قال عليّ رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ؛ فمن رجع إلى اللّه هذا الرجوع سعد ، وما أحسّ بالرجوع المحتوم الاضطراري ، فإنه ما جاءه إلا وهو هناك عند اللّه ، فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه ، أن نفسه التي هي عند اللّه يحال بينها وبين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره ، فتبقى مع الحق على حالها ، وينقلب هذا الجسد إلى أصله وهو التراب الذي منه نشأت ذاته ، فكأن دارا رحل عنها ساكنها ، فأنزله الملك في مقعد صدق عنده إلى يوم يبعثون ، ويكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال ، من كونه مع الحق لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس ، وهكذا في الحشر العام وفي الجنان التي هي مقره ومسكنه .
( وزروع ) والمراد بها الأنهار والآبار ، ( ومقام كريم ) وهي المساكن الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة .
وقال مجاهد ، وسعيد بن جبير : ( ومقام كريم ) : المنابر .
وقال ابن لهيعة ، عن وهب بن عبد الله المعافري ، عن عبد الله بن عمرو قال : نيل مصر سيد الأنهار ، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب ، وذلله له ، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده ، فأمدته الأنهار بمائها ، وفجر الله له الأرض عيونا ، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله ، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره .
وقال في قوله تعالى : ( كم تركوا من جنات وعيون . وزروع ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فاكهين ) قال : كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعا ، ما بين أسوان إلى رشيد ، وكان له تسعة خلج : خليج الإسكندرية ، وخليج دمياط ، وخليج سردوس ، وخليج منف ، وخليج الفيوم ، وخليج المنهى ، متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء ، وزروع ما بين الجبلين ، كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء ، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعا ، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها .
قوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم} {كم} للكثير. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية. {ونعمة كانوا فيها فاكهين} النعمة بالفتح التنعيم، يقال : نعمه الله وناعمه فتنعم. وامرأة منعمة ومناعمة، بمعنى. والنعمة بالكسر : اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك. وكذلك النعمى. فإن فتحت النون مددت وقلت : النعماء. والنعيم مثله. وفلان واسع النعمة، أي واسع المال؛ جميعه عن الجوهري. وقال ابن عمر : المراد بالنعمة نيل مصر. ابن لهيعة : الفيوم. ابن زياد : أرض مصر لكثرة خيرها. وقيل : ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال : نعمة ونعمة بفتح النون وكسرها، حكاه الماوردي. قال : وفي الفرق بينهما وجهان : أحدهما : أنها بكسر النون في الملك، وبفتحها في البدن والدين، قاله النضير بن شميل. الثاني : أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية؛ وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة؛ قال ابن زياد. قلت : هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه. وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة {فكهين} بغير ألف، ومعناه أشرين بطرين. قال الجوهري : فكة الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا. والفكه أيضا الأشر البطِر. وقرئ {ونعمة كانوا فيها فكهين} أي أشرين بطرين. و{فاكهين} أي ناعمين. القشيري {فاكهين} لاهين مازحين، يقال : إنه لفاكه أي مزاح. وفيه فكاهة أي مزح. الثعلبي : وهما لغتان كالحاذر والحذِر، والفاره والفرِه. وقيل : إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة. والفاكهة : فضل عن القوت الذي لا بد منه.
وتركوا ما متعوا به من الحياة الدنيا وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبدين لهم ولهذا قال: { كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ }