ولهذا قال : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) .
وقال الترمذي عند تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب قال : سمعت مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد ، قال : نزلت في أربع آيات . فذكر قصة ، وقالت أم سعد : أليس قد أمرك الله بالبر ؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر ، قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها ، فأنزل الله ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ) الآية .
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي أيضا ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
قوله {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما روى الترمذي قال: أنزلت فيّ أربع آيات فذكر قصة؛ فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر؛ قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} الآية قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وروي عن سعد أنه قال: كنت بارا بأمي فأسلمت فقالت: لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي ويقال يا قاتل أمه وبقيت يوما ويوما فقلت: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت ونزلت {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} الآية وقال ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخى أبي جهل لأمه وقد فعلت أمه مثل ذلك وعنه أيضا: نزلت في جميع الأمة إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صديق {وحسنا} نصب عند البصريين على التكرير أي ووصيناه حسنا وقيل: هو على القطع تقديره ووصيناه بالحسن كما تقول وصيته خيرا أي بالخير وقال أهل الكوفة: تقديره ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا فيقدر له فعل وقال الشاعر: عجبت من دهماء إذ تشكونا ** ومن أبي دهماء إذا يوصينا خيرا بها كأنما خافونا ** أي يوصينا أن نفعل بها خيرا؛ كقوله {فطفق مسحا} أي يمسح مسحا وقيل: تقديره ووصيناه أمرا ذا حسن فأقيمت الصفة مقام الموصوف وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل: معناه ألزمناه حسنا وقراءة العامة {حسنا}بضم الحاء وإسكان السين وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك: بفتح الحاء والسين وقرأ الجحدري {إحسانا} على المصدر؛ وكذلك في مصحف أُبيّ التقدير: ووصينا الإنسان أن يحسن إحسانا ولا ينتصب بوصينا؛ لأنه قد استوفى مفعوليه. {إلي مرجعكم} وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر. {فأنبئكم بما كنتم تعملون} كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين لتحرك النفوس إلى نيل مراتبهم وقوله {لندخلهم في الصالحين} مبالغة على معنى؛ فالذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم تحصل ثمرته وجزاؤه وهو الجنة.
أي: من آمن باللّه وعمل صالحا، فإن اللّه وعده أن يدخله الجنة في جملة عباده الصالحين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كل على حسب درجته ومرتبته عند اللّه، فالإيمان الصحيح والعمل الصالح عنوان على سعادة صاحبه، وأنه من أهل الرحمن، والصالحين من عباد اللّه تعالى.
(الصَّالِحاتِ) مفعول به (لَنُدْخِلَنَّهُمْ) اللام واقعة في جواب القسم ومضارع ومفعوله والفاعل مستتر (فِي الصَّالِحِينَ) متعلقان بالفعل والجملة جواب القسم والقسم وجوابه خبر الذين وجملة الذين.. مستأنفة لا محل لها.