العلم الذي هو حق اليقين هو الذي لا يتطرق إليه تهمة ، فحق اليقين هو حق استقراره في القلب ، أي لا يزلزله شيء عن مقره ، وحق استقراره هو حكمه الذي أوجبه على العلم وعلى العين ، فلا يتصرف العلم إلا فيما يجب له التصرف فيه ، ولا تنظر العين إلا فيما يجب لها النظر إليه وفيه ، فذلك هو حق اليقين .
قوله تعالى {وحملت الأرض والجبال} قراءة العامة بتخفيف الميم؛ أي رفعت من أماكنها. {فدكتا} أي فتتا وكسرتا. {دكة واحدة} لا يجوز في {دكة} إلا النصب لارتفاع الضمير في {دكتا}. وقال الفراء : لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة، والأرض كالجملة الواحدة. ومثله {أن السموات والأرض كانتا رتقا} [الأنبياء : 30] ولم يقل كن. وهذا الدك كالزلزلة؛ كما قال تعالى {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة : 1]. وقيل{دكتا} أي بسطتا بسطة واحدة؛ ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره. وقد مضى في سورة الأعراف القول فيه. وقرأ عبدالحميد عن ابن عامر {وحملت الأرض والجبال} بالتشديد على إسناد الفعل إلى المفعول الثاني. كانه في الأصل وحملت قدرتنا أو ملكا من ملائكتنا الأرض والجبال؛ ثم أسند الفعل إلى المفعول الثاني فبني له. ولو جيء بالمفعول الأول لأسند الفعل إليه؛ فكأنه قال : وحملت قدرتنا الأرض. وقد يجوز بناؤه للثاني على وجه القلب فيقال : حُمِّلَت الأرضُ الملَك؛ كقولك : أُلبِس زيدٌ الجبة، وأُلبِست الجبةُ زيداً.
فإذا نفخ المَلَك في "القرن" نفخة واحدة، وهي النفخة الأولى التي يكون عندها هلاك العالم، ورُفعت الأرض والجبال عن أماكنها فكُسِّرتا، ودُقَّتا دقة واحدة. ففي ذلك الحين قامت القيامة، وانصدعت السماء، فهي يومئذ ضعيفة مسترخية، لا تماسُك فيها ولا صلابة، والملائكة على جوانبها وأطرافها، ويحمل عرش ربك فوقهم يوم القيامة ثمانية من الملائكة العظام. في ذلك اليوم تُعرضون على الله- أيها الناس- للحساب والجزاء، لا يخفى عليه شيء من أسراركم.
{ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً } أي: فتتت الجبال واضمحلت وخلطت بالأرض ونسفت على الأرض فكان الجميع قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. هذا ما يصنع بالأرض وما عليها.
(وَحُمِلَتِ) ماض مبني للمجهول (الْأَرْضُ) نائب فاعل (وَالْجِبالُ) معطوف على الأرض والجملة معطوفة على ما قبلها (فَدُكَّتا) ماض مبني للمجهول والألف نائب فاعل (دَكَّةً) مفعول مطلق (واحِدَةً) صفة دكة والجملة معطوفة على ما قبلها.