اعلم أن جميع هذا القصص إنما هو قناطر وجسور موضوعة نعبر عليها إلى ذواتنا وأحوالنا المختصة بنا ، فإن فيها منفعتنا ، إذ كان اللّه نصبها لنا معبرا ، لذلك قال تعالى «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ» فإن اللب يحجب بصورة القشر ، فلا يعلم اللب إلا من علم أن ثم لبا ، ولولا ذلك ما كسر القشر ، فيكون هذا القصص يذكرك بما فيك «ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .
(13) سورة الرّعد مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
------------
(111) كتاب الإسفار عن نتائج الأسفار - الفتوحات ج 3 / 471 - كتاب الإسفار
ولهذا قال : ( يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون )
ثم بشرهم بعد الجدب في العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك ( عام فيه يغاث الناس ) أي : يأتيهم الغيث ، وهو المطر ، وتغل البلاد ، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم ، من زيت ونحوه ، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ( وفيه يعصرون ) يحلبون .
قوله تعالى {ثم يأتي من بعد ذلك عام} هذا خبر من يوسف عليه السلام عما لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله. قال قتادة : زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها إظهارا لفضله، وإعلاما لمكانه من العلم وبمعرفته. {فيه يغاث الناس} من الإغاثة أو الغوث؛ غوَّث الرجل قال واغوثاه، والاسم الغوث والغُواث والغَواث، واستغاثني فلان فأغثته، والاسم الغِياث؛ صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها. والغيث المطر؛ وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها؛ وغاث الله البلاد يغيثها غيثا، وغيثت الأرض تغاث غيثا، فهي أرض مغيثة ومغيوثة؛ فمعنى {يُغاث الناس} يمطرون. {وفيه يعصرون} فال ابن عباس : يعصرون الأعناب والدهن؛ ذكره البخاري. وروى حجاج عن ابن جريح قال : يعصرون العنب خمرا والسمسم دهنا، والزيتون زيتا. وقيل : أراد حلب الألبان لكثرتها؛ ويدل ذلك على كثرة النبات. وقيل {يعصرون} أي ينجون؛ وهو من العصرة، وهي المنجاة. قال أبو عبيدة والعصر بالتحريك الملجأ والمنجاة، وكذلك العصرة؛ قال أبو زبيد : صاديا يستغيث غير مغاث ** ولقد كان عُصْرَةَ المنجود والمنجود: الفزع. واعتصرت بفلان وتعصرت أي التجأت إليه. قال أبو الغوث {يعصرون} يستغلون؛ وهو من عصر العنب. واعتصرت ماله أي استخرجته من يده. وقرأ عيسى {تُعصَرون} بضم التاء وفتح الصاد، ومعناه : تمطرون؛ من قول الله {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا} [النبأ : 14] وكذلك معنى {تُعصِرون} بضم التاء وكسر الصاد، فيمن قرأه كذلك.
{ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } أي: بعد السبع الشداد { عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي: فيه تكثر الأمطار والسيول، وتكثر الغلات، وتزيد على أقواتهم، حتى إنهم يعصرون العنب ونحوه زيادة على أكلهم، ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك، لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد، أن العام الذي يليها يزول به شدتها،.ومن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب جدا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا، عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشد الفرح.
( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) أي : يمطرون ، من الغيث : وهو المطر . وقيل : ينقذون ، من قول العرب استغثت فلانا فأغاثني ( وفيه يعصرون ) قرأ حمزة والكسائي : " تعصرون " بالتاء ، لأن الكلام كله على الخطاب ، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى الناس ، ومعناه : يعصرون العنب خمرا ، والزيتون زيتا ، والسمسم دهنا . وأراد به كثرة النعيم والخير . وقال أبو عبيدة : يعصرون أي ينجون من الكروب والجدب ، والعصر والعصرة : المنجاة والملجأ .