والحمد للّه أي عواقب الثناء إذ كل ما جاءوا به إنما قصدوا به الثناء على اللّه ، فعواقب
[ إشارة : الحمد للّه ]
الثناء على اللّه بما نزه نفسه عنه وبما نزهه العباد به ، فإن الحمد العاقب ، فعواقب الثناء ترجع إلى اللّه ، وعاقب الأمر آخره «رَبِّ الْعالَمِينَ» من حيث ثبوته في ربوبيته بما يستحقه الرب من النعوت المقدسة ، وهو سيد العالم ومربيهم ومغذيهم ومصلحهم ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، ومن سياق الآيات دل على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حمد اللّه رب العالمين عقيب نصره وظفره بخيبر ، فهو حمد نعمة - إشارة - «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» جاءت في أول سورة الفاتحة ، وفي وسط سورة يونس ، وفي آخر سورة الصافات ، فعمت الطرفين والواسطة .
قال الله تعالى تكذيبا لهم ، وردا عليهم : ( بل جاء بالحق ) يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بالحق في جميع شرعة الله له من الإخبار والطلب ، ( وصدق المرسلين ) أي : صدقهم فيما أخبروه عنه من الصفات الحميدة ، والمناهج السديدة ، وأخبر عن الله في شرعه [ وقدره ] وأمره كما أخبروا ، ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) الآية [ فصلت : 43 ] .
قوله تعالى: {ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} أي لقول شاعر مجنون؛ فرد الله جل وعز عليهم فقال: {بل جاء بالحق} يعني القرآن والتوحيد {وصدق المرسلين} فيما جاءوا به من التوحيد. {إنكم لذائقوا العذاب الأليم} الأصل لذائقون فحذفت النون استخفافا وخفضت للإضافة. ويجوز النصب كما أنشد سيبويه : فألفيته غير مستعتب ** ولا ذاكر الله إلا قليلا وأجاز سيبويه {والمقيمي الصلاة} على هذا. {وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي إلا بما عملتم من الشرك {إلا عباد الله المخلصين} استثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل المدينة والكوفة {المخلصين} بفتح اللام؛ يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام؛ أي الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل : هو استثناء منقطع، أي إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب.
ولهذا قال تعالى، ناقضا لقولهم: { بَلْ جَاءَ } محمد { بِالْحَقِّ } أي: مجيئه حق، وما جاء به من الشرع والكتاب حق. { وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ } [أي: ومجيئه صدق المرسلين] فلولا مجيئه وإرساله لم يكن الرسل صادقين، فهو آية ومعجزة لكل رسول قبله، لأنهم أخبروا به وبشروا، وأخذ اللّه عليهم العهد والميثاق، لئن جاءهم، ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذوا ذلك على أممهم، فلما جاء ظهر صدق الرسل الذين قبله، وتبين كذب من خالفهم، .فلو قدر عدم مجيئه، وهم قد أخبروا به، لكان ذلك قادحا في صدقهم.
وصدق أيضا المرسلين، بأن جاء بما جاءوا به، ودعا إلى ما دعوا إليه، وآمن بهم، وأخبر بصحة رسالتهم ونبوتهم وشرعهم.