قال عليّ رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ؛ فمن رجع إلى اللّه هذا الرجوع سعد ، وما أحسّ بالرجوع المحتوم الاضطراري ، فإنه ما جاءه إلا وهو هناك عند اللّه ، فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه ، أن نفسه التي هي عند اللّه يحال بينها وبين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره ، فتبقى مع الحق على حالها ، وينقلب هذا الجسد إلى أصله وهو التراب الذي منه نشأت ذاته ، فكأن دارا رحل عنها ساكنها ، فأنزله الملك في مقعد صدق عنده إلى يوم يبعثون ، ويكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال ، من كونه مع الحق لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس ، وهكذا في الحشر العام وفي الجنان التي هي مقره ومسكنه .
وقوله : ( إن هذا ما كنتم به تمترون ) ، كقوله ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا . هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) [ الطور : 13 - 15 ] ، ; ولهذا قال هاهنا : ( إن هذا ما كنتم به تمترون )
قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} قال ابن الأنباري : أجمعت العوام على كسر {إن} وروي عن الحسن عن علي رحمه الله {ذق أنك} بفتح {أن}، وبها قرأ الكسائي. فمن كسر {إن} وقف على {ذق}. ومن فتحها لم يقف على {ذق}؛ لأن المعنى ذق لأنك وبأنك أنت العزيز الكريم. قال قتادة : نزلت في أبي جهل وكان قد قال : ما فيها أعز مني ولا أكرم؛ فلذلك قيل له: {ذق إنك أنت العزيز الكريم}. وقال عكرمة : التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى) فقال : بأي شيء تهددني! والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه؛ فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية. أي يقول له الملك : ذق إن أنت العزيز الكريم بزعمك. وقيل : هو على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص؛ أي قال له : إنك أنت الذليل المهان. وهو كما قال قوم شعيب لشعيب {إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود : 87] يعنون السفيه الجاهل في أحد التأويلات على ما تقدم. وهذا قول سعيد بن جبير. {إن هذا ما كنتم به تمترون} أي تقول لهم الملائكة : إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا.