وقوله : ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) ، كقوله : ( من عمل صالحا فلنفسه ) [ فصلت : 46 ] أي : من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه ، فإن الله غني عن أفعال العباد ، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل [ واحد ] منهم ، ما زاد ذلك في ملكه شيئا ; ولهذا قال : ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) .
قال الحسن البصري : إن الرجل ليجاهد ، وما ضرب يوما من الدهر بسيف .
قوله {أم حسب الذين يعملون السيئات}أي الشرك. {أن يسبقونا}أي يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون. قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وحنظلة بن أبي سفيان والعاص بن وائل. {ساء ما يحكمون}أي بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق والله القادر على كل شيء و{ما}في موضع نصب بمعنى ساء شيئا أو حكما يحكمون ويجوز أن تكون {ما}في موضع رفع بمعنى ساء الشيء أو الحكم حكمهم وهذا قول الزجاج وقدرها ابن كيسان تقديرين آخرين خلاف ذينك: أحدهما: أن يكون موضع {ما يحكمون}بمنزلة شيء واحد كما تقول: أعجبني ما صنعت؛ أي صنيعك؛ فـ {ما}والفعل مصدر في موضع رفع التقدير؛ ساء حكمهم والتقدير الآخر أن تكون {ما}لا موضع لها من الإعراب وقد قامت مقام الاسم لساء وكذلك نعم وبئس قال أبو الحسن بن كيسان: وأنا أختار أن أجعل لـ {ما}موضعا في كل ما أقدر عليه؛ نحو قوله عز وجل {فبما رحمة من الله } وكذا {فبما نقضهم} وكذا {أيما الأجلين قضيت} {ما}في موضع خفض في هذا كله وما بعده تابع لها وكذا؛ {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة} {ما}في موضع نصب و{بعوضة}تابع لها. قوله {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت}{يرجو}بمعنى يخاف من قول الهذلي في وصف عسال: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت فليعمل عملا صالحا فإنه لا بد أن يأتيه؛ ذكره النحاس قال الزجاج: معنى {يرجو لقاء الله}ثواب الله و{من}في موضع رفع بالابتداء و{كان}في موضع الخبر وهي في موضع جزم بالشرط و{يرجو}في موضع خبر كان والمجازاة {فإن أجل الله لآت}{وهو السميع العليم}. قوله {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه}أي ومن جاهد في الدين وصبر على قتال الكفار وأعمال الطاعات فإنما يسعى لنفسه؛ أي ثواب ذلك كله له؛ ولا يرجع إلى الله نفع من ذلك. {إن الله لغني عن العالمين}أي عن أعمالهم وقيل: المعنى؛ من جاهد عدوه لنفسه لا يريد وجه الله فليس لله حاجة بجهاده قوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات}أي صدقوا {لنكفرن عنهم سيئاتهم}أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون}أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام
ومن جاهد في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وجاهد نفسه بحملها على الطاعة، فإنما يجاهد لنفسه؛ لأنه يفعل ذلك ابتغاء الثواب على جهاده. إن الله لغني عن أعمال جميع خلقه، له الملك والخلق والأمر.
{ وَمَنْ جَاهَدَ } نفسه وشيطانه، وعدوه الكافر، { فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ } لأن نفعه راجع إليه، وثمرته عائدة إليه، والله غني عن العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به لينتفع به، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بُخْلًا عليهم.
وقد علم أن الأوامر والنواهي يحتاج المكلف فيها إلى جهاد، لأن نفسه تتثاقل بطبعها عن الخير، وشيطانه ينهاه عنه، وعدوه الكافر يمنعه من إقامة دينه، كما ينبغي، وكل هذا معارضات تحتاج إلى مجاهدات وسعي شديد.
( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) له ثوابه ، " والجهاد " : هو الصبر على الشدة ، ويكون ذلك في الحرب ، وقد يكون على مخالفة النفس . ( إن الله لغني عن العالمين ) عن أعمالهم وعباداتهم .