«وآتيانهم بينات من الأمر» أمر الدين من الحلال والحرام وبعثة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام «فما اختلفوا» في بعثته «إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم» أي لبغي حدث بينهم حسداً له «إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون».
اعلم أن العالم محصور في علو وسفل ، والعلو والسفل له أمر إضافي نسبي ، فالعالي منه يسمى سماء والأسفل منه يسمى أرضا ، ولا يكون له هاتان النسبتان إلا بأمر وسط يكون بينهما ، ويكون ذلك الأمر في نفسه ذا جهات ، فما أظلّه فهو سماء ، وما أقله فهو أرض له ، وإن شئت قلت في الملأ الأعلى والملأ الأسفل : إنه كل ما تكون من الطبيعة فهو الملأ الأسفل ، وكل ما تولد من النور فهو الملأ الأعلى ، وأكمل العالم من جمع بينهما ، وهو البرزخ الذي بجهاته ميزهما ، أو بجمعيته ميزهما بالعلو والسفل ، والحق تعالى بالنظر إلى نفسه لا يتصف بشيء مما يتصف به وجود العالم ، فإن اللّه لما نسب الكبرياء الذي له ما جعل محله إلا السماوات والأرض ، فقال : «وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ما قال في نفسه ، فالمحل هو الموصوف بالكبرياء الذي للّه ، فالعالم إذا نظر إلى نفسه صغيرا ، ورأى موجده منزها عما يليق به ، سمى ربه كبيرا وذا كبرياء ، لما كبر عنده بما له فيه من التأثير والقهر ، فلو لم يكن العالم مؤثرا فيه للّه تعالى ما علم أنه صغير ، ولا أن ربه كبير ، وأمثال ذلك من الصفات ، لما رأى العبد أنه قامت به الحاجة والفقر إلى غيره ، احتاج أن يعتقد ويعلم أن الذي استند إليه في فقره له الغنى ، فهو الغني سبحانه في نفس عبده ، وهو بالنظر إلى ذاته معرى عن النظر إلى العالم لا يتصف بالغنى ، لأنه ما ثمّ عن من ، وكذلك إذا نظر العبد إلى ذله ، علم أنه لا يذل لنفسه ، وإنما يذل تحت سلطان غيره ، فسماه عزيزا ، لأنه عزّ الحق في نفس هذا العبد لذله ، فالعبد هو محل الكبرياء والغنى والعظمة والعزة التي للّه ، فوصف العبد ربه بما قام به ، فأوجب المعنى حكمه لغير من قام به ، فالحق منزه عن قيام الكبرياء به بحيث أن يكون محلا له ، بل الكبرياء محله الذي عينه الحق له ، وهو السماوات والأرض «وَهُوَ» أي هوية الحق «الْعَزِيزُ» أي المنيع لذاته أن تكون محلا لما هي السماوات والأرض له محل ، وليس إلا الكبرياء ، فما كبر إلا في نفس العالم ، وهو أجل من أن يقوم به أمر ليس هو ، بل هو الواحد من جميع الوجوه «الْحَكِيمُ» بما رتبه في الخلق ، ومن جملة ما رتبه بعلمه وحكمته أن جعل السماوات والأرض محلا لكبريائه ، فكأنه يقول : وله الكبرياء الذي خلقه في نفس السماوات والأرض ، حتى يكبروا إلههم به ، وكذلك وقع ،
فكبروه في نفوسهم ، فقالوا : إنه ذو الجلال ، أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا له ، والإكرام بنا .
( وآتيناهم بينات من الأمر ) أي : حججا وبراهين وأدلة قاطعات ، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة ، وإنما كان ذلك بغيا منهم على بعضهم بعضا ، ( إن ربك ) يا محمد ( يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) أي : سيفصل بينهم بحكمه العدل . وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم ، وأن تقصد منهجهم ;
قوله تعالى {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} يعني التوراة. {والحكم والنبوة} الحكم : الفهم في الكتاب. وقيل : الحكم على الناس والقضاء. و {النبوة} يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام. {ورزقناهم من الطيبات} أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل : يعني المن والسلوى في التيه. {وفضلناهم على العالمين} أي على عالمي زمانهم. {وآتيناهم بينات من الأمر} قال ابن عباس : يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل يثرب. وقيل : بينات الأم شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات. {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} يريد يوشع بن نون؛ فآمن بعضهم وكفر بعضهم؛ حكاه النقاش. وقيل {إلا من بعد ما جاءهم العلم} نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها. {بغيا بينهم} أي حسدا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال معناه الضحاك. قيل : معنى {بغيا} أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. {إن ربك يقضي بينهم} أي يحكم ويفصل. {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} في الدنيا.
وآتينا بني إسرائيل شرائع واضحات في الحلال والحرام، ودلالات تبين الحق من الباطل، فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، وقامت الحجة عليهم، وإنما حَمَلهم على ذلك بَغْيُ بعضهم على بعض؛ طلبًا للرفعة والرئاسة، إن ربك -أيها الرسول- يحكم بين المختلفين من بني إسرائيل يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا. وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم.
{ وَآتَيْنَاهُمْ } أي: آتينا بني إسرائيل { بَيِّنَاتٍ } أي: دلالات تبين الحق من الباطل { مِنَ الْأَمْرِ } القدري الذي أوصله الله إليهم.
وتلك الآيات هي المعجزات التي رأوها على يد موسى عليه السلام، فهذه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل تقتضي الحال أن يقوموا بها على أكمل الوجوه وأن يجتمعوا على الحق الذي بينه الله لهم، ولكن انعكس الأمر فعاملوها بعكس ما يجب.
وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع به ولهذا قال: { فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } أي: الموجب لعدم الاختلاف، وإنما حملهم على الاختلاف البغي من بعضهم على بعض والظلم.
{ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيميز المحق من المبطل والذي حمله على الاختلاف الهوى أو غيره.
( وآتيناهم بينات من الأمر ) يعني العلم بمبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وما بين لهم من أمره ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) .
(وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ) الواو حرف عطف وماض وفاعله ومفعوله الأول وبينات مفعوله الثاني (مِنَ الْأَمْرِ) متعلقان ببينات (فَمَا) الفاء حرف استئناف وما نافية (اخْتَلَفُوا) ماض وفاعله والجملة مستأنفة (إِلَّا) حرف حصر (مِنْ بَعْدِ) متعلقان بالفعل (ما) مصدرية (جاءَهُمُ) ماض ومفعوله (الْعِلْمُ) فاعل (بَغْياً) مفعول لأجله (بَيْنَهُمْ) ظرف مكان والمصدر المؤول من ما وما بعدها في محل جر بالإضافة (إِنَّ رَبَّكَ) إن واسمها والجملة الاسمية مستأنفة (يَقْضِي) مضارع فاعله مستتر والجملة الفعلية خبر إن (بَيْنَهُمْ) ظرف مكان (يَوْمَ) ظرف زمان (الْقِيامَةِ) مضاف إليه (فِيما) متعلقان بالفعل (كانُوا) كان واسمها (فِيهِ) متعلقان بما بعدهما والجملة صلة ما (يَخْتَلِفُونَ) مضارع مرفوع والواو فاعله والجملة خبر كانوا.
---
Traslation and Transliteration:
Waataynahum bayyinatin mina alamri fama ikhtalafoo illa min baAAdi ma jaahumu alAAilmu baghyan baynahum inna rabbaka yaqdee baynahum yawma alqiyamati feema kanoo feehi yakhtalifoona
And gave them plain commandments. And they differed not until after the knowledge came unto them, through rivalry among themselves. Lo! thy Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that wherein they used to differ.
Ve sonradan olacak işe ait de apaçık deliller gösterdik onlara; derken, o hususta kendilerine bir bilgi geldikten sonradır ki ancak aralarındaki hırs ve haset yüzünden ayrılığa düştüler; şüphe yok ki Rabbin, kıyamet gününde, ayrılığa düştükleri şeyler hakkında, aralarında hüküm verecek.
Et Nous leur avons apporté des preuves évidentes de l'Ordre. Ils ne divergèrent qu'après que la science leur fut venue par agressivité entre eux. Ton Seigneur décidera parmi eux, au Jour de la Résurrection, sur ce en quoi ils divergeaient.
Auch ließen WIR ihnen klare Zeichen von der Angelegenheit zuteil werden. So wurden sie nicht uneins außer, nachdem zu ihnen das Wissen gekommen ist - aus Übertretung untereinander. Gewiß, dein HERR richtet unter ihnen am Tag der Auferstehung über das, worüber sie uneins zu sein pflegten.