اعلم أن التالي إنما سمي تاليا لتتابع الكلام بعضه بعضا ، وتتابعه يقضي عليه بحرف الغاية ، وهما من وإلى ، فينزل من كذا إلى كذا ، ولما كان القلب من العالم الأعلى قال تعالى فيه (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ) وكان اللسان من العالم الأنزل ، والحرف من عالم اللسان ،
ففصل اللسان الآيات وتلا بعضها بعضا ، فيسمى الإنسان تاليا من حيث لسانه ، فإنه المفصل لما أنزل مجملا .
وقوله : ( وأمطرنا عليهم مطرا ) أي : حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ; ولهذا قال : ( فساء مطر المنذرين ) أي : الذين قامت عليهم الحجة ، ووصل إليهم الإنذار ، فخالفوا الرسول وكذبوه ، وهموا بإخراجه من بينهم .
قوله تعالى: {ولوطا} أي وأرسلنا لوطا، أو اذكر لوطا {إذ قال لقومه} وهم أهل سدوم. وقال لقومه {أتأتون الفاحشة} الفعلة القبيحة الشنيعة. {وأنتم تبصرون} أنها فاحشة، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل : يأتي بعضكم بعضا وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوا منهم وتمردا. {أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها. {بل أنتم قوم تجهلون} إما أمر التحريم أو العقوبة. واختيار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة الثانية من {أئنكم} فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلها؛ لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. قوله تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} أي عن أدبار الرجال. يقولون ذلك استهزاء منهم؛ قاله مجاهد. وقال قتادة : عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء. {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين} وقرأ عاصم {قدرنا} مخففا والمعنى واحد. يقال قد قدرت الشيء قدرا وقدرا وقدرته. {وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين} أي من أنذر فلم يقبل الإنذار. وقد مضى بيان هذا في الأعراف وهود.
ولهذا قال هنا: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ْ} أي: بئس المطر مطرهم وبئس العذاب عذابهم لأنهم أنذروا وخوفوا فلم ينزجروا ولم يرتدعوا فأحل الله بهم عقابه الشديد.
(وَأَمْطَرْنا) الواو حرف عطف وماض وفاعله (عَلَيْهِمْ) متعلقان بالفعل (مَطَراً) مفعول به والجملة معطوفة على ما قبلها (فَساءَ) الفاء حرف عطف وماض و(مَطَرُ) فاعله المضاف إلى (الْمُنْذَرِينَ) والجملة معطوفة على ما قبلها.