قال عليّ رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ؛ فمن رجع إلى اللّه هذا الرجوع سعد ، وما أحسّ بالرجوع المحتوم الاضطراري ، فإنه ما جاءه إلا وهو هناك عند اللّه ، فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه ، أن نفسه التي هي عند اللّه يحال بينها وبين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره ، فتبقى مع الحق على حالها ، وينقلب هذا الجسد إلى أصله وهو التراب الذي منه نشأت ذاته ، فكأن دارا رحل عنها ساكنها ، فأنزله الملك في مقعد صدق عنده إلى يوم يبعثون ، ويكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال ، من كونه مع الحق لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس ، وهكذا في الحشر العام وفي الجنان التي هي مقره ومسكنه .
وقوله : ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) قال مجاهد : ( اخترناهم على علم على العالمين ) على من هم بين ظهريه . وقال قتادة : اختيروا على أهل زمانهم ذلك . وكان يقال : إن لكل زمان عالما . وهذه كقوله تعالى : ( قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس ) [ الأعراف : 144 ] أي : أهل زمانه ، وكقوله لمريم : ( واصطفاك على نساء العالمين ) [ آل عمران : 42 ] أي : في زمانها ; فإن خديجة أفضل منها ، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، أو مساوية لها في الفضل ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .
قوله تعالى: {ولقد اخترناهم} يعني بني إسرائيل. {على علم} أي على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم. {على العالمين} أي عالمي زمانهم، بدليل قوله لهذه الأمة {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران : 110]. وهذا قول قتادة وغيره. وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم؛ حكاه ابن عيسى والزمخشري وغيرهما. ويكون قوله: {كنتم خير أمة} أي بعد بني إسرائيل. والله أعلم. وقيل : يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون.
{ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ } أي: اصطفيناهم وانتقيناهم { عَلَى عِلْمٍ } منا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل { عَلَى الْعَالَمِينَ } أي: عالمي زمانهم ومن قبلهم وبعدهم حتى أتى الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ففضلوا العالمين كلهم وجعلهم الله خير أمة أخرجت للناس وامتن عليهم بما لم يمتن به على غيرهم.