وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة ، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها ، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة ، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها ، ووصلوا قراباتهم وأرحامهم ، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة ، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك ، لم يراءوا به ، ولا أرادوا جزاء من الناس ولا شكورا ، فمن فعل ذلك كذلك فهو من الذين قال الله تعالى :
قوله تعالى: {الم، تلك آيات الكتاب الحكيم} مضى الكلام في فواتح السور. و{تلك} في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هذه تلك. ويقال: "تيك آيات الكتاب الحكيم" بدلا من تلك. والكتاب : القرآن. والحكيم : المحكم؛ أي لا خلل فيه ولا تناقض. وقيل ذو الحكمة وقيل الحاكم {هدى ورحمة} بالنصب على الحال؛ مثل {هذه ناقة الله لكم آية} الأعراف : 73] وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي. وقرأ حمزة {هدى ورحمة} بالرفع، وهو من وجهين : أحدهما : على إضمار مبتدأ؛ لأنه أول آية. والآخر : أن يكون خبر {تلك}. والمحسن : الذي يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. وقيل : هم المحسنون في الدين وهو الإسلام؛ قال الله تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} النساء : 125] الآية. {الذين يقيمون الصلاة} في موضع الصفة، ويجوز الرفع على القطع بمعنى : هم الذين، والنصب بإضمار أعني. وقد مضى الكلام في هذه الآيات.
ثم وصف المحسنين بالعلم التام، وهو اليقين الموجب للعمل والخوف من عقاب اللّه، فيتركون معاصيه، ووصفهم بالعمل، وخص من العمل، عملين فاضلين: الصلاة المشتملة على الإخلاص، ومناجاة اللّه تعالى، والتعبد العام للقلب واللسان، والجوارح المعينة، على سائر الأعمال، والزكاة التي تزكي صاحبها من الصفات الرذيلة، وتنفع أخاه المسلم، وتسد حاجته، ويبين بها أن العبد يؤثر محبة اللّه على محبته للمال، فيخرجه محبوبه من المال، لما هو أحب إليه، وهو طلب مرضاة اللّه.