يوم الفصل والقضاء تأتي الملائكة بين يدي عرش الفصل والقضاء ، ملائكة السماوات ، ملائكة كل سماء على حدة متميزة عن غيرها ، فيكونون سبعة صفوف ، أهل كل سماء صف ، والروح قائم مقدم الجماعة ، وهو الملك الذي نزل بالشرائع على الرسل ، فيوم يقوم الروح وهو الإمام ، والملائكة صفا صفا فالإمام صف وحده
- الفرق بين الملك والروح-
كل روح مما هو تحت العقل الأول صاحب الكلمة فهو ملك ، وما فوقه فهو روح لا ملك ، فالملائكة ما بين مسخر ومدبر ، وكلهم رسل اللّه عن أمر اللّه حفظة ، وهم على مراتب ، ولهم معارج ونزول وصعود دنيا وآخرة ، فمنهم المسخرون في الدعاء والاستغفار للمؤمنين ، وآخرون في الاستغفار لمن في الأرض ، ومنهم المسخرون في مصالح
العالم المتعلقة بالدنيا ، ومنهم المسخرون في مصالح العالم المتعلقة بالآخرة ، وهذا القدر من العمل الذي هم عليه هو عبادتهم وصلاتهم ، وأما تسبيحهم فذكر اللّه في هذه الصلوات التي لهم ، كالقراءة والذكر لنا في صلاتنا ، ولا يزال الأمر كذلك إلى الوقت الذي يشاء اللّه أن تعم الرحمة جميع خلقه التي وسعت كل شيء ، فإذا عمتهم الرحمة لم يبق لبعض الملائكة الذي كان لهم الاستغفار من عبادتهم إلا التسبيح خاصة ، وبقيت الملائكة الذين لهم تعلق بأحوالنا في الجنان وحيث كان من كان من الدارين فذلك منهم لا ينقطع ، وزال عن أولئك اسم الملائكة وبقوا أرواحا لا شغل لهم إلا التسبيح والتمجيد للّه تعالى كسائر الأرواح المهيمة ، ف «لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً» اعلم أن خير الشفاعة والكلام ما أذن فيهما الرحمن .
قوله تعالى {عم} لفظ استفهام؛ ولذلك سقطت منها ألف {ما}، ليتميز الخبر عن الاستفهام. وكذلك فيم، ومم إذا استفهمت. والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا. وقال الزجاج : أصل {عم} عن ما فأدغمت النون في الميم، لأنها تشاركها في الغنة. والضمير في {يتساءلون} لقريش. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت {عم يتساءلون}؟ وقيل {عم} بمعنى : فيم يتشدد المشركون ويختصمون. قوله تعالى {عن النبأ العظيم} أي يتساءلون {عن النبأ العظيم} فعن ليس تتعلق بـ {يتساءلون} الذي في التلاوة؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون {عن النبأ العظيم} كقولك : كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقه بـ{يتساءلون} الذي في التلاوة، وإنما يتعلق بيتساءلون آخر مضمر. وحسن ذلك لتقدم يتساءلون؛ قال المهدوي. وذكر بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله {عن} مكرر إلا أنه مضمر، كأنه قال عم يتساءلون أعن النبأ العظيم؟ فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى. و {النبأ العظيم} أي الخبر الكبير. قوله تعالى {الذي هم فيه مختلفون} أي يخالف فيه بعضهم بعضا، فيصدق واحد ويكذب آخر؛ فروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هو القرآن؛ دليله قوله {قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون} فالقرآن نبأ وخبر وقصص، وهو نبأ عظيم الشأن. وروى سعيد عن قتادة قال : هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين : مصدق ومكذب. وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وروي الضحاك عن ابن عباس قال : وذلك أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة، فأخبره الله جل ثناؤه باختلافهم، ثم هددهم فقال {كلا سيعلمون} أي سيعلمون عاقبة القرآن، أو سيعلمون البعث : أحق هو أم باطل. و {كلا} رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن، فيوقف عليها. ويجوز أن يكون بمعنى حقا أو {ألا} فيبدأ بها. والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث؛ قال بعض علمائنا : والذي يدل عليه قوله عز وجل {إن يوم الفصل كان ميقاتا} [النبأ : 17] يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث. {ثم كلا سيعلمون} أي حقا ليعلمن صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت. وقال الضحاك {كلا سيعلمون} يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم. {ثم كلا سيعلمون} يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم. وقيل : بالعكس أيضا. وقال الحسن : هو وعيد بعد وعيد. وقراءة العامة فيهما بالياء على الخبر؛ لقوله تعالى{يتساءلون} وقوله{هم فيه مختلفون}. وقرأ الحسن وأبو العالية ومالك بن دينار بالتاء فيهما.
( عم ) أصله : " عن ما " فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف " ما " [ كقوله ] " فيم " و " بم " ؟ ( يتساءلون ) أي : عن أي شيء يتساءلون ، هؤلاء المشركون ؟ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت ، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون : ماذا جاء به محمد ؟ قال الزجاج : اللفظ لفظ استفهام ومعناه التفخيم ، كما تقول : أي شيء زيد ؟ إذا عظمت [ أمره ] وشأنه .
(عَمَّ) مؤلفة من (عن) حرف جر و(ما) استفهامية في محل جر بحرف الجر والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما و(يَتَساءَلُونَ) مضارع مرفوع والواو فاعله والجملة ابتدائية لا محل لها