«والأنعام» الإبل والبقر والغنم، ونصبه بفعل مقدر يفسره «خلقها لكم» من جملة الناس «فيها دفءٌ» ما تستدفئون به من الأكسية والأردية من أشعارها وأصوافها «ومنافع» من النسل والدرّ والركوب «ومنها تأكلون» قدم الظرف للفاصلة.
[ الفرق بين الوارث المحمدي وباقي ورثة الأنبياء عليهم السلام ]
-الوجه الأول -من جمع الإحسان والتقوى كان اللّه معه ، ومن أحسن إلى نفسه بأداء الزكاة كان متقيا أذى شح نفسه فهو من المتقين ، ومن المحسنين من يعبد اللّه كأنه يراه ويشهده ، ومن شهوده للحق علمه بأنه ما كلفه التصرف إلا فيما هو للحق وتعود منفعته على العبد ، منة وفضلا ، مع الثناء الحسن له على ذلك ، فإن عمل ما كلفه اللّه به لا يعود على اللّه من ذلك نفع ، وإن لم يعمل لا يتضرر بذلك ، والكل يعود على العبد ، فالزم الأحسن إليك تكن محسنا إلى نفسك
- الوجه الثاني -إن اللّه مع المحسنين كما هو مع المتقين ، والإحسان عيان وفي منزل كأنه عيان .
يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم ، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج ، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع ، من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون ، ومن ألبانها يشربون ، ويأكلون من أولادها ،
فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى {والأنعام خلقها لكم} لما ذكر الإنسان ذكر ما منّ به عليه. والأنعام : الإبل والبقر والغنم. وأكثر ما يقال : نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة. قال حسان : عفت ذات الأصابع فالجِواء ** إلى عذراء منزلها خلاء ديار من بني الحسحاس قفر ** تُعفِّيها الروامس والسماء وكانت لا يزال بها أنيس ** خلال مروجها نَعَم وشَاء فالنعم هنا الإبل خاصة. وقال الجوهري : والنعم واحد الأنعام وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. قال الفراء : هو ذكر لا يؤنث، يقولون : هذا نعم وارد، ويجمع على نعمان مثل حمل وحملان. والأنعام تذكر وتؤنث؛ قال الله تعالى {مما في بطونه} [النحل : 66]. وفي موضع {مما في بطونها} [المؤمنون : 21]. وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان، أو بفعل مقتدر، وهو أوجه. الثانية: قوله تعالى {دفء} الدفء : السخانة، وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ملابس ولحف وقطف. وروي عن ابن عباس : دفؤها نسلها؛ والله أعلم قال الجوهري في الصحاح : الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها؛ قال الله تعالى {لكم فيها دفء}. وفي الحديث (لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق). والدفء أيضا السخونة، تقول منه : دفئ الرجل دفاءة مثل كره كراهة. وكذلك دفئ دفأ مثل ظمئ ظمأ. والاسم الدفء بالكسر وهو الشيء الذي يدفئك، والجمع الأدفاء. تقول : ما عليه دفء؛ لأنه اسم. ولا تقول : ما عليك دفاءة؛ لأنه مصدر. وتقول : اقعد في دفء هذا الحائط أي ركنه. ورجل دفئ على فعل إذا لبس ما يدفئه. وكذلك رجل دفآن وامرأة دفأى. وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به، وأدفأ به وهو افتعل؛ أي ما لبس ما يدفئه. ودفؤت ليلتنا، ويوم دفيء على فعيل وليلة دفيئة، وكذلك الثوب والبيت. والمدفئة الإبل الكثيرة؛ لأن بعضها يدفئ بعضا بأنفاسها، وقد يشدد. والمدفأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم؛ عن الأصمعي. وأنشد الشماخ : وكيف يضيع صاحب مدفآت ** على أثباجهن من الصقيع قوله تعالى {ومنافع} قال ابن عباس : المنافع نسل كل دابة. مجاهد : الركوب والحمل والألبان واللحوم والسمن. {ومنها تأكلون} أفرد منفعة الأكل بالذكر لأنها معظم المنافع. وقيل : المعنى ومن لحومها تأكلون عند الذبح. الثالثة: دلت هذه الآية على لباس الصوف، وقد لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله كموسى وغيره. وفي حديث المغيرة : فغسل وجهه وعليه جبة من صوف شامية ضيقة الكمين... الحديث، خرجه مسلم وغيره. قال ابن العربي : وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة والتابعين، واختيار الزهاد والعارفين، وهو يلبس لينا وخشنا وجيدا ومقاربا ورديئا، وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية؛ لأنه لباسهم في الغالب، فالياء للنسب والهاء للتأنيث. وقد انشدني بعض أشياخهم بالبيت المقدس طهره الله : تشاجر الناس في الصوفي واختلفوا ** فيه وظنوه مشتقا من الصوف ولست أنحل هذا الاسم غير فتى ** صافَى فصُوفِي حتى سمي الصوفي
قوله تعالى ( والأنعام خلقها ) يعني الإبل والبقر والغنم ، ( لكم فيها دفء ) يعني : من أوبارها وأشعارها وأصوافها ملابس ولحفا تستدفئون بها ، ( ومنافع ) بالنسل والدر والركوب والحمل وغيرها ، ( ومنها تأكلون ) يعني لحومها .