إن العين لا تخطئ أبدا ، لا هي ولا جميع الحواس ، فإن إدراك الحواس إدراك ذاتي ، ولا تؤثر العلل الظاهرة العارضة في الذاتيات ، وإدراك العقل على قسمين : إدراك ذاتي هو فيه كالحواس لا يخطئ ، وإدراك غير ذاتي ، وهو ما يدركه بالآلة التي هي الفكر وبالآلة التي هي الحس ، فالخيال يقلد الحس فيما يعطيه ، والفكر ينظر في الخيال فيجد الأمور مفردات فيحب أن ينشئ منها صورة يحفظها العقل ، فينسب بعض المفردات إلى بعض ، فقد يخطئ في النسبة الأمر على ما هو عليه وقد يصيب ، فيحكم العقل على ذلك الحد فيخطئ ، فالعقل مقلد ، ولهذا اتصف بالخطإ ، وقد حصرت الآيات في السمع والبصر ، فإما شهود وإما خبر .
قوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {خلقه} بإسكان اللام. وفتحها الباقون. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم طلبا لسهولتها. وهو فعل ماض في موضع خفض نعت لـ {شيء}. والمعنى على ما روي عن ابن عباس : أحكم كل شيء حلقه، أي جاء به على ما أراد، لم يتغير عن إرادته. وقول آخر - أن كل شيء خلقه حسن؛ لأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثله؛ وهو دال على خالقه. ومن أسكن اللام فهو مصدر عند سيبويه؛ لأن قوله: {أحسن كل شيء خلقه} يدل على : خلق كل شيء خلقا؛ فهو مثل: {صنع الله} النمل : 88] و{كتاب الله عليكم} النساء : 24]. وعند غيره منصوب على البدل من {كل} أي الذي أحسن خلق كل شيء. وهو مفعول ثان عند بعض النحويين، على أن يكون معنى {أحسن} أفهم وأعلم؛ فيتعّدى إلى مفعولين، أي أفهم كل شيء خلقه. وقيل : هو منصوب على التفسير؛ والمعنى : أحسن كل شيء خلقا. وقيل : هو منصوب بإسقاط حرف الجر، والمعنى : أحسن كل شيء في خلقه. وروي معناه عن ابن عباس و{أحسن} أي أتقن وأحكم؛ فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها. ومن هذا المعنى قال ابن عباس وعكرمة : ليست است القرد بحسنة، ولكنها متقنة محكمة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد {أحسن كل شيء خلقه} قال : أتقنه. وهو مثل قوله تبارك وتعالى: {الذي أعطى كل شيء خلقه} طه : 50] أي لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة، ولا خلق البهيمة على خلق الإنسان. ويجوز {خلقه} بالرفع؛ على تقدير ذلك خلقه. وقيل : هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى؛ والمعنى : حسن خلق كل شيء حسن. وقيل : هو عموم في اللفظ والمعنى، أي جعل كل شيء خلقه حسنا، حتى جعل الكلب في خلقه حسنا؛ قاله ابن عباس. وقال قتادة : في است القرد حسنة. قوله تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني آدم. {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} تقّدم في "المؤمنون" وغيرها. وقال الزجاج {من ماء مهين} ضعيف. وقال غيره{مهين} لا خطر له عند الناس.{ثم سواه} رجع إلى آدم، أي سوى خلقه. {ونفخ فيه من روحه} ثم رجع إلى ذريته فقال: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} وقيل : ثم جعل ذلك الماء المهين خلقا معتدلا، وركب فيه الروح وأضافه إلى نفسه تشريفا. وأيضا فإنه من فعله وخلقه كما أضاف العبد إليه بقوله: {عبدي}. وعبر عنه بالنفخ لأن الروح في جنس الريح. وقد مضى هذا مبينا في "النساء" وغيرها. {قليلا ما تشكرون} أي ثم أنتم لا تشكرون بل تكفرون.