«وما بكم من نعمة فمن الله» لا يأتي بها غيره و"ما" شرطية أو موصولة «ثم إذا مسكم» أصابكم «الضر» الفقر والمرض «فإليه تجأرون» ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدعاء ولا تدعون غيره.
[ الفرق بين الوارث المحمدي وباقي ورثة الأنبياء عليهم السلام ]
-الوجه الأول -من جمع الإحسان والتقوى كان اللّه معه ، ومن أحسن إلى نفسه بأداء الزكاة كان متقيا أذى شح نفسه فهو من المتقين ، ومن المحسنين من يعبد اللّه كأنه يراه ويشهده ، ومن شهوده للحق علمه بأنه ما كلفه التصرف إلا فيما هو للحق وتعود منفعته على العبد ، منة وفضلا ، مع الثناء الحسن له على ذلك ، فإن عمل ما كلفه اللّه به لا يعود على اللّه من ذلك نفع ، وإن لم يعمل لا يتضرر بذلك ، والكل يعود على العبد ، فالزم الأحسن إليك تكن محسنا إلى نفسك
- الوجه الثاني -إن اللّه مع المحسنين كما هو مع المتقين ، والإحسان عيان وفي منزل كأنه عيان .
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر ، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليه وإحسانه إليه .
( ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ) أي : لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو ، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه ، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به كما قال تعالى : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ) [ الإسراء : 67 ]
قوله تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله} قال الفراء. {ما} بمعنى الجزاء. والباء في {بكم} متعلقة بفعل مضمر، تقديره : وما يكن بكم. {من نعمة} أي صحة جسم وسعة رزق وولد فمن الله. وقيل : المعنى وما بكم من نعمة فمن الله هي. {ثم إذا مسكم الضر} أي السقم والبلاء والقحط. {فإليه تجأرون} أي تضجون بالدعاء. يقال : جأر يجار جؤارا. والجؤار مثل الخوار؛ يقال : جأر الثور يجأر، أي صاح. وقرأ بعضهم {عجلا جسدا له جؤار}؛ حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله، أي تضرع بالدعاء. وقال الأعشى يصف بقرة : فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ** وكان النكير أن تضيف وتجأرا {ثم إذا كشف الضر عنكم} أي البلاء والسقم. {إذا فريق منكم بربهم يشركون} بعد إزالة البلاء وبعد الجؤار. فمعنى الكلام التعجيب من الإشراك بعد النجاة من الهلاك، وهذا المعنى مكرر في القرآن، وقال الزجاج : هذا خاص بمن كفر. {ليكفروا بما آتيناهم} أي ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر والبلاء. أي أشركوا ليجحدوا، فاللام لام كي. وقيل لام العاقبة. وقيل {ليكفروا بما آتيناهم} أي ليجعلوا النعمة سببا للكفر، وكل هذا فعل خبيث؛ كما قال : والكفر مخبثة لنفس المنعم {فتمتعوا} أمر تهديد. وقرأ عبدالله {قل تمتعوا}. {فسوف تعلمون} أي عاقبة أمركم.
وما بكم مِن نعمةِ هدايةٍ، أو صحة جسم، وسَعَة رزقٍ وولد، وغير ذلك، فمِنَ الله وحده، فهو المُنْعِم بها عليكم، ثم إذا نزل بكم السقم والبلاء والقحط فإلى الله وحده تَضِجُّون بالدعاء.
والله المنفرد بالعطاء والإحسان { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ } ظاهرة وباطنة { فَمِنَ اللَّهِ } لا أحد يشركه فيها، { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ } من فقر ومرض وشدة { فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } أي: تضجون بالدعاء والتضرع لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده. ولكن كثيرا من الناس يظلمون أنفسهم، ويجحدون نعمة الله عليهم إذا نجاهم من الشدة فصاروا في حال الرخاء أشركوا به بعض مخلوقاته الفقيرة
قوله تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله ) أي : وما يكن بكم من نعمة فمن الله ، ( ثم إذا مسكم الضر ) القحط والمرض ، ( فإليه تجأرون ) تضجون وتصيحون بالدعاء والاستغاثة .
(وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) الواو استئنافية وما شرطية مبتدأ وبكم متعلقان بخبر محذوف ومن نعمة متعلقان بحال محذوفة فمن اللّه الفاء رابطة للجواب ومن اللّه لفظ الجلالة مجرور بمن متعلقان بخبر محذوف تقديره هو من اللّه والجملة في محل جزم جواب الشرط وخبر ما هو جملتا الشرط (ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ) ثم عاطفة وإذا ظرف يتضمن معنى الشرط إذا مسكم الضر ماض ومفعوله المقدم وفاعله المؤخر والجملة معطوفة وجملة مسكم مضاف إليه (فَإِلَيْهِ) الفاء رابطة والجار والمجرور متعلقان بتجأرون (تَجْئَرُونَ) مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعله والجملة لا محل لها لأنها جواب إذا.