(1) إشارة لأبي عبد اللّه المصنف : أتى بلفظ «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ» فكان ظهوره بالهوية فيها ولم يقل «وهو الذي في الأرض إله» فناب عنه الخليفة فيها ، ولو أتى بالهوية ما عبد غير اللّه في الأرض كما لم يعبد في السماء إلا هو .
وهذه شهادة من اللّه في حق المشركين ، فهو تنبيه عجيب ، فما ذكروا قط إلا الألوهية ، وما ذكروا الأشخاص ، ولكن لم يقبل اللّه منهم العذر بل قال «فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ» .
ثم قال : ( الذي جعل لكم الأرض مهدا ) أي : فراشا قرارا ثابتة ، يسيرون عليها ويقومون وينامون وينصرفون ، مع أنها مخلوقة على تيار الماء ، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا ، ( وجعل لكم فيها سبلا ) أي : طرقا بين الجبال والأودية ( لعلكم تهتدون ) أي : في سيركم من بلد إلى بلد ، وقطر إلى قطر ، وإقليم إلى إقليم .
قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهادا} وصف نفسه سبحانه بكمال القدرة. وهذا ابتداء إخبار منه عن نفسه، ولو كان هذا إخبارا عن قول الكفار لقال الذي جعل لنا الأرض {مهادا} فراشا وبساطا. وقد تقدم. وقرأ الكوفيون {مهدا} {وجعل لكم فيها سبلا}أي معايش. وقيل طرقا، لتسلكوا منها إلى حيث أردتم. قوله تعالى: {لعلكم تهتدون} فتستدلون بمقدوراته على قدرته. وقيل: {لعلكم تهتدون} في أسفاركم؛ قال ابن عيسى. وقيل : لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل : تهتدون إلى معايشكم.
ثم ذكر أيضا من الأدلة الدالة على كمال نعمته واقتداره، بما خلقه لعباده من الأرض التي مهدها وجعلها قرارا للعباد، يتمكنون فيها من كل ما يريدون.
{ وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } أي: جعل منافذ بين سلاسل الجبال المتصلة، تنفذون منها إلى ما وراءها من الأقطار. { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } في السير في الطرق ولا تضيعون، ولعلكم تهتدون أيضا في الاعتبار بذلك والادكار فيه.