«ولقد أهلكنا القرون» الأمم «من قبلكم» يا أهل مكة «لما ظلموا» بالشرك «و» قد «جاءتهم رسلهم بالبينات» الدالات على صدقهم «وما كانوا ليؤمنوا» عطف على ظلموا «كذلك» كما أهلكنا أولئك «نجزي القوم المجرمين» الكافرين.
إن الإنسان ولد على الفطرة ، وهي العلم بوجود الرب أنه ربنا ، ونحن عبيد له ، والإنسان لا يقبض حين يقبض إلا بعد كشف الغطاء ، فلا يقبض إلا مؤمنا ولا يحشر إلا مؤمنا ، غير أن اللّه تعالى لما قال : «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا» فما آمنوا إلا ليندفع عنهم ذلك البأس ، فما اندفع عنهم ، وأخذهم اللّه بذلك البأس ، وما ذكر أنه لا ينفعهم في الآخرة ، ويؤيد ذلك قوله : «فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا» حين رأوا البأس «كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» فهذا معنى قولنا : «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ» في رفع البأس عنهم في الحياة الدنيا كما نفع قوم يونس ، فما تعرض إلى الآخرة ومع هذا فإن اللّه يقيم حدوده على عباده حيث شاء ومتى شاء ، فثبت أن انتقال الناس في الدارين في أحوالهم من نعيم إلى نعيم ، ومن عذاب إلى عذاب ، ومن عذاب إلى نعيم ، من غير مدة معلومة لنا ، فإن اللّه ما عرفنا ، إلا أنا استروحنا من قوله : (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) أن هذا القدر مدة إقامة الحدود ، ودلت هذه الآية على أن يونس عليه السلام كان محبوبا للّه ، حيث خص قومه من أجله بما لم يخص به أمة قبلها ، وعرفنا بذلك ، فعامل قوم يونس بما عاملهم به من كونه كشف عنهم العذاب بعد ما رأوه نازلا بهم ، فآمنوا ، أرضاه اللّه في أمته فنفعها إيمانها ، ولم يفعل ذلك مع أمة قبلها ، ومتعهم إلى حين فأمدّ لهم في التمتع في مقابلة ما نالوه من الألم عند رؤية العذاب ، فلما اشتد البلاء
على قوم يونس وكانت اللحظة الزمانية عندهم في وقت رؤية العذاب كالسنة أو أطول ، ذكر أنه تعالى في مقابلة هذا الطول الذي وجدوه في نفوسهم أنه متعهم إلى حين ، فبقوا في نعيم الحياة الدنيا زمنا طويلا ، لم يكن يحصل لهم ذلك لولا هذا البلاء وقد قيل إن الحين الذي جعله غاية تمتعهم أنه القيامة واللّه أعلم .
قوله تعالى: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم. {لما ظلموا} أي كفروا وأشركوا. {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات. {وما كانوا ليؤمنوا} أي أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون. يخوف كفار مكة عذاب الأمم الماضية؛ أي نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، ولكن نمهلهم لعلمنا بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. وهذه الآية ترد على أهل الضلال القائلين بخلق الهدى والإيمان. وقيل : معنى {ما كانوا ليؤمنوا} أي جازاهم على كفرهم بأن طبع على قلوبهم؛ ويدل على هذا أنه قال: {كذلك نجزي القوم المجرمين}.
ولقد أهلكنا الأمم التي كذَّبت رسل الله من قبلكم -أيها المشركون بربهم- لـمَّا أشركوا، وجاءتهم رسلهم من عند الله بالمعجزات الواضحات والحجج التي تبين صدق مَن جاء بها، فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها لتصدق رسلها وتنقاد لها، فاستحقوا الهلاك، ومثل ذلك الإهلاك نجزي كل مجرم متجاوز حدود الله.
يخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية بظلمهم وكفرهم، بعد ما جاءتهم البينات على أيدي الرسل وتبين الحق فلم ينقادوا لها ولم يؤمنوا. فأحل بهم عقابه الذي لا يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله، وهذه سنته في جميع الأمم.
قوله عز وجل : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ) أشركوا ، ( وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك ) أي : كما أهلكناهم بكفرهم ، ( نجزي ) نعاقب ونهلك ، ( القوم المجرمين ) الكافرين بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، يخوف كفار مكة بعذاب الأمم الخالية المكذبة .
(وَلَقَدْ) الواو استئنافية واللام واقعة في جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق (أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ) ماض وفاعله ومفعوله والجملة لا محل لها لأنها جواب قسم (مِنْ قَبْلِكُمْ) متعلقان بأهلكنا والكاف مضاف إليه (لَمَّا) الحينية ظرف زمان (ظَلَمُوا) ماض وفاعله والجملة مضاف إليه (وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) ماض والهاء مفعوله المقدم ورسلهم فاعله المؤخر والهاء مضاف إليه والجملة معطوفة (بِالْبَيِّناتِ) متعلقان بجاءتهم (وَما) الواو عاطفة وما نافية (كانُوا) كان واسمها ص: 19
(لِيُؤْمِنُوا) اللام لام الجحود ومضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود والواو فاعل واللام وما بعدها متعلقان بمحذوف خبر كان (كَذلِكَ) الكاف حرف جر واسم الإشارة في محل جر ومتعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف واللام للبعد والكاف للخطاب (نَجْزِي) مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل والفاعل مستتر (الْقَوْمَ) مفعول به (الْمُجْرِمِينَ) صفة والجملة مستأنفة.
We destroyed the generations before you when they did wrong; and their messengers (from Allah) came unto them with clear proofs (of His Sovereignty) but they would not believe. Thus do We reward the guilty folk.
Andolsun ki sizden önce gelip geçen nice toplulukları zulmettikleri için helak ettik. Peygamberleri, onlara apaçık delillerle gelseydi gene de inanmazlardı. İşte mücrim topluluğu böyle cezalandırırız biz.
Nous avons fait périr les générations d'avant vous lorsqu'elles eurent été injustes alors que leurs messagers leur avaient apporté des preuves. Cependant, elles n'étaient pas disposées à croire. C'est ainsi que Nous rétribuons les gens criminels.
Und gewiß, bereits haben WIR frühere Generationen vor euch zugrunde gerichtet, als sie Unrecht begingen und ihre Gesandten zu ihnen mit deutlichen Zeichen kamen, doch sie pflegten (trotzdem) den Iman nicht zu verinnerlichen. Derart vergelten WIR es den schwer verfehlenden Leuten.