اعلم أن جميع هذا القصص إنما هو قناطر وجسور موضوعة نعبر عليها إلى ذواتنا وأحوالنا المختصة بنا ، فإن فيها منفعتنا ، إذ كان اللّه نصبها لنا معبرا ، لذلك قال تعالى «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ» فإن اللب يحجب بصورة القشر ، فلا يعلم اللب إلا من علم أن ثم لبا ، ولولا ذلك ما كسر القشر ، فيكون هذا القصص يذكرك بما فيك «ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .
(13) سورة الرّعد مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
------------
(111) كتاب الإسفار عن نتائج الأسفار - الفتوحات ج 3 / 471 - كتاب الإسفار
( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها ، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس; فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات ، على أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة ، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض ، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان ، فكمل من كل الوجوه;
قوله تعالى{إنا أنزلناه قرآنا عربيا} يجوز أن يكون المعنى : إنا أنزلنا القرآن عربيا؛ نصب {قرآنا} على الحال؛ أي مجموعا. و{عربيا} نعت لقوله {قرآنا}. ويجوز أن يكون توطئة للحال، كما تقول : مررت بزيد رجلا صالحا، و{عربيا} على الحال، أي يقرأ بلغتكم يا معشر العرب، أعرب بين، ومنه (الثيب تعرب عن نفسها). {لعلكم تعقلون} أي لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. وبعض العرب يأتي بأن مع [لعل] تشبيها بعسى. واللام في [لعل] زائدة للتوكيد؛ كما قال الشاعر : يا أبتا علَّك أو عساكا وقيل{لعلكم تعقلون} أي لتكونوا على رجاء من تدبره؛ فيعود معنى الشك إليهم لا إلى الكتاب، ولا إلى الله عز وجل. وقيل : معنى {أنزلناه} أي أنزلنا خبر يوسف، قال النحاس : وهذا أشبه بالمعنى؛ لأنه يروى أن اليهود قالوا : سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن خبر يوسف؛ فأنزل الله عز وجل هذا بمكة موافقا لما في التوراة، وفيه زيادة ليست عندهم. فكان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم - إذ أخبرهم ولم يكن يقرأ كتابا قط ولا هو في موضع كتاب - بمنزلة إحياء عيسى عليه السلام الميت على ما يأتي فيه.
ومن بيانه وإيضاحه: أنه أنزله باللسان العربي، أشرف الألسنة، وأبينها، [المبين لكل ما يحتاجه الناس من الحقائق النافعة ] وكل هذا الإيضاح والتبيين { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ْ} أي: لتعقلوا حدوده وأصوله وفروعه، وأوامره ونواهيه.
فإذا عقلتم ذلك بإيقانكم واتصفت قلوبكم بمعرفتها، أثمر ذلك عمل الجوارح والانقياد إليه، و { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ْ} أي: تزداد عقولكم بتكرر المعاني الشريفة العالية، على أذهانكم،. فتنتقلون من حال إلى أحوال أعلى منها وأكمل.
(إِنَّا) إن واسمها (أَنْزَلْناهُ) ماض وفاعله ومفعوله الأول (قُرْآناً) مفعول به ثان أو حال (عَرَبِيًّا) صفة والجملة استئنافية (لَعَلَّكُمْ) لعل واسمها والجملة تعليل لا محل لها (تَعْقِلُونَ) مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر