ثم قال تعالى : ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ) أي : لا ينظر أحدا بعد حلول أجله ، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه ; ولهذا قال : ( والله خبير بما تعملون ) وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا أبو جناب الكلبي ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس قال : من كان له مال يبلغه حج بيت ربه ، أو تجب عليه فيه زكاة ، فلم يفعل ، سأل الرجعة عند الموت . فقال رجل : يا ابن عباس اتق الله ، فإنما يسأل الرجعة الكفار . فقال سأتلو عليك بذلك قرآنا : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ) قال : فما يوجب الزكاة ؟ قال : إذا بلغ المال مائتين فصاعدا . قال : فما يوجب الحج ؟ قال : الزاد والبعير .
ثم قال : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن يحيى بن أبي حية - وهو أبو جناب الكلبي - عن الضحاك ، عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه
ثم قال : وقد رواه سفيان بن عيينة ، وغيره ، عن أبي جناب ، عن ابن الضحاك ، عن ابن عباس من قوله . وهو أصح ، وضعف أبا جناب الكلبي .
قلت : رواية الضحاك ، عن ابن عباس فيها انقطاع ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا سليمان بن عطاء ، عن مسلمة الجهني ، عن عمه - يعني أبا مشجعة بن ربعي - عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، قال : ذكرنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزيادة في العمر فقال : " إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له ، فيلحقه دعاؤهم في قبره "
فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلا. وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها. الثانية: {فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحا. و""روى الترمذي عن الضحاك بن مزاحم"" عن ابن عباس قال : من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل : يا ابن عباس، اتق الله، إنما سأل الرجعة الكفار. فقال : سأتلو عليك بذلك قرانا {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} إلى قوله {..والله خبير بما تعملون} قال : فما يوجب الزكاة؟ قال : إذا بلغ المال مائتين فصاعدا. قال : فما يوجب الحج؟ قال : الزاد والراحلة. قلت : ذكره الحليمي أبو عبدالله الحسين بن الحسن في كتاب منهاج الدين مرفوعا فقال : وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من كان عنده مال يبلغه الحج...) الحديث؛ فذكره. وقد تقدم في آل عمران لفظه. الثالثة: قال ابن العربي : أخذ ابن عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصة دون النفل؛ فأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموما وتقديرا بالمائتين. وأما القول في الحج ففيه إشكال؛ لأنا إن قلنا : إن الحج على التراخي ففي المعصية في الموت قبل الحج خلاف بين العلماء؛ فلا تخرج الآية عليه. وإن قلنا : إن الحج على الفور فالآية في العموم صحيح؛ لأن من وجب عليه الحج فلم يؤده لقي من الله ما يود أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات. وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء. وليس لكلام ابن عباس فيه مدخل؛ لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ولا المختلف عليها، وإنما يدخل في المتفق عليه. والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق كيف تصرف بالإجماع أو بنص القرآن؛ لأجل أن ما عدا ذلك لا يتطرق إليه تحقيق الوعيد. الرابعة: قوله تعالى {لولا} أي هلا؛ فيكون استفهاما. وقيل {لا} صلة؛ فيكون الكلام بمعنى التمني. {فأصدق} نصب على جواب التمني بالفاء. {وأكون} عطف على {فأصدق} وهي قراءة ابن عمرو وابن محيصن ومجاهد. وقرأ الباقون {وأكن} بالجزم عطفا على موضع الفاء؛ لأن قوله {فأصدق} لو لم تكن الفاء لكان مجزوما؛ أي أصدق. ومثله {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم} [الأعراف : 186] فيمن جزم. قال ابن عباس : هذه الآية أشد على أهل التوحيد؛ لأنه لا يتمنى الرجوع في الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير في الآخرة. قلت : إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل، لما يرى من الكرامة. {والله خبير بما تعملون} من خير وشر. وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي بالياء؛ على الخبر عمن مات وقال هذه المقالة. تمت السورة بحمد الله وعونه.
{ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا } المحتوم لها { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من خير وشر، فيجازيكم على ما علمه منكم، من النيات والأعمال.
(وَلَنْ يُؤَخِّرَ) الواو حرف استئناف ومضارع منصوب بلن (اللَّهُ) لفظ الجلالة فاعل (نَفْساً) مفعول به والجملة استئنافية لا محل لها (إِذا جاءَ أَجَلُها) ظرف زمان وماض وفاعله والجملة في محل جر بالإضافة (وَاللَّهُ خَبِيرٌ) مبتدأ وخبره والجملة حال (بِما) متعلقان بخبير (تَعْمَلُونَ) مضارع وفاعله والجملة صلة.