الإنسان يوم القيامة الكبرى ، وهي قيامة البعث والحشر الأعظم ، الذي يجمع الناس فيه ما بين مسؤول ومحاسب ومناقش في حسابه وغير مناقش ، وهو الحساب اليسير ، وهو عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة ، والمناقشة السؤال عن العلل في الأعمال ، فالسؤال عام في الجميع حتى الرسل ،
والسؤال على نوعين: سؤال على تقرير النعم على طريق مباسطة الحق للمسئول ، فهو ملتذ بالسؤال ، وسؤال على طريق التوبيخ أيضا لتقرير النعم فهو في شدة .
قال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه وقد أكلوا تمرا وماء عن جوع
[ إنكم لتسألون عن نعيم هذا اليوم ]
وهذا السؤال موجه للإنذار والبشارة في قوم مخصوصين ، وهم أهل ذلك المجلس ، وهو تنبيه بما هو عليه الأمر في حق الجميع للتقليل من الحلال ، إما للنشاط في الطاعات ، وإما لخفة الحساب.
قوله تعالى {كلا} قال الفراء : أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر والتمام على هذا {كلا سوف تعلمون} أي سوف تعلمون عاقبة هذا {ثم كلا سوف تعلمون} : وعيد بعد وعيد؛ قاله مجاهد. ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ؛ وهو قول الفراء. وقال ابن عباس {كلا سوف تعلمون} ما ينزل بكم من العذاب في القبر. {ثم كلا سوف تعلمون} : وعيد بعد الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر، والثاني في الآخرة؛ فالتكرار للحالتين. وقيل {كلا سوف تعلمون} عند المعاينة، أن ما دعوتكم إليه حق. {ثم كلا سوف تعلمون} : عند البعث أن ما وعدتكم به صدق. وروى زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه، قاله : كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة، فأشار إلى أن قوله {كلا سوف تعلمون} يعني في القبور. وقيل {كلا سوف تعلمون}؛ إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل لتنزع أرواحكم. {ثم كلا سوف تعلمون }: إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال، وانقطع منكم الجواب. قلت : فتضمنت السورة القول في عذاب القبر. وقد ذكرنا في كتاب التذكرة أن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم؛ حسبما أخبر به الصادق، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره، برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره، من كرامة وهوان. وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة. وقد ذكرناه هناك مستوفى، والحمد لله، وقيل {كلا سوف تعلمون} عند النشور أنكم مبعوثون {ثم كلا سوف تعلمون} في القيامة أنكم معذبون. وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث وحشر، وسؤال وعرض، إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها؛ حسب ما ذكرناه في كتاب التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة . وقال الضحاك {كلا سوف تعلمون} يعني الكفار، {ثم كلا سوف تعلمون} : قال المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها، الأولى بالتاء والثانية بالياء.
{ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } أي: لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة.