العلم الذي هو حق اليقين هو الذي لا يتطرق إليه تهمة ، فحق اليقين هو حق استقراره في القلب ، أي لا يزلزله شيء عن مقره ، وحق استقراره هو حكمه الذي أوجبه على العلم وعلى العين ، فلا يتصرف العلم إلا فيما يجب له التصرف فيه ، ولا تنظر العين إلا فيما يجب لها النظر إليه وفيه ، فذلك هو حق اليقين .
قوله تعالى {الحاقة. ما الحاقة} يريد القيامة؛ سميت بذلك لأن الأمور تُحَقّ فيها؛ قاله الطبري. كأنه جعلها من باب [ليل نائم]. وقيل : سميت حاقة لأنها تكون من غير شك. وقيل : سميت بذلك لأنها أحقت لأقوام الجنة، وأحقت لأقوام النار. وقيل : سميت بذلك لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله. وقال الأزهري : يقال حاققته فحققته أحقه؛ أي غالبته فغلبته. فالقيامة حاقة لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل؛ أي كل مخاصم. وفي الصحاح : وحاقه أي خاصمه وادعى كل واحد منهما الحق؛ فإذا غلبه قيل حقه. ويقال للرجل إذا خاصم في صغار الأشياء : إنه لنزق الحقاق. ويقال : مال فيه حق ولا حقاق؛ أي خصومة. والتحاق التخاصم. والاحتقاق : الاختصام. والحاقة والحقة والحق ثلاث لغات بمعنى. وقال الكسائي والمؤرج : الحاقة يوم الحق. وتقول العرب : لما عرف الحقة مني هرب. والحاقة الأولى رفع بالابتداء، والخبر المبتدأ الثاني وخبره وهو {ما الحاقة} لأن معناها ما هي. واللفظ استفهام، معناه التعظيم والتفخيم لشأنها؛ كما تقول : زيد ما زيد على التعظيم لشأنه. {وما أدراك ما الحاقة} استفهام أيضا؛ أي أي شيء أعلمك ما ذلك اليوم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بالقيامة ولكن بالصفة فقيل تفخيما لشأنها : وما أدراك ما هي؛ كأنك لست تعلمها إذ لم تعاينها. وقال يحيى بن سلام : بلغني أن كل شيء في القرآن {وما أدراك} فقد أدراه إياه وعلمه. وكل شيء قال {وما يدريك} فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة : كل شيء قال فيه{وما أدراك} فأنه أخبر به، وكل شيء قال فيه {وما يدريك} فإنه لم يخبر به.
القيامة الواقعة حقًّا التي يتحقق فيها الوعد والوعيد، ما القيامة الواقعة حقًّا في صفتها وحالها؟ وأي شيء أدراك -أيها الرسول- وعَرَّفك حقيقة القيامة، وصَوَّر لك هولها وشدتها؟
{ الْحَاقَّةُ } من أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور، فعظم تعالى شأنها وفخمه، بما كرره من قوله: { الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ } فإن لها شأنا عظيما وهولا جسيما، [ومن عظمتها أن الله أهلك الأمم المكذبة بها بالعذاب العاجل]