قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لحسان بن ثابت ، لما أراد أن يهجو قريشا ينافح بذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لما هجته قريش ، وهو منها ، وعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الذي انبعث إليه حسان ابن ثابت من هجاء قريش أن ذلك مما يرضي اللّه ، لحسن قصده في ذلك ،
وما علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك إلا لما رأى روح القدس الذي يجيئه ، قد جاء إلى حسان بن ثابت يؤيده من حيث لا يشعر ، ما دام ينافح عن عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ،
فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم[ إني منهم ، فانظر ما تقول ، وكيف تقول ، وأت أبا بكر فإنه أعرف بالأنساب] فيخبرك حتى لا تقول كلاما يعود على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتكون قد وقعت فيما وقعوا فيه ،
فقال له حسان ابن ثابت : واللّه لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين ؛ لأنها لا يعلق بها شيء من العجين ، قال تعالى «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا» فلم يجعل الحق تعالى للشيطان على حسان سبيلا ، فإنه كان ينافح بنظمه عن عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتأييد الروح القدسي «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» وغاية الأمر أن اللّه عنده حسن المآب ، وما قرن اللّه قط بالمآب إليه سوءا تصريحا ، وغاية ما ورد في ذلك في معرض التهديد في الفهم الأول «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» فسيعلمون من كرم اللّه ما لم يكونوا يحتسبون قبل المؤاخذة لمن غفر له ، وبعد المؤاخذة لانقطاعها عنهم ، فرحمة اللّه واسعة ، ونعمته سابغة جامعة ، وأنفس العالم فيها طامعة ، لأنه كريم من غير تحديد ، ومطلق الجود من غير تقييد .
قوله تعالى: {كذبت قوم لوط المرسلين} مضى معناه وقصته في الأعراف وهود مستوفى والحمد لله. قوله تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين} كانوا ينكحونهم في أدبارهم وكانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدم في الأعراف {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} يعني فروج النساء فإن الله خلقها للنكاح. قال إبراهيم بن مهاجر : قال لي مجاهد كيف يقرأ عبد الله {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} قلت: وتذرون ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم} قال : الفرج؛ كما قال {فأتوهن من حيث أمركم الله } البقرة 222 . {بل أنتم قوم عادون} أي متجاوزون لحدود الله. {قالوا لئن لم تنته يا لوط} عن قولك هذا. {لتكونن من المخرجين} أي من بلدنا وقريتنا. {قال إني لعملكم} يعني اللواط {من القالين}أي المبغضين والقلى البغض؛ قليته أقليه قلى وقلاء. قال : فلست بمقلي الخلال ولا قالي وقال آخر : عليك السلام لا مللت قريبة ** ومالك عندي إن نأيت قلاء {رب نجني وأهلي مما يعملون} من عذاب عملهم. دعا الله لما أيس من إيمانهم ألا يصيبه من عذابهم. قوله تعالى: {فنجيناه وأهله أجمعين} ولم يكن إلا ابنتاه على ما تقدم في هود {إلا عجوزا في الغابرين} روى سعيد عن قتادة قال : غبرت في عذاب الله عز وجل أي بقيت. وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت. قال النحاس : يقال للذاهب غابر والباقي غابر كما قال : لا تكسع الشَّول بأغبارها ** إنك لا تدري من الناتج وكما قال : فما ونى محمد مذ ان غفر ** له الإله ما مضى وما غبر أي ما بقي. والأغبار بقيات الألبان. {ثم دمرنا الآخرين} أي أهلكناهم بالسخف والحصب؛ قال مقاتل : خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجا من القرية. {وأمطرنا عليهم مطرا} يعني الحجارة {فساء مطر المنذرين} وقيل : إن جبريل خسف بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة. {فساء مطر المنذرين} لم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه.