«أَو لم يروْا» بالياء والتاء ينظروا «كيف يُبدئ الله الخلق» هو بضم أوله وقرأ بفتحة من بدأ وأبدأ بمعنى أي يخلقهم ابتداءً «ثم» هو «يعيده» أي الخلق كما بدأه «إن ذلك» المذكور من الخلق الأول والثاني «على الله يسير» فكيف ينكرون الثاني.
يقول تعالى مخبرا عن الخليل عليه السلام ، أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه ، بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم ، بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ، ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين ، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته ; فإنه سهل عليه يسير لديه .ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء : السموات وما فيها من الكواكب النيرة : الثوابت ، والسيارات ، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال ، وأودية وبرار وقفار ، وأشجار وأنهار ، وثمار وبحار ، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها ، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار ، الذي يقول للشيء : كن ، فيكون ; ولهذا قال : ( أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ) ، كقوله : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] .
قوله {وإبراهيم} قال الكسائي {وإبراهيم} منصوب بـ {أنجينا} يعني أنه معطوف على الهاء وأجاز الكسائي أن يكون معطوفا على نوح والمعنى وأرسلنا إبراهيم وقول ثالث: أن يكون منصوبا بمعنى واذكر إبراهيم. {اعبدوا الله} أي أفردوه بالعبادة {واتقوه} أي اتقوا عقابه وعذابه {ذلكم خير لكم} أي من عبادة الأوثان {إن كنتم تعلمون}. قوله {إنما تعبدون من دون الله أوثانا} أي أصناما قال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة الجوهري: الوثن الصنم والجميع وثن وأوثان مثل أسد وآساد {وتخلقون إفكا} قال الحسن: معنى {تخلقون}تنحتون فالمعنى إنما تعبدون أوثانا وأنتم تصنعونها وقال مجاهد: الإفك الكذب والمعنى تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب وقرأ أبو عبدالرحمن {وتخلقون} وقرئ {تُخلّقون} بمعنى التكثير من خلق و{تخلقون} من تخلق بمعنى تكذب وتخرص وقرئ {إفكا} وفيه وجهان: أن يكون مصدرا نحو كذب ولعب والإفك مخففا منه كالكذب واللعب وأن يكون صفة على فعل أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل و{أوثانا} نصب بـ {تعبدون} و {ما} كافة ويجوز في غير القرآن رفع أوثان على أن تجعل و{ما} أسماء لأن {تعبدون} صلته وحذفت الهاء لطول الاسم وجعل أوثان خبر إن فأما {وتخلقون إفكا} فهو منصوب بالفعل لا غير. وكذا {لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق} أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فإياه فاسألوه وحده دون غيره. {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} فقيل: هو من قوله إبراهيم أي التكذيب عادة الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ. قوله {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق} قراءة العامة بالياء على الخبر والتوبيخ لهم وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قال أبو عبيد: لذكر الأمم كأنه قال أو لم ير الأمم كيف وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي {تروا} بالتاء خطابا؛ لقوله {وإن تكذبوا}. وقد قيل {وإن تكذبوا} خطاب لقريش ليس من قول إبراهيم. {ثم يعيده} يعني الخلق والبعث وقيل: المعنى أو لم يروا كيف يبدئ الله الثمار فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبدا وكذلك يبدأ خلق الإنسان ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا وخلق من الولد ولدا وكذلك سائر الحيوان أي فإذا رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة {إن ذلك على الله يسير} لأنه إذا أراد أمرا قال له كن فيكون.
أولم يعلم هؤلاء كيف ينشئ الله الخلق من العدم، ثم يعيده من بعد فنائه، كما بدأه أول مرة خلقًا جديدًا، لا يتعذر عليه ذلك؟ إن ذلك على الله يسير، كما كان يسيرًا عليه إنشاؤه.