فالحاصل من هذا أنه من لم يغب عن عبوديته للّه في كل حال ، فقد أدى ما خلق له وكان طائعا وسواء كان مطيعا أو مخالفا ، فإن العبد الآبق لا يخرجه إباقه عن الرق ، وإنما يخرجه عن لوازم العبودية ، من الوقوف بين يدي سيده لامتثال أوامره ومراسمه ، ألا ترى اسم العبودية ينسحب عليه سواء كان مطيعا أو مخالفا .
( وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ) قال ابن جرير : يعني إلى وقت فناء آجالكم .
.
والظاهر أن هذه كقوله : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ) [ فصلت : 17 ] .
وهكذا قال هاهنا : ( وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ) ، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار
قوله تعالى {وفي ثمود} أي وفيهم أيضا عبرة وآية حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا {حتى حين} أي إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام كما في هود {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام}{هود : 65]. وقيل : معنى {تمتعوا} أي أسلموا وتمتعوا إلى وقت فراغ آجالكم. {فعتوا عن أمر ربهم} أي خالفوا أمر الله فعقروا الناقة {فأخذتهم الصاعقة} أي الموت. وقيل : هي كل عذاب مهلك. قال الحسين بن واقد : كل صاعقة في القرآن فهو العذاب. وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وابن محيصن ومجاهد والكسائي {الصعقة} يقال صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه. وصعقتهم السماء أي ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب وقد مضى في البقرةوغيرها. {وهم ينظرون} إليها نهارا. {فما استطاعوا من قيام} قيل : معناه من نهوض. وقيل : ما أطاقوا أن يستقلوا بعذاب الله وأن يتحملوه ويقوموا به ويدفعوه عن أنفسهم؛ تقول : لا أقوم لهذا الأمر أي لا أطيقه. وقال ابن عباس : أي ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب. {وما كانوا منتصرين}أي ممتنعين من العذاب حين أهلكوا، أي ما كان لهم ناصر.
أي { وَفِي ثَمُودَ } [آية عظيمة]، حين أرسل الله إليهم صالحًا عليه السلام، فكذبوه وعاندوه، وبعث الله له الناقة، آية مبصرة، فلم يزدهم ذلك إلا عتوًا ونفورًا.