أي إنما أنت مبلغ عن اللّه لا غير ، كما قال له (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وقوله (وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) وقوله «إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ» والمذكر لا يكون إلا لمن كان على حالة منسية ، ولو لم يكن كذلك لكان معلما لا مذكرا ، فدل أنه لا يذكرهم إلا بحال إقرارهم بربوبيته تعالى عليهم حين قبض الذرية من ظهر آدم في الميثاق الأول .
ولهذا قال : ( لست عليهم بمسيطر ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغيرهما : لست عليهم بجبار .
وقال ابن زيد : لست بالذي تكرههم على الإيمان .
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله - عز وجل - " . ثم قرأ : ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )
وهكذا رواه مسلم في كتاب " الإيمان " ، والترمذي والنسائي في كتابي التفسير " من سننيهما ، من حديث سفيان بن سعيد الثوري ، به بهذه الزيادة وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من رواية أبي هريرة ، بدون ذكر هذه الآية .
قوله تعالى {فذكر} أي فعظهم يا محمد وخوفهم. {إنما أنت مذكر} أي واعظ. {لست عليهم بمصيطر} أي بمسلط عليهم فتقتلهم. ثم نسختها آية السيف. وقرأ هارون الأعور {بمسيطَر} بفتح الطاء، و{المسيطَرون}[الطور : 37]. وهي لغة تميم. وفي الصحاح المسيطر والمصيطر : المسلِّط على الشيء، ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر، لأن من معنى السطر ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر؛ يقال : سيطرت علينا، وقال تعالى {لست عليهم بمسيطر}. وسطره أي صرعه. {إلا من تولى وكفر} استثناء منقطع، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. {فيعذبه الله العذاب الأكبر} وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال {الأكبر} لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود {إلا من تولى وكفر فإنه يعذبه اللّه}. وقيل : هو استثناء متصل. والمعنى : لست بمسلط إلا على من تولى وكفر، فأنت مسلط عليه بالجهاد، واللّه يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. وروي أن عليا أتى برجل ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ {إلا من تولى وكفر}. وقرأ ابن عباس وقتادة {ألا} على الاستفتاح والتنبيه، كقول امرئ القيس : ألا رب يوم لك منهن صالح و {من} على هذا : للشرط. والجواب {فيعذبه اللّه} والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير : فهو يعذبه اللّه، لأنه لو ارتد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان : إلا من تولى وكفر يعذبه اللّه. {إن إلينا إيابهم} أي رجوعهم بعد الموت. يقال : آب يؤوب؛ أي رجع. قال عبيد : وكل ذي غيبة يؤوب ** وغائب الموت لا يؤوب وقرأ أبو جعفر {إيابهم} بالتشديد. قال أبو حاتم : لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل : هما لغتان بمعنى. الزمخشري : وقرأ أبو جعفر المدني {إيابهم} بالتشديد؛ ووجهه أن يكون فيعالا : مصدر أيب، قيل من الإياب. أو أن يكون أصله إوابا فعالا من أوب، ثم قيل : إيوابا كديوان في دوان. ثم فعل ما فعل بأصل سيد ونحوه.
ولم تبعث مسيطرًا عليهم، مسلطًا موكلًا بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم، كقوله تعالى: { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } .