فغلّب جزاء الإنسان على جزاء إبليس ، فإن اللّه ما جعل جزاءهما إلا جهنم وفيها عذاب إبليس ، فإن جهنم برد كلها ما فيها شيء من النارية ، فهو عذاب لإبليس أكثر من متبعه ، وإنما كان ذلك لأن إبليس طلب أن يشقي الغير ، فحار وباله عليه لما قصده ، فهو تنبيه من الحق لنا أن لا نقصد وقوع ما يؤدي إلى الشقاء لأحد ، فعذاب الشياطين من الجن في جهنم أكثر ما يكون بالزمهرير لا بالحرور ، وقد يعذب بالنار ، وبنو آدم أكثر عذابهم بالنار ، وسميت جهنم جهنما لأنها كريهة المنظر ، والجهام السحاب الذي هرق ماءه ، والغيث رحمة اللّه فلما أزال اللّه الغيث من السحاب بإنزاله أطلق عليه اسم الجهام ، لزوال الرحمة الذي هو الغيث منه ، كذلك الرحمة أزالها اللّه من جهنم ، فكانت كريهة المنظر والمخبر ، وسميت أيضا جهنم لبعد قعرها يقال : ركية جهنام ، انظر الإشارة سورة فاطر آية رقم 6 .
قوله تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب} {هذا} لما ذكر ما للمتقين ذكر ما للطاغين قال الزجاج: {هذا} خبر ابتداء محذوف أي الأمر هذا فيوقف على {هذا} قال ابن الأنباري: {هذا} وقف حسن. ثم ابتداء {وإن للطاغين} وهم الذين كذبوا الرسل. {لشر مآب} أي منقلب يصيرون إليه. {جهنم يصلونها فبئس المهاد} أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم. ومنه مهد الصبي. وقيل : فيه حذف أي بئس موضع المهاد. وقيل : أي هذا الذي وصفت لهؤلاء المتقين، ثم قال : وإن للطاغين لشر مرجع فيوقف على {هذا} أيضا. قوله تعالى: {هذا فليذوقوه حميم وغساق} {هذا} في موضع رفع بالابتداء وخبره {حميم} على التقديم والتأخير؛ أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. ولا يوقف على {فليذوقوه} ويجوز أن يكون {هذا} في موضع رفع بالابتداء و{فليذوقوه} في موضع الخبر، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في {هذا} فيوقف على {فليذوقوه} ويرتفع {حميم} على تقدير هذا حميم. قال النحاس : ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وحميم وغساق إذا لم تجمعهما خبرا فرفعهما على معنى هو حميم وغساق. والفراء يرفعهما بمعنى منه حميم ومنه غساق وأنشد : حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس ** وغودر البقل ملوي ومحصود وقال آخر : لها متاع وأعوان غدون به ** قِتْب وغَرب إذا ما أفرغ انسحقا ويجوز أن يكون {هذا} في موضع نصب بإضمار فعل يفسره {فليذوقوه} كما تقول زيدا اضربه. والنصب في هذا أولى فيوقف على {فليذوقوه} وتبتدئ {حميم وغساق} على تقدير الأمر حميم وغساق. وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين في {وغساق}. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي {وغساق} بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد في قول الأخفش. وقيل : معناهما مختلف؛ فمن خفف فهو اسم مثل عذاب وجواب وصواب، ومن شدد قال : هو اسم فاعل نقل إلى فعال للمبالغة، نحو ضراب وقتال وهو فعال من غسق يغسق فهو غساق وغاسق. قال ابن عباس : هو الزمهرير يخوفهم ببرده. وقال مجاهد ومقاتل : هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما. إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحره. وقال عبدالله بن عمرو : هو قيح غليظ لو وقع منه شيء بالمشرق لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شيء في المغرب لأنتن من في المشرق. وقال قتادة : هوما يسيل من فروج الزناة ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتن. وقال محمد بن كعب : هو عصارة أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة؛ يقال : غسق الجرح يغسق غسقا إذا خرج منه ماء أصفر؛ قال الشاعر : إذا ما تذكرت الحياة وطيبها ** إلي جرى دمع من الليل غاسق أي بارد. ويقال : ليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار. وقال السدي : الغساق الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد : الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم. والاختيار على هذا {وغساق} حتى يكون مثل سيال. وقال كعب : الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي حمة من عقرب وحية. وقيل : هو مأخوذ من الظلمة والسواد. والغسق أول ظلمة اليل، وقد غسق الليل يغسق إذا أظلم. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال (لوأن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا). قلت : وهذا أشبه على الاشتقاق الأول كما بينا، إلا أنه يحتمل أن يكون الغساق مع سيلانه أسود مظلما فيصح الاشتقاقان. والله أعلم. قوله تعالى: {وآخر من شكله أزواج} قرأ أبو عمرو {وأخر} جمع أخرى مثل الكبرى والكبر. الباقون: {وآخر} مفرد مذكر. وأنكر أبو عمرو {وآخر} لقوله تعالى: {أزواج} أي لا يخبر بواحد عن جماعة. وأنكر عاصم الجحدري {وأخر} قال : ولو كانت {وأخر} لكان من شكلها. وكلا الردين لا يلزم والقراءتان صحيحتان. {وآخر} أي وعذاب آخر سوى الحميم والغساق. {من شكله} قال قتادة : من نحوه. قال ابن مسعود : هو الزمهرير. وارتفع {وآخر} بالابتداء و{أزواج} مبتدأ ثان و{من شكله} خبره والجملة خبر {آخر}. ويجوز أن يكون {وآخر} مبتدأ والخبر مضمر دل عليه {هذا فليذوقوه حميم وغساق} لأن فيه دليلا على أنه لهم، فكأنه قال : ولهم آخر ويكون {من شكله أزواج} صفة لآخر فالمبتدأ متخصص بالصفة و{أزواج} مرفوع بالظرف. ومن قرأ {وأخر} أراد وأنواع من العذاب أُخَر، ومن جمع وهو يريد الزمهرير فعلى أنه جعل الزمهرير أجناسا فجمع لاختلاف الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء منه زمهريرا ثم جمع كما قالوا : شابت مفارقه. أو على أنه جمع لما في الكلام من الدلالة على جواز الجمع؛ لأنه جعل الزمهرير الذي هو نهاية البرد بإزاء الجمع في قوله: {هذا فليذوقوه حميم وغساق} والضمير في {شكله} يجوز أن يعود على الحميم أو الغساق. أو على معنى {وآخر من شكله} ما ذكرنا، ورفع {آخر} على قراءة الجمع بالابتداء و{من شكله} صفة له وفيه ذكر يعود على المبتدأ و{أزواج} خبر المبتدأ. ولا يجوز أن يحمل على تقدير ولهم آخر و{من شكله} صفة لأخر و{أزواج} مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد؛ لأن الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع {أزواج} مفرد،؛ قاله أبو علي. و{أزواج} أي أصناف وألوان من العذاب. وقال يعقوب : الشكل بالفتح المثل وبالكسر الدل. قوله تعالى: {هذا فوج مقتحم معكم} قال ابن عباس : هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة {هذا فوج} يعني الأتباع والفوج الجماعة {مقتحم معكم} أي داخل النار معكم؛ فقالت السادة: {لا مرحبا بهم} قوله تعالى: {لا مرحبا بهم} أي لا اتسعت منازلهم في النار. والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد وغيره. وهو في مذهب الدعاء فلذلك نصب؛ قال النابغة : لا مرحبا بغد ولا أهلا به ** إن كان تفريق الأحبة في غد قال أبو عبيدة العرب تقول : لا مرحبا بك؛ أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت. {إنهم صالو النار} قيل : هو من قول القادة، أي إنهم صالو النار كما صليناها. وقيل : هو من قول الملائكة متصل بقولهم: {هذا فوج مقتحم معكم} و{قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم} هو من قول الأتباع. وحكى النقاش : إن الفوج الأول قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر والظاهر من الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع. {أنتم قدمتموه لنا} أي دعوتمونا إلى العصيان {فبئس القرار} لنا ولكم {قالوا} يعني الأتباع {ربنا من قدم لنا هذا} قال الفراء : من سوغ لنا هذا وسنه وقال غيره من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى المعاصي {فزده عذابا ضعفا في النار} وعذابا بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفا. وقال ابن مسعود : معنى عذابا ضعفا في النار الحيات والأفاعي. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار} [الأعراف : 38].
{ هَذَا } المهاد، هذا العذاب الشديد، والخزي والفضيحة والنكال { فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ } ماء حار، قد اشتد حره، يشربونه فَيقَطعُ أمعاءهم. { وَغَسَّاقٌ } وهو أكره ما يكون من الشراب، من قيح وصديد، مر المذاق، كريه الرائحة.
( هذا ) أي هذا العذاب ، ( فليذوقوه حميم وغساق ) قال الفراء : أي هذا حميم وغساق فليذوقوه ، والحميم : الماء الحار الذي انتهى حره .
" وغساق " : قرأ حمزة ، والكسائي وحفص : " وغساق " حيث كان بالتشديد ، وخففها الآخرون ، فمن شدد جعله اسما على فعال ، نحو الخباز والطباخ ، ومن خفف جعله اسما على فعال نحو العذاب .
واختلفوا في معنى الغساق ، قال ابن عباس : هو الزمهرير يحرقهم ببرده ، كما تحرقهم النار بحرها .
وقال مقاتل ومجاهد : هو الذي انتهى برده .
وقيل : هو المنتن بلغة الترك .
وقال قتادة : هو ما يغسق أي : ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ، ولحومهم ، وفروج الزناة ، من قوله : غسقت عينه إذا انصبت ، والغسقان الانصباب .