قال عليّ رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ؛ فمن رجع إلى اللّه هذا الرجوع سعد ، وما أحسّ بالرجوع المحتوم الاضطراري ، فإنه ما جاءه إلا وهو هناك عند اللّه ، فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه ، أن نفسه التي هي عند اللّه يحال بينها وبين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره ، فتبقى مع الحق على حالها ، وينقلب هذا الجسد إلى أصله وهو التراب الذي منه نشأت ذاته ، فكأن دارا رحل عنها ساكنها ، فأنزله الملك في مقعد صدق عنده إلى يوم يبعثون ، ويكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال ، من كونه مع الحق لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس ، وهكذا في الحشر العام وفي الجنان التي هي مقره ومسكنه .
وقوله : ( وأن لا تعلوا على الله ) أي : لا تستكبروا عن اتباع آياته ، والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه ، كقوله : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] .
( إني آتيكم بسلطان [ مبين ] ) أي : بحجة ظاهرة واضحة ، وهي ما أرسله الله به من الآيات البينات والأدلة القاطعة .
قوله تعالى: {أن أدوا إلي عباد الله} قال ابن عباس : المعنى جاءهم فقال : اتبعوني. فـ {عباد الله} منادى. وقال مجاهد : المعنى أرسلوا معي عباد الله وأطلقوهم من العذاب. فـ {عباد الله} على هذا مفعول. وقيل : المعنى أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي. {إني لكم رسول أمين} أي أمين على الوحي فأقبلوا نصحي. وقيل : أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. {وأن لا تعلوا على الله} أي لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته. وقال قتادة : لا تبغوا على الله. ابن عباس : لا تفتروا على الله. والفرق بين البغي والافتراء : أن البغي بالفعل والافتراء بالقول. وقال ابن جريج : لا تعظموا على الله. يحيى بن سلام : لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق بين التعظيم والاستكبار : أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحقر؛ ذكره الماوردي {إني آتيكم بسلطان مبين} قال قتادة : بعذر بين. وقال يحيى بن سلام بحجة بينة. والمعنى واحد؛ أي برهان بين.
وألا تتكبروا على الله بتكذيب رسله، إني آتيكم ببرهان واضح على صدق رسالتي، إني استجرت بالله ربي وربكم أن تقتلوني رجمًا بالحجارة، وإن لم تصدقوني على ما جئتكم به فخلُّوا سبيلي، وكفُّوا عن أذاي.
{ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ } بالاستكبار عن عبادته والعلو على عباد الله، { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: بحجة بينة ظاهرة وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلة القاهرات، فكذبوه وهموا بقتله فلجأ بالله من شرهم فقال: { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ }