«فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ» يعني من القرآن ، فيما وعظهم به منهم وتوعدهم ووعدهم «تَعْجَبُونَ» تكثرون العجب ، كيف جاء به مثل هذا ؟ وما أنزل على عظمائكم كما قالوا : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) .
[سورة النجم (53) : آية 60]
وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60)
«وَتَضْحَكُونَ» أي تهزءون منه إذا أتى به ، لأنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال «وَلا تَبْكُونَ» فإن في القرآن ما يبكي من الوعيد ، وما يضحك ويتعجب فيه من الفرح باتساع رحمة اللّه ولطفه بعباده ، وفي القرآن من الوعيد والمخاوف ما يبكي بدل الدموع دما لمن دبر آياته.
ثم قال : ( أم للإنسان ما تمنى ) أي : ليس كل من تمنى خيرا حصل له ، ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) [ النساء : 123 ] ، ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال ، ولا كل من ود شيئا يحصل له .
قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى ، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته " . تفرد به أحمد .
قوله تعالى {إن هي إلا أسماء سميتموها} أي ما هي يعني هذه الأوثان {إلا أسماء سميتموها} يعني نحتموها وسميتموها آلهة. {أنتم وآباؤكم} أي قلدتموهم في ذلك. {ما أنزل الله بها من سلطان} أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان. {إن يتبعون إلا الظن}عاد من الخطاب إلى الخبر أي ما يتبع هؤلاء إلى الظن. {وما تهوى الأنفس} أي تميل إليه. وقراءة العامة {يتبعون} بالياء. وقرأ عيسى بن عمو وأيوب وابن السميقع {تتبعون}بالتاء على الخطاب. وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس. {ولقد جاءهم من ربهم الهدى}أي البيان من جهة الرسول أنها ليست، بآلهة. {أم للإنسان ما تمنى} أي اشتهى أي ليس ذلك له. وقيل {للإنسان ما تمنى} من البنين؛ أي يكون له دون البنات. وقيل {أم للإنسان ما تمنى} من غير جزاء ليس الأمر كذلك. وقيل {أم للإنسان ما تمنى} من النبوة أن تكون فيه دون غيره. وقيل {أم للإنسان ما تمنى} من شفاعة الأصنام؛ نزلت في النضر بن الحرث. وقيل : في الوليد بن المغيرة. وقيل : في سائر الكفار. {فلله الآخرة والأولى} يعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا ما تمنى أحد. قوله تعالى {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} هذا توبيخ من الله تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقربه إلى الله تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له. قال الأخفش : الملك واحد ومعناه جمع؛ وهو كقوله تعالى {فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة : 47]. وقيل : إنما ذكر ملكا واحدا، لأن كم تدل على الجمع.