كل خبر يؤثر وروده في بشرة الإنسان الظاهرة فهو خبر بشرى ، فالبشرى لا تختص بالسعداء في الظاهر وإن كانت مختصة بالخير ، والكلام على هذه البشرى لغة وعرفا ، فأما البشرى من طريق العرف فالمفهوم منها الخير ولا بد ، ولما كان هذا الشقي ينتظر البشرى
في زعمه ، لكونه يتخيل أنه على الحق قيل : بشره ؛ لانتظاره البشرى ، ولكن كانت البشرى له بعذاب أليم ، وأما من طريق اللغة فهو أن يقال له ما يؤثر في بشرته ، فإنه إذا قيل له خير أثر في بشرته بسط وجه وضحكا وفرحا واهتزازا وطربا ،
وإذا قيل له شر أثر في بشرته قبضا وبكاء وحزنا وكمدا واغبرارا وتعبيسا ، فلهذا كانت البشرى تنطلق على الخير والشر لغة ، وأما في العرف فلا ، ومن عينته الرسل بالبشرى أنه شقي فقد تميز بالشقاء .
قوله تعالى {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا} المراد بالإنسان الجنس أي يا ابن آدم. وكذا روى سعيد عن قتادة : يا ابن آدم، إن كدحك لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله. وقيل : هو معين، قال مقاتل : يعني الأسود بن عبدالأسد. ويقال : يعني أبي بن خلف. ويقال : يعني جميع الكفار، أيها الكافر إنك كادح. والكدح في كلام العرب : العمل والكسب؛ قال ابن مقبل : وما الدهر إلا تارتان فمنهما ** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقال آخر : ومضت بشاشة كل عيش صالح ** وبقيت أكدح للحياة وأنصب أي أعمل. وروى الضحاك عن ابن عباس {إنك كادح} أي راجع {إلى ربك كدحا} أي رجوعا لا محالة {فملاقيه} أي ملاق ربك. وقيل : ملاق عملك. القتبي {إنك كادح} أي عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك. والملاقاة بمعنى اللقاء أن تلقى ربك بعملك. وقيل أي تلاقي كتاب عملك؛ لأن العمل قد انقضى ولهذا قال {فأما من أوتي كتابه بيمينه} وهو المؤمن {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} لا مناقشة فيه. كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حوسب يوم القيامة عذب) قالت : فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} فقال {ليس ذاك الحساب؛ إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب)""أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وقال حديث حسن صحيح"" {وينقلب إلى أهله مسرورا} أزواجه في الجنة من الحور العين {مسرورا} أي مغتبطا قرير العين. ويقال إنها نزلت في أبي سلمة بن عبدالأسد، هو أول من هاجر من مكة إلى المدينة. وقيل : إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا، ليخبرهم بخلاصه وسلامته. والأول قول قتادة. أي إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة.