(1) إشارة لأبي عبد اللّه المصنف : أتى بلفظ «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ» فكان ظهوره بالهوية فيها ولم يقل «وهو الذي في الأرض إله» فناب عنه الخليفة فيها ، ولو أتى بالهوية ما عبد غير اللّه في الأرض كما لم يعبد في السماء إلا هو .
وهذه شهادة من اللّه في حق المشركين ، فهو تنبيه عجيب ، فما ذكروا قط إلا الألوهية ، وما ذكروا الأشخاص ، ولكن لم يقبل اللّه منهم العذر بل قال «فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ» .
ولهذا قال : ( سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون ) أي : تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد ، فإنه فرد أحد صمد ، لا نظير له ولا كفء له ، فلا ولد له .
قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} اختلف في معناه؛ فقال ابن عباس والحسن والسدي : المعنى ما كان للرحمن ولد، فـ {إن} بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدئ {فأنا أول العابدين} أي الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له. والوقف على {العابدين} تام. وقيل : المعنى قل يا محمد إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد؛ وهو كما تقول لمن تناظره : إن ثبت بالدليل فأنا أول من يعتقده؛ وهذا مبالغة في الاستبعاد؛ أي لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام؛ كقوله: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ : 24]. والمعنى على هذا : ترقيق في الكلام؛ كقول: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ : 24]. والمعنى على هذا : فأنا أول العابدين لذلك الولد، لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد. وقال مجاهد : المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده وحده، على أنه لا ولد له. وقال السدي أيضا : المعنى لو كان له ولد كنت أول من عبده على أن له ولدا؛ ولكن لا ينبغي ذلك. قال المهدوي : فـ {إن} على هذه الأقوال للشرط، وهو الأجود، وهو اختيار الطبري، لأن كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى. وقيل : إن معنى {العابدين} الآنفين. وقال بعض العلماء : لو كان كذلك لكان العبدين. وكذلك قرأ أبو عبدالرحمن واليماني {فأنا أول العبدين} بغير ألف، يقال : عبد يعبد عبدا بالتحريك إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة مثل الأنفة، عن أبي زيد. قال الفرزدق : أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم ** وأعبد أن أهجو كُليبا بدارم وينشد أيضا : أولئك ناس إن هجوني هجوتهم ** وأعبد أن يهجى كُليبٌ بدارم قال الجوهري : وقال أبو عمرو وقوله تعالى: {فأنا أول العابدين} من الأنف والغضب، وقال الكسائي والقتبي، حكاه الماوردي عنهما. وقال الهروي : وقوله تعالى: {فأنا أول العابدين} قيل هو من عبد يعبد؛ أي من الآنفين. وقال ابن عرفة : إنما يقال عبد يعبد فهو عبد؛ وقلما يقال عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ، ولكن المعنى فأنا أول من يعبد الله عز وجل على أنه واحد لا ولد له. وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر، فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه فأمر برجمها؛ فقال له علي : قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا}[الأحقاف : 15] وقال في آية أخرى: {وفصاله في عامين} [لقمان : 14] فوالله ما عَبِد عثمان أن بعث إليها تُرَدُّ. قال عبدالله بن وهب : يعني ما استنكف ولا أنف. وقال ابن الأعرابي {فأنا أول العابدين} أي الغضاب الآنفين وقيل: {فأنا أول العابدين} أي أنا أول من يعبده على الوحدانية مخالفا لكم. أبو عبيدة : معناه الجاحدين؛ وحكى : عبدني حقي أي جحدني. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما {وُلْد} بضم الواو وإسكان اللام. الباقون وعاصم {ولد} وقد تقدم. {سبحان رب السماوات والأرض} أي تنزيها له وتقديسا. نزه نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتنزيه. {رب العرش عما يصفون} أي عما يقولون من، الكذب.