«وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتْبَعَهُمْ» لحقهم «فرعون وجنود بغيا وعدوا» مفعول له «حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه» أي بأنه وفي قراءة بالكسر استئنافا «لا إله الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» كرره ليقبل منه فلم يقبل، ودس جبريل في فيه من حمأة البحر مخافة أن تناله الرحمة، وقال له.
إن الإنسان ولد على الفطرة ، وهي العلم بوجود الرب أنه ربنا ، ونحن عبيد له ، والإنسان لا يقبض حين يقبض إلا بعد كشف الغطاء ، فلا يقبض إلا مؤمنا ولا يحشر إلا مؤمنا ، غير أن اللّه تعالى لما قال : «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا» فما آمنوا إلا ليندفع عنهم ذلك البأس ، فما اندفع عنهم ، وأخذهم اللّه بذلك البأس ، وما ذكر أنه لا ينفعهم في الآخرة ، ويؤيد ذلك قوله : «فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا» حين رأوا البأس «كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» فهذا معنى قولنا : «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ» في رفع البأس عنهم في الحياة الدنيا كما نفع قوم يونس ، فما تعرض إلى الآخرة ومع هذا فإن اللّه يقيم حدوده على عباده حيث شاء ومتى شاء ، فثبت أن انتقال الناس في الدارين في أحوالهم من نعيم إلى نعيم ، ومن عذاب إلى عذاب ، ومن عذاب إلى نعيم ، من غير مدة معلومة لنا ، فإن اللّه ما عرفنا ، إلا أنا استروحنا من قوله : (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) أن هذا القدر مدة إقامة الحدود ، ودلت هذه الآية على أن يونس عليه السلام كان محبوبا للّه ، حيث خص قومه من أجله بما لم يخص به أمة قبلها ، وعرفنا بذلك ، فعامل قوم يونس بما عاملهم به من كونه كشف عنهم العذاب بعد ما رأوه نازلا بهم ، فآمنوا ، أرضاه اللّه في أمته فنفعها إيمانها ، ولم يفعل ذلك مع أمة قبلها ، ومتعهم إلى حين فأمدّ لهم في التمتع في مقابلة ما نالوه من الألم عند رؤية العذاب ، فلما اشتد البلاء
على قوم يونس وكانت اللحظة الزمانية عندهم في وقت رؤية العذاب كالسنة أو أطول ، ذكر أنه تعالى في مقابلة هذا الطول الذي وجدوه في نفوسهم أنه متعهم إلى حين ، فبقوا في نعيم الحياة الدنيا زمنا طويلا ، لم يكن يحصل لهم ذلك لولا هذا البلاء وقد قيل إن الحين الذي جعله غاية تمتعهم أنه القيامة واللّه أعلم .
ذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده ؛ فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى ، عليه السلام ، وهم - فيما قيل - ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية ، وقد كانوا استعاروا من القبط حليا كثيرا ، فخرجوا به معهم ، فاشتد حنق فرعون عليهم ، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه ، فركب وراءهم في أبهة عظيمة ، وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم ، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته ، فلحقوهم وقت شروق الشمس ، ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) [ الشعراء : 61 ] وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر ، وأدركهم فرعون ، ولم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان ، وألح أصحاب موسى ، عليه السلام ، عليه في السؤال كيف المخلص مما نحن فيه ؟ فيقول : إني أمرت أن أسلك هاهنا ، ( كلا إن معي ربي سيهدين ) [ الشعراء : 62 ] فعندما ضاق الأمر اتسع ، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه ، فضربه فانفلق البحر ، ( فكان كل فرق كالطود العظيم ) [ الشعراء : 63 ] أي : كالجبل العظيم ، وصار اثني عشر طريقا ، لكل سبط واحد . وأمر الله الريح فنشفت أرضه ، ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) [ طه : 77 ] وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ، ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا . وجازت بنو إسرائيل البحر ، فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى ، وهو في مائة ألف أدهم سوى بقية الألوان ، فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهم بالرجوع ، وهيهات ولات حين مناص ، نفذ القدر ، واستجيبت الدعوة . وجاء جبريل ، عليه السلام ، على فرس - وديق حائل - فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها وتقدم جبريل فاقتحم البحر ودخله ، فاقتحم الحصان وراءه ، ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئا ، فتجلد لأمرائه ، وقال لهم : ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا ، فاقتحموا كلهم عن آخرهم وميكائيل في ساقتهم ، لا يترك أحدا منهم ، إلا ألحقه بهم . فلما استوسقوا فيه وتكاملوا ، وهم أولهم بالخروج منه ، أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم ، فارتطم عليهم ، فلم ينج منهم أحد ، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم ، وتراكمت الأمواج فوق فرعون ، وغشيته سكرات الموت ، فقال وهو كذلك : ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ، ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) [ غافر : 84 ، 85 ] .
قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} تقدم القول فيه في {البقرة} في قوله: {وإذ فرقنا بكم البحر}. وقرأ الحسن {وجوزنا} وهما لغتان. {فأتبعهم فرعون وجنوده} يقال : تبع وأتبع بمعنى واحد، إذا لحقه وأدركه. وأتبع (بالتشديد) إذا سار خلفه. وقال الأصمعي : أتبعه (بقطع الألف) إذا لحقه وأدركه، وأتبعه (بوصل الألف) إذا أتبع أثره، أدركه أو لم يدركه. وكذلك قال أبو زيد. وقرأ قتادة {فاتبعهم} بوصل الألف. وقيل: {اتبعه} (بوصل الألف) في الأمر اقتدى به. وأتبعه (بقطع الألف) خيرا أو شرا؛ هذا قول أبي عمرو. وقد قيل هما بمعنى واحد. فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا، وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف. وقد تقدم. {بغيا} 0نصب على الحال. {وعدوا} معطوف عليه؛ أي في حال بغي واعتداء وظلم؛ يقال : عدا يعدو عدوا؛ مثل غزا يغزو غزوا. وقرأ الحسن {وعدوا} بضم العين والدال وتشديد الواو؛ مثل علا يعلو علوا. وقال المفسرون: {بغيا} طلبا للاستعلاء بغير حق في القول، {وعدوا} في الفعل؛ فهما نصب على المفعول له. {حتى إذا أدركه الغرق} أي ناله ووصله. {قال آمنت} أي صدقت. {أنه} أي بأنه. {لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} فلما حذف الخافض تعدى الفعل فنصب. وقرئ بالكسر، أي صرت مؤمنا ثم استأنف. وزعم أبو حاتم أن القول محذوف، أي آمنت فقلت إنه، والإيمان لا ينفع حينئذ؛ والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس، وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل، حسب ما تقدم في }النساء} بيانه. ويقال : إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى؛ فجاء جبريل على فرس وديق أي شهي في صورة هامان وقال له : تقدم، ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر، وألجم فرعون الغرق فقال : آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل؛ فدس جبريل في فمه حال البحر. وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة). قال أبو عيسى : هذا حديث حسن. حال البحر : الطين الأسود الذي يكون في أرضه؛ قال أهل اللغة. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر : (أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه). قال : هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال عون بن عبدالله : بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون، فإنه لما أدركه الغرق قال{آمنت} الآية، فخشيت أن يقولها فيرحم، فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه. وقيل : إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي. وقال كعب الأحبار : أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه. فقالت له القبط : إن كنت ربنا فأجر لنا الماء؛ فركب وأمر بجنوده قائدا قائدا وجعلوا يقفون عل درجاتهم وقفز حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابا له أخرى وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مستفت وقال : ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند له غيره، فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه؛ فكتب فرعون : يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان جزاؤه أن يغرق في البحر؛ فأخذه جبريل ومر فلما أدركه الغرق ناول جبريل عليه السلام خطه. وقد مضى هذا في {البقرة} عن عبدالله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسندا؛ وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدم بيانه في {البقرة} أيضا فلا معنى للإعادة. {وأنا من المسلمين} أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة.
وقطَعْنا ببني إسرائيل البحر حتى جاوزوه، فأتبعهم فرعون وجنوده ظلمًا وعدوانًا، فسلكوا البحر وراءهم، حتى إذا أحاط بفرعون الغرق قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنتْ به بنو إسرائيل، وأنا من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة.
{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ } وذلك أن الله أوحى إلى موسى، لما وصل البحر، أن يضربه بعصاه، فضربه، فانفلق اثنى عشر طريقًا، وسلكه بنو إسرائيل، وساق فرعون وجنوده خلفه داخلين.
فلما استكمل موسى وقومه خارجين من البحر، وفرعون وجنوده داخلين فيه، أمر الله البحر فالتطم على فرعون وجنوده، فأغرقهم، وبنو إسرائيل ينظرون.
حتى إذا أدرك فرعون الغرق، وجزم بهلاكه { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } وهو الله الإله الحق الذي لا إله إلا هو { وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى.
( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) عبرنا بهم ( فأتبعهم ) لحقهم وأدركهم ، ( فرعون وجنوده ) يقال : " أتبعه وتبعه " إذا أدركه ولحقه ، و " اتبعه " بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به . وقيل : هما واحد . ( بغيا وعدوا ) أي : ظلما واعتداء . وقيل : بغيا في القول وعدوا في الفعل . وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه ، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس وديق وخاض البحر ، فاقتحمت الخيول خلفه ، فلما دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم الماء . وقوله تعالى : ( حتى إذا أدركه الغرق ) أي : غمره الماء وقرب هلاكه ، ( قال آمنت أنه ) قرأ حمزة والكسائي " إنه " بكسر الألف أي : آمنت وقلت إنه . وقرأ الآخرون " أنه " بالفتح على وقوع آمنت عليها ( لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) فدس جبريل عليه السلام في فيه من حمأة البحر .
(وَجاوَزْنا) الواو استئنافية وماض وفاعله والجملة مستأنفة (بِبَنِي) اسم مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم متعلقان بجاوزنا (إِسْرائِيلَ) مضاف اليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف (الْبَحْرَ) مفعول به (فَأَتْبَعَهُمْ) الفاء عاطفة وماض ومفعوله (فِرْعَوْنُ) فاعل مؤخر والجملة معطوفة (وَجُنُودُهُ) معطوفة على فرعون (بَغْياً) مفعول لأجله (وَعَدْواً) معطوفة على بغيا (حَتَّى) حرف غاية (إِذا) ظرفية تضمن معنى الشرط (أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ) ماض ومفعوله المقدم وفاعله المؤخر والجملة مضاف اليه.
(قالَ) ماض وفاعله مستتر (آمَنْتُ) ماض وفاعله والجملة مقول القول (أَنَّهُ) أن واسمها (لا) نافية للجنس (إِلهَ) اسمها والجملة خبر أنه (إِلَّا) أداة حصر (الَّذِي) اسم موصول خبر لا (آمَنْتُ) ماض والتاء للتأنيث (بِهِ) متعلقان بآمنت (بَنُوا) فاعل مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (إِسْرائِيلَ) مضاف اليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف والجملة صلة الموصول (وَأَنَا) الواو حالية وأنا مبتدأ والجملة حالية (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) متعلقان بالخبر المحذوف
---
Traslation and Transliteration:
Wajawazna bibanee israeela albahra faatbaAAahum firAAawnu wajunooduhu baghyan waAAadwan hatta itha adrakahu algharaqu qala amantu annahu la ilaha illa allathee amanat bihi banoo israeela waana mina almuslimeena
And We brought the Children of Israel across the sea, and Pharaoh with his hosts pursued them in rebellion and transgression, till, when the (fate of) drowning overtook him, he exclaimed: I believe that there is no Allah save Him in Whom the Children of Israel believe, and I am of those who surrender (unto Him).
İsrailoğullarını denizden geçirdik, derken Firavun'la askeri de azgınlıkla, düşmanlıkla peşlerine düştü onların, sonucu su boğazına girince boğulurken inandım, gerçekten de İsrailoğullarının inandığı Tanrıdan başka tapacak yok ve ben Müslümanlardanım dedi.
Et Nous fîmes traverser la mer aux Enfants d'Israël. Pharaon et ses armées les poursuivirent avec acharnement et inimitié. Puis, quand la noyade l'eut atteint, il dit: «Je crois qu'il n'y a d'autre divinité que Celui en qui ont cru les enfants d'Israël. Et je suis du nombre des soumis».
Dann ließen WIR die Kinder Israils das Meer überqueren. Pharao und seine Soldaten sind ihnen dann aus Übertretung und Feindseligkeit gefolgt. Dann als er (Pharao) kurz vor dem Ertrinken war, sagte er: "Ich bekunde den Iman, daß es gewiß keine Gottheit gibt außer Der, an Die die Kinder Israils den Iman bekundeten, und ich bin einer der Muslime."