لو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له ، من عدم مبالاة الحق بأهل الشقاء ما وقع الأخذ بالجرائم ، ولا وصف اللّه نفسه بالغضب ، ولا كان البطش الشديد ، فهذا كله من المبالاة والتهمم بالمأخوذ ، إذ لو لم يكن له قدر ما عذب ولا استعد له ،
وقد قيل في أهل الشقاء (أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) فلو لا المبالاة ما ظهر هذا الحكم .
(77) سورة المرسلات مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
جاء في نزول سورة المرسلات وغيرها أنها نزلت مرتين .
قال الله تعالى : ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ) وهذا من باب التجانس البليغ ، ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ) أي : آمنهم مما خافوا منه ، ( ولقاهم نضرة ) أي : في وجوههم ، ( وسرورا ) أي : في قلوبهم . قاله الحسن البصري وقتادة وأبو العالية والربيع بن أنس . وهذه كقوله تعالى : ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ) [ عبس : 38 ، 39 ] . وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه ، قال كعب بن مالك في حديثه الطويل : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وقالت عائشة : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا تبرق أسارير وجهه . الحديث .
قوله تعالى {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} {عبوسا} من صفة اليوم، أي يوما تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى نخاف يوما ذا عبوس. وقال ابن عباس يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرق كالقطران. وعن ابن عباس : العبوس : الضيق، والقمطرير : الطويل؛ قال الشاعر : شديدا عبوسا قمطريرا وقيل : القمطرير الشديد؛ تقول العرب : يوم قمطرير وقماطر وعصيب بمعنى؛ وأنشد الفراء : بني عمنا هل تذكرون بلاءنا ** عليكم إذا ما كان يوم قماطر بضم القاف. وقمطر إذا اشتد. وقال الأخفش : القمطرير : أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء؛ قال الشاعر : ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها ** ولج بها اليوم العبوس القماطر وقال الكسائي : يقال اقمطر اليوم وازمهر اقمطرارا وازمهرارا، وهو القمطرير والزمهرير، ويوم مقمطر إذا كان صعبا شديدا؛ قال الهذلي : بنو الحرب أرضعنا لهم مقمطرة ** ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب وقال مجاهد : إن العبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين؛ فجعلها من صفات الوجه المتغير من شدائد ذلك اليوم؛ وأنشد ابن الأعرابي : يغدو على الصيد يعود منكسر ** ويقمطر ساعة ويكفهر وقال أبو عبيدة : يقال رجل قمطرير أي متقبض ما بين العينين. وقال الزجاج : يقال أقمطرت الناقة : إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها، وزمت بأنفها؛ فاشتقه من القطر، وجعل الميم مزيدة. قال أسد بن ناعصة : واصطليت الحروب في كل يوم ** باسل الشطر قمطرير الصباح قوله تعالى {فوقاهم الله} أي دفع عنهم {شر ذلك اليوم} أي بأسه وشدته وعذابه {ولقاهم} أي أتاهم وأعطاهم حين لقوه أي رأوه {نضرة} أي حسنا {وسرورا} أي حبورا. قال الحسن ومجاهد {نضرة} في وجوههم {وسرورا} في قلوبهم. وفي النضرة ثلاثة أوجه : أحدها أنها البياض والنقاء؛ قال الضحاك. الثاني الحسن والبهاء؛ قال ابن جبير. الثالث أنها أثر النعمة؛ قال ابن زيد.
فوقاهم الله من شدائد ذلك اليوم، وأعطاهم حسنًا ونورًا في وجوههم، وبهجة وفرحًا في قلوبهم، وأثابهم بصبرهم في الدنيا على الطاعة جنة عظيمة يأكلون منها ما شاؤوا، ويَلْبَسون فيها الحرير الناعم، متكئين فيها على الأسرَّة المزينة بفاخر الثياب والستور، لا يرون فيها حر شمس ولا شدة برد، وقريبة منهم أشجار الجنة مظللة عليهم، وسُهِّل لهم أَخْذُ ثمارها تسهيلا.
(فَوَقاهُمُ اللَّهُ) الفاء حرف استئناف وماض ومفعوله الأول ولفظ الجلالة فاعل و(شَرَّ ذلِكَ) مفعول به ثان مضاف إلى اسم الإشارة و(الْيَوْمِ) بدل من اسم الإشارة والجملة مستأنفة (وَلَقَّاهُمْ) معطوف على فوقاهم (نَضْرَةً) مفعول به ثان و(سُرُوراً) معطوف على نضرة.