن كان حيا عند ربه لكنه غير عامل قال يصلى عليه أي يدعى له مثل ما يدعى للميت لانقطاعه عن العمل المقرب له إلى الدرجات التي لا تحصل إلا بالعمل من العامل نفسه أو ممن ينوب عنه في عمله كمن يصوم عن وليه إذا مات أو يحج عنه إذا مات أو لم يستطع فتقوم الصلاة على الشهيد من المصلي مقام العمل منه لو كان في حال لم ينقطع العمل منه‏

(وصل في فصل حكم الصلاة على الطفل)

فمن قائل لا يصلى عليه حتى يستهل صارخا ومن قائل يصلى عليه إذا كمل أربعة أشهر لوجود الروح عند هذه المدة

(الاعتبار)

أمرنا الله بالصلاة على الميت في السنة ولم يقل الميت عن حياة متقدمة فنحن إذا رأينا صورة الجنين ولو كان أصغر من البعوضة بحيث تكون أعضاؤه مصورة حتى يعلم أنه إنسان وإن كان قبل نفخ الروح فيه فإنه ينطلق بالشرع على تلك الصورة أنها ميتة قال تعالى وكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فأطلق علينا اسم الموت قبل نفخ الروح‏

[لا مانع من الصلاة على الجنين‏]

فالمصلي على الجنين إذا خرج عينه بالطرح وشاهدناه صورة وإن لم ينفخ فيه روح للصورة الظاهرة وتحقق اسم الموت فلا مانع للصلاة عليه بوجه من الوجوه ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا يصلى على ميت‏

الصفحة 536 من الجزء 1

إلا بعد أن تتقدمه حياة ما تعرض لذلك وإن كان لم يقع الأمر إلا فيمن تقدمت له حياة وما يدل عدم النقل على رفع الحكم بل المفهوم من الشرع الصلاة على الميت من غير تخصيص إلا ما خصصه الشارع من النهي عن الصلاة على الكافر وغير ذلك ممن نص على ترك الصلاة عليه وليس للطفل فيه مدخل‏

[الطفل يصلى عليه ولا يرث‏]

بل‏

قد ذكر الترمذي عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الطفل يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا

فقد حكم بالصلاة عليه وما حكم بالميراث مثل ما حكم على من مات عن حياة فهذا الخبر يقوي ما ذهبنا إليه من وجود صورة الإنسان وإن لم نعلم أن موته عن حياة ولا عن غير حياة وحديث المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطفل يصلى عليه‏

[هل صلى النبي على ابنه إبراهيم‏]

وذهب بعضهم إلى أن الطفل لا يصلى عليه أصلا واحتج‏

بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ابنه إبراهيم‏

وهو ابن ثمانية أشهر فيعارض هذا القائل بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه إبراهيم ويقوي هذا الحديث حديث المغيرة وجابر

(وصل في فصل حكم الأطفال من أهل الحرب إذا ماتوا)

فقيل حكمهم حكم آبائهم لا يصلى عليهم ومن قائل حكمهم حكم من سباهم من المسلمين‏

[مذهب ابن عربى في أطفال الحرب‏]

والذي أقول به إنه متى قدر المسلم على الصلاة على من مات من الأطفال الصغار الذين لم يحصل منهم التمييز ولا العقل إنه يصلى عليهم فإنهم على فطرة الإسلام‏

(الاعتبار)

الطفل مأخوذ من الطفل وهو ما ينزل من السماء من الندى غدوة وعشية وهو أضعف ما ينزل من السماء من الماء فالطفل من الكبار كالرش والوبل والسكب وغير ذلك من أنواع نزول المطر ولما كان بهذا الضعف والضعيف مرحوم أبدا والصلاة رحمة فالطفل يصلى عليه إذا مات بكل وجه ولا معنى لترك الصلاة عليه‏

(وصل في فصل من أولى بالتقديم في الصلاة على الميت)

[الخلاف في أولوية الصلاة على الميت‏]

واختلفوا فيمن أولى بالتقديم في الصلاة على الميت فقيل وليه وقيل الوالي وبه أقول فإنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الجنازة ولم ينقل عنه قط إنه اعتبر الولي ولا سأل عنه وقدم الحسين بن على سعيد بن العاص وهو والي المدينة في الصلاة على الحسن بن علي‏

والحاقة في هذه المسألة بصلاة الجمعة وصلاة الجماعة أولى من الحاقة بالولي في مواراته ودفنه‏

(الاعتبار)

الوالي له إطلاق الحكم في العموم والخصوص فهو أقوى ممن له الحكم في بعض الأمور فهو أولى بالصلاة على الميت وبمناجاة الحق والشفاعة في الميت فإنه نائب الله ونظر الحق إلى من استخلفه أعظم من نظره فيمن لم يجعل له ذلك المنصب العام في الخلافة وكلامه أقبل عنده فإنه فوض إليه الحكم فيما ولاه عليه‏

[الوالي على الحقيقة هو الله‏]

والوالي على الحقيقة هو الله تعالى فمن ثبت له هذا الاسم بالوجه الأعم فالأعم فهو أولى بالصلاة على الميت والوالي من له حكم الوقت من الأسماء الإلهية فيشفع عند من ولاة من الأسماء في الميت ممن هو أعم تعلقا منه وهو الرحمن فإن رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ

(وصل في فصل وقت الصلاة على الجنازة)

[الوقت المنهي فيه عن الصلاة على الميت ودفنه‏]

فقال قوم لا يصلى عليها في الوقت المنهي عن الصلاة فيه وقال قوم لا يصلى في الغروب والطلوع وقال قوم يصلى عليها بعد صلاة الصبح ما لم يكن الأسفار وبعد صلاة العصر ما لم يكن الاصفرار وقال قوم يصلى عليها في كل وقت وبه أقول غير أنه لا يقبر في ثلاث ساعات الميت وإن أجزنا الصلاة عليه فيها لورود النص أن لا نقبر فيها موتانا وهي الطلوع والغروب والاستواء

(الاعتبار في هذا الفصل)

الصلاة مناجاة وسؤال على حضور ومشاهدة فلا تتقيد بوقت ما لم يقيدها الشرع وما قيد صلاة الجنازة فإنها ما فيها سجود

[الاستواء وقت تسعير النار]

وأما الاستواء فإنه وقت تسعير النار والقبر أول منزل من منازل الآخرة ولم نقل الموت فإن الموت حالا لا منزل والقبر منزل فإن دفن في ذلك الوقت يشاهد الميت تسعير النار فربما أدركه رعب والله رفيق بالمؤمن فلم يبح لنا أن نقبر في ذلك الوقت موتانا رحمة بهم‏

[الطلوع والغروب ساعات يسجد فيهما الكفار]

وأما الطلوع والغروب فإنهما ساعات يسجد فيهما الكفار فجهنم تتقدم لأخذهم لصنيعهم ذلك فإذا قبر الميت في ذلك الوقت ربما أبصر مبادرة النار لاخذ هذه الطوائف فيدركه رعب لإقبالها حتى يظن أنها تريده كمن يكون ماشيا في طريق وخلفه من عليه طلب فيرى أمامه شخصا يقصد طلب من يأتي خلفه يفرق منه لفظاعة منظره فربما يتخيل هذا الشخص أنه المقصود لذلك المقبل فلا يأمن من يأتي حتى يجاوزه فيعلم أنه طالب غيره فإن الكافر إذا سجد لغير الله بادرت جهنم لأخذه غيرة أن يسجد لغير الله فإذا رفع رأسه‏

الصفحة 537 من الجزء 1

من السجدة نكصت على عقبها عن أمر الله تعالى لعل هذا الساجد لا يعود إلى مثلها ويتوب فإنه في دار قبول التوبة فلهذا لم يتم إقبالها إليه‏

[الدنيا ما هي دار طمأنينة لمخلوق‏]

فالإنسان ما دام حيا إذا كان كافرا يرجى له الإسلام وإذا كان مسلما يخاف عليه الكفرة فإنها ما هي دار طمأنينة لمخلوق ما لم يبشر ومع البشرى يرتفع الخوف لصدق المخبر ويبقى الحكم للحياء والخشوع فخوف المبشر واصفراره للحياء خاصة لا للخوف‏

(وصل في فصل في الصلاة على الجنازة في المسجد)

[الخلاف في جواز الصلاة على الميت في المسجد]

فأجازها بعضهم وكرهها بعضهم وأما إذا كانت الجنازة خارج المسجد والمصلي في المسجد ففي هذه الصلاة خلاف أيضا وأما الصلاة على الجنائز في المقابر ففيه خلاف وبالجواز أقول في ذلك كله‏

(وصل الاعتبار في هذا الفصل)

المصلي على الجنائز شفيع فحيث ما كان يشفع فإن الحق يقول وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فنحن نعلم أنه مع الجنازة حيث كانت ومعي حيث كنت فلا يتقيد بالمكان فالصلاة على الجنازة جائزة في كل مكان من غير تقييد ولا موضع أقذر من موضع فرعون فإن المشرك نجس ومع هذا فجاء موسى وهارون وقال الله لهما إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وأَرى‏

[النهى عن دخول الجنائز المسجد]

وكنت أقول بالصلاة على الجنائز حيث كانت في مسجد وغيره حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو ينهى عن دخول الجنائز المسجد وعن الصلاة عليها فانتهيت فما صليت بعد ذلك على جنازة في المسجد فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتكونني‏

(وصل في فصل في شرط الصلاة على الجنازة)

[التيمم لصلاة الجنازة]

فقال الأكثرون الطهارة شرط فيها كالقبلة سواء واختلفوا في التيمم لها لمن خاف فواتها فقال قوم يتيمم لها وقال قوم لا يتيمم لها ولا يصلى عليها بتيمم والذي أقول به أن الطهارة لا تشترط ولكن أكره التوجه إلى الله وذكره على غير طهارة شرعية

(وصل في اعتبار هذا الفصل)

قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه وهكذا ينبغي أن يكون الأمر فإن الله في كل حال مع العبد ولا سيما المؤمن انتهى الجزء التاسع والأربعون‏

(وصل في فصل في صلاة الاستخارة)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

[كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم يعلم أصحابه الاستخارة]

ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن وورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر أن يصلي لها ركعتين‏

ويوقع الدعاء عقيب الركعتين اللتين يصليهما من أجلها بعد السلام منهما وأستحب له أن يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أو سورة قل يا أيها الكافرون وفي الركعة الثانية يقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ويدعو بالدعاء المروي في ذلك عقيب السلام‏

[صلاة الاستخارة في كل حاجة مهمة]

يفعل ذلك في كل حاجة مهمة يريد فعلها وقضاءها ثم يشرع في حاجته فإن كان له فيها خيرة عند الله يسر له أسبابها إلى أن تحصل فتكون عاقبتها محمودة وإن تعذر شي‏ء من أسبابها عليه ولم يتفق تحصيلها بيسر فلا يضاد القدر ويعلم أنه لو كان له فيها خيرة عند الله ما تعذرت أسبابها فيعلم إن الله قد اختار له تركها فلا يتألم لذلك وسيحمد عاقبة تركها

[صلاة الاستخارة وأهل الله‏]

وينبغي لأهل الله أن يصلوا صلاة الاستخارة في وقت معين يعنونه من ليل أو نهار في كل يوم فإذا قالوا الدعاء يعد السلام من الركعتين يقولون في الموضع الذي أمر أن يسمى حاجته كما سنذكره يقول اللهم إن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك فيه في حقي وفي حق غيري وجميع ما يتحرك فيه غيري في حقي وفي حق أهلي وولدي وما ملكت يميني خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وأجله من ساعتي هذه إلى مثلها من اليوم الآخر فيسره لي وأقدره ورحنى به وإن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك فيه في حقي وفي حق غيري وجميع ما يتحرك فيه غيري في حقي وفي حق أهلي وولدي وما ملكت يميني من ساعتي هذه إلى مثلها من اليوم الآخر شر لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله كما سيأتي في الدعاء بعد هذا إن شاء الله فإنه إذا فعل ذلك ما يتحرك بحركة ولا يتحرك في حقه بحركة إلا كان له فيها خير محقق فعلا أو تركا جربت هذا دائما يفعل هذا في كل يوم في وقت بعينه يلزمه لا يغيره‏

[صيغة دعاء الاستخارة]

وصورة دعا الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك‏

الصفحة 538 من الجزء 1

بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر وتسمى حاجتك خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر وتذكر حاجتك شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر على الخير حيث كان ثم أرضني به‏

[شرح دعاء الاستخارة بلسان العارفين‏]

فالعارف إذا استخار ربه في حاجة معينة كانت أو مبهمة فيحضر في قلبه عند قوله اللهم أي يا الله اقصد فأدخل هنا الإرادة لأن القصد الإرادة فحذف الهمزة واكتفى بالهاء من اللهم لقربها في المخرج والمجاورة وليدلك بذلك على عظيم الوصلة فإن شرح اللهم أي يا الله أمنا بالخير أي اقصدنا وقوله إني آنية الشي‏ء حقيقته كناية عن نفسه وقوله أستخيرك بعلمك يقول أي يا الله أقصد حقيقتي بما اختاره علمك مما لي فيه خير فإنك تعلم ما يصلح لي من الخير ولا أعلم هذا الذي توجهت في طلبه وتقدر على إيجاده ولا أقدر على ذلك فإن كان لي في فعله وظهور عينه خير فقد علمته فاقدره لي أي افعله لي وإن كان الخير لي في تركه وعدم ظهور عينه فاصرفه عني لكونى استحضرته في خاطري وتخيلته فقد حصل ضرب من الوجود وهو تصوره في خيالي فلا تجعله حاكما علي بظهور عينه فهذا معنى قوله فاصرفه عني ثم قال واصرفني عنه أي حل بيني وبينه واجعل بيني وبينه الحجاب الذي بين الوجود والعدم حتى لا أستحضره ولا يحضرني عينا وتخيلا وقوله واستقدرك بقدرتك لأن القدرة صفة الإيجاد وهي أخص تعلقا من العلم فيصرف بالعلم ويوجد بالقدرة ولا يصرف بها فقدم العلم على القدرة لأنه قد يكون له الخيرة في ترك ما طلب فعله ووجوده فكأنه يقول وإن كان في تحصيل ما طلبت تحصيله خير لي فإني أستقدرك بقدرتك أي أقدرني على تحصيله وإن كان ممن يقول بنسبة الفعل للعبد كالمعتزلة وتكون الإضافة في قوله بقدرتك أي بالقدرة التي تخلقها في عبادك وإن كان ممن لا يقول بنسبة الفعل إلى العبد فقوله بقدرتك يعني قدرة الحق التي هي صفته المنسوبة إليه بحكم الصفة لا بحكم الخلق وقوله فإنك تقدر ولا أقدر يتجه هذا قول من الطائفتين أي فإنك تقدر أن تخلق لي القدرة على فعله إن كان قد علمت إن لي فيه خيرا وقد يريد الإخبار عن حقيقة نفي القدرة عن العبد فيقول فإنك تقدر على إيجاده وتحصيل ما طلبته ولا أقدر أي ما لي قدرة أحصله بها لعلمه أن القدرة الحادثة ما لها التكوين ولا تتعدى محلها وقوله وأرضني به أي اجعل الفرح والسرور عندي بحصوله أو بعدم حصوله من أجل ما اخترته لي في سابق علمك وأقدر لي الخير حيث كان وأنت أعلم بالأماكن والزمان والأحوال التي لي الخير فيها من غيرها ف إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي ما غاب عنا من ذلك تعلمه أنت ولا أعلمه أنا ثم لتعلم إن العلم بالأمر لا يتضمن شهوده فدل إن نسبة رؤيتك الأشياء غير نسبة علمك بها فالنسبة العلمية تتعلق بالشهادة والغيب فكل مشهود معلوم ما شهد منه وما كل معلوم مشهود وما ورد في الشرع قط إن الله يشهد الغيوب وإنما ورد يعلم الغيوب ولهذا وصف نفسه بالرؤية فقال أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى‏ ووصف نفسه بالبصر وبالعلم ففرق بين النسب وميز بعضها عن بعض ليعلم ما بينها ولما لم يتصور أن يكون في حق الله غيب علمنا إن الغيب أمر إضافي لما غاب عنا فكأنه يقول من يقول وأنت علام الغيوب أي ما غاب عنا وكذلك عالم الغيب والشهادة أي ما غاب عنا وما نشهده ويشهده وما يلزم من شهود الشي‏ء العلم بحده وحقيقته ويلزم من العلم بالشي‏ء العلم بحده وحقيقته عدما كان أو وجودا وإلا فما علمته والأشياء كلها مشهودة للحق في حال عدمها ولو لم تكن كذلك لما خصص بعضها بالإيجاد عن بعض إذ العدم المحض الذي ليس فيه أعيان ثابتة لا يقع فيه تمييز شهود بخلاف عدم الممكنات فكون العلم ميز الأشياء بعضها عن بعض وفصل بعضها عن بعض هو المعبر عنه بشهوده إياها وتعيينه لها أي هي بعينه يراها وإن كانت موصوفة بالعدم فما هي معدومة لله الحق من حيث علمه بها كما إن تصور الإنسان المخترع للأشياء صورة ما يريد اختراعها في نفسه ثم يبرزها فيظهر عينها لها فاتصفت بالوجود العيني وكانت في حال عدمها موصوفة بالوجود في الوجود الذهني في حقنا والوجود العلمي في حق الله فظهور الأشياء من وجود إلى وجود من وجود علم إلى وجود عين والمحال الذي هوالعدم المحض ما فيه أعيان تمييز فهذا معنى بعض ما يتضمنه دعاء الاستخارة وأما قوله ويسره لي يريد الأسباب التي هي علامات ودلائل على تحصيل المطلوب‏

الصفحة 539 من الجزء 1

(فصول جوامع فيما يتعلق بالصلاة وبها خاتمة الباب)

(وصل في إقامة الصلاة)

إقامة الصلاة ظهور نشأتها على أتم خلقها وخلقها يختلف باختلاف من تنسب إليه فإذا نسبت الصلاة إلى الله فلها نشأة تخالف نشأة نسبتها إلى غير الله من ملك وبشر وغيرهما من المخلوقين فالحق ينشئها نشأة تامة ولهذا قال ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ لتمام خلقها إذا كانت الصلاة المنسوبة إليه في قوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ رحمته بعباده وسيأتي ذكر ذلك‏

[نسبة الصلاة إلى الملك وغيره‏]

ونسبة الصلاة إلى الملك أيضا يخرجها ويقيمها تامة النشأة أي صلاة أظهرها فما يظهرها إلا تامة فلا تكون صلاة الملك إلا تامة النشأة والخلق وكذلك كل صلاة منسوبة إلى جماد ونبات وحيوان ما عدا الإنس والجن فإن صلاتهما إذا أنشأها قد تكون مخلقة أي تامة الخلقة وغير مخلقة أي غير تامة الخلق فلنذكر أولا صلاة الحق فنقول‏

(وصل) [صلاة الحق والملائكة]

قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ عموما وقال إِنَّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ خصوصا بخصوص صلاة فإن الضمير في قوله يُصَلُّونَ يجمع الحق والملائكة ولا يتمكن للملائكة أن تلحق صلاة الله على عبده فإنها لا تتعدى مرتبتها فيكون الحق ينزل في هذه الصلاة إلى صلاة الملائكة لأجل الضمير الجامع فتكون صلاة الله على النبي من مقام صلاة الملائكة على النبي‏

[تميز النبي بالصلاة الجامعة عليه‏]

بخلاف قوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فإنه هنا ما جاء بالملائكة إلا بعد ما ذكرنا وفصل بنا بين صلاته وبين الملائكة بقوله عَلَيْكُمْ ثم قال لِيُخْرِجَكُمْ فأفرد الخروج إليه وما جاء بضمير جامع يجمع بين الله وبين الملائكة في الصلاة على المؤمنين كما فعل في قوله يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فتميز النبي صلى الله عليه وسلم على سائر البشر بمرتبة لم يعطها أحد سواه أي ما ذكر لنا ذلك فعمنا كلنا والنبي صلى الله عليه وسلم من جملتنا بقوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وأفرد نفسه في ذلك ثم قال ومَلائِكَتُهُ فأفرد الملائكة بالصلاة على العباد وفيهم النبي فلجميع الخلق توحيد الصلاة من الله وتوحيد الصلاة من الملائكة وخص النبي صلى الله عليه وسلم وحده فيما أخبرنا به بأن جمع له بصلاة جامعة اشترك فيها الله وملائكته فقال إِنَّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ومعلوم أن الصلاة في الجمعية ما هي الصلاة التي في حال الإفراد فإن الحالتين متميزتان ففاز النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلاة ثم أمرنا أن نصلي عليه صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الصلاة الجامعة وهو أن نصلي عليه إذا كان الحق لساننا كما ورد في الخبر فحينئذ تصح الصلاة التي أمرنا بها وبهذه المثابة كانت صلاة الملائكة في هذا المقام الذي جمع بينهم وبين الله في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن في تلك الصلاة كان نطقهم فثبت شرفه صلى الله عليه وسلم على سائر البشر في هذه المرتبة فإنه شرف محقق الوجود بالتعريف وإن ساواه أحد ممن لم نعرف به فذلك شرف إمكاني فتعين فضله بالتعيين على من لم يتعين وإن كان قد صلى عليه مثل هذا في نفس الأمر ولم نخبر فثبت له الفضل بكل حال فلما قال تعالى بعد قوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ بعد قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ولم يقل بما ذا هل بالوجود وبالتوحيد فحمله على الوجود الذي هو أعم أولى لأنه أعم في الرحمة فقال لهم اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً أي في كل حال وسَبِّحُوهُ أي صلوا له فسأل ابن عمر لو كنت مسبحا أتممت يريد مصليا تماما غير قصر ولهذا قال بُكْرَةً وأَصِيلًا يعني صلاة الغداة والعشي وكذلك قال فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ... وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ فجمع الصلوات الخمس في هذه الآية ولَهُ الْحَمْدُ أي الثناء انطلق في السَّماواتِ والْأَرْضِ فأما تقدير الكلام فلما قال هذا وأمرنا بالذكر والصلاة قال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فأخبر أنه يصلي علينا فالمفهوم من هذا أمران الأمر الواحد أنه يصلي علينا فينبغي لنا أن نذكره بالمدح والثناء ونصلي له بُكْرَةً وأَصِيلًا فإن في ذلك غذاء العقول والأرواح كما إن غذاء الجسم في هذه الأوقات في قوله لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ورزق كل مخلوق بحسب ما تطلبه حقيقته فالأرواح غذاؤها في التسبيح فقيل لها سبحه أي صل له في هذه الأوقات واذكره على كل حال فقيد التسبيح وما قيد الذكر بوقت فعلمنا إن التسبيح ذكر خاص مربوط بهذه الأوقات والأمر الآخر إنكم إذا صليتم وذكرتم الله فإنه يصلي عليكم فصلاتنا وذكرنا له سبحانه بين صلاتين من الله تعالى صلى علينا فصلينا له فصلى علينا فمن صلاته الأولى علينا صلينا له ومن صلاته الثانية علينا كانت السعادة لنا بأن جنينا ثمرة صلاتنا له‏

الصفحة 540 من الجزء 1

وذكرنا ثم قال ومَلائِكَتُهُ أيضا تصلي عليكم بما قد شرع لها من ذلك وهو قوله رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ومن صَلَحَ من آبائِهِمْ وأَزْواجِهِمْ وذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ يعني القيامة والمعصومين من وقوع السيئات منهم فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فهذا كله قول الملائكة فصلاة الملائكة علينا كصلاتنا على الجنازة سواء لمن عقل ثم قال لِيُخْرِجَكُمْ بلام السبب من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ابتداء منه ومنة وبدعاء الملائكة وهو هذا الذي ذكرناه ولهذا قال ومَلائِكَتُهُ وهو قولهم وقِهِمُ السَّيِّئاتِ فإن السيئات ظلمات فمنهم من يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم ومن ظلمات المخالفة إلى نور الموافقة ومن ظلمات الضلال إلى نور الهدى ومن ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ومن ظلمات الحجاب إلى نور التجلي ومن ظلمات الشقاء والتعب إلى نور السعادة والراحة ثم قال وكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي بالمصدقين رَحِيماً أي رحمهم لما صدقوا به من وجوده الذي هو أعم من التصديق بالتوحيد ثم يندرج بعد الايمان بالوجود الإلهي كل ما يجب به الايمان على طبقاته ثم قال تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ أي إذا وقع اللقاء بشر بالسلامة أنه لا يشقى بعد اللقاء أبدا فلله رجال يلقونه في الحياة الدنيا ويبشرون بالسلام وثم من يلقاه إذا مات وثم من يلقاه عند البعث وثم من يلقاه في تفاصيل مواقف القيامة على كثرتها ومنهم من يلقاه بعد دخول النار وبعد عذابه فيها ومتى وقع اللقاء حياه الله بالسلام فلا يشقى بعد ذلك اللقاء فلهذا جعل السلام عند اللقاء ولم يعين وقتا مخصوصا لتفاوت الطبقات في لقائه فأخر لاق يلقاه المؤمن بوجوده خاصة فإنه قال بالمؤمنين ولم يقيد فلا نقيد وقوله وأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً كل أجر على قدر ما عنده من الايمان وأقلهم أجرا المؤمن بوجود الله إلها إلى ما هو أعظم في الايمان فصلاة الله رحمته بخلقه ولذا قال وكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً وقال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ والعرش ما حوى ملكه كله مما وجد ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وعرشه وسع كل شي‏ء والنار ومن فيها من الأشياء والرحمة سارية في كل موجود فصلاة الحق كائنة على كل موجود والخلق صور خيالية محركهم الحق والناطق عنهم الحق فهم مصرفون تجري عليهم أحكام القدرة وهم محو في عين ثبوتهم وعدم في حال وجودهم أولئك هم الصامتون الناطقون والميتون الأحياء كحياة الشهداء

فالعقل يشهد ما لا يشهد البصر

فإقامة الصلاة الإلهية عموم رحمته بمخلوقاته فهي مخلوقة قال تعالى أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ والرحمة شي‏ء وخلقها تعميمها وكذلك صلاة الملائكة تامة الخلقة فإنها دعت للذين تابوا كما ذكر وقالت أيضا وقِهِمُ السَّيِّئاتِ فعمت فما تبقي أمر إلا دخل في صلاة الملائكة من طائع وعاص على أنواع الطاعات والمعاصي‏

(وصل) وأما صلاة الإنسان والجن‏

وهو قوله تعالى الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ فإقامة البشر لها أن تنسب إليهم بمعنى الرحمة كما نسبت إلى الحق وبمعنى الدعاء والرحمة كما نسبت إلى الملائكة وبمعنى الدعاء والرحمة وإتمام التكبير والقيام والركوع والسجود والجلوس كما ورد في الخبر فمن أتم ركوعها وسجودها وما شرع فيها وإن كان في جماعة مما تستحقه صلاة الجماعة والائتمام فقد أكمل خلقها وإن كان انتقص منها شي‏ء كانت له بحسب ما انتقص منها والله لا يقبلها ناقصة فيضم بعض الصلوات إلى بعض فإن كانت له مائة صلاة وفيها نقص كملت بعضها من بعض وأدخلت على الحق كاملة فتصير المائة صلاة مثلا ثمانين صلاة أو خمسين أو عشرة أو زائدا على ذلك أو ناقصا عنه هكذا هي صلاة الثقلين‏

(وصل) [صلاة العالم الأعلى والأسفل وما بينهما]

قال الله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ من في السَّماواتِ والْأَرْضِ والطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ أي كل هؤلاء قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ الضمير يعود على الله من قوله صلاته أي صلاة الله عليه بنفس وجوده ورحمته به في ذلك وقوله وتَسْبِيحَهُ الضمير يعود في تسبيحه على كل أي ما يسبح ربه به وهو صلاته له فوصف الحق نفسه بالصلاة وما وصف نفسه بالتسبيح فعم بهذه الآية العالم الأعلى والأسفل وما بينهما

(وصل) [من أسرار المعرفة بالله وبمراتب ما سواه‏]

[نصب الأسباب وتوقف بعضها على بعض‏]

من غيرة الله أن تكون لمخلوق على مخلوق منة لتكون المنة لله ما خلق مخلوقا إلا وجعل لمخلوق عليه يدا بوجه ما فإن أراد الفخر مخلوق على مخلوق بما كان منه إليه نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه فالعارفون مثل الأنبياء والرسل والكمل من العلماء بالله لا يخطر لهم ذلك لمعرفتهم بحقائق الأمور وما ربط الله به العالم وما يستحقه جلاله مما ينبغي أن يفرد به ولا يشارك فيه فنصب الأسباب وأوقف الأمور بعضها على بعض‏

[اعتراف النبي بيد الأنصار عليه‏]

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار عند

الصفحة 541 من الجزء 1

ما ذكر أن الله قد هداهم به قال لو شئتم أن تقولوا لقلتم وجدناك طريدا فأويناك وضعيفا فنصرناك‏

الحديث فذكر ما كان منهم في حقه وكان الله قادرا على نصره من غير سبب ولكن فعل ما تقتضيه الحكمة لما جبل عليه من خلقه الله على صورته فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ‏

[الله هو الممتن على عباده بجميع ما هم فيه‏]

فهذا فخر ويد ومنة يتعرض فيها علة ومرض لكن عصم الله نبيه من ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه العلة دواء كما هي أيضا دواء لما هو لها دواء فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ فإن افتخرنا بالصلاة عليه على طريق المنة وجدناه قد صلى علينا حين أمر بذلك وإن تصور في الجواز العقلي أن يمتن بصلاته علينا منعته من ذلك صلاتنا عليه أن يذكر هذا مع كونه السيد الأعظم ولكن لم يترك له سبحانه المنة على خلقه ليكون هو سبحانه المنعم الممتن على عباده بجميع ما هم فيه وما يكون منهم في حق الله من الوفاء بعهوده فاجعل بالك لما نبهتك عليه فإنه من أسرار المعرفة بالله وبمراتب ما سوى الله إن كنت فطنا

(وصل) [من أسرار إقامة الصلاة]

[ربط إقامة الصلاة بالزمان والمكان‏]

اعلم أن الله قد ربط إقامة الصلاة بأزمان وهي الأوقات المفروض فيها إقامة الصلوات المفروضات فقال تعالى فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً وربطها بأماكن وهي المساجد قال تعالى في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ أي أمر الله أن ترفع حتى تتميز البيوت المنسوبة إلى الله من البيوت المنسوبة إلى المخلوقين ويذكر فيها اسمه بالأذان والإقامة والتلاوة والذكر والموعظة يُسَبِّحُ يقول يصلى لَهُ فِيها أي من أجل أن أمرهم الله بالصلاة فيها بِالْغُدُوِّ والْآصالِ رِجالٌ ولم يذكر النساء لأن الرجل يتضمن المرأة فإن حواء جزء من آدم فاكتفى بذكر الرجال دون النساء تشريفا للرجال وتنبيها على لحوق النساء بالرجال فسمى النساء هنا رجالا فإن درجة الكمال لم تحجر عليهن بل يكملن كما تكمل الرجال وثبت في الخبر كمال مريم وآسية امرأة فرعون‏

[رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله‏]

فقال لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ أي لا تشغلهم تجارة ولا بَيْعٌ فالتجارة أن يبيع ويشتري معا والبيع أن يبيع فقط فمدحهم بالتجارة وهو البيع والشراء في أي شي‏ء كان مما أمر الله بالتجارة فيه قال تعالى هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ الله بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ وقال في البيع إِنَّ الله اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ وهو الثمن وجعلها الثمن‏

للحديث الوارد في الخصمين من الظالم والمظلوم إذا أصلح الله بين خلقه يوم القيامة فيأمر الله المظلوم أن يرفع رأسه فينظر إلى عليين فيرى ما يبهره حسنه فيقول يا رب لأي نبي هذا لأي شهيد هذا فيقول الله تعالى لمن أعطاني الثمن قال ومن يملك ثم هذا قال أنت بعفوك عن أخيك هذا فيقول يا رب قد عفوت عنه فيقول خذ بيد أخيك فأدخل الجنة ولما أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث تلا فَاتَّقُوا الله وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة

[المؤمن ممدح في القرآن بالتجارة والبيع‏]

فالمؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة والبيع فيما ملك بيعه وما صرح الله فيه بأنه يشترى خاصة فإن التجارة معاوضة وقبض ثمن والبيع بيع ما يملكه والشراء شراء ما ليس عندك وما وصف بالشراء في القرآن إلا من أشهدهم الله عن جناية فقال أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ والْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ وقال إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا والسبب في أن المؤمن ما وصفه الله بالشراء فإنه خلقه الله وملكه جميع ما خلق الله في أرضه الذي هو مسكنه ومحله فقال خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً فجميع ما في الأرض ملكه فما بقي له ما يشتريه وحجر عليه الضلالة وهي صفة عدمية فإنها عين الباطن وهو عدم ولم يأمرنا الله باتباعه فإنه من العدم خرجنا إلى الوجود فلا نطلب ما خرجنا منه هذا تحقيقه لأنه خلقنا لنعبده فإذا اشترينا الضلالة بالهدى فقد اخترنا العدم على الوجود والباطل على الحق الذي خلقنا له فلم يصف المؤمن بالشراء

[المؤمن الكيس يبيع المباح بالواجب‏]

ومما ملكه الله ما هو مباح له وما هو واجب عليه إن لا يخرجه ولا يبيعه وهي الواجبات والفرائض فيبيع صنف المباحات بالواجبات فلهذا شرع له البيع فيما أبيح له بيعه فالمؤمن الكيس الفطن ينظر الوقت الذي يكون فيه بحكم الإباحة يقول ما لي ربح في هذا الملك والدنيا دار تجارة فلنبع هذا المباح بواجب فهو أولى بي ولا نخسر وقتي فيكون في فرجة مع إخوانه فيقول يا رب أحب أن أبيع هذا المباح بواجب فيقول الله له ذلك إليك فيبيع الفرجة بالاعتبار فيما يعطيه ذلك المكان من الحسن والجمال من الدلالة على الله عز وجل فيفكر في حسن خلق الله وكماله وجماله فتكون فرجته أتم وأفرح لقلبه وليس من المباح في شي‏ء فإنه قد باعه بهذا الواجب فاعتبر الحق جانب البيع ولم يعتبر في‏

الصفحة 542 من الجزء 1

حق المؤمن جانب الابتياع فكان المؤمن ملك حلة الإباحة وحلة الوجوب فخلع عن نفسه حلة الإباحة وليس حلة الوجوب وكلاهما له فسمى خلعه لها بيعا وما سمي لباسه للوجوب شراء فإنها ملكه ورحله ومتاعه والإنسان لا يشتري ما يملكه ولما حجر الله الضلال على خلقه ورجح من رجح منهم الضلال على الهدى اشتروا الضلالة فإنهم لم يكونوا يملكونها بالهدى الذي ملكهم الله إياه فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ في ذلك الشراء لأن الله ما شرع لعباده الشراء

[الذين لا يلهيهم شي‏ء عن الله‏]

ثم قال تعالى بعد قوله ولا بَيْعٌ ... عَنْ ذِكْرِ الله أي لا يلهيهم شي‏ء عن ذكر الله حين سمعوا المؤذن في هذا البيت يدعوا إلى الله وهو حاجب الباب فقال لهم حي على الصلاة أي أقبلوا على مناجاة ربكم فإنه قد تجلى لكم في صدر بيته وهي القبلة فإن الله في قبلة العبد فبادر أهل الله من بيعهم وتجارتهم المعلومة في الدنيا إلى هذا الذكر عند ما سمعوه فأقاموا الصلاة أي أتموا نشأتها حين أنشئوها بحسن الائتمام بإمامهم وحسن الركوع والسجود وما تتضمنه من ذكر الله الذي هو أكبر ما فيها كما أخبر الله تعالى فقال إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ بسبب تكبيرة الإحرام فإنه حرم عليه التصرف في غير الصلاة ما دام في الصلاة فذلك الإحرام نهاه عن الفحشاء والمنكر فانتهى فصح له أجر من عمل بأمر الله وطاعته وأجر من انتهى عن محارم الله في نفس الصلاة وإن كان لم ينو ذلك‏

[إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر]

وانظر ما أشرف الصلاة كيف أعطت هذه المسألة العجيبة وهي أن الإنسان إذا تصرف في واجب فإن له ثواب من تصرف في واجب ويتضمن شغله بذلك الواجب عدم التفرغ لما نهي عنه أن يأتيه من الفحشاء والمنكر فيكون له ثواب من نوى أن لا يفعل فحشاء ولا منكرا فإن أكثر الناس تاركون ما لهم هذا النظر لعدم الحضور باستحضار الأولى ولو لم يكن الأمر كذلك لما أعطى فائدة في قوله إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ والصلاة فعل العبد فهو بصلاته ممن ينهى عن الفحشاء والمنكر فيكون له بالصلاة أجر من ينهى عن الفحشاء والمنكر وهو لم يتكلم فله أجر عبادتين أجر الصلاة وهي عبادة وأجر النهي عن الفحشاء وهو عبادة وقليل من أصحابنا من يجعل ذهنه في عباداته إلى أمثال هذه المراقبات في التعريف الإلهي على لسان الشارع في الكتاب والسنة

[و لذكر الله أكبر]

ثم قال ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ يعني فيها فهو أكبر من جملة أفعالها فإنها تشتمل على أقوال وأفعال فقال ولذكر الله في الصلاة أكبر أحوال الصلاة وما كل أقوال الصلاة ذكر فإن فيها الدعاء وقد فرق الحق بين الذكر والدعاء فقال من شغله ذكري عن مسألتي وهي الدعاء فما هو الذكر هنا الذكر الخارج عن الصلاة حتى ترجحه على الصلاة إنما هو الذكر الذي في الصلاة فهذا من ربط الصلاة بالمكان والحال‏

[من أمر غيره بالبر ونسى نفسه‏]

ومن أحوال إقامة الصلاة فيمن أمر غيره بالبر ونسي نفسه توبيخ الله من هذه صفته وجعله إياه بمنزلة من لا عقل له فقال أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ والبر من جملة أحوال الصلاة

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أقرت الصلاة بالبر والسكينة

ثم أمر من هذه صفته أن يستعين بالصبر والصلاة يعني بالصبر على الصلاة فقدم حبس النفس عليها فإن الله يقول وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها فأنث يريد الصلاة وأما قوله وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ فإنكم تجدون فيه قوله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ في أثر قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ وهذه حالة من أمر بالبر غيره ونسي نفسه أَ فَلا تَعْقِلُونَ يقول أما لكم عقول تنظرون بها قبيح ما أنتم عليه‏

[الخشوع لله لا يكون إلا عن تجل إلهى‏]

ثم ذكر الخشوع للصلاة فقال وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ فإن الخشوع لله لا يكون إلا عن تجل إلهي والصلاة مناجاة فلا بد من تجل إن رأيته خاشعا وإن لم يخشع في صلاته فما صلى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل التجلي الإلهي سببا لوجود الخشوع في القلب ولا سيما في الصلاة والتجلي لأكثر الناس إما بالحضور وهو لأفراد وإما بالاستحضار الخيالي وهو الغالب في عموم الخواص فإن الله في قبلة المصلي وأما خشوع الأكابر الذين التحقوا بالملإ الأعلى فخشوعهم عن التجلي الحقيقي فهم في صلاتهم دائمون وإن أكلوا وشربوا ونكحوا واتجروا فأمرهم الله تعالى إذا كانوا في مثل هذه الحال أن يستعينوا بالصلاة والصبر عليها فإن المصلي يناجي ربه فإذا حصل العبد في محل المناجاة مع ربه دائما استلزمه الحياء من الله فلا يتمكن له أن يأمر أحدا ببر وينسى نفسه منه بل يبتدئ بنفسه‏

[البر هو الإحسان والخير]

والبر هو الإحسان والخير ومن جملة ذلك أن يكون محتاجا للقمة يأكلها ويرى غيره محتاجا إليها والحاجة على السواء فيعطي غيره‏

الصفحة 543 من الجزء 1

وينسى نفسه وقد قال له ربه ابدأ بنفسك وشرع له ذلك حتى في الدعاء إذا دعا الله لأحد أن يبدأ بنفسه أحق وغذاء الأرواح الطاعات فهي محتاجة إليها ومن جملة طاعاتها الأمر بالطاعات فيقوم هذا الغافل القليل الحياء من الله فيأمر غيره بالبر وهو على الفجور وينسى نفسه فلا يأمرها بذلك فهو بمنزلة من يغذى غيره ويترك نفسه وهو في غاية الحاجة إلى ذلك الغذاء ونفسه أوجب عليه من ذلك الغير والسبب في ذلك ما أبينه لك إن شاء الله‏

(وصل) وذلك أن جميع الخيرات صدقة على النفوس‏

أي خير كان حسا ومعنى فينبغي للمؤمن أن يتصرف في ذلك بشرع ربه لا بهواه فإنه عبد مأمور تحت أمر سيده فإن تعدى شرع ربه في ذلك لم يبق له تصرف إلا هوى نفسه فسقط عن تلك الدرجة العلية إلى ما هو دونها عند العامة من المؤمنين وأما عند العارفين فهو عاص‏

[أول محتاج للصدقة هي نفس العبد]

فإذا خرج الإنسان بصدقته فأول محتاج يلقاه نفسه قبل كل نفسه محتاجة وهو إنما أخرج الصدقة للمحتاجين فإن تعدى أول محتاج فذلك لهواه لا لله فإن الله قال له ابدأ بنفسك وهي أول من يلقاه من أهل الحاجة وقد شرع له في الإحسان أن يبدأ بالجار الأقرب فالأقرب فإن رجح إلا بعد في الجيران على الأقرب مع التساوي في الحاجة فقد اتبع هواه وما وقف عند حد ربه وهذا سار في جميع أفعال البر وسبب ذلك الغفلة عن الله تعالى فأمر بالصفة التي تحضره مع الله وهي الصلاة

(وصل) [تأثير الصلاة بالحال‏]

ومن تأثير الصلاة بالحال قول الله للمؤمنين فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ فأمرهم بالذكر والشكر أمرهم أن يستعينوا على ذلك بالصبر والصلاة وأخبرهم إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ عليها وعلى كل مشقة ترضي الله مما كلف عباده بها لأن الصبر من المقامات المشروطة بالمشقات والمكاره والشدائد المعنوية والحسية وجعل الصبر هنا لما ذكرناه وللتطابق في قوله واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ والشكر من المقامات المشروطة بالنعماء والمحبة ليس للبلاء في الشكر دخول ولا للصبر في النعم دخول كما يراه من لا معرفة له بحقائق الأمور

[الصبر على الصلاة مؤثر في الذكر والشكر]

فالصلاة هنا والصبر عليها وهو الدوام والثبات وحبس النفس عليها مؤثرة في الذكر والشكر فالصبر هنا هو قوله وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها فلذلك ذكر الصبر مع الصلاة فكما يؤثر الصبر على الذكر والشكر في الذكر والشكر كذلك يؤثر في الصلاة سواء وتؤثر الصلاة من حيث الصبر عليها في الذكر والشكر ومن حيث هي صلاة وذلك أن الصلاة مناجاة بين الله وبين عبده فإذا ناجى العبد ربه فأولى ما يناجيه به من الكلام كلامه الذي شرع له أن يناجيه به وهو قراءة القرآن في أحوال الصلاة من قيام وهو قراءة الفاتحة وما تيسر معها من كلامه ومن ركوع وهو قوله تعالى فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ في ركوعه فهو ذاكر ربه في صلاته بكلامه المنزل وكذلك في سجوده يقول سبحان ربي الأعلى فإنه‏

لما نزل قوله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم‏

[الفاتحة تجمع بين الذكر والشكر]

فأمرنا الله بذكره وشكره والفاتحة تجمع الذكر والشكر وهي التي يقرأها المصلي في قيامه فالشكر فيها قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وهو عين الذكر بالشكر إلى كل ذكر فيها وفي سائر الصلاة فذكر الله في حال الصلاة وشكره أعظم وأفضل من ذكره سبحانه وشكره في غير الصلاة فإن الصلاة خير موضوع العبادات وقد أثرت هذه الصلاة في الذكر هذا الفضل وهو يعود على الذاكر

[الذكر الوارد في القرآن‏]

وينبغي لكل من أراد أن يذكر الله تعالى ويشكره باللسان والعمل أن يكون مصليا وذاكرا بكل ذكر نزل في القرآن لا في غيره وينوي بذلك الذكر والدعاء الذي في القرآن ليخرج عن العهدة فإنه من ذكره بكلامه فقد خرج عن العهدة فيما ينسب في ذلك الذكر إلى الله وليكون في حال ذكره تاليا لكلامه فيقول من التسبيحات ما في القرآن ومن التحميدات ما في القرآن ومن الأدعية ما في القرآن فتقع المطابقة بين ذكر العبد بالقرآن لأنه كلام الله وبين ذكر الله إياه في قوله أذكركم فيذكر الله الذاكر له أيضا وذكره كلامه فتكون المناسبة بين الذكرين فإذا ذكره بذكر يخترعه لم تكن تلك المناسبة بين كلام الله في ذكره للعبد وبين ذكر العبد فإن العبد هنا ما ذكره بما جاء في القرآن ولا نواه وإن صادفه باللفظ ولكن هو غير مقصود ثم إن هذا الذكر بالقرآن جاء في الصلاة فالتحقق بالأذكار الواجبة والأذكار الواجبة عند الله أفضل فإن العبد مأمور بقراءة الفاتحة في الصلاة ولهذا أوجبها من أوجبها من العلماء وكذلك العبد مأمور بالتسبيح في الركوع والسجود بما نزل في القرآن وهو قوله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم فأمر والمصلي مأمور

الصفحة 544 من الجزء 1

أن يسبح الله ثلاثة فما زاد في ركوعه بما أمر به وفي سجوده ثلاثة فما زاد بما أمر به وذلك أدناه وأمره محمول على الوجوب ولهذا رأى بعض العلماء وهو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه أن ذلك واجب وأنه من لم يسبح ثلاث مرات في ركوعه وسجوده لم تجز صلاته‏

[الاستعانة على الذكر والشكر بالصلاة والصبر]

وقال الله تعالى استعينوا على ذكري وشكري بالصبر والصلاة

فلو لا ما علم الحق أن الصلاة معينة للعبد لما أمره بها فأنزلها منزلة نفسه فإن الله قال للعبد قل وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يعني في عبادتك فجعل للعبد أن يستعين بربه وأمره أن يستعين في ذكره وشكره بالصلاة فأنزل الصلاة منزلة نفسه وفي معونة العبد على ذكره وشكره‏

[من دخل في الصلاة فقد التبس بالحق‏]

وناهيك يا ولي الله من حالة وصفة وحركات وفعل أنزله الحق في أعظم الأشياء وهو ذكر الله منزلة نفسه فكأنه من دخل في الصلاة فقد التبس بالحق والحق هو النور ولهذا قال الصلاة نور فأنزلها منزلة نفسه‏

قال صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة

وقرة عيني ما تسر به عند الرؤية والمشاهدة فالمصلي متلبس في صلاته بالحق مشاهد له مناج فجمعت الصلاة بين هذه الثلاثة الأحوال وكذلك قوله في هذه الآية واشْكُرُوا لِي يقال شكرته وشكرت له فشكرته نص في أنه المشكور عينه وقوله وشكرت له فيه وجهان الوجه الواحد أن يكون مثل شكرته والوجه الثاني أن يكون الشكر من أجله فإذا كان الشكر من أجله يقول له سبحانه اشكر من أولاك نعمة من عبادي من أجلي ليكون شكره للسبب عين شكره لله فإنه شكره عن أمره وجعل المنعم هنا نائبا عن ربه وطاعة النائب طاعة من استخلفه من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فلهذا قال سبحانه واشْكُرُوا لِي ولم يقل واشكروني ليعم الحالتين وقال في الوجهين اسْتَعِينُوا في ذلك بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ كما أمر بالمعونة فيما يوجب الشكر وهو الإحسان بالإنعام فقال وتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وهو الإحسان بالإنعام والتَّقْوى‏ أي اجعلوا ذلك وقاية وهي مناسبة للصلاة فإن الصلاة وقاية عن الفحشاء والمنكر ما دام العبد متلبسا بها فإن الله سمي نفسه بالواقي والصلاة واقية والعبد متلبس بصلاته وهي وقاية مما ذكرناه والله هو الواقي فانظر ما أشرف حال الصلاة لمن نظر واستبصر فالسعيد من ثابر عليها وحافظ وداوم ومن شرفها أن الله ما علق الوعيد إلا بمن سها عنها لا فيها فقال فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل في صلاتهم فإن العبد في صلاته بين مناج ومشاهد فقد يسهو عن مناجاته لاستغراقه في مشاهدته وقد يسهو عن مشاهدته لاستغراقه في مناجاته مما يناجيه به من كلامه‏

[الشك في الصلاة وجبره بسجدتي السهو]

ولما كان كلامه سبحانه مخبرا عما يجب له من صفات التنزيه والثناء ومخبرا عما يتعلق بالأكوان من أحكام وقصص وحكايات ووعد ووعيد جال الخاطر في الأكوان لدلالة الكلام عليها وهو مأمور بالتدبر في التلاوة فربما استرسل في ذلك الكون لمشاهدته إياه فيه فيخرج من كون ذلك الكون مذكورا في القرآن إلى عينه خاصة لا من كونه مذكورا لله على الحد الذي أخبر به عنه فيسمى مثل هذا إذا أثر شكا له في صلاته فلا يدري ما مضى من صلاته فشرع إن يسجد سجدتي سهو يرغم بهما الشيطان ويجبر بهما النقصان ويشفع بهما الرجحان فتتضاعف صلاته فيتضاعف الأجر وذلك في النفل والفرض سواء وما توعد الله بمكروه من سها في صلاته فمن تنبه لما ذكرناه وأومأنا إليه يعلم فضل الله ورحمته بعباده والناس عن مثل هذا غافلون فلا يعرف شرف العبادات إلا عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ولا برهان جعلنا الله وإياكم ممن صبر وصلى وسبق وما صلى بمنه ويمنه‏

(وصل في اختلاف الصلاة)

[اختلاف الصلاة باختلاف أحوال المصلي‏]

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة يختلف حكمها باختلاف أحوال المصلي إذا كان المصلي مخلوقا والمصلي له وتختلف باختلاف المصلى عليه إذا كان المصلي هو الله تعالى فأما الأول فمعلوم إن الإنسان محل التغيير واختلاف الأحوال عليه فتختلف صلاته لاختلاف أحواله وقد تقدم من اختلاف أحوال المصلين ما قد ذكرناه في هذا الباب مثل صلاة المريض وصلاة الخائف وأن اختلافها باختلاف حال المصلي من أجله مثل صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء

[اختلاف الصلاة باختلاف المصلى عليه‏]

وأما اختلافها باختلاف المصلى عليه فمثل صلاة الحق على عباده قال تعالى إِنَّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ‏

فسأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة التي أمرهم الله أن يصلوها عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم‏

أي مثل‏

الصفحة 545 من الجزء 1

صلاتك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فهذا يدلك على اختلاف الصلاة الإلهية لاختلاف أحوال المصلى عليهم ومقاماتهم عند الله‏

[فضل إبراهيم على محمد]

ويظهر من هذا الحديث فضل إبراهيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلب أن يصلي عليه مثل الصلاة على إبراهيم فاعلم إن الله أمرنا بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمرنا بالصلاة على آله في القرآن وجاء الإعلام في تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا الصلاة عليه بزيادة الصلاة على الآل فما طلب صلى الله عليه وسلم الصلاة من الله عليه مثل صلاته على إبراهيم من حيث أعيانهما فإن العناية الإلهية برسول الله صلى الله عليه وسلم أتم إذ قد خص بأمور لم يخص بها نبي قبله لا إبراهيم ولا غيره وذلك من صلاته تعالى عليه فكيف يطلب الصلاة من الله عليه مثل صلاته على إبراهيم من حيث عينه وإنما المراد من ذلك ما أبينه إن شاء الله‏

[آل محمد النبوة الدائمة النبوة المنقطعة]

وذلك أن الصلاة على الشخص قد تصلي عليه من حيث عينه ومن حيث ما يضاف إليه غيره فكان الصلاة من حيث ما يضاف إليه غيره هي الصلاة من حيث المجموع إذ للمجموع حكم ليس للواحد إذا انفرد واعلم أن آل الرجل في لغة العرب هم خاصته الأقربون إليه وخاصة الأنبياء وآلهم هم الصالحون العلماء بالله المؤمنون وقد علمنا إن إبراهيم كان من آله أنبياء ورسل لله ومرتبة النبوة والرسالة قد ارتفعت في الشاهد في الدنيا فلا يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته نبي يشرع الله له خلاف شرع محمد صلى الله عليه وسلم ولا رسول وما منع المرتبة ولا حجرها من حيث لا تشريع ولا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم فيمن حفظ القرآن إن النبوة أدرجت بين جنبيه‏

أوكما قال صلى الله عليه وسلم وقال في المبشرات إنها جزء من أجزاء النبوة

فوصف بعض أمته بأنهم قد حصل لهم المقام وإن لم يكونوا على شرع يخالف شرعه وقد علمنا بما

قال لنا صلى الله عليه وسلم إن عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما مقسطا عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير

ولا نشك قطعا أنه رسول الله ونبيه وهو ينزل فله عليه السلام مرتبة النبوة بلا شك عند الله وما له مرتبة التشريع عند نزوله فعلمنا

بقوله صلى الله عليه وسلم إنه لا نبي بعدي ولا رسول‏

وأن النبوة قد انقطعت والرسالة إنما يريد بهما التشريع فلما كانت النبوة أشرف مرتبة وأكملها ينتهي إليها من اصطفاه الله من عباده علمنا إن التشريع في النبوة أمر عارض بكون عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما من غير تشريع وهو نبي بلا شك فخفيت مرتبة النبوة في الخلق بانقطاع التشريع ومعلوم أن آل إبراهيم من النبيين والرسل الذين كانوا بعده مثل إسحاق ويعقوب ويوسف ومن انتسل منهم من الأنبياء والرسل بالشرائع الظاهرة الدالة على إن لهم مرتبة النبوة عند الله أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق أمته وهم آله العلماء الصالحون منهم بمرتبة النبوة عند الله وإن لم يشرعوا ولكن أبقى لهم من شرعه ضربا من التشريع‏

فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد أي صل عليه من حيث ما له آل كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم‏

أي من حيث إنك أعطيت آل إبراهيم النبوة تشريفا لإبراهيم فظهرت نبوتهم بالتشريع وقد قضيت إن لا شرع بعدي فصل علي وعلى آلي بأن تجعل لهم مرتبة النبوة عندك وإن لم يشرعوا فكان من كمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ألحق آله بالأنبياء في المرتبة وزاد على إبراهيم بأن شرعه لا ينسخ وبعض شرع إبراهيم ومن بعده نسخت الشرائع بعضها بعضا وما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه على هذه الصورة إلا بوحي من الله وبما أراه الله وأن الدعوة في ذلك مجابة فقطعنا أن في هذه الأمة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوة عند الله لا في التشريع ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكد بقوله فلا رسول بعدي ولا نبي فأكد بالرسالة من أجل التشريع فأكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم ثم إنه خص هذه الأمة أعني علماءها بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام وقرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم وتعبدهم به وتعبد من قلدهم به كما كان حكم الشرائع للأنبياء ومقلديهم ولم يكن مثل هذا لأمة نبي ما لم يكن نبي بوحي منزل فجعل الله وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ الله فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه الله في اجتهاده فهذه نفحات من نفحات التشريع ما هو عين التشريع فلآل محمد صلى الله عليه وسلم وهم المؤمنون من أمته العلماء مرتبة النبوة عند الله تظهر في الآخرة وما لها حكم في الدنيا إلا هذا القدر من الاجتهاد المشروع لهم فلم يجتهدوا في الدين‏