وقوله : ( ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا ) : هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة ; لأنهم لا يقصدون ذلك ، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم ، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل . وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله : ( ليكون لهم عدوا وحزنا ) [ القصص : 8 ] .
قوله {فإذا ركبوا في الفلك} يعني السفن وخافوا الغرق {دعوا الله مخلصين له الدين} أي صادقين في نياتهم وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}أي يدعون معه غيره وما لم ينزل به سلطانا وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاح لغرقنا فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه. قوله {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا} قيل: هما لام كي أي لكي يكفروا ولكي يتمتعوا وقيل {إذا هم يشركون} ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا نعم الله ويتمتعوا بالدنيا وقيل: هما لام أمر معناه التهديد والوعيد أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا ودليل هذا قراءة أُبيّ {وتمتعوا} ابن الأنباري: ويقوي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة {وليتمتعوا} بجزم اللام النحاس {وليتمتعوا} لام كي ويجوز أن تكون لام أمر؛ لأن أصل لام الأمر الكسر إلا أنه أمر فيه معنى التهديد ومن قرأ {وليتمتعوا} بإسكان اللام لم يجعلها لام كي؛ لأن لام كي لا يجوز إسكانها وهي قراءة ابن كثير والمسيبي وقالون عن نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم الباقون بكسر اللام وقرأ أبو العالية {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} تهديد ووعيد.
فإذا ركب الكفار السفن في البحر، وخافوا الغرق، وحَّدوا الله، وأخلصوا له في الدعاء حال شدتهم، فلما نجَّاهم إلى البر، وزالت عنهم الشدة، عادوا إلى شركهم، إنهم بهذا يتناقضون، يوحِّدون الله ساعة الشدة، ويشركون به ساعة الرخاء. وشِرْكهم بعد نعمتنا عليهم بالنجاة من البحر؛ ليكونَ عاقبته الكفر بما أنعمنا عليهم في أنفسهم وأموالهم، وليكملوا تمتعهم في هذه الدنيا، فسوف يعلمون فساد عملهم، وما أعدَّه الله لهم من عذاب أليم يوم القيامة. وفي ذلك تهديد ووعيد لهم.
ولكن شركهم هذا بعد نعمتنا عليهم، بالنجاة من البحر، ليكون عاقبته كفر ما آتيناهم، ومقابلة النعمة بالإساءة، وليكملوا تمتعهم في الدنيا، الذي هو كتمتع الأنعام، ليس لهم همٌّ إلا بطونهم وفروجهم.
{ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } حين ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة، شدة الأسف وأليم العقوبة.
( ليكفروا بما آتيناهم ) هذا لام الأمر ، ومعناه التهديد والوعيد ، كقوله : " اعملوا ما شئتم " ( فصلت - 40 ) ، أي : ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم ) ( وليتمتعوا ) قرأ حمزة ، والكسائي : ساكنة اللام ، وقرأ الباقون بكسرها نسقا على قوله : " ليكفروا " ( فسوف يعلمون ) وقيل : من كسر اللام جعلها لام كي وكذلك في ليكفروا ، والمعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة .
(لِيَكْفُرُوا) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والمصدر المؤول من أن وما بعدهما في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بيشركون (بِما) متعلقان بالفعل (آتَيْناهُمْ) ماض وفاعله ومفعوله والجملة صلة (وَلِيَتَمَتَّعُوا) معطوف على ليكفروا، (فَسَوْفَ) الفاء حرف استئناف (سوف) حرف استقبال (يَعْلَمُونَ) مضارع مرفوع والواو فاعله والجملة مستأنفة لا محل لها.