لو نشاء جعلناه أجاجا ) أي : زعاقا مرا لا يصلح لشرب ولا زرع ، ( فلولا تشكرون ) أي : فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبا زلالا ! ( لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) [ النحل : 10 ، 11 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن جابر ، عن أبي جعفر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه إذا شرب الماء قال : " الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا " .
قوله تعالى {أفرأيتم الماء الذي تشربون} لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم، لأن الشراب إنما يكون تبعا للمطعوم، ولهذا جاء الطعام مقدما في الآية قبل، ألا ترى أنك تسقي ضيفك بعد أن تطعمه. الزمخشري : ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء : إذا سقيت ضيوف الناس محضا ** سقوا أضيافهم شبما زلالا وسقي بعض العرب فقال : أنا لا أشرب إلا على ثميلة. {أأنتم أنزلتموه من المزن أي السحاب، الواحدة مزنة، فقال الشاعر : فنحن كماء المزن ما في نصابنا ** كهام ولا فينا يعد بخيل وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن المزن السحاب. وعن ابن عباس أيضا والثوري : المزن السماء والسحاب. وفي الصحاح : أبو زيد : المزنة السحابة البيضاء والجمع مزن، والمزنة المطرة، قال : ألم تر أن الله أنزل مزنة ** وعفر الظباء في الكناس تقمع {أم نحن المنزلون} أي فإذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي؟ ولم تنكرون قدرتي على الإعادة؟. {لو نشاء جعلناه أجاجا} أي ملحا شديد الملوحة، قاله ابن عباس. الحسن : مرا قعاعا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما. {فلولا تشكرون} أي فهلا تشكرون الذي صنع ذلك بكم. قوله تعالى {أفرأيتم النار التي تورون} أي أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقدح من الشجر الرطب {أأنتم أنشأتم شجرتها} يعني التي تكون منها الزناد وهي المرخ والعفار، ومنه قولهم : في كل ش جر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي استكثر منها، كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما. ويقال : لأنهما يسرعان الوري. يقال : أوريت النار إذا قدحتها. وورى الزند يري إذا انقدح منه النار. وفيه لغة أخرى : ووري الزند يري بالكسر فيهما. {أم نحن المنشؤون} أي المخترعون الخالقون، أي فإذا عرفتم قدوتي فاشكروني ولا تنكروا قدرتي على البعث. {نحن جعلناها تذكرة} يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى، قال قتادة. ومجاهد : تبصرة للناس من الظلام. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم) فقالوا يا رسول الله : أن كانت لكافية، قال : (فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها). {ومتاعا للمقوين} قال الضحاك : أي منفعة للمسافرين، سموا بذلك لنزولهم القوى وهو القفر. الفراء : إنما يقال للمسافرين : مقوين إذا نزلوا القي وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها. وكذلك القوى والقواء بالمد والقصر، ومنزل قواء لا أنيس به، يقال : أقوت الدار وقويت أيضا أي خلت من سكانها، قال النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند ** أقوت وطال عليها سالف الأمد وقال عنترة : حييت من طلل تقادم عهده ** أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ويقال : أقوى أي قوي وقوي أصحابه، وأقوى إذا سافر أي نزل القواء والقي. وقال مجاهد {للمقوين} المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها. وقال ابن زيد : للجائعين في، إصلاح طعامهم. يقال : أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئا، وبات فلان القواء وبات القفر إذا بات جائعا على غير طعم، قال الشاعر : وإني لأختار القوى طاوي الحشى ** محافظة من أن يقال لئيم وقال الربيع والسدي {المقوين} المنزلين الذين لا زناد معهم، يعني نارا يوقدون فيختبزون بها؟ ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال قطرب : المقوي من الأضداد يكون بمعنى الفقير ويكون بمعنى الغني، يقال : أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله. المهدوي : والآية تصلح للجميع، لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير. وحكى الثعلبي أن أكثر المفسرين على القول الأول. القشيري : وخص المسافر بالانتفاع بها لأن انتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم، لأن أهل البادية لا بد لهم من النار يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع، وفي كثير من حوائجهم. {فسبح باسم ربك العظيم} أي فنزه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد، والعجز عن البعث.