العلم الذي هو حق اليقين هو الذي لا يتطرق إليه تهمة ، فحق اليقين هو حق استقراره في القلب ، أي لا يزلزله شيء عن مقره ، وحق استقراره هو حكمه الذي أوجبه على العلم وعلى العين ، فلا يتصرف العلم إلا فيما يجب له التصرف فيه ، ولا تنظر العين إلا فيما يجب لها النظر إليه وفيه ، فذلك هو حق اليقين .
وقوله : ( فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون ) أي : ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله ، لا حميم - وهو القريب - ولا شفيع يطاع ، ولا طعام له ها هنا إلا من غسلين .
قال قتادة : هو شر طعام أهل النار . وقال الربيع والضحاك : هو شجرة في جهنم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا منصور بن مزاحم ، حدثنا أبو سعيد المؤدب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : ما أدري ما الغسلين ، ولكني أظنه الزقوم .
وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الغسلين : الدم والماء يسيل من لحومهم . وقال علي بن أبي طلحة عنه : الغسلين : صديد أهل النار .
قوله تعالى {فليس له اليوم هاهنا حميم} خبر {ليس} قوله {له} ولا يكون الخبر قوله {هاهنا} لأن المعنى يصير : ليس هاهنا طعام إلا من غسلين، ولا يصح ذلك؛ لأن ثم طعاما غيره. و {هاهنا} متعلق بما في {له} من معنى الفعل. والحميم هاهنا القريب. أي ليس له قريب يرق له ويدفع عنه. وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار؛ كأنه الصديق الذي يرق ويحترق قلبه له. والغسلين فعلين من الغسل؛ فكأنه ينغسل من أبدانهم، وهو صديد أهل النار السائل من جروحهم وفروجهم؛ عن ابن عباس. وقال الضحاك والربيع بن أنس : هو شجر يأكله أهل النار. والغِسل بالكسر: ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. الأخفش : ومنه الغسلين، وهو ما انغسل من لحوم أهل النار ودمائهم. وزيد فيه الياء والنون كما زيد في عفرين. وقال قتادة : هو شر الطعام وأبشعه. ابن زيد : لا يعلم ما هو ولا الزقوم. وقال في موضع آخر {ليس لهم طعام إلا من ضريع} [الغاشية : 6] يجوز أن يكون الضريع من الغسلين. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى فليس له اليوم هاهنا حميم إلا من غسلين. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى فليس له اليوم هاهنا حميم إلا من غسلين؛ ويكون الماء الحار. {ولا طعام} أي وليس لهم طعام ينتفعون به. {لا يأكله إلا الخاطئون} أي المذنبون. وقال ابن عباس : يعني المشركين. وقرئ {الخاطيون} بإبدال الهمزة ياء، و{الخاطون} بطرحها. وعن ابن عباس : ما الخاطون كلنا نخطو. وروى أبو الأسود الدؤلي : ما الخاطون؟ إنما هو الخاطئون. ما الصابون إنما هو الصابئون. ويجوز أن يراد الذي يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله عز وجل.